← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

جميع مفهوماته، وإنه غير جائز على ما تقدم تقريره. وأما استدلال القائلين به فقد سبق الجواب عنه. سلمنا: جوازه لكن وجد من القرينة ما يدل على أن المراد منه القول، وهي تقدم ذكر الدعاء، حيث قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ فإن الرجل إذا قال لعبده: لا تجعل دعائي كدعاء غيري واحذر من مخالفة أمري، فهم من الأمر القول، وحينئذ لا يجوز حمله عليهما، لأن اللفظ المشترك إنما يحمل على المعنيين عند تجرده عن القرينة. سلمنا: عدم القرينة المعينة لإرادة القول، لكن لم قلت: إن مخالفة الفعل عبارة عن مجرد ترك الفعل كيف كان ذلك الفعل، حتى يلزم وجوب موافقة الفعل منه، وهذا لأن المخالفة في عرف الشرع عبارة عن ترك افعل هو واجب، بدليل أن ترك ما فعله الرسول على وجه الندبية، أو الإباحة، لا يمسى مخالفة له، ولا تاركه مخالفًا له إذ المخالفة اسم ذم فتختص بتارك الواجب، وكذلك إخلال المسافر، والمريض، بصوم رمضان [لا يسمى مخالفة "للمسلمين"، لما أنه غير واجب عليهما] وحينئذ لا يكون بيان أن تارك ما فعله الرسول ﵇ يسمى مخالفًا له، إلا

стр. 1962

إذا ثبت "أن" ذلك الفعل واجب، فإثبات وجوب ذلك يكون تاركه يسمى مخالفًا دور وهو ممتنع. وما يقال: [من] أن مخالفة الفعل ضد موافقته: وهي عبارة عن أن يأتي بمثله فمخالفته هو أن لا يأتي بمثله، وأن المختلفين هما اللذان لا يسد أحدهما مسد الآخر، والترك لا يسد مسد الفعل، فكانا مختلفتين، فالتارك للفعل مخالف للفاعل له، فهو وإن دل بعد تسليم ما فيه من الضعف على أن المخالفة عبارة عن مجرد ترك الفعل، لكنه بحسب اللغة دون عرف الشارع فلا يكون منافيًا لما قلنا. وثانيها: قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ والإتباع قد يكون في القول، وقد يكون في الفعل، بدليل أن يقال: إن فلان متبع لأقوال فلان وأفعاله، والإتباع في الفعل هو أن يأتي بمثل فعله والأمر للوجوب على ما تقدم،

стр. 1963

فيكون الاتباع في القول، والفعل واجبًا. وجوابه. أن هذا الأمر إما للندب، أو للوجوب، فإن كان الأول: سقط الاستدلال به على وجوب الإتباع. وإن كان الثاني: وجب حمله على ما يكون من أقواله وأفعاله للوجوب، لئلا يلزم إيجاب ما ليس بواجب، وحينئذ يتوقف إثبات وجوب الفعل على كون ذلك الفعل واجبًا، فإثبات إيجاب الفعل يوجب الإتباع دور وهو ممتنع. فإن قلت: هو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور المذكور. قلت: هذا باطل. أما أولًا: فلأنه لا عموم للمقتضى ودلالة: (واتبعوه) على وجوب إتباعه في أقواله: إنما هي على وجه الاقتضاء، فكان من حقه أن لا يضمر فيه غيره فلو سلم إضمار ما كان من الأفعال الواجبة فيه أيضًا، وجب أن لا يراد عليه تقليلًا لمخالفة الأصل.

стр. 1964

أما ثانيًا: فلأن التخصيص خلاف الأصل، وإذا كان الحمل على العموم يستلزم خلاف الأصل كان حمله عليه أيضًا خلاف الأصل. وثالثها: قوله تعالى: ﴿قل [إن] كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ جعلت الإتباع لازمًا للمحبة، ومحبة الله واجبة بالإجماع ولازم الواجب واجب، فالإتباع واجب. وجوابه: ما سبق. ورابعها: قوله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم/ (٣٣٨/ب) عنه فانتهوا﴾، وإذا فعل فعلًا فقد أتانا به فيجب الأخذ به للأمر. وجوابه: أنا لا نسلم أنه أريد به الفعل، إذ القرينة وهي مقابلته بالنهي دالة على أنه أريد به القول.

