← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قد حصل من القرائن ما يضعف إرادته منه. ويعضد إرادة ظاهر الإمساك منه، وهي من وجوه: أحدها: أنه فوض الإمساك والفراق إلى الزوج، ولو كان المراد منهما الإنكاح وعدمه لما كان كذلك، إذ الإنكاح متوقف على رضا الزوجة والفراق بحاصل بنفس الإسلام عندهم. وثانيها: أنا نعلم أن السائل والحاضرين من الصحابة لم يفهموا منه إلا ظاهره، وهو الاستدامة] و [لو كان المراد منه الابتداء لما أخلاه عن القرينة إذ هو وقت الحاجة والإحالة إلى القياس غير جائز إذ السائل ليس أهلا لذلك، لحداثة عهده بالإسلام. وثالثها: أنه لو كان المراد منه ابتداء النكاح لذكر له شرائط النكاح وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والاعتماد على معرفته بالبيان السابق غير جائز لما سبق. ورابعها: أن الظاهر من حال السائل امتثال / (٣١٤/أ) أمر النبي ﷺ بالإمساك. ولم ينقل أحد من الرواة أنه جدد النكاح، ولو كان ذلك لنقل، ولا يعارض بأنه لم ينقل استدامة النكاح ولا الفراق، ولو كان ذلك لنقل، لأن ذلك على وفق الاستصحاب وليس على خلافه، بخلاف تجديد النكاح فإنه خلاف الاستصحاب وخلاف ظاهر الإمساك المأمور به، فكانت الدواعي

стр. 1822

تتوفر على نقله. وخامسها: انه إنما سأل عن الإمساك والفراق بمعنى استدامة النكاح وانقطاعه، لا بمعنى تجديد النكاح وعدمه، فلو حمل الإمساك في الجواب على ما ذكروه لزم أن يكون الجواب غير مطابق للسؤال وهو خلاف الأصل. وسادسها: أن قوله: "أمسك" و"فارق" أمر هو يقتضي الوجوب أو الندب، أو القدر المشترك بينهما ظاهرا، والتزوج من العشر، أو من الأختين ليس بواجب ولا ندب والمفارقة بمعنى عدم الإنكاح ليس بفعل حتى يكون مأمورا بها فلا يكون كل واحد منهما مأمورا به. ولقائل أن يقول: هذا معارض بمثله فإن الإمساك بمعنى الاستدامة والاستصحاب ليس بواجب ولا ندب أيضا. ولا يدفع هذا بمنع عدم وجوبه وندبيته بناء على أن أصل النكاح قد يكون واجبا وقد يكون نديا، فاستدامته في تلك الحال بعينها أوجب وأندب لما فيه من استجلاب القلوب وتأليفها للإسلام وعدم التنفير عنه وكف الإيذاء، لأنه لا يلزم من وجوب أصل النكاح أو ندبيته في حالة وجوب الاستدامة أو ندبيتها في تلك الحالة، لاحتمال أن يسرحها ويتزوج بأخرى، والواجب ليس إلا للامتناع عن الوقوع في الزنا وهو يحصل بأخرى، ولأن وجوب الاستدامة أو ندبيتها يقتضي وجوب استدامة نكاح امرأة بعينها وهي غير واجبة بحال. وسابعها: أن الزوج ربما أراد أن لا ينكحهن بسبب ما نحو ميله عنهن، فكيف خص فيهن التزويج، بل كان ينبغي أن يقول ﵇ أنكح أربعاً

стр. 1823

ممن شئت من نساء العالم. وأما التأويل الثاني: فهو أيضا ضعيف. أما أولا: فلأن قوله لزوج الأختين: "امسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" ينفي ذلك بصراحته. واما ثانيا: فلما روى أنه قال لواحد وقد أسلم على خمس نسوة: "اختر أربعا منهن وفارق واحدة منهن" قال الزوج: (فعمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها) لو كان المراد منه الأول لما فعل الزوج ما فعل ولما قدم عليه، إذ الظاهر بلوغ هذا الخبر إلى الرسول والصحابة. وأما الثالث: فهو أيضا ضعيف، لأن الظاهر "أن" حصر / (٣١٤/ب) عدد النساء وتحريم الجمع بين الأختين كان ثابتا أيضا في ابتداء الإسلام، وإلا

стр. 1824

لما أطبق الجميع على عدم الزيادة على الأربع، وعلى عدم الجمع بين الأختين عادة لا سيما أنهم هم الناكحون، ويدل على الإطباق أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه فعل ذلك، وبتقدير أن لم ينقل ذلك لوجب أن ينقل مفارقته عند نزول الحصر، كما نقل التحول إلى الكعبة في الصلاة عند نزوله آية التوجه إليها، وكما نقل كسر جرار الخمر عند تحريمها،

стр. 1825

وغيرهما من الأحكام، فإن الظاهر استمرار النكاح إلى وقت نزول آية الحصر. وقوله تعالى:﴾ وأن تجعلوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴿لا يدل على جوازه في ابتداء الإسلام، لاحتمال أن يكون المراد منه قبل الإسلام زمان الجاهلية، ثم هذا الاحتمال مؤكد بما روى عن أئمة التفسير أنهم قالوا: أن المراد من قوله تعالى:﴾ إلا ما قد سلف ﴿زمان الجاهلية قبل بعثه ﵇. فإن قلت: فقوله تعالى في آخر الآية:﴾ إن الله كان غفورا رحيما ﴿يدل على أنه كان في صدر الإسلام جائز وإلا فذكر المغفرة عقيب فعل

