← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

قلت: تدعي ذلك في كل الأمور إلا ما خصه الدليل. وتحريره بعبارة أخرى أن نسبة الخطاب العام المقيد بالصفة إلى الخطاب العام المطلق عند أهل اللغة، كنسبة الخطاب العام المستثنى منه إلى الخطاب العام الغير المستثنى، فكما أن الخطاب العام المستثنى منه يدل على النفي/ (٣٢٥/أ) والإثبات "معا"، فكذا الخطاب العام المقيد بالصفة يدل عليهما "معا" ضرورة تساوي النسبتين. وسابعها: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة معلول بتلك الصفة، لما ستعرف إن شاء الله تعالى أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلة، وانتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، وتعليل الحكم بعلتين مختلفتين، خلاف الأصل، فيلزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه تلك الصفة. وبهذا تمسك إمام الحرمين: لكن في الوصف المناسب على ما هو اختياره من أن مفهوم الوصف المناسب حجة. وأجيب: عنه بمنع أن ذلك خلاف الأصل.

стр. 1892

وهو ضعيف لأن منهم من لم يجوز ذلك ومن جوزه فينبغي أن يكون عنده خلاف الأصل إذا هو على خلاف الغالب بالاستقراء، ولا نعني بكونه خلاف الأصل سوى هذا. احتج من لم يقل بكون المفهوم حجه بوجوه: أحدها: أنه لو كان دال على نفي الحكم عما عداه، فإنما أن يعرف ذلك بالعقل وهو باطل، إذ لا مجال للعقل في باب اللغات، أو بالنقل وهو إما متواتر، أو أحاد. والأول: باطل وإلا لعرفه المخالف مع اشتراكهم خصومهم في أسبابه من سلامة الحاسة والعقل ومخالطة أهل اللغة والاقتباس منهم. والثاني: تقدير صحته وسلامته عن المعارض غير كاف، لأنه لا يفيد إلا الظن، ولا يمكن إثبات مثل هذا الأصل الذي نزل عليه كلام الله وكلام رسوله المفيدين للتعيين بما يفيد الظن وقد عرفت ضعفه غير مرة. وثانيها: أن المقيد بالصفة لو دل على انتفاء الحكم عما عداه لدل عليه، إما بلفظه أو بمعناه، والقسمان باطلان فبطل القول بدلالته عليه مطلقا. أما الأول: فظاهر لأن قوله: "زكوا عن الغنم السائمة" غير موضوع لنفي الزكاة عن المعلوفة لا بطريق الاشتراك، ولا بطريق الانفراد، ولا هو موضوع لمفهوم يكون هذا المفهوم جزؤه حتى تكون دلالته على هذا المفهوم بطريق التضمن، فتكون دلالته لفظية على رأي إذا لو كان شيئا من هذا بيانا لم تكن المسألة مسألتنا، ولم يكن النزاع حاصلا فيه، بل كنا قائلين به وموافقين لخصومنا فيه.

стр. 1893

وأما الثاني: فلأن شرط الدلالة المعنوية استلزام المسمى اللازم، إما قطعا أو ظاهرا وهما غير حاصلين فيما نحن فيه. وأما الأول: فظاهر إذ الحكم قد يكون ثابتا فيما عدا الموصوف بالصفة كما هو ثابت في الموصوف بهما لو كان الاستلزام قطعيا لما انفك عنه/ (٣٢٥/ب) في صورة ما. وأما الثاني: فكذلك وإلا لزم الترك بذلك الظاهر حيث يكون حكم المذكور ثابتا فيما انتفى عنه الصفة، وأنه خلاف الأصل. فإن قلت: إذا كان الحكم ثابتا فيما عدا الموصوف بتلك الصفة، كما هو ثابت في الموصوف بها فما السبب في تخصيص الحكم وتقييده بالصفة، وهل التقييد إلا لغوًا. قلت: لا نسلم ذلك، وهذا لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك أمورًا أخر غير انتفاء الحكم عما عدا الموصوف بتلك الصفة. أحدها: عدم خطران ذلك القسم ببال المتكلم عند التكلم، وهذا في حق الله ممتنع ويضعف في حق غيره جدا في العام المردف بالصفة نحو الغنم السائمة. وثانيها: أنه وإن خطر بالبال، لكنه إنما خص هذا القسم، لأن بيانه واجب، وأما لسؤال سائل، أو حدوث واقعة. وثالثها: أنه وإن كان بيانه غير واجب كالقسم الآخر، لكنه لعلة بينة بطريق آخر، نحو أن نص عليه على سبيل الخصوصية فيكون ذكره مع غيره إرداف للبيان القوي بالضعيف، فإنه مستدرك كيف وأنه موهم لجواز التخصيص.

стр. 1894

ورابعها: أنه وإن لم يبينه بطريق آخر لكنه بينه بهذا المقيد بالصفة بطريق الأولى نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ فإنه إذا حرم قتل الأولاد عند خشية الإملاق، كان تحريمه عند عدم الخشية بطريق الأولى. وخامسها: أنه وإن لم يبينه بهذا الطريق، لكنه أحال بيانه إلى الاجتهاد المكلف بطريق الإلحاق بالمقيد بالصفة من حيث العلة بأن يجتهد المكلف في ذلك ويرى أن لا مدخل للوصف في الحكم ويكون المقصود أن ينال المكلف ثواب الاجتهاد. وسادسها: أنه وإن لم يبينه بهذا الطريق، لكنه أمكن أن يقال: إنه حصل بيانه بالعقل من حيث إنه لم يتعرض له بحكم شرعي ناقل، فإن حكم هذا في الشرع البقاء على حكم العقل. وهذا يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون حكم المقيد بالصفة الثبوت فهنا ما انتفى عنه الصفة إنما يبقى على العدم الأصلي لكون حكمه غير مذكور من جهة الشارع لا صريحا ولا التزاما لا لأن مفهوم الثبوت في المقيد بالصفة دال على نقية الاتفاق هنا على العدم حاصل بين الفريقين، وإنما الاختلاف في الكيفية فعند القائلين بالمفهوم وعدم الحكم ثابت بالمفهوم وعند غيرهم بالعدم الأصلي. وثانيهما: أن يكون حكم المقيد بالصفة النفي فهاهنا ما انتفى/ (٣٢٦/أ) عنه الصفة يبقى على العدم الأصلي عند من لا يقول: بالمفهوم. وأما عند القائلين به: فيختلف الحكم بحسب اختلاف الأوصاف، فإن كان الوصف مناسبا لثبوت الحكم كان المفهوم دالا على النفي بطريق الأولى، نحو قول القائل: لا تزكوا عن الغنم السائمة، فهاهنا المعلوفة لا تجب فيها الزكاة