стр. 1965

سلمنا: ذلك لكن المراد منه ما كان من الأفعال الواجبة لما سبق، وحينئذ يلزم الدور المذكور. وخامسها: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ وهذا جاري مجرى التهديد على ترك التأسي به، لأن معنى الآية أن من يرجو الله واليوم الآخر فله فيه الأسوة الحسنة، ومن لم يرجو الله واليوم الآخر فليس له فيه الأسوة الحسنة، فيكون وعيدًا على ترك التأسي به، أو نقول: بعبارة أخرى إنه جعل التأسي به لازمًا لرجاء الله واليوم الآخر، فيلزم من عدم التأسي به عدم رجاء الله واليوم الآخر، وهو محرم فما يستلزمه يكون أيضًا كذلك، والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مثل فعله، فيكون الإتيان بمثل فعله واجبًا. وجوابه: أنا لا نسلم أن التأسي به في الفعل إنما يكون بإتيان فعله ولم لا يجوز أن يقال: إنه يكفي فيه أن نستخيره لأنفسنا ونعتقد أن لنا في فعله الخيرة لو فعلناه وإنما فعله حق من غير أن يعترض عليه، ومعلوم أن هذا لا يستدعي حصول الفعل منا، فضلًا عن أن يكون حصوله على سبيل الوجوب. سلمنا: أنه لابد من الفعل، لكن المعتبر في التأسي به فيه أمران: أحدهما: إتيان مثل فعله. وثانيهما: إتيانه على وجه فعله الرسول على ذلك الوجه، وحينئذ

стр. 1966

يتوقف وجوب الإتيان بمثل فعله على كون ذلك الفعل واجبًا، فلو أثبت وجوبه يكون الإتيان به واجبًا لزم الدور وأنه محال. سلمنا: أنه لا يعتبر في التأسي معرفة وجه الفعل، لكن قوله لكم "ينفي" أن يكون الأسوة واجبة، إذ لا يقال هذا واجب لكم، بل يقال واجب عليكم. سلمنا: أنه لا يدل على الوجوب، لكن على سبيل العموم أو في الجملة. والأول ممنوع، وهذا لأن الفرد المنكر لا يفيد عموم الشمول وفاقًا. وعموم البدلية لا يفيد لما سيأتي، والثاني مسلم لكنه غير مفيد إذ النزاع في مطلق أفعاله ﵇ إلا ما خصه الدليل لا في البعض، لا يقال: أنه وإن لم يفد التعميم من حيث اللغة، لكنه يفيده من حيث العرف، إذ لا يقال للإنسان إن لك في فلان أسوة حسنة إذا كان له أسوة حسنة في بعض أفعاله، أو فعلين، بل إنما يقال: ذلك لو كان له فيه أسوة حسنة في كل/ (٣٣٩/أ) أفعاله، إلا ما خصه الدليل، لأنا نمنع ذلك، وهذا لأن التغيير خلاف الأصل ولأنه يقال: في العرف أيضًا فيمن تعلم من إنسان نوعًا واحدًا من العلم أن لك في فلان أسوة حسنة، ولأنه لا يفهم في العرف أيضًا من قول القائل: لغيره لك في فلان أسوة حسنة في كل الأمور أو في بعضها التكرار [أو النقض، ولو كان مفيدًا له لفهم في الأول والتكرار] وفي

стр. 1967

الثاني النقض. وسادسها: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾. دلت الآية على أن تشريع الحكم في حقه ﵇، إنما كان لأجل التسوية بينه وبين أمته، وذلك يدل على وجوب الإتيان بمثل فعله تحقيقًا لمعنى التسوية. وجوابه: منع دلالتها على التسوية في نفس حصول الفعل بل من حيث شرعيته، فعلى هذا إنما تدل الآية على وجوب الإتيان بمثل فعله أن لو كان فعله واجبًا فإثبات وجوبه يوجب الإتيان بمثله دور وأنه ممتنع. وسابعها: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. دلت الآية على وجوب طاعة الرسول، والإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله بعد طاعة له فيكون الإتيان بمثل فعله واجبًا. وجوابه: أن الإتيان بمثل فعله إنما يكون طاعة أن لو كان فعله مأمورًا به على ما عرف من تفسير الطاعة على رأينا، فإثبات كون الإتيان بمثل فعله مأمورًا

стр. 1968

به يكون طاعة دور وهو محال. وأما السنة: فمن وجوه: أحدها: ما روى عنه ﵇ أنه لم واصل واصلت الصحابة معه. وثانيها: أنه لما خلع نعله في الصلاة خلعوا نعالهم فيها.

стр. 1969

وثالثها: إنه لما خلع خاتمه خلعوا خواتيمهم. ولولا أنه تقرر عندهم

стр. 1970

وجوب متابعته في أقواله وأفعاله ﵇ لما فعلوا ذلك. لاسيما وبعض تلك الأفعال مخالف للنهي، وبعضها مخالف للأمر، ويؤكده أنه ﵇ لم ينكر ذلك عليهم، بل بين بعد السؤال علة انفراده بتلك الأحكام على ما هي مذكورة في تتمة الأحاديث. ورابعها: أنه أمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا فشكى إلى أم سلمة فقالت: (أخرج إليهم واحلق واذبح ففعل، فذبحوا وحلقوا متسارعين) ولولا أنه تقرر عندهم أن متابعة أفعاله آكد من متابعة أقواله، لما كان الأمر كذلك. ويؤكده، ما روي أنه ﵇ لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فلم يفسخوا، وقالوا: ما بالك أمرتنا بفسخ الحج إلى/ (٣٣٩/ب) العمرة ولم تفسخ.