стр. 1826

المعصية إغراء بالمعصية. قلت: لا نسلم أنه يدل عليه وذكر المغفرة عقيب فعل المعصية إنما يكون إغراء بالمعصية أن لو كان مطلقا، فأما إذا كان مقرونا بأمر ممتنع حصوله في المستقبل كما فيما نحن فيه فلا. ولئن سلم دلالته على ما ذكروه من هذا الوجه، لكنه يدل على ثبوت التحريم من وجه آخر، وهو أنه لو كان جائزا لما احتيج إلى قوله:﴾ وكان الله غفورا رحيما ﴿لأنه معلوم من القاعدة، والأصل حمله على فائدة جديدة. ولو سلم أنه قبل حصر عدد النساء لكن لا شك في أن إسلامهم بعد الحصر، وإلا لما أمر بإمساك الأربع ومفارقة الباقيات. وعند هذا نقول: إن اعتبرتم في صحة أنكحة الكفار حصول الشرائط وعدم مقارنة المنافي له في ابتداء عقده فقط، وجب أن لا يحكموا بصحة أنكحتهم إذا زوجوا بلا شهود أو في العدة، وحينئذ يجب أن لا يقروا عليها بعد الإسلام. وإن اعتبرتم حصولها في ابتداء العقد وفي حالة الإسلام معا، أو في حالة الإسلام فقط، وجب أن لا يجوز لهم اختيار الأربع بعد الإسلام

стр. 1827

الواقع بعد حصر عدد النساء إذا تزوجوا أكثر من الأربع معا، ولو فرض التزوج قبل عدد النساء كما "لو" تزوجوا بعد حصر النساء على تقدير اشتراط تجرد ابتداء عقدة النكاح عنه فإن المنافي مقارن له في الصورتين في وقت يعتبر تجرده عنه سلمنا بسلامته عن هذه المناقضة، لكن / (٣١٥/أ) مقتضى ما ذكروه بطلان نكاح الكل بعد ورود الحصر في عدد النساء لا جواز اختيار الأربع، فإنه إذا طرأ ما ينافي عقد النكاح اندفع النكاح من أصله، كما لو تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة فإنه يثبت بينهما الأخوة إذ ذاك ويندفع النكاح من أصله وفاقا. ولو قيل: بأن القياس يقتضي ذلك لكنه ثبت جواز الاختيار إذ ذاك رخصة وترغيبا في] الإسلام. فلنقل مثله فيما إذا كان التزويج بعد ثبوت حصر عدد النساء، فإن المحذور [ليس إلا مخالفة القياس، وهي لازمة على التقديرين. فإن قلت: فلو صح رفع الحجر على الزيادة على الأربع في ابتداء الإسلام. هل كان هذا قادحا في التمسك بالحديث مطلقاً؟.

стр. 1828

قلت: نقل الشيخ الغزالي- رحمه الله تعالى- عن بعض الأصوليين أنه غير قادح فيه، لأن الحديث يستقل حجة فلا يترك بمجرد الاحتمال، بل لا يسقط الاستدلال به ما لم ينقل وقوع نكاح ابن غيلان قبل حصر عدد النساء. وضعفه: بأن الحديث ليس بحجة على الاستقلال، ما لم يثبت وقوع نكاح ابن غيلان بعد حصر عدد النساء، فإن على تقدير أن يكون واقعا قبل حصر عدد النساء لا يكون حجة، وإذا احتمل واحتمل، وليس أحدهما أولى من الآخر، لا تقوم الحجة به إذ الحجة لا تقوم بمجرد الاحتمال. وهو حق. المسألة الثانية تمسك الشافعي- ﵁ في أن نكاح المرأة نفسها باطل بقوله ﵇": أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل". إلى أن قال ذلك ثلاثا على ما هو المشهور في الرواية.

стр. 1829

ووجه التمسك به هو أن البطلان مصرح به مؤكد بالتكرار والتعميم ظاهر جدا، فإنه أتى أولا: بصيغة "أي" في معرض الشرط والجزاء، وهي من أعم ألفاظ العموم في الشرط والجزاء، وألفاظ الشرط والجزاء أقوى دلالة على التعميم من غيرها، ولذلك قد اعترف بعمومها جماعة ممن توقف في غيرها من ألفاظ العموم، ثم إنه أكده ثانيا، بما المزيدة المؤكدة للعموم، ثم إنه رتب الحكم عليه ثالثا: في معرض الجزاء بفاء الجزاء المشعرة بالتعليل المقتضى لثبوت المعلول، إنما تثبت العلة هذا مع ما أنه ذكره ابتداء تمهيدا لقاعدة لا في معرض السؤال عن شيء حتى يظن تخصيصه به، وإذا ثبت التعميم والبطلان حصل المقصود. وقد أوله الخصم بتأويلات ثلاثة أيضا. أحدها: قال: المراد من المرأة الصغيرة، وضعفه بما سبق من قرائن

