← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وخامسها:/ (٣٤٣/ب) أن يدل دليل على: أنه كان مخيرًا بينه وبين "فعل آخر قد ثبت وجوبه، إذ التخيير لا يقع بين الواجب وبين" ما ليس بواجب. وسادسها: أن يوقعه مع أمارة، قد تقرر في الشريعة إنها أمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة. وسابعها: أنه يكون جزء الشرط موجب كفعل ما وجب بالنذر. وثامنها: أنه لو لم يكن واجبًا لما جاز فعله كزيادة الركوع في صلاة الخسوف. وتساعها: أن يداوم على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب، فإن هذا يدل على الوجوب ظاهرًا، لأنه لو كان غير واجب لنصب عليه دليلًا أو لأخل بتركه لئلا يكون موهمًا لإيجاب ما ليس بواجب.

стр. 1997

وأما المندوب: فيعرف بتلك الطرق الخمسة الأول وبغيرها، نحو أن يعرف أنه ﵇ قصد القرية بذلك الفعل، فيعلم أنه راجح الوجود، ثم يعرف عدم الوجوب بالأصل فثبت الندب، ونحو أن يداوم على الفعل، ثم يخل به من غير نسخ، لأن مداومته تدل على كونه طاعة، وإخلاله من غير نسخ يدل على أنه ليس بواجب. وأما المباح: فيعرف بالطرق الثلاثة الأول. وبطريقة أخرى وهي مجرد الفعل، فإنه إذا ثبت أنه لا ندب ثبت أنه لا جرح عليه في ذلك الفعل، ويعرف نفي وجوبه وندبيته بالبقاء على حكم الأصل فيعرف حينئذ أنه مباح.

стр. 1998

المسألة الخامسة في سكوت النبي ﷺ عن إنكار فعل فعل بين يديه، أو في عصره مع علمه به، هل ينزل منزلة فعله في كونه مباحًا أم لا ؟ والحق: أنه ينزل منزلة فعله في كونه مباحًا، لأنه إن لم [يتقدم منه] ما يدل على تحريم ذلك الفعل، فسكوته عنه مع القدرة على الإنكار دليل ظاهر على جوازه، لأنه إن لم يكن جائزًا كان سكوته عنه مع القدرة على الإنكار عليه حرامًا، وهو ممتنع عليه، وبتقدير أن يكون جائزًا لكنه خلاف الظاهر كما سبق ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز وفاقًا. وإن تقدم منه ما يدل على تحريمه، فإما أن يكون عالمًا ببلوغ ذلك التحريم إلى ذلك الفاعل، أو يعلم أنه ما بلغه، أو لا يعلم واحدًا منهما. فإن كان عالمًا ببلوغه إليه، فإما أن يكون عالمًا بانقياده له في أصول الدين وكونه غير راد عليه أوامره ونواهيه، وإن كان يصدر منه مخالفة أمره أو نهيه، لكن لا على وجه الرد، أو يعلم كفره له وعناده إياه، أو لا يعلم واحدًا منهما، فهذه أقسام: أولها: أن يكون عالمًا ببلوغ ما يدل على تحريمه إليه، وهو يعلم أيضًا انقياده له. فهاهنا سكوته أيضًا دال على جواز الفعل ونقدر/ (٣٤٤/أ) نسخ ذلك الحكم في حقه، إذ لو لم يكن جائزًا لما جاز له السكوت عنه،

стр. 1999

لأنه يوهم نسخ ذلك الحكم وهو غير منسوخ حينئذ. ولأن الأمر بالمعروف لا يسقط بسبب علم فاعل المحرم بتحريمه، فكان سكوته غير جائز، وحيث سكت دل على جوازه. وثانيها: أن يعلم بلوغ التحريم إليه، ويعلم كفره وعناده، وعدم اعتقاد حقيقة أمره، فهاهنا لا يدل سكوته على جواز ذلك الفعل، إذ السكوت في مثل هذا المقام لا يوهم النسخ، والأمر بالمعروف يسقط حيث يعلم أنه لا ينفع بسبب اعتقاد عدم "حقيقة" الأمر أو غيره من الأسباب وهو كسكوت الرسول ﵇ عن إنكار تردد اليهود والنصارى إلى بيعهم وكنائسهم. وثالثها: أن لا يعلم واحدًا منهما مع العلم ببلوغ التحريم إليه، فهاهنا سكوته يدل على جواز الفعل أيضًا لما سبق. ورابعها: أن يعلم أنه ما بلغه التحريم فهاهنا السكوت يدل على جوازه أيضًا لما سبق. لا يقال: سكوته إذ ذاك ليس بحرام حتى يستدل به على جواز الفعل، لأنه "لما" لم يبلغه التحريم لم يكن الفعل حرامًا عليه، لأنا لا نسلم أن قبل بلوغ التحريم لم يكن الفعل حرامًا.

стр. 2000

سلمناه: لكن يجب إعلامه لئلا يعود "عليه" بناء على ظن الإباحة، ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز وفاقًا. وخامسها: أن لا يعلم واحدًا من الأمرين أعنى البلوغ، واللابلوغ فهاهنا أيضًا السكوت يدل على جوازه لما سبق. المسألة السادسة في التعارض الحاصل بين الفعلين، [أو بين الفعل والقول أما الأول: فاعلم أن التعارض بين الفعلين] بالذات لا يتصور، لأنهما إن كانا بحيث يمكن الجمع بينهما فظاهر، وإن لم يمكن الجمع بينهما فحينئذ لابد وأن يكون وقت أحدهما غير وقت الآخر، وحينئذ لا يحصل التعارض بينهما ضرورة أن شرط التعارض اتحاد الوقت، بل إنما يتصور بالعرض، وهو على وجهين: أحدهما: بأن يفعل الرسول ﵇ فعلًا في وقت، ويدل دليل على أنه ﵇ مأمور بمثل ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم أنه عليه السام فعل ضد ذلك في مثل ذلك الوقت، فيعلم أنه نسخ عنه وهو تفريع على عدم جواز صدور الذنب منه. وثانيهما: أن يفعل الرسول ﵇ فعلًا، ويدل دليل على أن غيره