стр. 1971

وخامسها: ما روي أنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قبلة الصائم "ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم" عدل عن الجواب بقوله: إلى

стр. 1972

الإخبار عن فعله، وذلك يدل على أنه آكد من قوله في وجوب الإتباع، ونحوه ما روي عنه ﵇ أنه قال: في جواب سؤال أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال: "أما (أنا) فيكفيني أن أحثوا على رأسي ثلاث حثيات من ماء". وجوابه: من وجوه:

стр. 1973

أحدها أن هذه الأخبار أخبار أحاد فلا تثبت بها حجية الأفعال كحجية القياس، وخبر الواحد والإجماع، فإن كل واحد منها قاعدة من قواعد الأصول، وهذا الجواب يستقيم على رأي الجماهير الذين يرون أن حجية هذه القواعد يقينية قطعية. فأما الذين لا يرون ذلك نحو أبي الحسين وغيره فلا يستقيم ذلك على رأيهم. وثانيها: أن ما ورد من هذه الأخبار فيما يتعلق بالصلاة [والحج] وهو أكثرها فلا حجة فيها إذ الرسول ﵇ بين أن شرعه وشرعهم فيه سواء حيث قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" وحيث قال: "خذوا عني مناسككم" وما لم يرد فيه نحو حديث "الوصال" و"قبلة الصائم". فجوابه: أنا لا نسلم أن الإتباع فيه على سبيل الوجوب، وهذا لأن القول يوجب إتباع ما ليس بواجب يقتضي وجوب ما ليس بواجب وهو متناقض، وهذا أيضًا جواب عن جميع ما اتبعوه فيه من المندوبات والمباحات. وأما قبلة الصائم، فلعله إنما كان، لأنه قد ثبت عندهم بدليل، نحو بيانه أو الاستقراء مساوته لهم في حكم المفطرات، وإن شرعه شرعهم فيه،

стр. 1974

وعلى هذا يكون وجوب الإتباع مستفادًا من دليل آخر لا من نفس الفعل. ويخص الوصال أنهم إنما اتبعوه فيه لظنهم أنه من واجب الصيام، لأنه ﵇ أمرهم بالصيام، ثم أنه صام وواصل فظنوا أنه قصد بذلك امتثال الواجب وبيانه حتى عرفوا بصريح النهي أنه ليس كذلك. وثالثها: أنهم وإن اتبعوه في هذه الأفعال التي ذكرتموها، لكن من المعلوم أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله، وإن كان كذلك فليس جعل إتباع البعض دليلًا على وجوب [الإتباع أولى من جعل عدم إتباع البعض "دليلًا" على عدم وجوبه]، كيف وإن الفعل لا يدل على الوجوب وتركه يدل على عدم الوجوب ظاهرًا. وأما الإجماع: فهو أن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون إلى أفعاله متمسكين بها فيما كانوا "مختلفين فيه"، وفيما كانوا يفعلونه روي أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من غير إنزال بعث/ (٣٤٠/أ) عمر ﵁ إلى عائشة ﵂ يسألها عن ذلك.

стр. 1975

فقالت: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ ، فاغتسلنا، فأخذ الناس بذلك" واتفقوا عليه، وليس لهذا الاتفاق مستند سوى الرجوع إلى فعله، فقد أجمعوا على أن مجرد فعله للوجوب. وروي عن عمر ﵁ أنه كان يقبل الحجر ويقول: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لما قبلتك".

стр. 1976

وكان هذا وأمثاله شائعًا فيما بين الصحابة ﵃ من غير نكير وكان إجماعًا على إتباع فعله. وجوابه: من وجهين: أحدهما: أن هذا الإجماع غير منقول إلينا بالتواتر، وإلا لكان العلم به ضروريًا حاصًلا للموافق والمخالف، بل بالآحاد وحينئذ لم يكن مقطوعًا به فلا يجوز إثبات مثل هذه القاعدة به لما سبق. وثانيهما: أنا لا نسلم أن الإجماع حصل بمجرد الفعل. أما الأول: فلما روت عائشة ﵂ "أنه إذا التقى الختانان وجب الغسل" وقولها: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ " تأكيدًا (للقول) بالفعل. وأما الثاني: فلا نسلم أن الإتباع فيه على سبيل الوجوب وسنده ما سبق. سلمناه: لكن ليس للفعل بل لقوله: "خذوا عني مناسككم". وأما المعقول: فمن وجوه: أحدها: أن فعله يحتمل أن يكون واجبًا عليه وعلينا، ويحتمل أن لا يكون كذلك، وطريقة الاحتياط تقتضي حمله على الوجوب لما فيه من الأمن من العقاب إذ الحكم بالوجوب أفضى إلى الفعل.