стр. 1830

العموم، وبما أنه لا يطلق عليها المرأة، وبأن نكاحها نفسها بغير إذن وليها ليس باطلا عندكم، بل هو موقوف على إجازة الولي فإن جاز صح، وقد قال: في الحديث فنكاحها باطل / (٣١٥/ب) وأكده ثلاثا. فإن قلت: إطلاق البطلان على نكاحها، إنما هو على وجه التجوز، لأنه يؤول إلى البطلان بسبب اعتراض الولي، وعدم إجازته غالبا لقصور نظرهن في حفظ مصالح النكاح. قلت: لا نسلم تسويغ ذلك، وهذا لأن التعبير عن الشيء باسم ما يؤول إليه، إنما يسوغ إذا كان ما يؤول إليه كائن لا محالة، كقوله تعالى:﴾ إنك ميت ﴿، وكتسمية العصير بالخمر، فإنه لو ترك فإنه يؤول إليه لا محالة، وأما ما ليس كذلك فلا نسلم تسويغه. ولئن سلم جواز إطلاقه بناء على الغالب، لكن لا نسلم إفضاءه إلى البطلان غالبا لا بد لهذا من دليل. سلمنا: ذلك لكنه خلاف الأصل، لا يجوز المصير إليه بدون قرينة تعارض العموم وما معه من القرائن التي ذكرناها وهي مفقودة، والأصل عدمها

стр. 1831

والقياس بتقدير سلامته عن المعارض لو عارض فإنه لا يعارض إلا عموم اللفظ، فأما ما معه من القرائن القوية فلا. وثانيها: قال المراد من المرأة الأمة. وضعفه بما سبق من القرائن المعممة، وبأن نكاحها موقوف، وبأنه قال ﵇ في الحديث: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" فإن مهر الأمة ليس لها بل لسيدها. وثالثها: قال المراد من المرأة المكاتبة. وهو أيضا ضعيف، بل أضعف، لأن المكاتبة بالنسبة إلى عموم النساء نادرة جدا، فإطلاق المرأة وما معها من القرائن المعممة وإرادة المكاتبة منها دخول في باب الألغاز والتلبيس، وهو غير جائز في فصيح الكلام، فكيف في كلام الشارع؟ والتأويل المقبول هو: الذي يساغ من ذي الجد أن يريد بذلك لا ما يعد هزلا ولغزا. وقياس التخصيص على الاستثناء، لو سلم الحكم في الاستثناء، وجواز القياس في اللغة غير مفيد لما بينهما من الفرق. وأيضا فأن بتقدير صحة الاستثناء ينتفي التلبيس لأن ما هو المراد في

стр. 1832

الاستثناء، وهو المستثنى مصرح به، لخلاف التخصيص، فإنما هو المراد من المخصوص غير معلوم منه، فلا يلزم من جواز ما لا تلتبس فيه جواز ما فيه التلبيس. المسألة الثالثة تمسك الشافعي ﵁ في عدم جواز الإبدال في باب الزكاة بقوله ﵇ "في أربعين شاة شاة" فإن ظاهر هذا يقتضي وجوب الشاة بعينها، لأن قوله: "في أربعين شاة شاة" لا يمكن إجراؤه على ظاهره،

стр. 1833

بل لا بد "فيه" من إضمار حكم، نحو وجوب الإخراج، أو ندبيته، أو غيرهما، ثم ليس هو غير الوجوب إجماعا. فتعين أن يكون هو، ولأنه بيان لقوله / (٣١٦/أ) تعالى:﴾ وآتوا الزكاة ﴿وهو للوجوب، فهو إذا للوجوب، ثم الواجب هو المذكور، أو غيره. والثاني خلاف الأصل، فيتعين أن يكون هو، فثبت أن ظاهر قوله: "في أربعين شاة شاة" يقتضي وجوب شاة بعينها، فالقول بجواز صرف قيمتها عدول عن الظاهر، وإنه غير جائز من غير دليل. هذا هو الحق والإنصاف، لا ما زعمه بعض الأصحاب أن الحديث المذكور نص في وجوب الشاة، فالقول بجواز صرف قيمتها قول بتأويل النص، وأنه غير جائز قطعا، لأن الحديث المذكور نص في أصل وجوب الشاة لا في تعيين وجوبها بدليل أنه لو صرح بعد ذكر وجوب الشاة بوجوب بدلها معه، لا يعد مناقضا كما لو قال: الواجب في أربعين شاة شاة، أو بدلها بخلاف ما لو صرح بنفي أصل الوجوب فإنه يعد مناقضا كما لو قال: الواجب في أربعين شاة شاة لا بل الواجب بدلها، وتحقيقه أن مفهوم وجوب الشيء أعم من أن يكون مع وجوب غيره يقوم مقامه أولا مع وجوب غيره

стр. 1834

بتلك الصفة، بدليل صحة تقسيمه إليها. والدال على القدر المشترك لا دلالة "له" "على ما به يتميز أحد القسمين على الآخر، فالدال على وجوب الشاة لا دلالة له" على أنه لا يجب معها شيء يقوم مقامها أو يجب فإذا ليس هو نصا في تعيين وجوب الشاة. فإن قلت: ما ذكرتم هنا يقتضي أن لا يكون ظاهرا فيه أيضا، وقد قلتم: من قبل أنه ظاهر فيه. قلت: هو ظاهر فيه من حيث إن وجوب بدلها يحتاج إلى إضمار أو تقدير شيء آخر، نحو أن يقال: الواجب في أربعين شاة مقدار قيمة شاة، أو يقال: شاة أو بدلها وكلاهما خلاف الأصل، لا من حيث إن اللفظ الدال على وجوب الشاة دال على نفي وجوب بدلها بطريق التضمن، أو بطريق الالتزام، فلا منافاة بين ما ذكرنا أولا، وبين ما ذكرنا آخرا. قالت الحنفية: نحن لا ننازعكم في أنه ظاهر في وجوب الشاة بعينها، لكن نقول: المراد منه غير ظاهر، وهو مقدار قيمة الشاة، وتقديره في أربعين شاة، مقدار قيمة شاة على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه لدليل دل عليه، وهو أن المقصود من إيجاب شاة في أربعين شاة مثلا، إنما هو سد خلة الفقراء ودفع حاجاتهم وذلك يحصل بدفع القيمة كما