стр. 2001

مكلف به، ثم نراه بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده، فيعلم أنه مخصوص عنه، أو نسخ عنه "الحكم" على حسب ما يقتضيه الحال. وأما الثاني: فإما أن يعلم أن القول هو المتقدم، أو الفعل، أو لا يعلم واحد منهما. فإن كان الأول: فإما أن يكون/ (٣٣٤/ب) القول خاصًا به، أو بنا، أو هو متناول له، ولنا. فإن كان الأول: فإما أن يصدر الفعل قبل التمكن من امتثال مقتضى القول، أو بعده. فإن كان الأول: كان الفعل ناسخًا لمقتضى القول عند من يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، فأما من لم يجوز ذلك ولم يجوز صدور الذنب منه قال: لم يتصور وجود مثل هذا الفعل منه. وأما من يجوز صدور الذنب منه، ولم يجوز النسخ قبل حضور الوقت حمله على كونه ذنبًا. وإن كان الثاني: كان الفعل ناسخًا لمقتضى القول وفاقًا،. وهو ظاهر على رأي من لم يجوز صدور الذنب منه، وأما من جوز ذلك فكذلك، لأنه خلاف الظاهر على ما تقدم تقريره، والنسخ وإن كان خلاف الأصل أيضًا،

стр. 2002

لكنه أكثر منه وأنه متفق عليه. وخلاف بعض الشاذين فيه لو صح غير معتبر، بخلاف جواز صدور الذنب فإنه مختلف فيه، والأكثرون على عدم تجويزه، فكان الحمل على النسخ أولى. هذا هو اللائق لمذهبهم، وإن لم نطلع عليه من حيث النقل. وإن كان قوله: خاصًا بنا، فإما أن يدل دليل على وجوب التأسي به بذلك الفعل، أو لم يدل. فإن كان الأول: فإما أن يحصل الفعل قبل التمكن من امتثال مقتضى القول، أو بعده. فإن كان الأول: قال الإمام: وجب المصير إلى القول دون الفعل، وإلا لكان القول لغوًا، ولا يلغوا الفعل، لأن حكمه ثابت في حق الرسول. وهذا يقتضى أن يكون الحكم كذلك إن فرض صدور الفعل بعد التمكن من الامتثال، لأن إمكان الحمل على النسخ حاصل في الموضعين على رأينا، وهو لم يقل به. والقياس يقتضي أن يقال: إن ذلك الفعل مع ذلك الدليل ناسخ لمقتضى

стр. 2003

القول المتقدم، عند من يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به. ومن لم يجوز ذلك فلا تتصور المسألة عنده، أو يقول بترجيح القول كما ذكره الإمام. وإن كان الثاني: كان الفعل مع ذلك الدليل ناسخًا لمقتضى القول المتقدم وفاقًا. وإن كان الثاني: كان الفعل مختصًا به، والقول مختصًا بنا ولا تعارض بينهما. فإن كان قوله متناولًا له ولنا، فإما أن يحصل الفعل قبل التمكن من الامتثال أو بعده. فإن كان الأول: فإن دل دليل على وجب التأسي به في ذلك الفعل كان ذلك نسخًا لمقتضى القول على ما ذكرنا من القياس، على رأي الإمام: يكون فعله مخصصًا له "عن" عموم القول [وإن لم يدل عليه دليل كان الفعل مخصصًا له عن عموم القول]. وإن كان الثاني: فإن دل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل كان نسخًا لمقتضى/ (٣٤٥/أ) القول وفاقًا. وإن لم يدل عليه دليل: فإما أن يكون قبل العمل بمقتضى القول، أو بعده.

стр. 2004

فإن كان الأول: كان ذلك تخصيصًا في حقه وتبقى الأمة مندرجة تحت خطاب القول، لأنه وإن أمكن جعله نسخًا في حقه لكن الحمل على التخصيص أولى مهما أمكن الحمل عليه. وإن كان الثاني: كان نسخًا في حقه دون الأمة، [و] إن دل دليل على تكرر العمل بمقتضى الأول. وإن كان الثاني: وهو أن يكون الفعل متقدمًا على القول: "فإن" لم يدل دليل على تكرر العمل به، ولا على تأسي الأمة به فيه فلا تعارض بينهما سواء كان القول خاصًا به، أو بنا، أو هو متناول له ولنا، وسواء حصل عقيب الفعل أو متراخيًا عنه، لأن القول المتأخر لم يرفع شيئًا من حكم ما تقدم من الفعل لا في الماضي ولا في المستقبل، إذ الماضي لا يمكن رفعه ولا حكم له في المستقبل. وإن دل الدليل عليهما معًا، أو على تكرره في حقه ﵇ فقط، أو على تأسي الأمة به فيه فقط، فلا يخلو إما أن يحصل القول عقيب الفعل، أو متراخيًا عنه، وعلى التقديرات، إما أن يكون القول خاصًا به أو بنا أو هو متناول له ولنا. فهذه أقسام: أحدها: أن يدل دليل على تكرره في حقه وعلى تأسي الأمة به، فإن حصل القول عقيب الفعل، وكان خاصًا به ﵇ كان القول مخصصًا له عن عموم حكم الفعل. وإن كان خاصًا بالأمة كان مخصصًا للأمة عن عمومه.