стр. 1977

وأجيب عنه: بأن طريقة الاحتياط "إنما" يصار إليها أن لو خلت عن الضرر قطعًا "وأما" إذا لم يكن كذلك فلا، وهنا كذلك، لأنه يحتمل أن يكون ذلك الفعل حرامًا على الأمة. وإذا كان كذلك لم يجب المصير إليه. وزيف: بأن الصوم واجب احتياطًا في يوم الثلاثين من رمضان إذا غم الهلال مع احتمال أن يكون يوم العيد، فحينئذ يكون صومه حرامًا. وهو ضعيف. لأن لا نسلم أن وجوبه بطريق الاحتياط، بل بالنص المشهور. وتعليله

стр. 1978

بأن الأصل في الشهر هو الإتمام، والتمسك بالأصل غير طريق الاحتياط وغير مستلزم له وكذلك طريقة الاحتياط غير مستلزم له، بدليل أن المتطهر إذا شك في الحدث فإن التمسك بالأصل يقتضي بقاء الطهارة، وطريقة الاحتياط يقتضي وجوب الطهارة، فيكون كل واحد غير مستلزم للآخر/ (٣٤٠/ب). ثم إن هذا المعترض أجاب عنه: أن الاحتياط يكون أولى لما ثبت وجوبه كالصلاة الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الأصل وجوبه كما في صوم يوم الثلاثين من رمضان، إذا كانت الليلة معتمة. فأما ما عساه أن يكون واجبًا وغير واجب، فلا. وما نحن فيه كذلك، حيث لم يتحقق فيه وجوب الفعل ولا الأصل وجوبه.

стр. 1979

وهو أيضًا: ضعيف جدًا: فإن ما اختلف في وجوبه نحو الوتر، وقراءة الفاتحة، وغيرهما لا خلاف أن طريقة الاحتياط جارية فيه وأن الاحتياط فيه أولى مع أنه لم يثبت وجوبه ولا الأصل فيه الوجوب. نعم لو قال: إن الاحتياط إنما يقتضي وجوب شيء لو كان ذلك الشيء واجبًا، أو كان الأصل فيه الوجوب، فأما إذا لم يكن كذلك فلا نسلم أنه يقتضي الوجوب كان له وجه، لأن الاحتياط لا يكون فيه أولى. وثانيها: أن إتيان فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله تعظيم له، بدليل العرف، وتعظيم الرسول واجب إجماعًا، فيكون الإتيان بفعله واجبًا. وجوابه: منع كلية الصغرى، وهذا لأن الإتيان ببعض أفعال المعظم قد يكون إخلالًا بتعظيمه وجزيته غير مفيد إذ الإتيان ببعض أفعاله واجب وفاقًا.

стр. 1980

وثالثها: أن ما فعله، يحتمل أن يكون واجبًا، ويحتمل أن لا يكون واجبًا، لكن احتمال كونه واجبًا أظهر، لأن الظاهر منه ﵇ أن لا يختار لنفسه سوى الأكمل "والأفضل" والواجب أكمل مما ليس بواجب، فيكون ما اختاره لنفسه واجبًا في حقه وإذا ثبت بهذا أنه يكون واجبًا في حقه وجب أن يكون واجبًا في حق أمته إذ لا قائل بالفصل فإن كل من قال: إن مطلق فعله للوجوب في حقه، قال بوجوبه في حق الأمة، ومن أنكر ذلك في حقه أنكر في حق الأمة أيضًا. وجوابه: بعد تسليم الصغرى فإن فيها منعًا ظاهرًا منع إنتاج ما ذكروه من المقدمتين لما ذكروه من النتيجة [فإن] القياس من الموجبتين في الشكل الثاني غير منتج. ورابعها: قياس الأفعال على الأقوال، بجامع كون كل واحد منهما مخصصا للعموم، ومقيدًا للمطلق، وبيانًا للمجمل. وجوابه: أن الجامع وصف طردي. سلمنا: مناسبته لكن الفرق بينهما هو أن القول فيه دلالة ظاهرة على ما هو المراد منه، فيكون محمولًا على الوجوب، إن كان فيه دلالة على الوجوب. وأما الفعل فلا دلالة فيه/ (٣٤١/أ) أصلًا لأنه غير مصوغ للدلالة. واحتج القائلون بالندب: بالنص. والإجماع، والمعقول.

стр. 1981

أما النص: فقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ الآية. ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما: ما تقدم من أنه قال "ولكم" وما قال "عليكم" وذلك يفيد أنه مندوب إليه إذ المباح لا يقع فيه "واللام" للاختصاص بجهة النفع والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنياوي. وثانيهما: أنه وصف الأسوة بالحسنة وأدنى درجات الحسنة أن تكون مندوبة، فيجب التنزيل عليه، لئلا يلزم مخالفة الأصل من وجهين. وجواب الوجه الأول: من الاستدلال أنا لا نسلم أن قوله "لكم" يدل على ندبيته، وهذا لأنه ليس في "اللام" إلا الدلالة على الاختصاص بجهة النفع، وهذا لا يدل على الندبية، بل على القدر المشترك بين المندوب والواجب، ضرورة حصول هذا المفهوم فيهما، والدال على القدر المشترك بين الصورتين لا دلالة عليهما، بل غايته أنه لا يدل على الوجوب ولا يلزم منه دلالته على الندبية. فإن قلت: كون اللام للاختصاص بجهة النفع ينفي أن يكون المراد منه الوجوب، لأنه لا يتمحص جهة النفع في الوجوب ضرورة استحقاق العقاب على الترك فيه بخلاف المندوب فإنه تتمحص جهة النفع فيه من غير احتمال عقاب وضرر فيه فعلًا وتركًا. قلت: ليس من شرط الاستعمال "اللام" في فعل أن لا يكون في ذلك الفعل ضرر بوجه "ما" لا في الفعل ولا في الترك، وإلا لامتنع استعماله في