стр. 1835

يحصل بدفع الشاة بعينها فلا معنى لتخصيص الشاة بوجوب الدفع. قال أصحابنا: ما ذكرتم من التأويل محتمل لكنه ضعيف وبيانه من وجهين: أحدهما: أنا لا ننكر / (٣١٦/ب) أن سد خلة الفقراء، ودفع حاجاتهم مقصود من إيجاب الشاة، لكن لا نسلم أن] ذلك [كل المقصود، فلعل معه مقصود آخر، نحو أن يشارك الفقير الغني في جنس ماله، إما تعبدا وهو المقصود غالبا في العبادات، وإما لأن حاجته قد تتعلق بخصوصية ذلك النوع من المال، وقد يعز وجوده فلا يقدر على تحصيله، أو وإن كثر لكنه كفى مؤنة التحصيل ومباشرة الشراء، وإذا احتمل ذلك كان المصير إليه أولى، لما فيه من الجمع بين ظاهر الحديث، والتعليل بسد الخلة، والتعبد الذي هو الغالب في العبادات، والاحتمال الذي ذكرناه وهو وإن كان مرجوحا، لكنه محتمل في الجملة. وثانيهما: أن العلة في المنصوص عليه فرع الحكم "إذ يعرف" الحكم فيه أولا، ثم يستنبط منه العلة، وإذا كان كذلك وجب أن لا يستنبط على وجه يعكر على أصله بالإبطال.

стр. 1836

وقوله: "في أربعين شاة شاة". ظاهره يقتضى وجوب الشاة بعينها على ما تقدم تقريره، فجعل سد الخلة ودفع الحاجة علة لذلك يرفع وجوب عينها فوجب أن لا يصح، وعلى هذا الأصل نقول: كل تأويل يعتمد صحته على علة مستنبطة من الحكم رافعة له أو لشيء من المدلولات اللفظية أو المعنوية للنص الدال على ذلك الحكم كان ذلك باطلا، لأن العلة تجب أن تكون ملائمة للحكم لا منافية له رافعة إياه، كما أن الحكم يجب أن يكون ملائما لظاهر اللفظ الدال عليه. فعلى هذا يلزم بطلان تأويل من أول آية الصدقات، إلى بيان جهة الصرف والاستحقاق، وجوز صرف الصدقة إلى واحد من الأصناف الثمانية وترك ظاهرها الذي يقتضي استيعاب الأصناف الثمانية والتشريك بينهم ضرورة كون الصدقات مضافة إليهم بلام التمليك وواو العطف المقتضى للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه، بناء على أن المقصود من إيجاب الصرف إليهم وهم الأصناف الثمانية إنما هو دفع الحاجة عن جهة من هذه الجهات الثمانية لا استيعابهم بدليل سياق الآية، فإنه تعالى ذكر أولا طمع جماعة في الصدقة ليسوا أهلا لها في قوله:﴾ ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴿الآية، ثم بين بعد ذلك من هم أهل لها، فإذا دفع إلى

стр. 1837

واحد منهم فقد اندفعت الحاجة عنهم، فوجب أن يجوز. لأن هذه العلة مستنبطة مما دل عليه ظاهر الآية، وهو الاستيعاب والتشريك، لما تقدم وهي رافعة لهذا الحكم ومبطلة لدلالة "اللام" و"الواو"، وكانت باطلة، والتأويل مبنى عليهما فكان باطلا. هذا من حيث المعارضة. وأما بطلانه من حيث المنع في مقدمات / (٣١٧/أ) الدليل فيمنع أن ما ذكروه هو المقصود فقط، ولم لا يجوز أن يكون استيعابهم وتشريكهم أيضا مقصود مع ما ذكروه، وهذا أولى لما فيه من الجمع بين ظاهر اللفظ وبين المعنى المستنبط من الحكم، وبين الاحتمال المذكور، وكونه مذكورا عقيب ذكر من ليس أهلا للصدقة لا ينافي وجوب الصرف إلى جميع من ذكر أنه أهل لها إذ فيه بيان جهة الصرف وزيادة. ومن هذا الأصل يعرف أيضا بطلان تأويل الحنفية آية الكفارة وهي قوله تعالى:﴾ فإطعام ستين مسكينا ﴿فإنهم أولوها إلى إطعام طعام ستين مسكينا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. لزعمهم أن المقصود إنما هو دفع حاجة المسكين ولا فرق في ذلك بين

стр. 1838

دفع حاجة ستين مسكينا وبين دفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، فجوزوا الاقتصار على إطعام مسكين واحد ستين يوما. لأن هذه العلة مستنبطة مما دل عليه ظاهر قوله تعالى:﴾ فإطعام ستين مسكينا ﴿وهو وجوب صرف الطعام إلى ستين مسكينا وهي رافعة لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل فكانت باطلة لما تقدم. والتأويل مبني عليها فكان باطلا، هذا لو سلم ما ذكروه من أن المقصود إنما هو دفع حاجة المسكين، ولا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا، وبين دفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، أما إذا لم يسلم ذلك، وهو الأولى، إذ الدفع أسهل من الرفع، بناء على أن المنافسة المعنوية والدلالة اللفظية كلتيهما متطابقتان على اعتبار العدد، فكان] من [اندفاعه] ما ذكروه [وسقوطه أظهر. أما المناسبة المعنوية فلأن كثرة الدعاء مطلوب المؤمن لصلاح دينه ودنياه واستجلاب كثرة المحسنين إليه طريق صالح لتحصيله، ولا يبعد أن يقصد الشارع رعاية العدد مع رعاية دفع الحاجة نظرا لجانب المكفر لما يناله من الخير في الدنيا والآخرة بسبب كثرة دعائهم له. وليتحصن عن المكاره والعذاب بسبب صرف همتهم إليه وقل ما يخلو جميع المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى مستجاب الدعوة يغتنم دعاؤه وتستجلب همته فمع مناسبة هذا، كيف يمكن إلغاء العدد عن درجة الاعتبار وجعل مجرد دفع الحاجة علة لذلك الحكم.