стр. 2005

وإن كان متناولًا له ولهم دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم، وهو بطريق النسخ على رأي من يجوز قبل التمكن من الامتثال، وأما على رأي من لم يجوز ذلك، فيحتمل أن يكون بطريق الترجيح، وإن حصل القول متراخيًا عنه، فإن كان مختصًا به كان ذلك نسخًا لحكم الفعل في حقه فقط، وإن كان مختصًا بالأمة كان نسخًا في حقهم فقط، وإن كان متناولًا له ولهم كان نسخًا في حقه وحقهم جميعًا. وثانيها: أن يدل دليل على تكرره في حقه ﵇ فقط، فإن حصل القول قبل وقت التكرار وكان خاصًا به كان نسخًا له في حقه عند من يجوز النسخ قبل التمكن من الامتثال. وإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض بينهما. وإن كان متناولًا له ولهم كان نسخًا في حقه ولا تعارض بينهما بالنسبة إلى الأمة، وإن حصل بعد وقت التكرار فالحكم على ما سبق، غير أن يكون نسخًا في حقه بالاتفاق حيث يكون القول متناولًا له. وثالثها: أن يدل دليل على تأسي الأمة به في ذلك الفعل فقط، فالقول إن حصل/ (٣٤٥/ب) عقيب الفعل، فكان مختصًا بالأمة كان ذلك نسخًا لحكم الفعل في حقهم، على رأي من يجوز النسخ قبل حضور الوقت، وإن كان مختصًا بالرسول ﵇ فلا تعارض بينهما. وإن كان متناولًا له ولهم فالحكم على ما سبق، وهو أنه يكون نسخًا

стр. 2006

في حقهم على رأي أصحابنا، ولا تعارض بينهما بالنسبة إليه ﵇، وإن حصل متراخيًا عنه فالحكم على ما لا يخفى عليك. وإن كان الثالث: وهو أن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر: فإن لم يدل دليل على تكرر الفعل في حقه، ولا على تأسي الأمة به، فلا تعارض بينهما ويجب العمل بمقتضى القول، لاحتمال أن يكون الفعل متقدمًا، والقول متأخرًا، وعند ذلك لا يتحقق التعارض بينهما لما سبق. وإن دل دليل على تكرر العمل بالفعل في حقه ﵇ وعلى تأسي الأمة به فيه، فإما أن يكون القول متناولًا له وللأمة، أو له فقط، أو للأمة فقط. فإن كان الأول: فالعمل بمقتضى القول عند الجماهير. ومنهم: من رجح القول. وتوقف فيه آخرون. احتج الأولون بوجهين: أحدهما: أن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل. أما أولًا: فلأنه مستغن عن الفعل في الدلالة، والفعل غير مستغن عنه فيها، فكان أقوى. وأما ثانيًا: فلأنا لو سلمنا: أنه مستغن عنه، لكنه ليس صريح الدلالة

стр. 2007

بخلاف القول. وأما ثالثًا: فلأن دلالة القول أعم من دلالة الفعل، لإمكان التعبير به عن المحسوس وغيره، بخلاف الفعل فإنه لاينبئ من غير المحسوس، والأعم أقوى والأقوى راجح والعمل بالراجح واجب، فيكون العمل به واجبًا. وثانيهما: أن كون القول متناولًا لنا محقق، وكون الفعل متناولًا لنا ليس كذلك، لاحتمال أن يكون القول متقدمًا والفعل صدر عقيبه فيكون مخصصًا له عن عموم القول فقط، والمعلوم أولى مما ليس كذلك. وإن كان الثاني: فلا تعارض بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة لعدم تناول قوله لهم، وأما بالنسبة إليه ﵇ فيتحقق التعارض، وتأتي المذاهب الثلاثة المذكورة لو تصور الجهل بالتاريخ في حقه. وإن كان الثالث: لم يعارض قوله فعله بالنسبة إليه لعدم تناول قوله: إياه، وأما بالنسبة إلى الأمة فيتحقق. وتأتي المذاهب الثلاثة، وإن دل دليل على تكرر العمل بالفعل في حقه فقط، فإن كان القول خاصًا به، أو إن كان متناولًا له والأمة تحقق التعرض بينهما بالنسبة إليه دون الأمة، والخلاف فيه كالخلاف فيما تقدم/ (٣٤٦/أ) وإن كان خاصًا بالأمة فلا تعارض بينهما. وإن دل دليل على تأسي الأمة "به" في ذلك الفعل فقط، فإن كان

стр. 2008

القول خاصًا بالأمة أو كان متناولًا له ولهم تحقق التعارض بالنسبة إليهم والخلاف على ما تقدم. وأما بالنسبة إليه فلا تعارض بينهما، وإن كان خاصًا به ﵇ فلا تعارض بين القول والفعل أصلًا. فرع: إذا وقع التعارض بين قوله العام المتناول له، وللأمة -المطلق بالنسبة إلى الحالتين الشامل لهما جريا على الإطلاق- وبين فعله الخاص بإحدى الحالتين نحو "نهيه ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة" وفعله الذي روى "أنه جلس في البيت لقضاء الحاجة مستقبل

стр. 2009

بيت المقدس"، واستقباله من بيته لا يمكن إلا باستدبار الكعبة.