стр. 1895

بطريق الأولى، وإن لم يكن كذلك سواء كان مناسبا للنفي أو لا يكون مناسبا له ولا للثبوت، فإنه يدل على ثبوت الحكم فيما انتفى عنه الصفة، مثال الأول: لا تضرب العلماء، مثال الثاني: لا تضرب الطوال، ولقائل: أن يقول عليه: إن هذا إنما يتم أن لو ثبت أن المفهوم لا يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بالصفة حتى يكون عدم الحكم ثابتًا بالعقل، فإن تقدير أن يدل عليه كان العدم ثابتًا بالمفهوم لا بالعقل، وإنما يثبت ذلك أن لو ثبت أن للتقيد فائدة أخرى وسببًا آخر غير نفي الحكم عما عدا الموصوف بالصفة، فإن بتقدير أن لا يثبت ذلك كان التقيد والتخصيص دال على نفي الحكم عما عدا الموصوف صيانة للتقييد والتخصيص عن اللغو، وحينئذ يلزم الدور، لأن إثبات هذه الفائدة موقوف على أن المفهوم ليس بحجة، وإثبات ذلك يتوقف على إثبات هذه الفائدة فكان الدور لازما وهو ممتنع. هذا كله لو قيل: بوجوب تعليل تقييد الحكم بالصفة الصادرة من القادر المختار، فأما إذا لم نقل به بناء على أنه لا يجب تعليل الأفعال الصادرة عن الفاعل المختار كان السؤال ساقطا. وجوابه: منع الحصر، وهذا لأن دلالة القرينة خارجة عن الدلالة اللفظية والمعنوية فلعله يدل لقرينة التخصيص. سلمنا: الحصر لكن لا نسلم أن من شرط الدلالة المعنوية الاستلزام. ولم لا يجوز أن يقال: إن المناسبة والملابسة بحيث يحصل الشعور باللازم عند الشعور بالمسمى كاف في ذلك؟. سلمنا: أنه لابد من الاستلزام لكن لم قلتم: إن الاستلزام الظاهري غير

стр. 1896

حاصل، بل الظاهر أنه حاصل بدليل تبادر الذهن إلى النفي عند الإطلاق. قوله: يلزم الترك بالظاهر حيث يكون حكم المسكوت عنه موافقًا للمنطوق به وهو خلاف الأصل. قلنا: نعم لكن لدلالة من خارج وهو ليس ببدع إذ ذاك/ (٣٢٦/ب). وثالثها: أن صورة المنطوق بها مخالفة لصورة المفهوم، [وهذا مما لا شك فيه، ولا شك أيضًا: أن الصورتين المختلفتين] يجوز اشتراكهما في الحكم واختلافهما فيه، وكذا يجوز أن يشتركا في الإخبار عن ثبوت الحكم فيهما وأن يختلفا فيه، وإذا كان كذلك كان الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين لا يدل على ثبوت الحكم في الصورة الأخرى، ولا على عدمه، ولا على الإخبار عن ثبوته في الصورة الأخرى ولا على عدمه. وهو أيضًا ضعيف لأنه لا نزاع في الجواز العقلي، وإنما في أن هل للفظ به أشعار أم لا؟ وما ذكروه لا ينفيه. ورابعها: أن المقيد بالصفة لو دل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بها، لما حسن الاستفهام عن الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتًا، كما في مفهوم الموافقة

стр. 1897

لكنه يحسن فإنه لو قيل: في الغنم السائمة زكاة. حسن أن يقال. هل في المعلوفة زكاة أم لا؟ فهو إذا غير دال على الحكم فيه لا نفيا ولا إثباتًا. وهو أيضًا ضعيف إذ الملازمة ممنوعة وسنده ما سبق في العموم، وأما القياس على الفحوى فضعيف إذ الفرق ظاهر، فإن دلالة الفحوى قطعية، ودلالة دليل الخطاب ظنية، فلا يلزم من استقباح الاستفهام ثمة استقباحه هنا لو قاس على الفحوى الظني فالحكم ممنوع. وخامسها: إن تخصيص الحكم بالصفة، لو دل على نفي الحكم حيث انتفى تلك الصفة لما حسن إردافه بثبوت الحكم فيه لا بحرف العطف ولا بغير حرف العطف، كما لا يحسن إرداف صريح النفي صريح الإثبات كقوله: في الغنم السائمة زكاة، وليس في الغنم السائمة زكاة، أو ليس في الغنم السائمة زكاة، بحرف العطف وبغيره لكنه يحسن فإنه يحسن أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، وفي المعلوفة أيضًا زكاة، وكذا بغير حرف العطف فهو إذا غير دال على النفي. وهو أيضًا ضعيف، لأن دلالة المفهوم مشروطة بتخصيص الحكم بالصفة، فإذا ذكر بعد تعليق الحكم بها الحكم في مفهومه بحرف العطف، لم يكن تخصيص الحكم بالصفة حاصلًا فينتفي شرط دلالته والشيء ينتفي بانتفاء شرطه، بخلاف ما إذا كان كل واحد من النفي والإثبات معروفًا به، فإن دلالة أحدهما غير مشروط بعدم الآخر، وهذا إذا كان الإرداف بحرف العطف.

стр. 1898

أما إذا كان بغير حرف العطف لما يتأت هذا الجواب، لأن ذكر الحكم في مفهوم المخالفة بصريح النطق بعد تمام الحكم لو كان قادحا في تخصيص الحكم بالصفة لم يتصور التعارض بين المفهوم والمنطوق، لأنه ما من صورة من صور/ (٣٢٧/أ) المفهوم إذا ورد فيه صريح النطق بإثبات الحكم فيه إلا وأمكن أن يقال: إنه انتفاء شرط دلالة المفهوم وهو تخصيص الحكم بالصفة، لكنه خلاف تصريحهم، فإنهم صرحوا أنه إذا وقع التعارض بين المفهوم والمنطوق كان المنطوق أولى، ومن المعلوم أنه لا يمكن جعل عدم المعارض شرط دلالة الدليل وإلا لم يتصور التعارض بين الدليلين، بخلاف ما إذا كان بحرف العطف، فإن ذلك قبل تمام الكلام إذا الكلام يتم بآخره فأمكن أن يقال: إنه لم يوجد التخصيص. بل جوابه: أن يقال: أن دلالة المفهوم على النفي ظنية، فإذا ورد صريح النطق دالًا على الإثبات عقيبه علم أنه غير مراد من الخطاب وصار ذلك قرينة دالة على عدم إرادة المفهوم من الخطاب، بخلاف صريح النفي والإثبات، فإن دلالة كل واحد منهما بعد ثبوت المتن قطعية، فإذا ورد النفي عقيب الإثبات كان ذلك تناقضًا وتهافتًا، إذا القطعي غير قابل للتأويل فلذلك لم يصح، بخلاف الظني، فإنه قابل للتأويل فيصح أن يعارضه ظني أو قطعي. وسادسها: أن تخصيص الحكم بالصفة لو دل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بالصفة، لدل عليه: إما من جهة صريح الخطاب. وهو باطل بالإجماع لما سبق. وأما من جهة أن يخصص الحكم بالصفة لابد له من فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة. وهو أيضًا باطل، لما تقدم أن له فوائد غيره.