стр. 1839

وأما الدلالة اللفظية: فلأن الإطعام من الأفعال التي يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما إذ يجوز أن يقول: أطعمت زيدا ولا يقول: ما أطعمته، ويجوز أن يقول: أطعمت الطعام، ولا يقول: ما أطعمته، والأصل في هذا النوع من الفعل إذا ذكر أحد مفعوليه أن يذكر ما هو الأهم في غرض المتكلم، فذكر عدد المساكين يشعر بزيادة اعتبار الشارع به إشعارا/ (٣١٧/ب) ظاهرا، فتركه عن درجة الاعتبار وجعله كالمسكوت عنه، و"اعتبار المسكوت عنه، وجعله كالمذكور خلاف ظاهر الكلام وفصاحته ودخوله في هجنته وركاكته، وكلام الله تعالى يصان عنه. المسألة الرابعة من التأويلات البعيدة تأويل يخالف ظاهر اللفظ، وما أشعر به اللفظ من التعليل ، نحو تأويل أبي حنيفة- ﵁ قوله تعالى:﴾ ولذي القربى ﴿فإنه صرفه عن العموم حيث اعتبر الحاجة فيهم، في جواز صرف ما يصرف من الغنيمة إليهم المضاف بلام التمليك إليهم من غير اعتبار الحاجة فيهم، وألغى ما أشعر به اللفظ من تعطيل وجوب الإعطاء بالقرابة لشرفها وتعظيمها وجلالة قدرها، ولذلك حرك عليهم الصدقة التي هي الطهرة المأخوذة على وجه الذل. لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليته

стр. 1840

مع خلوه عن المناسبة على ما ستعرف ذلك- إن شاء الله تعالى-، فكيف مع المناسبة، فأعطى الفقير منهم دون الغني. وهذا التأويل مع ما فيه من مخالفة ظاهر العموم والتعليل الذي أشعر به اللفظ إشعارا ظاهرا فيه اعتبار زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ عنده لا يجوز إثباته بخبر الواحد فكيف بالقياس وكونهم مذكورين مع اليتامى والمساكين مع قرينة إعطاء المال ليس قرينة دالة على اعتبار الفقير فيهم، وإلا لكان ما كان يأخذه الرسول- ﵇ في حال حياته من هذا الخمس مشروطا أيضا بالحاجة، ضرورة وجود هذه القرينة بعينها في حقه ﵇. ولا قائل به وأيضا: لو كان مثل هذه القرينة مانعا من أن يكون اعتبار الفقير فيهم زيادة على النص، لكان تيسير الفاتحة مانعا من أن يكون وجوب قراءته في الصلاة زيادة على قوله تعالى:﴾ فاقرؤا ما تيسر من القرآن ﴿حتى لا يمنع قبول ما ورد في وجوب قراءته في الصلاة من أخبار الآحاد، هذا كله لو اعتبر القرابة بشرط الحاجة والفقير في صرف ما يصرف إليهم من الخمس، فأما إذا لم يعتبرها ويجعلها كالعجم الطماطم، وهو الظاهر من مذهبه إذ الخمس عنده

стр. 1841

ينقسم على ثلاثة أسهم فيعطى ذوي القربى من سهم المساكين لفقرهم لا لقرابتهم فلا وجه له اصطلاح وليس هو من التأويل في شيء، بل هو تعطيل للنص. فإن قلت: إنما ذكروا لئلا يحرموا عن هذا كما حرموا عن الصدقة. قلت: هذا باطل لوجوه: أحدهما: أن فيه إبطال دلالة "اللام"، إذ هي ظاهرة في التمليك إذا أضيفت به إلى من يصلح للملك. وثانيها: أن فيه إبطال دلالة "واو" العطف، فإنها تقتضي الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه فيما عطف عليه، وقد عطف على الاستحقاق، إذ كان / (٣١٨/أ) الرسول- ﵇ يستحق سهمه المضاف إليه، فوجب أن يثبت الاستحقاق لذوي القربى أيضا تسوية بينهما فيما عطف عليه. وأيضا فإنه عطف عليه اليتامى والمساكين، فلو كان حكمه جواز الصرف لكان حكم ما عطف عليه أيضا كذلك لما سبق. وثالثها: أن ما ذكروه إنما يحتاج إليه أو يحسن ذكره، لو كان يظن أو يتخيل حصول موجب تحريم الصدقة في الخمس، أما إذا لم يظن ذلك ولا يتخيل فلا وهو غير متخيل فيه، إذ الموجب له هو كون الصدقة غسالة الناس وأوساخهم.