стр. 2010

فهل يكون نهيه مخصوصًا بفعله بإحدى الحالتين في حقه وحقهم، أم يختص فعله به ويجرى النهي عن إطلاقه في حق الأمة، "أو" يتوقف فيه؟ فيه خلاف. فذهب الشافعي: إلى الاحتمال [الأول]، ولهذا قال: لا بأس باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان، ويكون فعله دليلًا على أن ذلك غير "مراد" "و" يختص النهي في حقه وحقهم في الصحراء. وذهب الكرخي إلى الاحتمال الثاني: ولهذا قال: استقبال الكعبة واستدبارها منهي عنه في البناء والصحراء معًا، وإنما كان يجوز في البنيان للنبي ﷺ على سبيل الخصوصية. وذهب القاضي عبد الجبار: إلى الاحتمال الثالث، زعمًا منه أن التخصيص [لازم] على المذهبين [على ما ستعرف وليس] أحد

стр. 2011

التخصيصين أو [لى من الآخر] فيتوقف فيه إلى ظهور المرجح. حجة الإمام الشافعي ﵁: أن القول بتخصيص فعله به يوجب إبطال الدليل الدال على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، والقول بتخصيص النهي بإحدى الحالتين وتعميم حكم الفعل في حقه وحق الأمة إعمال للدليلين، أما دليل وجوب التأسي به، فلأنه معمول به من كل وجه، وأما نهيه فلأنه معمول به في إحدى الحالتين وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فإن قلت: لو قيل بتخصيص الفعل به لم يلزم إبطال دليل وجوب التأسي به بالكلية، ضرورة أنه معمول به في غير ذلك الفعل، بل غاية ما يلزم أنه يصير مخصوصًا بالنسبة إلى ذلك الفعل، وحمل النهي على إحدى الحالتين أيضًا يوجب "الترجيح" فالتخصيص لازم على المذهبين. فلم قلتم: إن تخصيصكم أولى من تخصيصنا، بل تخصيصنا أولى، لأن دليل وجوب التأسي به في كل فعل مع كل فعل أعم من ذلك النهي، ضرورة/ (٣٤٦/ب) أنه متناول لكل فعله، ونهيه عن الاستقبال غير متناول لكل فعل وتخصيص الخاص بالعام غير جائز. قلت: دليل وجوب التأسي به في كل فعل مع كل فعل ليس هو المخصص للنهي حتى يلزم تخصيص الخاص بالعام، بل دليل وجوب التأسي به في ذلك الفعل مع ذلك الفعل بخصوصيته وأنه أخص من ذلك النهي، ضرورة أنه غير متناول لغير ذلك الفعل، ونهيه متناول له ولغيره، فكان أخص منه

стр. 2012

وتخصيص العام بالخاص أولى من العكس فكان تخصيصنا أولى لا يقال نحن لا نخصص دليل وجوب التأسي به في ذلك الفعل مع ذلك الفعل بالنهي حتى يلزم تخصيص الخاص بالعام، بل تخصيص دليل وجوب التأسي به في الفعل فقط بالنهي وإنه أعم من النهي لما سبق. لأنا نقول: لا منافاة بين دليل وجوب التأسي به في الفعل فقط، وبين النهي حتى يخصص به، بل المنافاة بينهما إنما هو باعتبار الفعل، فكان المعتبر هو المجموع وأنه أخص من النهي. ومما سبق لا يخفى عليك مأخذ الكرخي ﵀.

стр. 2013

الفصل الأول في النسخ وتعريف الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل: المسألة الأولى في حقيقته لغة ذهب الأكثرون: إلى أنه حقيقة في الإزالة والإعدام. وذهب القفال: إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل. وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وغيرهما: إلى أنه مشترك

стр. 2014

بينهما بالاشتراك اللفظي. احتج الأولون بوجهين: أحدهما: أنه "استعمل في الإزالة" والإعدام، يقال: نسخت الريح آثار القوم، إذا أعدمت وأزالت، ونسخت الشمس الظل، إذا أعدمت، ونسخ الشيب الشباب، إذا أزاله وجاء مكانه، ومنه يقال: تناسخ القرون والأزمنة، بمعنى انعدام البعض ومجيء البعض الآخر مكانه، والأصل في الاستعمال الحقيقة. وكون التجوز واقعا في إسناد الاستعمالات المذكورة، من حيث إن المزيل للآثار، والظل، والشباب، ليس هو الريح، والشمس، والشيب [لو سلم ذلك فإن في كون تلك الإسنادات] "مجازات، منعا لا يخفي سنده" [بل الله تعالى]. لا ينفي كون اللفظ حقيقة في الإزالة أو التجوز العقلي، بجامع

стр. 2015

الحقيقة اللغوية على ما سبق ذلك في اللغات. وإذا كان حقيقة فيه وجب أن لا يكون حقيقة في النقل والتحويل دفعًا للاشتراك. وعورض: هذا الوجه بمثله فقيل: النسخ استعمل في النقل والتحويل على ما سيأتي، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وإذا كان حقيقة فيه، وجب أن لا يكون "حقيقة" في غيره دفعًا للاشتراك، وحينئذ ليس جعله حقيقة في أحدهما أولى من جعله حقيقة في الآخر. وأجاب الإمام عنه بأن الترجيح معنا، لأن الإزالة والإعدام أعم من النقل/ (٣٤٧/ أ) والتحويل، لأن الإعدام والإزالة تارة في الذات، وتارة في الصفات، والنقل والتحويل ليس فيه إلا إزالة الصفة وإعدامها، لأن الذات فيه باقية، وإنما ينعدم صفة كونه في هذا المقام ويتحدد له صفة كونه في هذا المقام، [وهو] مطلق الإعدام المنقسم إلى إعدام الذات والصفة أعم من كل واحد منهما، وجعل اللفظ حقيقة في المعنى العام، أولى من جعله في الخاص. أما أولا: فلأنه يكون متواطئًا في تلك الموارد من غير استلزام تجوز واشتراك.