стр. 1899

وأما من جهة أخرى. وهو أيضًا باطل، إذا الأصل عدمه فلا يصار إليه إلا لدليل يحققه. وهو أيضًا ضعيف لاحتمال أن يقال: إنه يدل عليه من جهة أن لابد للتخصيص من فائدة، لكن لا لأنه لا فائدة سوى نفي الحكم، بل إما لأن هذه الفائدة أسبق إلى الذهن فيكون الحمل عليه أولى، وإما لأن الحمل على جميع الفوائد أولى تكثيرًا للفوائد. وسابعها: أن تقييد الحكم بالصفة، لو دل على النفي عند عدم الصفة، لما كان حكم المنطوق به ثابتًا مع عدمها، لأنه لو ثبت إذ ذاك لكان إما لا عن دليل يدل عليه، أو لدليل يدل عليه. والأول: باطل، لأن تخلف المدلول عن الدليل لا بسبب يقدح في كون ذلك الدليل دليلًا. والثاني: "أيضًا" باطل لما فيه من التعارض بين الدليلين، وأنه خلاف الأصل، لكنه ثابت كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ وفي قوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ / (٣٢٧/ب).

стр. 1900

وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وجوابه: ما سبق في جواب الدليل الثاني. وثامنها: أن الحكم المقيد بالصفة يرد تارة مع انتفاء الحكم عما عدا الموصوف بها "كما في قوله: زكوا عن الغنم السائمة، وتارة مع ثبوت الحكم فيه كما "في ما تلونا" من الآيتين قبل، فعند هذا نقول: إما أن يجعل حقيقة فيهما وهو باطل. أما أولا: فبالاتفاق. وأما ثانيًا: فلأن الاشتراك خلاف الأصل. أو مجازًا فيهما وهو أيضًا باطل لما تقدم من الوجهين. أو يجعل حقيقة في الثبوت مجازًا في النفي، وهو أيضًا باطل لما سبق من الوجهين. أو يجعل حقيقة في النفي مجازًا في الإثبات، وهو أيضًا باطل، لأن المجاز خلاف الأصل، فيتعين أن يجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو ثبوت الحكم في المنطوق به، مع قطع النظر عن ثبوته ونفيه عن غير المذكور. وأعلم أن هذا الدليل والذي قبله أقوى حجج من لم يقل بالمفهوم. وجوابه: أن المجاز وإن كان خلاف الأصل لكنه قد يصار إليه عند قيام

стр. 1901

الدلالة عليه وما ذكرنا من الأدلة دال عليه فوجب المصير إليه. وتاسعها: لو دل تقييد الحكم بالصفة على نفي الحكم عما عد الموصوف بها، لدل تقييد الحكم بالاسم على نفيه عما عداه، إما بجامع صيانة التخصيص عن الإلغاء، أو بجامع حمله على تكثير الفائدة، أو بجامع التمييز فإن المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عن غيره، فكذا المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره واللازم باطل، فالملزوم مثله. وأجيب: عنه بأنه قياس في اللغة وهو ممنوع. سلمناه: لكن الملازمة ممنوعة وهذا لأن الفرق المناسب القادح بينهما قائم، ومعه لا يضاف الحكم إلى المشترك، وبيانه أن نفي الحكم في صورة التقييد "بالصفة أسبق إلى الفهم من سائر الفوائد، وهو غير حاصل في صورة التقييد" بالاسم، ولو سلم أنه ليس كذلك لكن لا يشك في منصف أن لا يرتاب في أن شعور الذهن عند سماع اللفظ العام المقيد بالصفة الخاصة بما ليس له تلك الصفة، أتم من شعوره بما يغاير "مدلول" اسم ما عند سماعه، وإذا كان كذلك لا يلزم من دلالة المفهوم على النفي ثمة دلالته على

стр. 1902

النفي في صورة التقييد بالاسم. سلمنا: الملازمة، لكن انتفاء اللازم ممنوع، وهذا لأن بعض القائلين بمفهوم الصفة. قالوا: بمفهوم الاسم أيضًا. سلمناه: لكنه منقوض بمفهوم الشرط والغاية، فإن بعضهم سلم الحكم فيها كابن شريح والقاضي. وعاشرها: لو دل تخصيص الحكم بالصفة على نفي الحكم عند عدمها بطريق المفهوم لوجب أن ينفى حكم المفهوم، وإن بطل حكم المنطوق قياسًا على مفهوم الموافقة، وقياسًا على العكس، لكنه لا ينفى عند بطلان حكم المنطوق وفاقًا فليس له دلالة عليه. وجوابه: منه الملازمة، وهذا لأن المفهوم تابع المنطوق فإذا زال المتبع زال التابع. وأما القياس على مفهوم الموافقة، فالفرق بينهما ظاهر، وهو أن الحكم فيه ثابت بطريق الأولى، أو بطريق التساوي على اختلاف فيه، ولا يلزم من زوال الحكم عن الأدنى زواله عن الأعلى، وكذا القول على تقدير التساوي بخلاف مفهوم المخالفة، فإنه ليس الحكم فيه بطريق الأولى ولا بطريق التساوي، بل هو أضعف منه وإنما ثبت بواسطة [تخصيص الحكم بالصفة فإذا بطل التخصيص بل ما ثبت بواسطته] وأما القياس على العكس فالفرق أوضح وهو غني عن البيان وقريب من هذا الخلاف، الخلاف في تخصيص

стр. 1903

الحكم بمجرد الأوصاف التي تطرأ وتزول من غير ذكر عام نحو قول القائل في السائمة زكاة، وسبب بعد هذا عن الأول هو أن في صورة التخصيص بالصفة من غير ذكر العام يمكن أن يكون الباعث التخصيص هو خطرانه بالبال وذهول المتكلم عما ليس له تلك الصفة، وهذا الاحتمال إن لم يمتنع في العام المردف بالصفة الخاصة في معرض الاستدراك فلا شك في بعده حدا، إنما قيدنا بالأوصاف التي تطرأ أو تزول احترازًا عن الصفة اللازمة للجنس كالطعم لما يؤكل نحو قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" فإن هذا ليس الخلاف فيه كالخلاف في تينك الصورتين المذكورتين، بل أبعد وهو قريب من الخلاف في التخصيص بالاسم. فرعان: أحدهما: القائلون بأن مفهوم المخالفة حجة اتفقوا: على أنه إنما يكون حجة إذا لم يكن الباعث للتقيد بالصفة العادة، وعليه وقوع ذلك الشيء مع تلك