стр. 1982

كل شيء، ضرورة أن كل شيء فيه ضرر بوجه "ما" "في" فعله أو في تركه بل لا يشترط في استعمالها سوى أنه لا ضرر فيما استعمل فيه من الفعل أو الترك، والواجب لا ضرر فيه من حيث الفعل فلا يكون كونها للاختصاص بجهة النفع منافيًا لاستعمالها فيه. وعن الوجه. وعن الوجه الثاني: أن تعليل مخالفة الأصل وإن أوجب حمله على ما ذكرتم، لكن قوله ﵇: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك" يقتضي حمله على الوجوب، ضرورة أن حمله على الندب مما يريب، وحمله على الوجوب مما لا يريب، واعتبار النص أولى من اعتبار الأصل إذ به يترك الأصل. سلمنا: صحة دليلكم، لكنه معارض بطريقة الاحتياط، وهذا إنما يتم إذا لم يشترط في اقتضاء الاحتياط الوجوب، أن يكون الشيء، واجبًا في نفسه إذ الأصل فيه الوجوب، أما إذا شرط ذلك فلا. وأما الإجماع: فهو أنا رأينا أهل/ (١٤١/ب) الأعصار متطابقين على ندبية الاقتضاء في الأفعال بالنبي ﵇ وذلك يدل على انعقاد الإجماع على أنه يفيد الندب. وجوابه: أنه منع أن ذلك بمجرد الفعل، بل لو صح فللقرائن، والأصل [وإن كان] عدم تلك القرائن، لكن يجب المصير إليها جمعًا بين الدليلين.

стр. 1983

وأما المعقول: فهو أن فعله لابد وأن يكون راجح الوجود لئلا يلزم خلاف الظاهر، لأن كون فعله ذنبًا وعبثًا خلاف الظاهر، لو جوزنا الذنب عليه، وحينئذ يحتمل أن يكون واجبًا، ويحتمل أن يكون ندبًا، لكن الحمل على الندب أولى: لوجوه. أحدها: أن الحمل على الوجوب حرج وضرر، وهو منفي بالنصوص النافية له فالحمل على الندب ليس كذلك، فكان أولى. وثانيها: أن الرجحان مع عدم جواز الترك يستلزم مخالفة الأصل من وجهين، والرجحان مع جواز الترك يستلزم مخالفة الأصل من وجه، فكان أولى. وثالثها: أن المندوب أكثر من الواجب، فكان الحمل عليه أولى، إذ الحمل على الأعم الأغلب أولى. وجوابه: أنا لا نسلم أن فعله لابد وأن يكون راجح الوجود، ولا نسلم أن على تقدير المساواة يلزم العبث، وهذا لأن العبث هو الخالي عن الغرض، والفعل إذا كان في غرض نحو منفعة عاجلة. أو بيان أباحته بفعله، فلا نسلم أنه عبث. سلمنا: أنه راجح الوجود لكن لم قلتم: أنه حينئذ يكون مندوبًا. وأما ما ذكرتم من الوجوه الدالة على أن الحمل على الندب أولى، فهي

стр. 1984

معارضة بما يدل على "أن" الحمل على الوجوب أولى، نحو قوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وطريقة الاحتياط، وبما أن الحمل على الوجوب أكثر فائدة، ضرورة أنه أكثر ثوابًا، وعورض الوجه الثالث بما أن الحمل على المباح أولى لما ذكره، ضرورة أن المباح أكثر من المندوب. واحتج القائلون: بالإباحة: بوجهين: وأحدها: هذا الذي تقدم ذكره. وثانيها: أن الحرج عن فعله مرتفع، إما قطعًا، وهو على تقدير أن لا يجوز الذنب عليه أو ظاهرًا وهو على تقدير جوازه، فإن "كان" على تقدير جواز الذنب عليه، لاشك أن صدوره منه خلاف الظاهر، والراجحان منفي عنه بالأصل ترك العمل بهذا الأصل فيما دل الدليل على وجوبه أو ندبيته فوجب أن يبقى معمولًا به في الباقي ويلزم من هذا أن يكون مباحًا.