стр. 1842

ورابعها وخامسها: ما تقدم من الوجهين. وسادسها: لو كان ذكرهم إنما هو لدفع ما ذكروه من الظن الفاسد والتخيل الباطل، لوجب أن يذكروا على وجه لا يوجب ظنا فاسدا آخر أقوى منه، فكان ينبغي أن لا يذكروه على الاستقلال، بل كان ينبغي أن يذكر عند ذكر المساكين ما ينبه على هذا المقصود. لا يقال: ما ذكرتم في ذي القربى فهو لازم عليكم في اليتامى فإنكم تعتبرون الحاجة فيهم في جواز] صرف [سهمهم إليهم. لأنا نقول: لا نسلم "أنا نعتبر ذلك، وهذا لأن الأظهر من قول الشافعي- ﵁: أنه لا يعتبر ذلك. قلنا: أن يمتع ذلك بناء عليه. ولئن سلم الحكم فيه، فليس بلازم علينا من جملة ما ذكرنا إلا تخصيص عموم اليتامى على ما لا يخفى ذلك عليك، وتخصيص العموم للقرينة جائز، والقرينة المخصصة له هي ذكره مع قرينة إعطاء المال، فإن ذلك مشعر بالحاجة فيهم، ولأنه ليس فيهم معنى يناسب الإعطاء "غير" الحاجة، بخلاف ذوي القربى فإن جلالة قدر القرابة يناسب الإعطاء لهم. ومن هذا الجنس تأويلهم في قوله- ﵇: "لا يقتل مؤمن بكافر" حيث قالوا: المراد منه الكافر الحربي، فإنه

стр. 1843

خلاف ظاهر العموم، إذ النكرة في سياق النفي من أدل ألفاظ العموم، وخلاف ما أشعر به اللفظ من التعليل، فإنه يشعر إشعارا ظاهرا على أن العلة لذلك هو مطلق الكفر لما سبق، وكن الخاص معطوفا عليه لا يصلح أن يكون قرينة مخصصة له لما سبق في العموم. المسألة الخامسة من التأويلات البعيدة، تأويل بعض أصحابنا: قوله ﵇: "من ملك ذا رحم محرم عتق عليه" فإنه أوله عن عمومه وخصصه بالأصول

стр. 1844

والفصول. وهو بعيد جداً. أما أولا: فلما تقدم أن ألفاظ الشرط والجزاء أقوى الدلالة على العموم، لا سيما إذا وردت ابتداء لتأسيس قاعدة، لا في حكاية حال وجواب عن سؤال، حتى يعتقد تخصيصه به. وأما ثانيا: فلأن إرادة الآباء والأبناء من هذا اللفظ من غير قرينة ألغاز وتلبيس ألا ترى أن (٣١٨/ب) الرجل لو قال: لعبده: من بقيته من رحمي محرمي فأكرمه، ثم قال: أردت بذلك الآباء والأبناء عد ملغزا أو ملبسا. وأما ثالثا: فلأنه سلك فيه مسلك الحدود، من حيث أنه بدأ بالأعم

стр. 1845

وختم بالأخص، وذلك يدل على] أنه قصد به [الضبط، واختصاص الحكم] بما [ذكر من القيود، وإلا لم يكن ذكر القيد مفيدا، لأن فائدته ليس إلا ذلك. وأما رابعا: فلأن الأصول والفصول يختصان بخاصية قرب القرابة وشرف النسب، وذلك يقتضي التنصيص عليهما احتراما لهما. وأما خامسا: فلأن اللفظ أشعر بعلية الرحم مع المحرمية وتعظيمه وحرمته لما سبق غير مرة، فتنزيله على الأصول والفصول ترك لهذه الدلالة وهو باطل. والشافعي ﵁ لم يقل بمقتضى الحديث لا لأنه يؤكده ويخصصه بناء على القياس على وجوب النفقة بسبب البعضية لا غير أو لغيره بل لأن الحديث لم يصح عنده، لأنه موقوف على الحسن بن

стр. 1846

عمارة. ومن جنس هذا التأويل تأويل الحنفية قوله ﵇: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" وقد أولوه بتأويلات ثلاثة: أحدهما: بالحمل على القضاء والنذر. وهو بعيد، لأن النكرة في سياق النفي من أدل ألفاظ العموم على العموم، وقد قاله ﵇: ابتداء لتأسيس القاعدة، لا في جواب سائل حتى يعتقد تخصيصه به، فحمله على القضاء النادر الذي هو فرع الأداء، والنذر النادر الذي هو فرع الفرائض، وإخراج الصوم الأصلي الذي هو الغالب والمتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الصوم وهو الفرض المعتاد والتطوع بعيد جدا، وإن كان بعده ليس كبعد حمل حديث النكاح على المكاتبة، إذ المكاتبة بالنسبة إلى النساء أندر من القضاء والنذر بالنسبة إلى الصوم. وثانيها: وهو ما عزى إلى الطحاوي أنه محمول على نية صوم الغد

стр. 1847

"قبل الغروب" من يومه، وكان يتبجح بهذا التأويل، لأنه أبقى "لا صيام" على عمومه. وهو أيضا بعيد، بل أبعد من الأول. ويدل على وجوه: أحدها: أن سياق الخبر يدل على النهي من تأخير النية عن الليل والحث على تقديمها على بياض النهار الذي يصومه، وهذا المفهوم منه جاري مجرى الفحوى الذي لا ينكره دون إنصاف من المخلصين، فحمل الخبر على النهي