стр. 1904

الصفة، كما في تقدم من الأمثلة. وأما الذي يكون السبب فيه ما ذكرنا نحو قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ الآية ونحو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" فلا، لأنه يغلب على الظن أن الباعث على التخصيص والتقييد هو غلبة الوقوع، لأن الحكم مختص بالصفة. الثاني: ذهب أكثر القائلين بمفهوم الصفة: إلى أن تقييد الحكم بالصفة في جنس، إنما يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك (٣٢٨/ب) الجنس، لا غير فلا دلالة لمفهوم قوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة" "عندهم على نفي الزكاة" "عن" معلوفات الإبل والبقر. وذهب الأقلون إلى القول بتعميم الأدلة. احتج الأكثرون: بأن دلالة المفهوم تابعة لدلالة المنطوق، والتابع لا يزيد على المتبوع ولا يجاوزه. ولأن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، وهو لم يتناول إلا الجنس المذكور فمخالفة أيضًا لم يتناوله تحقيقًا لمعنى المخالفة، فإنه إذا بقي الحكم عما

стр. 1905

لا يتعرض "له" المنطوق بالإثبات لم يكن مخالفًا له على الحقيقة، بل تسميته بذلك مجاز من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. "وأما الأقلون فقد احتجوا: بأن الوصف المذكور في الحكم علة الحكم،" فإذا انتفى العلة انتفى الحكم إذ الأصل اتحاد العلة. وجوابه: منع أن الوصف المذكور علة الحكم، وهذا لأنه يحتمل أن يكون شرطًا له. سلمناه: لكن في الجنس المذكور لا مطلقًا، لكن في الوصف المناسب لا في غيره والبحث فيه وفي غيره. المسألة الرابعة اختلفوا في الحكم المعلق على شيء بكلمة "إن" هل هو عدم عند عدم ذلك الشيء أم لا ؟.

стр. 1906

فذهب القائلون بمفهوم الصفة بأسرهم، وجماعة من منكريه نحو ابن سريج والكرخي وأبي الحسين البصري: إلى أنه عدم عند عدمه وهو اختيار الإمام. وذهب: الباقون: نحو القاضي أبي بكر، والغزالي، وأكثر المعتزلة: إلى أنه ليس كذلك. لنا وجوه:

стр. 1907

أحدها: ما روي أن يعلى بن أمية، قال لعمر بن الخطاب، ما لنا نقصر وقد أمنا وقد قال تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقال عمر ﵁ تعجبت مما عجبت فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك: فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".

стр. 1908

ووجه الاستدلال به ظاهر، فإن يعلى بن أمية فهم منه عدم جواز القصر عند الأمن، وكذلك فهم عمر ﵄ ذلك وتعجب منه وفهمها حجة، وكذلك تقرير الرسول ﷺ لعمر على هذا الفهم أدل دليل عليه. فإن قلت: لا نسلم أنهما فهما ذلك، ولا نسلم إنما سألا ما سألا بناء على ما ذكرتم، ولا نسلم تقرير الرسول ﷺ لعمر على ما ذكرتم من الفهم، ولا تقرير عمر ليعلى بن أمية عليه، وهذا لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك كله: هو أن الأصل في الصلاة هو الإتمام، وأن حال الخوف مستثنى من ذلك، فوجب أن يبقى ما عدا حال الخوف على الأصل، فلما لم يبق الحكم على الأصل تعجبا/ (٣٢٩/أ) وسألا ما سألا وقررا على ما يعجبا منه. قلت: لو كان الأمر "على ما" ذكرت لم يكن لتلاوة آية القصر عند السؤال معنى ولا التعجب من مخالفة حكمها، لأنه ليس في جواز القصر في غير حالة الخوف مخالفة لها، بل كان المناسب ذكر ما يدل على وجوب الإتمام، فإن في جواز القصر في غير حالة الخوف له من غير دليل، وهو محل التعجب والسؤال، ولما لم يكن الأمر كذلك علما أن التعجب إنما كان بسبب مخالفة مفهوم الشرط. وقد أجيب عن السؤال المذكور بوجه آخر: وهو يمتنع أن الأصل في الصلاة هو الإتمام، بل الأصل عدم الإتمام والإتمام طارئ عليه يدل عليه ما

стр. 1909

روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر) وإذا كان كذلك فليس في جواز القصر في غير حالة الخوف مخالفة الأصل فلم يصلح أن يكون ذلك سببًا للتعجب. وهو ضعيف. أما أولًا: فلأن معظم القائلين بمفهوم الشرط، نحو الشافعي وأصحابه لم يقولوا بهذا الأصل، بل هو باطل عندهم، فلم يمكنهم تصحيحه به، لأن

стр. 1910

تخريج المذهب الصحيح على الباطل باطل، نعم: لو أجيب به على سبيل الإلزام على بعض الحنفية القائلين بمفهوم الشرط وبهذا الأصل كان صحيحًا. وأما ثانيًا: فإنا وإن سلمنا أن ذلك هو الأصل، لكن لا شك في نسخ ذلك الأصل بعد الزيادة، ويستحيل القول باحتمال نزور الآية قبل الزيادة، وإلا لقصرت الصلاة إلى ركعة واحدة، أو يتعطل اللفظ، لأن قوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا﴾. دال من وجهين: على أن الإتمام هو الأصل قبل نزول الآية، لأن سلب الجناح عن عدم الإتمام دليل على أنه رخصه، ولو كان ذلك هو الأصل لكان عزيمة، وكذلك لفظ القصر دال عليه، لأن الصلاة المشروعة ابتدأ ركعتين لا تسمى مقصورة ولا فعلها قصرًا، فيتعين أن يقال أنها نزلت بعد الزيادة ونسخ ذلك الأصل، وحينئذ يصلح أن يكون ما ذكروه منشأ للتعجب. وثانيها: أن كلمة "إن" مسماة بحرف الشرط عند أهل العربية، وهو ظاهر فإن كتب النحو بأسرها ناطقة بهذا، والأصل في الاستعمال الحقيقة، والنقل خلاف الأصل، لأن من الظاهر أنها ليست مسماة بهذا الاسم باعتبار "أن" نفسها أو معناها شرط، بل باعتبار إن ما دخل عليه لفظًا أو معنى لما بعده كذلك والشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه، لأنه معنى عام في جميع/