стр. 2016

وأما ثانيا: فلأنه أكثر فائدة، وبالتقرير الذي قررناه أن الإزالة والإعدام أعم من النقل والتحويل يسقط ما قيل في سند منع كونه أعم منه، وهو أن الإعدام حيث يكون [إنما] يكون بزوال صفة "وهي" صفة الوجود، وتحدد أخرى، وهي صفة العدم فلا يكون أعم منه. ولا يخفى عليك معارضة الوجهين بما سبق في اللغات. وثانيهما: وهو أن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم: نسخت الكتاب، أو نسخت ما في الكتاب، مجاز ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة، وإذا كان اسم النسخ مجازا في النقل، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة والإعدام، لئلا يلزم قول ثالث خارق للإجماع، أو لأنه غير مستعمل فيما سواهما. وهو ضعيف جدا، لأنه لا يلزم من أن يكون ذلك الاستعمال بطريق الحقيقة أن لا يكون النسخ حقيقة في النقل، لجواز أن يكون حقيقة فيه مجازا في قولهم: نسخت الكتاب بطريق التشبيه، نعم لو كان استعمال النسخ بمعنى النقل منحصرًا فيه، أو لو قيل: إن كل من قال إنه حقيقة في

стр. 2017

النقل قال إنه حقيقة في قولهم: نسخت الكتاب، لكنه ليس بحقيقة فيه لما سبق، فلا يكون حقيقة في النقل أتم، لكن من المعلوم أنه ليس الاستعمال منحصرًا فيه ولا يمكن ادعاء الثاني. احتج القفال على أن النسخ بمعنى النقل والتحويل: إذ يقال: تناسخ المواريث بمعنى انتقالها من ورثة إلى ورثة ومن المعلوم أنه ليس هو بمعنى الإزالة والإعدام، وكذلك: تناسخ الأرواح، بمعنى انتقالها من بدن إلى بدن. وقولهم: نسخت الكتاب، أو ما في الكتاب، كأنك تنقله لنقل مثله مجاز منه بطريقة المشابهة، لا من النسخ الذي هو بمعنى الإزالة والإعدام، لأنه لا مشابهة بينهما، أو وإن كان بينهما مشابهة لكن المشابهة بينه وبين النسخ بمعنى النقل والتحويل أكثر، وقد عرفت أن جهة الرجحان فيكون مجازًا منه، فيكون حقيقة فيه. وأما القائلون: بأنه مشترك بينهما، قالوا: إنه استعمل في المعنيين كما سبق ولم يترجح أحدهما على الآخر بكونه حقيقة أو مجازا فيكون حقيقة/ (٣٤٧/ ب) فيهما.

стр. 2018

وجوابه: أنه مستعمل فيه، إما بطريق التواطؤ، أو بطريق التجوز، وجعل الإزالة أصلا والنقل فرعا، أولى من العكس لما عرفت "من" قبل. المسألة الثانية في حده بحسب الاصطلاح والناسخ والمنسوخ النسخ عبارة عن: رفع حكم ثابت "بطريق شرعي".

стр. 2019

وإنما قلنا: رفع حكم، لأن حقيقة النسخ الرفع والإزالة لغة. واصطلاحًا: على ما ستعرف ذلك. وقولنا: ثابت بطريق شرعي، وقع احترازا عن الثابت بطريق العقل، كالبراءة الأصلية، فإن رفعه ولو بطريق شرعي لا يسمى نسخًا "بحسب الاصطلاح، وهو خير من قول القائل: الثابت بالخطاب، لأنه يندرج تحته الثابت به ويغيره، كالأفعال. وإنما قلنا: بطريق شرعي"، ليتناول الخطاب، ومفهوميه، والأفعال، ويخرج عنه ما يكون الرفع بالموت، والجنون، وانكسار العضو، وغيره من الموانع الرافعة للأحكام. ولا حاجة إلى اعتبار مثل الحكم في التحديد حتى يقال: رفع مثل حكم ثابت، كما وقع في كلام بعض المعتزلة، لأن اعتبار ذلك إن كان لامتناع

стр. 2020

تعقل رفع الثابت بناء على ما يقال: إن المرفوع إن كان ثابتًا لا يمكن رفعه، وإن لم يكن ثابتًا لا يحتاج إلى رفعه. فباطل، لأنه بعينه آت في المثل، إذ يمكن أن يقال: رفع المثل إن كان في حالة ثبوته فباطل لما ذكرتم، وإن كان في غير حالة ثبوته سواء كانت تلك الحالة حالة عدمه قبل وجوده أو حالة عدمه بعد وجوده فلا يحتاج إلى رفعه، وإن كان لأجل أن المرفوع بالنسخ ليس هو عين الثابت بالطريق الشرعي، ضرورة أن زمان النسخ زمان الثبوت بالطريق الشرعي، فالثابت في زمان النسخ ليس غير الثابت بالطريق الشرعي، بل مثله فهو أيضا باطل، لأنا لم نقل رفع حكم ثابت قبل النسخ حتى يلزم ذلك والثابت بالطريق الشرعي يتناول الثابت حالة النسخ وقبلها، فإن الثابت حالة النسخ لو سلم أنه غير الثابت قبلها لكنه ثابت بالطريق الشرعي أيضا كالثابت قبلها، وإلا لم يكن حكمًا شرعيًا وهو خلاف الإجماع. وقولنا: رفع حكم: يغني عن التقييد: بالتراخي، وعن قولنا: لولاه لكان الحكم ثابتًا، لأن الأول: إنما يراد للاحتراز عن انتفاء الحكم الذي يحصل بسبب الاستثناء، والتقييد بالصفة، والغاية، والشرط وقد حصل