стр. 1985

وجواب الأول: منع أن المباح من فعله أكثر من غير الأفعال الجبلية والعادية الذي فيه النزاع، هذا إن عنوا بقولهم: المباح أكثر المباح من/ (٣٤٢/أ) فعله [وإن عنوا به أن المباح من الأفعال في نفس الأمر أكثر فلا يفيد، لأن فعله] يحمل على ما هو الأكثر من فعله لا على ما هو الأكثر في نفسه، وعند هذا يتبين ضعفه ما عورض به الوجه الثالث. وعن الثاني أجاب عنه الإمام، هب أنه في حقه كذلك، فلم قلتم: إنه في حق غيره كذلك؟. وهذا المنع يمكن دفعه بما تقدم من الإجماع اللاقائل بالفصل، فإنه إذا ثبت الإباحة بالنسبة إليه وجب أن يثبت في حق "الأمة" كذلك لئلا يلزم قول ثالث مخالف للإجماع. والأولى أن يجاب عنه بأن إلحاق الفرد بالأعم والأغلب يقتضي ترك ذلك الأصل في مطلق أفعاله، لأن أكثر أفعاله غير الجبلية والعادية راجح الوجود الذي هو قدر مشترك بين الواجب والمندوب. سلمنا صحة الدليل، لكنه معارض بما أن حمل فعله على الوجوب أو الندب حملًا على أشرف المراتب، ومعلوم أن حمل الأشرف على أشرف مراتبه الأولى.

стр. 1986

المسألة الثالثة اختلفوا فيما إذا عرف وجه فعل الرسول ﵇ من الوجوب، والندب، والإباحة، ولم يعرف أنه بيان لخطاب سابق، ولا أنه من خواصه، هل يجب علينا التأسي به: أي هل كنا متعبدين به، فإن كان واجبًا فعلى وجه الوجوب، وإن كان ندبًا فعلى وجه الندبية ، وإن كان مباحًا فباعتقاد إباحته أو لا؟ فذهب جماهير الفقهاء والمتكلمين إلى وجوب التأسي به. وذهب بعض من توقف في المسألة الأولى: إلى أنه لا يجب ذلك ما لم يدل دليل على تسويتنا إياه في ذلك الفعل. وفصل بعضهم: نحو أبي علي بن خلاد من المعتزلة، بين العبادات وغيرها فقال: بوجوب التأسي به في العبادات دون غيرها، كالمناكحات

стр. 1987

والمعاملات. احتج الجماهير: بالنص، والإجماع، والمعقول. أما النص: فآيات: أحدها: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها "وطرا"﴾ الآية، ولولا أنه متبع في أفعاله ومتأسى به فيها، لما كان للآية معنى. ولقائل أن يقول: متى لم يكن للآية معنى إذا لم يكن الرسول متأسى به في هذا الحكم، أو وإن كان متأسى به في هذا، لكنه غير متأسى به في جميع الأفعال التي تقدم شأنها. والأول: مسلم ومعلوم أنه لا يفيد المطلوب، لأن التسوية مستفادة عند الخصم من قرينة التعليل لا من مجرد الإباحة له.

стр. 1988

والثاني: ممنوع، وهذا لأنه لا تناقض ولا خلل بين التصريح بالتسوية بينه ﵇ وبين أمته في إباحة فعل معين وبين التصريح بحرمة إتباع ما/ (٣٤٢/ب) عداه إلى أن يدل دليل على التسوية. وثانيها: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. وقد عرفت أنه جاري مجرى الوعيد على "ترك" التأسي به، فيكون التأسي به واجبًا. وتمام الكلام فيها سؤالًا وجوابًا قد تقدم، ولا يخفى عليك ما يسقط منه في هذا المقام، والذي نزيده هنا ما قيل: في إثبات إفادتها التعميم.

стр. 1989

هو أن المقصود من الآية، إظهار شرفه ﵇، وإبانة لخطره. وذلك إما أن يكون بوجوب التأسي به في فعل واحد، أو في جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل. والأول: باطل. لأن ذلك الواحد إما معين، وهو باطل، لأنه ليس في اللفظ ما يدل عليه، أو غير معين وهو أيضًا باطل. أما أولًا: فبالإجماع. وأما ثانيًا: فلأن الإبهام خلاف الغالب من خطاب الشرع. وأما ثالثًا: فلأنه ليس فيه مزيد إظهار شرفه ﵇، فيتعين الثاني: وهو المقصود. وهو ضعيف، لأن ما هو المقصود من الآية: وهو إظهار شرفه، وإبانة خطره، ﵇ حاصل بوجوب التأسي به في جميع أقواله وكثير من أفعاله الذي دل الدليل على التسوية، وهو غير ما ذكره من القسمين، وحينئذ لا يلزم التأسي به قبل الإطلاع على دليل التسوية. وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. ووجه الاستدلال به ما تقدم. وجوابه: بعض ما تقدم. ورابعها: قوله تعالى: ﴿"واتبعوه"﴾، وتمام الكلام فيه أيضًا قد

стр. 1990

تقدم. وأما الإجماع: فهو أن الصحابة أجمعوا على الرجوع إلى أفعاله، نحو رجوعهم إلى تزويج ميمونة وهو حلال، أو حرام، أو نحو رجوعهم إلى أنه

стр. 1991

.....................................................................