стр. 1911

(٣٢٩/أ) موارد استعماله فوجب جعله حقيقة فيه دفعا للاشتراك والتجوز. وإنما قلنا: ذلك لأنهم يقولون: الحياة شرط العلم والقدرة والإرادة، والوضوء شرط صحة الصلاة، والحول شرط وجوب الزكاة، والاستطاعة شرط وجوب الحج. ويقولون: أيضًا أشراط الساعة: أي علاماتها. والمعنى العام الذي يشمل هذه الموارد كلها، هو أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء ما هو شرط له، لأنه يلزم من انتفاء الحياة انتفاء العلم والقدرة والإرادة، ويلزم من انتفاء الوضوء والحول والاستطاعة وعلامات الساعة، انتفاء صحة الصلاة ووجوب الزكاة والحج وانتفاء الساعة. أما أنه يلزم من وجود الشرط وجود ما هو شرط له أو مجموع الأمرين أعني أنه يلزم من الوجود الوجود ومن العدم العدم، فليس بمعنى عام في جميع موارد استعماله إذ لا يلزم من وجود "الوضوء" والحول صحة الصلاة، ووجوب الزكاة، فعند هذا ظهر أنه يلزم من انتفاء ما دخل عليه "إن" انتفاء ما هو مشروط به وهو المطلوب. فإن قلت: سلمنا: أن ما دخلت عليه كلمة "إن" شرط لما بعده، وأن الشرط ما يلزم من انتفائه انتفاء ما هو مشروط به، لكن إذا لم يوجد ما يقوم

стр. 1912

مقامه، أما إذا وجد ما يقوم مقامه فلا. وهذا لأنه يقال الوضوء شرط صحة الصلاة، ومع هذا لا يلزم من انتفاءه انتفاء صحة الصلاة إذا قام غيره مقامه كالتيمم، وحينئذ لا يلزم من عدم ما دخلت عليه كلمة "إن" عدم ما هو مشروط به، إلا إذا ثبت أنه لم يوجد ما يقوم مقامه. فلم قلت: أنه لم يوجد ما يقوم مقامه، وإذا لم يثبت ذلك لم يحصل مقصودكم من إثبات هذا الأصل، وهو الاستدلال بانتفاء ما دخل عليه "كلمة" إن على انتفاء ما هو مشروط به. قلت: نحن نساعدكم أنه لا يلزم من "كلمة من" انتفاء ما هو مشروط به إلا إذا ثبت أن ذلك الشرط شرط بعينه، أما إذا لم يثبت ذلك فلا لكن نقول: قد ثبت بما ذكرنا وسلمتم أيضًا أن ما دخل عليه كلمة "إن" شرط لما بعده والأصل عدم شرط آخر يقوم مقامه فيلزم من انتفائه انتفاء المشروط ظاهر، وحينئذ يحصل ما هو المقصود من إثبات هذا الأصل. وثالثها: لا شك أن الرجل إذا قام: أكرم زيدًا إن كان فاسقًا، فإنه يستقبح ويستهجن في العرف ولو قال: أكرم زيدًا وإن كان فاسقًا، فإنه لا

стр. 1913

يستقبح ولا يستهجن فاستقباح القول الأول، إما أن يكون لأنه أمر بالإكرام مع منافيه الذي هو/ (٣٣٠/أ) الفسق، أو لأنه أمر بالإكرام مع الفسق الذي هو منافيه مع قيد "أنه غير متعرض" لغير حالة الفسق لا بالإكرام ولا بعدمه على ما هو رأي الخصم فيه، وفي أمثاله، أو أمر بالإكرام في حالة الفسق وبعدمه في غير حالة الفسق التي فيها الأمر بالإكرام أجدر، والأمران الأولان باطلان فتعين الثالث. أما الأول: منهما فلأنه لو قبح ذلك لفتح القول الثاني، لأنه فيه الأمر بالإكرام في حالة الفسق أيضًا. أما الثاني: فلكونه عدميا إذ المركب من العدمي والقبيح وجودي، ولعدم مناسبته للاستقباح [كان خبره غير مناسب] لأنه التصريح بعدم إكرام الصالح هو القبيح لا عدم التعرض لإكرامه وعدمه، ألا ترى أن الرجل لو أمر بعدم إكرام الصالح لقبح منه ذلك، ولو لم يتعرض لإكرامه ولا لعدم إكرامه ويسكت عن القسمين لم يقبح منه ذلك وجزء العلة يجب أن يكون مناسبًا وإذا بطل الأمران تعين الثالث. لا يقال: إنه وحده وإن [كان] لا يقبح لكن لا نسلم أنه مع الأمر بإكرام الفاسق لا يصح، وهذا فإن الشيء قد لا يقبح ابتداء لكن يقبح عند ذكر غيره، لأنا نقول لو قبح إذ ذاك فإنما يقبح، لأن تخصيص ذكر حالة الفسق بالإكرام ينبئ عن أن حالة غير الفسق بخلاف حالة الفسق عنده وذلك من قبيل المفهوم الذي لا يقول به الخصم، وهو أضعف من مفهوم الشرط فلم يجز أن يكون ذلك مستند القبح عندهم، ولو أورد بطريق الإلزام فدفعه

стр. 1914

بإجماع اللاقائل بالفصل، وإذا بطل الأمران الأولان تعين الثالث وهو المطلوب. ورابعها: أن قول الرجل: أكرم الرجل إن كان صالحًا، يقابل في العرف قوله: أكرم الرجل إن كان فاسبقًا، لهذا لو قال: الرجل القول الأول فمن أراد مخالفته ومضادته وعكس ما قاله "و" قال: القول الثاني، فلو لم يكن الحكم المعلق بكلمة "إن" عدم عند عدم المعلق عليه لما كان كذلك، وإذا أفاد ذلك في العرف وجب أن يكون كذلك في أصل اللغة، وإلا لزم النقل وأنه خلاف الأصل. احتجوا بوجوه: أحدها: النفي وهو نحو قوله تعالى: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾. وقوله: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ وقوله: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ وقوله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾. والحكم في جميع هذه الآيات المتلوة غير منتف عند انتفاء ما علق عليه

стр. 1915

بكلمة "إن" إذ الأمر بالشكر حاصل سواء حصلت العبادة أو لم تحصل، وكذلك الرهن جائز في الحضر ومع وجود الكاتب، وكذلك القصر جائز سواء حصل الخوف/ (٣٣٠/ب) أو لم يحصل، وكذلك تحريم الإكراه على البغاء سواء حصل إرادة التحصين أو لم يحصل، فإن كان هذا مقتضى الكلام والاستعمال فقد حصل المقصود، وهو أن المعلق بكلمة "إن" لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم المعلق عليه وإن لم يكن ذلك مقتضاه، بل حصل ذلك لدليل آخر [فحينئذ] يلزم التعارض، وأنه خلاف الأصل فما يستلزمه يكون أيضًا كذلك. وجوابه من وجهين: أحدهما: وهو الوجه الجملي: وهو أن التعارض وإن كان خلاف الأصل، لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، وما ذكرنا من الأدلة مع التخلف فيما ذكرتم من الصور دال عليه، إذ التخلف لا لدليل قادح في تلك الأدلة فوجب المصير إليه. وثانيهما: وهو الوجه التفصيلي: أما عن الآية الأولى فلا نسلم أن الحكم غير منتف فيها عند انتفاء المعلق عليه، وهذا لأنه يجوز أن يكون معنى العبادة في الآية هو التوحيد فمعنى قوله: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ أي توحدون، كما في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ليوحدون.