стр. 1848

عن تقديم النية والحث على تأخيرها مضاد مقصود الكلام الذي سيق لأجله، فكان باطلا. وثانيهما: أن حمل النهي على المعتاد أولى من حمله على ما لا يعتاد، بل لا يكاد يوجد، فضرورة أن النهي المعتاد أمس، وتأخير النية عن الليل معتاد بسبب الذهول / (٣١٩/أ) والغفلة عنها، وأما التقديم "فنادر" لا يفعله أحد، لأنه ينسب إذ ذاك إلى جنون وقلة عقل وهو وازع له عنه فلم يجز حمله عليه. وثالثها: أنا وإن سلمنا أنه ليس بنادر، بل هو معتاد كاعتياد التأخير، لكن نقول: قوله: ﵇: "لا صيام لمن يبيت الصيام من الليل" يقتضي النهي عن أن لا يقع مبينا وذلك قد يكون بالتقديم، وقد يكون بالتأخير وليس في اللفظ ما يقتضي تخصيصه بأحدهما، فوجب أن يحمل عليهما معا دفعا للإجمال، وتكثيرا للفائدة، فحمله على النهي عن التقديم فقط باطل .. ورابعها: قالوا إنه محمول على نفي الكمال. وهذا تفريع على أن حرف النهي إذا دخل على الاسم الشرعي يقتضي نفي حقيقته الشرعية، فأما إذا لم نقل بذلك سواء قيل بأنه مجمل فيهما أو هو حقيقة في نفي الكمال فليس هو من التأويل في شيء.

стр. 1849

وهذا التأويل قريب. وتضعيفه بأن يقال: انه مستعمل في القضاء والنذر لنفي الصحة وفاقا، فلو استعمل في غيرهما لنفي الكمال، لزم استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا، وهو غير جائز، وبتقدير أن يكون جائزا لكنه خلاف استعمال الفصيح. فإن قلت: هذا إنما يلزم لو كان القضاء والنذر مرادين منه. وهو ممنوع وهذا لأن ما ذكرتم من أنهما نادران يدل على أنهما غير مرادين. قلت: أما الدليل على أنهما مرادان فهو أن اللفظ عام وخروجهما عنه تخصيص له وهو خلاف الأصل، ولان الحكم على مقتضاه ثابت فيه والأصل "عدم" دليل آخر. وأما ما ذكرنا في الليل إنما يدل على امتناع اقتصار إرادتهما لا على امتناع إرادتهما مطلقا، وإلا لزم أن لا يكون العام عاما، وأيضا فإن كونهما غير مرادين منه قول لم يقل به أحد فكان باطلاً.

стр. 1850

المسألة السادسة اعلم أن ضعف التأويل يعرف: تارة بقوة ظهور اللفظ فيما هو فيه ظاهر، وتارة لضعف دليله، وتارة بهما بأن يكون اللفظ المستعمل "ضعيف" الدلالة على العموم، ودليل التأويل أيضا "ضعيف ". فمن التأويل الضعيف الذي يعرف ضعفه بسبب ضعف دليله، تأويل من صرف قوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر" عن العموم حتى منع من الاحتجاج به في إيجاب العشر أو نصفه في الخضروات، لأن دليله في ذلك هو أن المقصود من الحديث الفصل بين واجب الجنسين، لا بيان عموم ما يجب فيه العشر ونصف العشر. وهو ضعيف، لأن كون الفصل بين واجب الجنسين مقصودا، لا يمنع/ (٣١٩/ب) من أن يكون العموم معه أيضا مقصودا، وإذا لم يناف ذلك، واللفظ عام وجب إجراؤه على عمومه "أيضا".

стр. 1851

المسألة السابعة من التأويلات البعيدة، تأويل يقتضي حمل كلام الله تعالى، أو كلام رسوله على شواذ اللغة والإعراب ونوادرهما مثاله: القائلون بوجوب مسح الرجلين عينا كالشيعة، وعلى التخيير بينه وبين غسلهما كالحسن البصري، وعلى الجمع بينه وبين الغسل كداوود الظاهري. لما تمسكوا بقوله تعالى:﴾ وأرجلكم إلى الكعبين ﴿على قراءة الكسر على وجوب مسح الرجلين، فإن ظاهره يقتضي وجوب مسحهما، لكونه

стр. 1852

معطوفاً على قوله:﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿ولكون ظاهر العطف يقتضي مشاركة المعطوف للمعطوف عليه فيما عطف عليه. قال بعض القائلين بوجوب غسل الرجلين أن الاستدلال المذكور إنما يتم لو كان﴾ وأرجلكم ﴿معطوفا على قوله:﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿وهو ممنوع ل هو عندنا معطوف على قوله:﴾ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ﴿بدليل أنه قدر الحكم في المعطوف إلى الكعبين كما قدر في المعطوف عليه إلى المرافق، ولو كان معطوفا على قوله:﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿لما كان مقدرا كما هو في المعطوف عليه. وأما الكسر فإنما هو على الجوار، فإن المجاورة تقتضي الاستتباع. كما في قولهم: جحر ضب خرب، وكما في قول امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل

стр. 1853

كسر قوله: مزمل، مع أنه من حقه أن يكون مرفوعا، لكونه صفة: كبير أناس، وإنما كسره على الجوار إذ ليس ثم ما يوجب الكسر سواه" وهو ضعيف جدا. أما ما ذكره من الدلالة، فلأنه لا يجب التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه في كل شيء، حتى يلزم من كون مسح الرأس غير مقدر أن يكون مسح الرجلين أيضا غير مقدر على تقدير أن يكون معطوفا عليه. سلمنا: ذلك لكنه منقوض بقوله:﴾ وأيديكم إلى المرافق ﴿فإنه معطوف على قوله:﴾ فاغسلوا وجوهكم ﴿وفاقا، مع أنه غير مقدر. وأما ما ذكروه من سبب الكسر فهو أيضا ضعيف جدا، لأن الاستتباع لسبب المجاورة من شواذ اللغة، ونوادر الإعراب، التي لا يعدل بها عن مواردها المسموعة إلا لضرورة الشعر. وبتقدير أن يجوز ذلك فإنما يجوز فيما ليس فيه لبس، كما في قولهم: جحر ضب خرب، لأن من المعلوم أن الخرب، ليس صفة الضب. فأما ما فيه لبس] نحو [ما نحن فيه فلا. وشعر امرئ القيس لا نسلم أنه من هذا الباب، وهذا لأنه إنما يكون