стр. 1992

قبل وهو صائم، أو نحو رجوعه إلى أنه كان يصبح جنبًا وهو صائم، ونحو رجوعهم إلى تقبيله الحجر [الأسود]، وأمثالها كثيرة غير عديدة. وكذا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء في الأفعال بالرسول ﵇، ولم يعللوا ذلك سوى أنه فعله ﵇. وعند هذا لا يدفع هذا بما قيل لعل ذلك لقرينة غير الفعل، ولا يقدح فيه

стр. 1993

بما تقدم من الوجهين. أما الأول: فلأنا لا نسلم أن نقل هذا الإجماع غير متواتر، وكون العلم به غير حاصل للمخالف، غير قادح فيه، إذ يجوز أن لا يحصل العلم الضروري لبعض الشاذين. سلمنا: أن نقله بطريق الآحاد، لكن هذه المسألة "ليست" قاعدة كلية مثل تلك، بل هي جزئية داخلة تحتها، وحينئذ لا يجوز التمسك فيه بالإجماع الظني، فإن التزم الخصم في تلك القاعدة بأنها أيضًا ظنية عنده سقط/ (٣٤٣/أ) ذلك القدح عنه أيضًا كما تقدم. وأما الثاني: فلما تقدم من أنهم كانوا يعللون ذلك بنفس الفعل ولم يند واحد منهم في ذلك الدليل الموجب للتشريك. وأما المعقول: فمن وجهين: أحدهما: أن ذلك الفعل يحتمل أن يكون مختصًا به، وحينئذ يحرم التأسي به فيه، ويحتمل أن لا يكون مختصًا به، وحينئذ يجب علينا التأسي به فيه، لكن الاحتمال الثاني أولى، لأن إلحاق الفرد بالأعم والأغلب أولى. وثانيهما: أنه لو كان مختصًا به لوجد عليه دليل، كما في سائر ما اختص به، ولما لم يوجد ذلك إذ كلامنا في ذلك علمنا أنه غير مختص به ولا

стр. 1994

يعارض بمثله، لأن التسوية في الأحكام ليس على خلاف الأصل "فلا يحتاج إلى دليل التشريك، بخلاف احتمال التخصيص فإنه على خلاف الأصل" فيحتاج إلى دليل يدل عليه. واعلم أن من أنكر ذلك مطلقًا يليق بمذهبه، أن تكون الأفعال على الحظر حتى يمكنه التمسك بالأصل في حقنا، بأن يقول: إن فعله ﵇ يحتمل أن يكون مختصًا به فيبقى على أصله في حقنا. وجوابه: منع أن الأصل ذلك. ولئن سلمناه: لكن احتمال التشريك أظهر كما سبق والأصل يترك بالاحتمال الظاهر. واحتج من قال بالتفصيل: بأن الدليل قد دل على أن شرعه وشرعنا سواء في العبادات نحو قوله عليه (السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ونحو قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم". فلذلك قلنا: بوجوب التأسي به فيها بخلاف المناكحات، والمعاملات. فإنه لم يوجد فيها الدليل الموجب للتشريك، والأصل عدم شرعيته في حقنا فيبقى على الأصل.

стр. 1995

المسألة الرابعة في بيان الطرق التي يعرف كون الفعل واجبًا، أو ندبًا، أو مباحًا . اعلم أن وجوب التأسي به ﵇، لما كان موقوفًا على معرفة وجه الفعل يحتاج إلى معرفة وجه الفعل. ولا نقول: يجب معرفة وجه الفعل "كما وقع في كلام الإمام ﵀، لأن وجوب التأسي به ليس مطلقًا حتى يجب معرفة وجه الفعل" الذي يتوقف عليه التأسي به، بل إنما يجب بعد معرفة وجه الفعل "فلا يجب تحصيل معرفة وجه الفعل". أما الوجوب فيعرف بطرق: أحدها: أن ينص عليه الرسول ﵇ "على" أنه واجب. وثانيها: أن يقع امتثالًا لنص دال على الوجوب. وثالثها: أن يقع بيانًا لنص دال على الوجوب. ورابعها: أن يدل دليل على أنه فعله على وجه القضاء لعبادة ثبتت وجوبها عليه.

стр. 1996

وخامسها:/ (٣٤٣/ب) أن يدل دليل على: أنه كان مخيرًا بينه وبين "فعل آخر قد ثبت وجوبه، إذ التخيير لا يقع بين الواجب وبين" ما ليس بواجب. وسادسها: أن يوقعه مع أمارة، قد تقرر في الشريعة إنها أمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة. وسابعها: أنه يكون جزء الشرط موجب كفعل ما وجب بالنذر. وثامنها: أنه لو لم يكن واجبًا لما جاز فعله كزيادة الركوع في صلاة الخسوف. وتساعها: أن يداوم على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب، فإن هذا يدل على الوجوب ظاهرًا، لأنه لو كان غير واجب لنصب عليه دليلًا أو لأخل بتركه لئلا يكون موهمًا لإيجاب ما ليس بواجب.