стр. 1916

فعلى هذا إن لم تحصل العبادة المعلق عليها الحكم حصل الشرك والكفر، وعند ذلك لا يكون الأمر بالشكر حاصلًا بمعنى طلب الفعل وفاقًا. ولئن سلمنا: أن المعنى من العبادة المذكور في الآية ما هو المتعارف "منها"، لكن لا نسلم أن الحكم غير منتف عند انتفائها. وهذا لأن الشكر عندنا على ما بينا في مسألة شكر النعم: عبارة عن القول: اللساني والفعل الجوارحي والمعرفة الجناني. ولا شك أن ذلك المجموع لا يبقى عند انتفاء أعمال الجوارح، فعند ذلك يستحيل وجود الشكر، والمستحيل غير مأمور به. سلمنا: أن الشكر ليس عبارة عن هذا المجموع، لكن نقول: لم لا يجوز أن يكون الشكر المأمور به في الآية هو الشكر الكامل، وحينئذ يكون الحكم منتف عند انتفاء المعلق عليه، إذ لا شك أن الشكر الكامل يستحيل وجوده إذ ذاك، والمستحيل غير مأمور به. فإن قلت: المأمور به في الآية هو مطلق الشكر وتقييده بالشكر الكامل، خلاف الأصل. قلت: يجب الحمل عليه لئلا يلزم التعارض فإنه أشد محذورًا من الإضمار. وأما عن الآية الثانية والثالثة: فهو أن التعليق بكلمة "إن" عندنا إنما يدل على العدم عند عدم المعلق عليه، إن لو لم يمكن الباعث على التعليق شدة الحاجة، كما هو في الآية الثانية فإن الحاجة إنما تمس إلى أخذ الرهن في حالة

стр. 1917

السفر وعدم وجدان الكاتب أو غلبة الوقوع على ذلك النسق، كما هو/ (٣٣١/أ) في الآية الثالثة فإن خوف افتتان الكفرة كان حاصلًا في غالب أسفار المسلمين في ذلك الزمان. أما إذا كان الباعث أحد ما ذكرنا من الأمرين فلا نسلم أنه يدل عليه، وهذا وإن لم يكن منصوصًا للأصحاب، لكن لا بأس به أخذًا مما قالوه: في مفهوم الصفة: كيف وجدت ذلك في كلام إمام الحرمين منصوصًا عليه "وهذا يبطل الاستدلال بالآية ويضعفه فهم الصحابة وتقرير الرسول فإنه إذا لم يكن للآية مفهوم لم يكن للتعجب معنى فالأولى أن يجاب عنه بأن ظاهر الشرط يقتضي العدم لكن لا يمتنع مخالفة المنفصل". وأما عن الآية الرابعة: فهو أنا لا نسلم أن الإكراه على البغاء محرم حالة عدم إرادة التحصن، وهذا لأن تحريم الإكراه "على البغاء" فرع تصور ماهية الإكراه على البغاء، وحالة عدم إرادة التحصين يمنع تصور ماهية الإكراه على البغاء لأنه حينئذ يتحقق إرادة البغاء والإكراه لا يتصور على المراد فيمتنع تحريم الإكراه على البغاء، حينئذ لامتناع ماهيته.

стр. 1918

فإن قلت: لا نسلم أنه عند عدم إرادة التحصين يتحقق إرادة البغاء حتى يمتنع الإكراه عليه، وهذا لأنه يجوز أن لا تريده أيضًا: إذ يجوز خلو الإرادة عن الضدين، نعم: إنما يلزم امتناع الإكراه على البغاء إذ ذاك، من حيث تفسير الإكراه لا من حيث إنه مراد إذ ذاك حتمًا، وذلك لأن الإكراه لو كان عبارة، عن أن يحمل الإنسان على فعل ما يريد أن يفعله لزم امتناعه عند عدم إرادة التحصن، لأن إذ ذاك إما أن يريد البغاء، أو لا يريده، إما بأن لا يكون محظورًا بالبال، أو وإن كان محظورًا فيه، لكن لا يريده، لأنه يجوز خلو الإرادة عن الضدين، وعلى التقديرين يستحيل الإكراه على البغاء على ذلك التفسير، لكنه ممنوع. ولم لا يجوز أن يكون الإكراه؟ عبارة: عن أن يحمل الإنسان على فعل ما لم يرد فعله. وحينئذ لا يلزم من عدم إرادة التحصن امتناع الإكراه على البغاء على ما ذكرنا من التفسير، لجواز أن لا يكون مرادًا أيضًا: لما سبق فيمكن الإكراه عليه.

стр. 1919

قلت: الدليل على أن عند عدم إرادة التحصن يتحقق إرادة البغاء هو أن قوله تعالى: ﴿إن أردن تحصنا﴾ دل على أن المراد حالة الداعي إلى قضاء الشهوة لأن من لا داعية له إلى قضاء الشهوة كالعنين وغيره لا يقال: له تحصن، ولأنه ليس فيه تكليف وهو ينبي عن التكليف كالتحكم والتعلم، ومفهوم الكلام الجواب يتقيد بحالة منطوقة، فيكون معنى مفهومه، فإن لم يردن التحصن حالة الداعي إلى قضاء/ (٣٣١/ب) الشهوة لا يكون الإكراه منهيًا عنه، والأمر كذلك؛ لأن عند ذلك يردن البغاء قطعًا وإلا لم يكن الداعية داعية والإكراه على المراد غير تصور فلا يكون منهيًا عنه وبه خرج، الجواب عن الثاني أيضًا: لأنه مبني على أنه لا يلزم أن يكون البغاء مرادًا إذ ذاك وقد أبطلناه. سلمنا: صحته لكن نقول الإكراه عبارة عن أن يحمل الإنسان على فعل ما يريد أن لا يفعله، لا على فعل ما لا يريد أن يفعله. لأن المتبادر إلى الذهن من إطلاق الفعل المكره عليه، أنه مكروه للمكره "أي" الفاعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يكون مكروها له إلا وأن يريد أن لا يفعله إذ الكراهة ضد الإرادة فتعتبر فيها إرادة عدم الفعل لا عدم إرادة الفعل، ولأن الذي يستوي فعله وتركه عند الإنسان يفعله الإنسان