стр. 2021

الاحتراز عنه، بقولنا: رفع حكم، إذ ليس في شيء منها رفع الحكم، لأن الرفع إنما يكون/ (٣٤٨/ أ) بعد الثبوت وليس في شيء من ذلك ثبوت الحكم، لأنها تخصيصات وهو يبين أنه غير مراد. والثاني: إنما وقع احترازا عن النهي الوارد بعد الأمر المطلق الذي امتثل مقتضاه. وقلنا: إنه لا يقتضي التكرار وما يجري مجراه، فإن النهي لا يكون نسخًا للأمر المتقدم، لأنه ليس بمثابة: لولاه لكان الحكم ثابتًا. وقد حصل ذلك "بقولنا" رفع الحكم، ضرورة أن لما امتثل مقتضاه لم يكن الحكم ثابتًا فيما بعده. فإن قلت: الأمة إذا اختلفت على قولين، فإنه يجوز للعامي الأخذ بكل واحد من القولين بدلا من الآخر، ثم إذا اتفقت على أحدهما، فإنه لا يجوز له ذلك إذ ذاك. فهذا طريق شرعي: رفع حكم ثبت بطريق شرعي مع أنه لا نسخ، إذ الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. قلت: من منع من أصحابنا كالصيرفي في حصول مثل هذا الإجماع فقد سقط عنه هذا السؤال، وأما من جوز ذلك فإنه يمنع كون الإجماع على أحد

стр. 2022

القولين رافعًا لجواز الأخذ بكلا القولين على البدلية، وهذا لأنه يجوز أن يكون مشروطًا بعدم حصول الإجماع بعده على أحد القولين، فإذا وجد ذلك فقد زال شرطه فيزول الحكم لزوال شرطه، وهو ليس من النسخ في شيء. لا يقال: ما ذكرتم من الاحتمال بعينه، قائم في النسخ. إذ يمكن أن يقال: إن حكم المنسوخ كان مغيًا إلى غاية وجود الناسخ، فإذا وجد ذلك زال الحكم لزوال شرطه فلا يتحقق معنى الرفع في النسخ أيضًا. وعند ذلك يلزم: إما إنكار النسخ على ما نقل ذلك عن بعض المسلمين، فإنه لا يمكن تصحيحه إلا بهذا الطريق. وإما أن يقال: إنه عبارة عن انتهاء مدة الحكم. على ما ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق.

стр. 2023

لأنا نقول: هذا الاحتمال وإن كان قائما في النسخ، لكنه مرجوح خلاف ظاهر اللفظ المنسوخ حكمه، فإن لفظه يفيد دوام الحكم، إذ النسخ بعد الفعل لا يرد إلا على ما يفيد تكرار الحكم، إما على سبيل الدوام أو وإن كان إلى غاية معينة، لكنه يكون واردًا قبل تلك الغاية، وإذا كان كذلك كان معنى الرفع فيه أغلب بخلاف اختلافهم في مسألة على قولين، فإنه ليس فيه ما يدل على جواز الأخذ بأحد القولين على تلك الصفة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من العمل بمقتضاه حيث ليس يخالف الظاهر بل يؤيده، فإن ظاهر ما يدل على أن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به يؤيده العمل بمقتضاه حيث يخالف الظاهر، ولو فرض الإجماع على جواز الأخذ بأحد القولين بصراحة القول، إما على التأييد أو غيره فإننا نمنع حصول الإجماع بعد ذلك على أحد القولين. وسلك الإمام رحمه الله تعالى في دفع/ (٣٤٨/ ب) هذا النقض مسلك العناية فإنه لما قال: الناسخ طريق شرعي إلى آخره، قال: نعني بالطريق الشرعي القدر المشترك بين القول الصادر من الله ورسوله، والفعل المنقول عنهما، والإجماع على جواز الأخذ بأحد القولين، والإجماع على أحدهما بعد ذلك، يس بطريق شرعي على هذا التفسير. ولا يخفى عليك ما فيه من الضعف، ودفع بعضهم بوجه آخر وهو أن الحكم نفيًا وإثباتًا إنما يستند إلى الدليل السمعي الموجب لإجماعهم على ذلك الحكم وعلى هذا فيكون إجماعهم دليلًا على وجود الخطاب الذي هو النسخ، لا أن خطابهم نسخ.

стр. 2024

وهو ضعيف جدًا، لأن الاحتمال المذكور قائم في كل إجماع، وهو إنما يكون نقضًا على من سلم أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وهذا التعريف الذي ذكرناه إنما هو على رأي القاضي. فأما إذا أردت تعريفه على ما يشترك فيه المذهبان فقل: النسخ عبارة عن زوال حكم ثبت بطريق شرعي، عند ورود طريق شرعي مناف لحكمه، على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا. وإنما زدنا هذا القيد الأخير: احترازًا عما ورد ما ينافي مقتضى مطلق الأمر من الطرق الشرعية بعد فعله، فإنه زال حكمه عند ورود طريق شرعي مناف لحكمه، وهو ليس بنسخ، لأنه ليس على وجه لولاه لكان الحكم ثابتًا، إذ حكمه قد انقطع بعد الامتثال. ولا حاجة إلى قيد التراخي إذ الزوال إنما يكون بعد الثبوت، وفي صورة الاستثناء والتقييد بالصفة، والشرط، والغاية، لم يثبت الحكم أصلًا، وهذا في الغاية المفصلة. فأما المجملة نحو قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن

стр. 2025

الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ فهل يجعل بيان الحكم على خلاف الحكم السابق بعدها نسخًا للحكم المتقدم أم لا؟ فيه احتمالات: وذلك نحو شرعية جلد الزاني والزانية بعد قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ الأظهر أنه يقع عليه اسم النسخ، كما لو قال: هذا "وأحب إليَّ" أن أنسخه ثم ينسخه. ويحتمل أن لا يقع كما في الغاية المفصلة. وأما الناسخ: فيطلق على الشارع، الناصب للدلالة على النسخ وهو الله تعالى في الحقيقة. فإن الرسول مبلغ عنه الأحكام وليس له شرعية الحكم من تلقاء نفسه، يقال: نسخ الشارع هذا الحكم فهو ناسخ، قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾.