стр. 1997

وأما المندوب: فيعرف بتلك الطرق الخمسة الأول وبغيرها، نحو أن يعرف أنه ﵇ قصد القرية بذلك الفعل، فيعلم أنه راجح الوجود، ثم يعرف عدم الوجوب بالأصل فثبت الندب، ونحو أن يداوم على الفعل، ثم يخل به من غير نسخ، لأن مداومته تدل على كونه طاعة، وإخلاله من غير نسخ يدل على أنه ليس بواجب. وأما المباح: فيعرف بالطرق الثلاثة الأول. وبطريقة أخرى وهي مجرد الفعل، فإنه إذا ثبت أنه لا ندب ثبت أنه لا جرح عليه في ذلك الفعل، ويعرف نفي وجوبه وندبيته بالبقاء على حكم الأصل فيعرف حينئذ أنه مباح.

стр. 1998

المسألة الخامسة في سكوت النبي ﷺ عن إنكار فعل فعل بين يديه، أو في عصره مع علمه به، هل ينزل منزلة فعله في كونه مباحًا أم لا ؟ والحق: أنه ينزل منزلة فعله في كونه مباحًا، لأنه إن لم [يتقدم منه] ما يدل على تحريم ذلك الفعل، فسكوته عنه مع القدرة على الإنكار دليل ظاهر على جوازه، لأنه إن لم يكن جائزًا كان سكوته عنه مع القدرة على الإنكار عليه حرامًا، وهو ممتنع عليه، وبتقدير أن يكون جائزًا لكنه خلاف الظاهر كما سبق ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز وفاقًا. وإن تقدم منه ما يدل على تحريمه، فإما أن يكون عالمًا ببلوغ ذلك التحريم إلى ذلك الفاعل، أو يعلم أنه ما بلغه، أو لا يعلم واحدًا منهما. فإن كان عالمًا ببلوغه إليه، فإما أن يكون عالمًا بانقياده له في أصول الدين وكونه غير راد عليه أوامره ونواهيه، وإن كان يصدر منه مخالفة أمره أو نهيه، لكن لا على وجه الرد، أو يعلم كفره له وعناده إياه، أو لا يعلم واحدًا منهما، فهذه أقسام: أولها: أن يكون عالمًا ببلوغ ما يدل على تحريمه إليه، وهو يعلم أيضًا انقياده له. فهاهنا سكوته أيضًا دال على جواز الفعل ونقدر/ (٣٤٤/أ) نسخ ذلك الحكم في حقه، إذ لو لم يكن جائزًا لما جاز له السكوت عنه،

стр. 1999

لأنه يوهم نسخ ذلك الحكم وهو غير منسوخ حينئذ. ولأن الأمر بالمعروف لا يسقط بسبب علم فاعل المحرم بتحريمه، فكان سكوته غير جائز، وحيث سكت دل على جوازه. وثانيها: أن يعلم بلوغ التحريم إليه، ويعلم كفره وعناده، وعدم اعتقاد حقيقة أمره، فهاهنا لا يدل سكوته على جواز ذلك الفعل، إذ السكوت في مثل هذا المقام لا يوهم النسخ، والأمر بالمعروف يسقط حيث يعلم أنه لا ينفع بسبب اعتقاد عدم "حقيقة" الأمر أو غيره من الأسباب وهو كسكوت الرسول ﵇ عن إنكار تردد اليهود والنصارى إلى بيعهم وكنائسهم. وثالثها: أن لا يعلم واحدًا منهما مع العلم ببلوغ التحريم إليه، فهاهنا سكوته يدل على جواز الفعل أيضًا لما سبق. ورابعها: أن يعلم أنه ما بلغه التحريم فهاهنا السكوت يدل على جوازه أيضًا لما سبق. لا يقال: سكوته إذ ذاك ليس بحرام حتى يستدل به على جواز الفعل، لأنه "لما" لم يبلغه التحريم لم يكن الفعل حرامًا عليه، لأنا لا نسلم أن قبل بلوغ التحريم لم يكن الفعل حرامًا.

стр. 2000

سلمناه: لكن يجب إعلامه لئلا يعود "عليه" بناء على ظن الإباحة، ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز وفاقًا. وخامسها: أن لا يعلم واحدًا من الأمرين أعنى البلوغ، واللابلوغ فهاهنا أيضًا السكوت يدل على جوازه لما سبق. المسألة السادسة في التعارض الحاصل بين الفعلين، [أو بين الفعل والقول أما الأول: فاعلم أن التعارض بين الفعلين] بالذات لا يتصور، لأنهما إن كانا بحيث يمكن الجمع بينهما فظاهر، وإن لم يمكن الجمع بينهما فحينئذ لابد وأن يكون وقت أحدهما غير وقت الآخر، وحينئذ لا يحصل التعارض بينهما ضرورة أن شرط التعارض اتحاد الوقت، بل إنما يتصور بالعرض، وهو على وجهين: أحدهما: بأن يفعل الرسول ﵇ فعلًا في وقت، ويدل دليل على أنه ﵇ مأمور بمثل ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم أنه عليه السام فعل ضد ذلك في مثل ذلك الوقت، فيعلم أنه نسخ عنه وهو تفريع على عدم جواز صدور الذنب منه. وثانيهما: أن يفعل الرسول ﵇ فعلًا، ويدل دليل على أن غيره
следующие страницы →