стр. 1920

بأدنى باعث من خارج من غير أبا النفس عنه ومن غير مشقة فلا يتصور فيه الإكراه. وثانيها: الحكم وهو أن الرجل إذا قال: لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فهذا لا ينفي وقوع الإطلاق بدون دخول الدار وفاقًا، حتى لو نجز أو علق بشيء آخر وقع. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا ينفي والاستدلال على ذلك بوقوع المنجز أو المعلق بتعليق آخر غير صحيح، لأن ذلك عندنا غير المعلق بدخول الدار ويدل عليه أن المعلق بدخول الدار يقع بعد التنجيز، إن كان واحدًا، أو أثنين، أو ثلاثًا، على رأي ولو كان عينه استحال ذلك، كما لو كان الدخول بعد الدخول. سلمنا: أنه عينه لكن المفهوم إنما يدل لو لم يعارضه المنطوق، وهذا الشرط منتف عند التصريح بالتنجيز. وثالثها: أن ما علق عليه الحكم بكلمة "إن" إن لم يكن شرطًا للحكم، أو كان شرطًا له، لكن ليس من لوازم الشرط انتفاء الحكم عند انتفائه، فقد حصل المقصود، وإن كان من لوازمه ذلك فحينئذ يلزم عدم جواز القصر في السفر حالة عدم خوف افتتان الكفار، وهو محال مخالف للإجماع، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. وجوابه: ما سبق في جواب الآية.

стр. 1921

ولو فرض هذا الاستدلال في غيرها حيث لا يتأتى ذلك الجواب. فجوابه أنه من لوازمه عند عدم المعارض وليس من لوازمه عند وجوده، ولو قيل بأنه خلاف الأصل. فجوابه أيضًا قد سبق. المسألة الخامسة [في حجية مفهوم الغاية] مد الحكم إلى غاية بصريح الكلام نحو قوله: صوموا صومًا آخره الليل. أو بصيغة "إلى" أو "حتى" نحو قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام/ (٣٣٢/أ) إلى الليل﴾. وقوله: ﴿حتى يطهرن﴾. هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية؟

стр. 1922

اختلفوا فيه: فذهب كل من قال بمفهوم الشرط، وبعض المنكرين له نحو القاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجبار: إلى أنه يدل على النفي. وذهب الباقون: إلى أنه لا يدل عليه. لنا وجوه: أحدها: أن ما بعد الغاية نحو قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ليس كلامًا تامًا بأنه لو ابتدأ وقال: ﴿حتى يطهرن﴾ و ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ وسكت لم يحسن السكوت عليه، فلابد فيه من إضمار وذلك "إما" ضد ما قبله، أو غيره. والثاني: باطل، لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه عينا، ولا في العقل، فإما أن يضمر الكل وهو باطل. أما أولًا: فبالاتفاق. وأما ثانيًا: فلأنه تكثير الإضمار من غير حاجة، أو يضمر واحد من غير تعيين، وهو أيضًا باطل، لأنه إجمال مخل بالمقصود، فيتعين الأول، وهو

стр. 1923

المقصود، فيكون تقدير الكلام فيما ذكرنا من المثالين، ولا تقربوهن حتى يطهرن فاقربوهن وحتى تنكح زوجًا غيره فتحل، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة ثبت في غيرها لعدم القائل بالفصل. فإن قلت: لا نسلم أنه ليس في العقل ما يدل على تعيين إضمار غير ضد الكلام، وهذا لأن إضمار كونه مسكوتًا عنه إذ ذاك مما يدل عليه العقل، وذلك لأن العقل دل على أنه لا حكم قبل الخطاب، فإذا ورد الخطاب مثبتًا للحكم إلى حصول وصف، أو إلى زمان، أو إلى مكان، وجب أن يبقى ما بعد ذلك الزمان والمكان على حكم الأصل، فيكون مسكوتًا عنه، فإضماره مما دل عليه العقل. قلت: هب أن إضمار كونه مسكوتًا عنه مما دل عليه العقل بالطريق الذي ذكرتم، لكن نقول: إن إضمار "ضد" الحكم المذكور أولى. أما أولًا: فلأنه أكثر فائدة، وأما ثانيًا: فلأنه مشعور به من جهة اللفظ والإضمار حكم لفظي، فيكون إضماره أولى. وأما ثالثًا: فلأن الذهن مبادر إلى فهمه عند الإطلاق، كما سيأتي. وثانيها: أن غاية الشيء، نهاية الشيء، ونهاية الشيء منقطعة وإنما يكون ما بعد الغاية منقطعًا، إن لو لم يكن الحكم ثابتًا فيه، فإن بتقدير أن يكون الحكم ثابتًا فيه، لم يكن منقطع الحكم فلم يتحقق مفهوم الغاية، وهو خلاف ظاهر التسمية، ولا يدفع بأن الحكم لو ثبت فإنما يثبت بخطاب آخر لا بالأول لأنه ليس غاية مقيدة، بل هي غاية للحكم على الإطلاق.

стр. 1924

وثالثها: أن الرجل إذا قال: "لا تعط" زيدًا درهما حتى/ (٣٣٢/ب) "يقوم" واضرب عمرًا حتى يتوب، فهم منه الأمر بالإعطاء عند القيام وترك الضرب عند التوبة ولهذا يستقبح الاستفهام عنهما "بعدهما ولو لم يفهما لم قبح الاستفهام عنهما". فإن قلت: الملازمة ممنوعة، وهذا لأنه يجوز أن يكون قبح الاستفهام لأجل أنه مسكوت عنه غير متعرض للنفي والإثبات فقبح، كما قبل الأمر بالإعطاء والضرب، فإنه إذا قال: ابتداء هل أعطي زيدًا درهما "إذا قام" وهل ترك الضرب عن عمر؟ إذا تاب قبح ذلك. قلت: الدليل على أن قبح الاستفهام، إنما كان لأجل أنهما فهما من الكلام، لا لأجل ما ذكرتم، هو أن الاستفهام عن الشيء قد يحسن لوجود ما يوهم وجوده، والتقييد بالغاية إن لم يكن مقتضيًا لضد الحكم السابق فلاشك أنه موهم له، فكان ينبغي أن يحسن بخلاف ما قبل الأمر، فإنه لم يوجد هناك ما يوهم الإعطاء والضرب وتركه حتى يحسن الاستفهام عنهما ولما لم يحسن دل على أنه إنما قبح لأنه مقتضى للحصول وأنه غير متردد فيه. احتجوا بوجهين: أحدهما: أنه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم عما بعد الغاية، فإنما يدل لأنه لابد للتقييد من فائدة، وإلا لكان التقييد بالغاية عبثًا إذ