стр. 2026

وقد يطلق على الطريق الشرعي الرافع للحكم، إذ يقال: آية الاعتداد بالأشهر نسخت لآية الاعتداد بالحول، في حق المتوفى عنها زوجها، وخبر التقاء الختانين نسخ قوله: "الماء من الماء". ويطلق على نفس الحكم المشروع بعد النسخ، نحو "ما يقال" وجوب صوم رمضان، نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ. ويطلق على نعتقد النسخ يقال: فلان ينسخ الكتاب بالسنة إذا اعتقد ذلك. واتفقوا على أنه ليس حقيقة في الكل، بل في البعض. وهو إما الأول: فقط.

стр. 2027

أو هو مع الثاني: فقط على ما نقل ذلك عن المعتزلة. ويحتمل أنه يقال إنه حقيقة فيهما. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فلكثرة الاستعمال فيه بالنسبة إلى سائر المعاني، وجعل المعنى الثاني: غير النسخ كما زعم الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى بعيد جدا. أما إذا قلنا: الناسخ حقيقة فيه فظاهر، لأن النسخ ليس [هو] حقيقة في لناسخ فيكون مغايرا. وأما إذا قلنا: إنه مجاز فيه فكذلك، لأن جهة مجازية تلك غير جهة مجازية هذه وتغاير جهة التجوز دليل على التغاير. وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع بالنسخ.

стр. 2028

وقد يطلق على الدليل الذي تضمن إثبات الحكم المنسوخ، إذ يقال خبر كذا، وإنه كذا منسوخ إذا كان حكمها منسوخًا. المسألة الثالثة ذهب كثير من المحققين كالقاضي والغزالي (إلى): أن النسخ رفع . ومعناه: أن خطاب الله تعالى بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لنفى إلا أنه زال لطريان الناسخ. وقال الأستاذ والفقهاء أنه بيان. ومعناه: أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت، "ثم" جعل بعده حكم، والدليل الذي يرد مثبتًا للحكم الجديد يعرف ذلك.

стр. 2029

وهو كالخلاف في أن زوال الإعراض بالذات أو بالضد. فإن من قال: ببقائها، قال: إنما ينعدم الضد المتقدم لطريان الطارئ ولولاه لبقي. ومن لم يقل ببقائها قال: إنه ينعدم بنفسه، ثم يحدث الضد الطارئ وليس له تأثير في إعدام الضد الأول. احتج القاضي بوجوه: أحدها: أن النسخ في اللغة: عبارة عن الإزالة كما تقدم، فوجب أن

стр. 2030

يكون الشرع كذلك، إذ الأصل عدم التغيير. ولا يدفع "بما" أن التمسك بالأصل لا يفيد إلا الظن، والدلائل العقلية التي يذكرها الخصم تفيد اليقين، فلا يعارضها لأنا سنيين ضعفها. وثانيهما: أن النسخ لو كان عبارة عن انتهاء الحكم، لم يبق فرق بينما إذا ورد الخطاب بالحكم مغيًا إلى غاية معينة، وبينما إذا ورد مفيدًا لشرعيته على الدوام، ثم يرد عليه النسخ إلا في اللفظ وهو كون الغاية مذكورة لفظًا في الأول دون الثاني، لكن ليس كذلك لأنا نجد تفرقة معنوية بين قول القائل: صل الظهر في كل يوم، ثم/ (٣٤٩/ ب) ينسخه بعد شهر مثلا وبين قوله: صل الظهر في كل يوم إلى شهر. وثالثهما: أن كل ما بقي بعد وجوده، فإن عدمه ليس لذاته، وإلا لما وجد، أو لما بقي فهو إذا المزيل وهو الناسخ. فإن قلت: الملازمة مسلمة فيما يكون بقاؤه مطلقًا غير مقيد إلى وقت معين، فأما ما يكون كلك فالملازمة ممنوعة فيه، وهذا لأنه إذا كان بقاؤه مشروطًا إلى وقت، جاز أن يوجد ويبقى إلى ذلك الوقت، فإذا جاء ذلك الوقت ينعدم لفقد شرطه فلا يحتاج إلى مزيل. قلت: إنه وإن كان محتملًا، لكنه خلاف ما دل عليه ظاهر اللفظ فلا يصار إليه إلا عند قيام دليل عليه، والأصل عدمه والمسألة ظنية [فيه]

стр. 2031

فيكفينا هذا القدر. ورابعهما: أنا سنبين إن شاء الله تعالي أنه يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، وذلك يمنع من أن يكون النسخ عبارة عن بيان انتهاء مدة العبادة إنما يكون بعد حصول المدة، فقبل حصوله يستحيل بيان [انتهائها وفيه نظر فليتأمل الناظر]. فإن قلت: الحكم الشرعي عندكم قديم. فكيف يعقل رفعه، فإن رفع القديم غير معقول. قلت: قد عرفت أن الحكم هو الخطاب الأزلي المتعلق "بالأفعال" وهو غير مرفوع عند النسخ، بل المرفوع إنما هو تعلقه، وهو حادث وليس رفعه يستلزم رفع الخطاب، إذ الخطاب كان حاصلا في الأزل وتعلقه بالفعل غير حاصل فلا يكون رفعه مستلزمًا لرفعه، وكذا يرتفع تعلق الخطاب بسبب الجنون والعجز. ثم إذا "قال": يعود مع بقاء الخطاب في الحالتين في نفسه وعدم تغيره في ذاته، فعلم أن رفع التعلق لا يقتضي رفع الخطاب، ونحن لا نعني بنسخ الحكم الشرعي سوى نسخ تعلق الخطاب. واحتج الخصم بوجوه: أحدها: أنه ليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لبقاء الباقي فلا يحصل أحدهما بالآخر، وعند ذلك، إما أن يوجدا معا، وهو محال، لاستحال اجتماع الضدين أو يعدما معا، وهو أيضا محال، لأن علة