стр. 1854

من هذا الباب لو كان كسرة/ (٣٢٠/أ) مزمل، لأجل كسرة: بجاد، وهو ممنوع، بل كسرته لأجل محافظة القوافي وموافقة الأبيات، وليس هو من الاستتباع بسبب الجوار في شيء، لأن ما يكون من هذا الجنس يجب أن لا يكون بين المستتبع وبين التابع فصل كما هو في قولهم: جحر ضب خرب، ونظائره. ولهذا أيضا يعرف أنه وإن لم يكن الاستتباع بسبب الجوار من ضعيف اللغة. والإعراب لم يجز أيضا حمل كسرة قوله:﴾ وأرجلكم ﴿عليه لتخلل واو العطف بينه بين "قوله"﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿. فإن قلت: فما وجه مذهب الجماهير القائلين بوجوب الغسل فيه على تقدير قراءة الكسر] فإنها [صحت في السبع كقراءة النصب، والتعارض بين القطعيين غير جائز حتى يصار إلى ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، أو يقال: إن القراءتين تتعارضان وتتساقطان، ويجب الرجوع في ذلك إلى السنة، بل لا بد من تأويل أحدهما. قلت: الوجه فيه أن يقال: إن قوله:﴾ وأرجلكم ﴿معطوف على قوله:﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿، وظاهر هذا وإن اقتضى وجوب مسح الرجلين لأن ظاهر العطف يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فيما عطف عليه وهو

стр. 1855

إنما عطف على الرأس في المسح لا في غيره إذ تقدير أمر آخر خلاف الأصل، لكن ما ثبت من النقل الصحيح عن الرسول ﵇ أنه غسل الرجلين حين بين الوضوء، وعدم نقل مسح الرجلين عنه مع أن الظاهر أنه لو مسح لنقل، وإجماع الصحابة والتابعين، على غسلهما قبل ظهور المخالف، أوجب صرفه عن ظاهره، وحمله على أنه معطوف على ما دل عليه المسح من المعنى المشترك بينه وبين الغسل، وهو إمساس العضو بالماء. فعلى هذا ليس في الآية دلالة على وجوب مسحهما ولا على وجوب غسلهما، وإنما ثبت الغسل بقراءة النصب أو بالسنة أو بالإجماع وإنما المقصود دفع دلالته على المسح لا غير. وهذا النوع من العطف في كلامهم ليس ببدع ولا ضعيف، بل هو كثير معدود من الفصاحة والبلاغة.

стр. 1856

قال سيبويه: الكلام الجزل الفصيح، يسترسل في الأحايين استرسالا، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغير في معانيه. مثاله: قول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا ... عطف الماء على التبن "في العلف"، مع أن الماء لا يعلف بل

стр. 1857

يسقى لكن لما اشترك التعليف والسقي في أصل التناول، حسن العطف. ونظيره أيضا قول الآخر: ولقد رأيتك في الوغى ... متقلدًا سيفاً ورمحا.

стр. 1858

عطف الرمح على تقليد السيف مع أنه لا / (٣٢٠/ب) يقلد، وإنما يعتقل لكونهما جملتين متقاربتين. وقال الآخر: فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها. عطف النعام على الظباء في الأطفال مع أن النعام لا يطفل، وإنما يبيض لاشتراكهما في إخراج ما يبقى به النسل. فإن قلت: ليس تأويلكم لقراءة الكسر، أولى من تأويلنا لقراءة النصب، وهو أن يجعل نصبه على العطف على محل الرأس، لا أنه معطوف على

стр. 1859

الأيدي، فإن الرأس في محل النصب، لأنه مفعول به، والتقدير وامسحوا رؤوسكم، وإنما كسر لدخول الجار عليه وهكذا حكم كل مجرور اتصل الفعل به بواسطة الجار، والعطف على المحل ليس بضعيف باتفاق أهل الصناعة، ويشهد لهم اعتبارهم المعاني في مواضع لا تخفى عليك، قال الله تعالى:﴾ إن وعد الله حق والساعة ﴿قرئ بالرفع على أنه معطوف على محل اسم إن. قال الشاعر: معاوى إننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا

стр. 1860

نصب الحديد على أنه معطوف على محل الجبال، فإنها في محل النصب لكونها خبر ليس. وإنما كسر لدخول الباء الجارة. نعم: هو خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن المعطوف تابع للمعطوف عليه في اللفظ والمعنى، لكن ما ذكرتم أيضا خاف الظاهر. فلم قلتم: أن جريكم على ظاهر قراءة النصب، وتأويل قراءة الكسر أولى من الجري على ظاهر قراءة الكسر، وتأويل قراءة النصب وعليكم الترجيح، لأنكم المستدولن، ثم إنه معنا، لأن تأويلنا ليس فيه إلا مخالفة اللفظ، وأما تأويلكم ففيه مخالفة اللفظ والمعنى فكان ما ذكرنا أولى. قلت: لو أولنا قراءة الكسر لمجرد قراءة النصب كان ما ذكرتم متجها، لكنا لا نؤلها لمجردها، بل لما سبق من الإجماع والنقل الصحيح عن الرسول
следующие страницы →