стр. 1925

من المعلوم أنه لا يدل اللفظ المقيد بالغاية بصراحته، والأصل عدم غيرهما لكن لا يدل من تلك الجهة، لأن له فائدة أخرى وهي تعريف بقاها بعد الغاية على ما كان عليه قبل الخطاب، فإنه لو أطلق اللفظ ولم يقيده بالغاية لثبت الحكم فيما قبل الغاية وبعدها فقيد ليعرف بقاؤه على ما كان عليه من قبل. وجوابه: أن ما ذكرتم، وإن كانت فائدة، لكنها ليست فائدة لفظية، لأن بقاء حكم ما بعد الغاية على ما كان عليه قبل الخطاب، إنما يعرف بالعقل واللفظ على ما ذكروه إنما يفيد قطع الحكم لا غير، وحمل اللفظ على الفائدة اللفظية أولى، ولأن ما ذكرناه أكثر فائدة على ما ذكرتم، فكان الحمل عليه أولى. وثانيهما: أنا أجمعنا على أنه يجوز أن يثبت ما بعد الغاية مثل حكم ما قبلها، فعند ذلك يقول التقييد بالغاية لو اقتضى عدم الحكم فيما بعدها لزم التعارض، وأنه خلاف الأصل، وإن لم يقتض فهو المطلوب. وجوابه: ما سبق من أنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه.

стр. 1926

المسألة السادسة في أن تقييد الحكم بعدد مخصوص، هل يدل على نفي ذلك الحكم عن غيره من الإعداد أم لا ؟ اختلفوا فيه: وتحقيق القول فيه يستدعي تفصيلًا، وهو أن غيره من الأعداد إما زائدًا، أو ناقص، وعلى التقديرين الحكم: إما واجب/ (٣٣٣/أ) أو ندب أو إباحة، أو كراهة، أو حرمة، فيحصل من ضرب هذه الأحكام الخمسة في الاثنين أقسام عشرة. أحدها وثانيها وثالثها: أن يكون عدد مخصوص واجبًا، أو ندبًا، أو مباحًا، نحو ما وجب الله تعالى علينا جلد الزاني مائة جلدة، أو ندبنا إليه أو إباحة لنا، فهذا يقتضي أن يكون ما زاد على ذلك العدد واجبًا، أو ندبًا أو مباحًا، وكذا "لا يقتضي أيضًا" حرمة، ولا كراهة، نعم: إنه يقتضي عدم وجوب الزائد على مذهب القائلين بالمفهوم: وهو ظاهر غني عن البيان. ورابعها: أن يكون عدد مخصوص واجبًا، فهذا يقتضي أن يكون ما دونه من العدد واجبًا إن كان داخلًا فيه لا محالة، لأنه لا يمكن الإتيان به دونه وما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب، وإن لم يكن كذلك فلا.

стр. 1927

وخامسها: أن يكون عدد مخصوص ندبًا فهذا يقتضي أن ما دونه من العدد راجح الفعل لا محالة، لكن بالشرط المذكور وإلا فلا. وإنما قلنا إنه يقتضي كونه راجح الفعل ولم يقل إنه يقتضي أن يكون مندوبًا كهو، لأنه محتمل أن يكون [راجح الفعل ولم يقل إنه] واجبًا والحكم بالندبية ينافي الوجوب. وسادسها: أن يكون عدد مخصوص مباحًا، فهذا يقتضي أن ما دونه من الأعداد جائز الفعل إن كان داخلًا فيه لا محالة، ولا يقتضي إباحته، أو ندبيته، لاحتمال أن يكون واجبًا، لأن من الظاهر أن قول الشارع أبحت لكم أن تجلدوا الزاني مائة وعشرين جلدة، لا ينافي قوله: أوجبت عليكم أن تجلدوه مائة جلدة، ولو كان مقتضيًا للإباحة، لكان منافيًا له وهو التقرير بعينه في الندب وإن لم نذكر ثمة، وإن لم يكن داخلًا فيه على الشرط المذكور فسواء كان داخلًا تحته مرة دون أخرى أو لم يدخل تحته أصلًا، فإنه لا يدل على جواز فعلهما، لأنه لا يتوقف فعل المباح عليهما كما توقف ما هو داخل تحته لا محالة. وسابعها وثامنها: أن يكون حكم عدد مخصوص الكراهة، أو الحضر

стр. 1928

فهذا يقتضي أن ما زاد عليه أولى بالكراهة، والحظر، نحو ما إذا حظر الشارع جلد الزاني مائة وعشرين، فهذا يقتضي أن مائة وأربعين أولى أن يكون محظورًا، وكذا قوله ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" يدل على أن ما زاد على القلتين لم يحمل الخبث بطريق الأولى. أما إذا نص على عدد مخصوص، بأنه غير مستلزم لكذا، أو لا يترتب عليه كذا، نحو قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله/ (٣٣٣/ب) لهم﴾ فهذا "هل" يتقتضي أن ما زاد عليه على خلافه أم لا؟. اختلفوا فيه فالقائلون بالمفهوم: ذهبوا إليه، وأنكره الباقون وهو صورة من صور مفهوم العدد المختلف فيه. وتاسعها وعاشرها: أن يكون حكم عدد مخصوص الكراهة، أو الحظر فهل يقتضي هذا أن يكون حكم ما دونه على خلافه أم لا؟ اختلفوا فيه أيضًا فالقائلون بالمفهوم: ذهبوا إليه. وأنكره الباقون. وعلى هذا الخلاف أيضًا حكم النفي نحو قول القائل: "القلتان لا تحملان الخبث" فإن مفهومه عند القائلين به، إن ما دونهما يحمل الخبث. احتج القائلون بمفهوم العدد بوجوه:

стр. 1929

أحدها: "ما" روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال ﵇: "والله لأزيدن على السبعين"

стр. 1930

فعقل ﵇ أن الحكم منفي عن الزيادة وإلا لم يكن للزيادة فائدة وأجيب عنه بوجوه: أحدها: أنه خبر واحد فبتقدير صحته لا نسلم أنه تقوم الحجة في إثبات اللغة، كيف وإن الأظهر أنه غير صحيح، وذلك لأنه ﵇ أعرف
следующие страницы →