стр. 2032

علة عدم كل واحد منهما هو وجود الآخر فلو عدما معا لوجدا معا وذلك محال. وجوابه: أن زوال الباقي، لحدوث الحادث، أولى من العكس بدليل أن عند وجود العلة التامة لعدم الشيء، أو لوجوده المنافية لوجوده، أو لعدمه ضرورة أن علة عدم الشيء منافية لوجوده، وعلة وجود الشيء منافية لعدمه يحصل عدمه/ (٣٥٠/ أ) أو وجوده قطعًا، ولولا الأولوية لامتنع حصوله وما ذكر من الوجهين في دفع الحادث أقوى من الباقي فضعيف. أما الأول: وهو أن الباقي إن لم يحصل له أمر زائد على ما كان حاصلا له حالة الحدوث لزم أن يكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث، وحينئذ يمتنع رجحان الحادث عليه، وإن حصل له أمر زائد فذلك الزائد يكون حادثًا قطعا، فيكون مساويًا للضد الطارئ في الحدوث فيمتنع رجحان أحدهما على الآخر، وإذا امتنع عدم كيفية الباقي عدم الباقي وإلا لما امتنع (عدم) الكيفية. فلأنه إن عني بقوله: إن لم يحصل للباقي أمر زائد على ما كان حاصلًا له حالة الحدوث (له) لأنه لم يحصل [له] أمر ما كان حاصلًا له حالة الحدوث، ولا زال عنه ما كان حاصلًا له فيها وهو الأظهر فحينئذ نمنع امتناع رجحان الضد الطارئ على الباقي على التقدير الثاني، وهذا لأن جهة الرجحان وهي الحدوث حاصلة لذات الضد الطارئ [وهي غير حاصلة لذات

стр. 2033

الضد الباقي على التقدير الثاني، (بل لأن جهة الرجحان] وهي غير حاصلة لذات الضد الباقي على التقدير الثاني) بل الكيفية، والمنافاة بالذات إنما هو بين الضدين وأما بين الضد الطارئ وبين كيفية الضد الباقي فبالعرض من حيث إنه ينافي ما هو محل لها، وإذا كان كذلك لم يمتنع رجحان الطارئ بحدوثه على الباقي الذي هو فاقد له. وإن عني به القسم الأول: فقط فحينئذ نمنع أن يكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث، لجواز أنه لم يحصل له أمر ما كان حاصلًا له، لكن زال عنه ما كان حاصلًا له. وأما الثاني: وهو أن الحادث إن كان يمتنع عدمه حالة حدوثه، لكونه مع سببه فبالباقي أيضا يمتنع عدمه حالة بقائه لكونه مع سببه ضرورة أنه ممكن، وإذا امتنع العدم عليهما استويا في القوة فيمتنع رجحان أحدهما على الآخر، فلأنه مبني على أن علة الحاجة إلى السبب هي الإمكان، لأن بتقدير أن لا يكون ذلك علة الحاجة إلى المؤثر لم يجب أن يكون مع الباقي السبب، وهو ممنوع على ما عرف أن علة الحاجة عند المتكلمين هي الحدوث. وثانيهما: أن الضد الطارئ إن طرأ حالة كون الضد الأول معدومًا لم يكن له تأثير في إعدامه، لأن إعدام المعدوم محال، وإن كان طرأ حالة وجوده فقد وجد مع وجوده، وإذا وجدا معا لم يكن بينهما منافاة وإذا لم يكن بينهما منافاة لم يكن أحدهما رافعًا للآخر.

стр. 2034

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ذلك، كالكسر مع الانكسار؟ قلت: لانكسار/ (٣٥٠/ ب) عبارة: عن زوال التأليفات الحاصلة لأجزاء المنكسر، والتأليفات أعراض غير باقية فلا يكون للكسر أثر في إزالتها، بل في دفع المثل. وجوابه: أن تمام الضد الطارئ انعدام الضد الباقي، وذلك ليس إعدام المعدوم، بل هو إثبات العدم كإثبات الوجود ليس إيجاد الموجود. وثالثهما: أن طريان الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو كان زوال المتقدم معللًا بطريان الطارئ لزم الدور. وجوابه: منع أنه مشروطة به، ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره، أن يكون وجوده مشروطًا بزواله، فإن وجود العلة تنافي عدم معلوله، مع أنه ليس مشروطًا بزواله، وإلا لكان وجود المعلول متقدمًا على وجود العلة، ضرورة أن رتبة الشرط متقدم على رتبة المشروط. ورابعهما: أن حكمة كلامه، وكلامه قديم، والقديم يستحيل رفعه. وجوابه: أن المرفوع تعلق الخطاب لا نفس الخطاب كما سبق، وما قيل: في دفعه بأن تعلق الخطاب إن لم يكن أمرا وجوديًا استحال رفعه، وإن كان وجوديًا، فإن كان قديمًا استحال أيضا رفعه، وإن كان وجوديًا، فإن كان قديمًا استحال أيضًا رفعه، وإن كان [وجوديًا] حادثًا

стр. 2035

لزم أن يكون الباري محلا للحوادث. (فضعيف، لنه لا يلزم من حدوث تعلق الخطاب، أن يكون الباري محلا للحوادث)، إذ هو غير قائم بذات الله تعالى. وخامسها: وهو ما استدل به إمام الحرمين على فساد القول بالرفع، وهو: أن علم الله تعالى جهلًا، وهو محال، وإن تعلق باستمراره إلى ذلك الوقت الذي نسخ فيه لزم أن لا يبقى بعده، وإلا لزم انقلاب علم الله تعالى جهلا، وهو محال، وحينئذ يمتنع أن يكون زواله بمزيل، لأن الواجب لذاته لا يصير واجبًا بغيره.
следующие страницы →