Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
فيكفينا هذا القدر.
ورابعهما: أنا سنبين إن شاء الله تعالي أنه يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، وذلك يمنع من أن يكون النسخ عبارة عن بيان انتهاء مدة العبادة إنما يكون بعد حصول المدة، فقبل حصوله يستحيل بيان [انتهائها وفيه نظر فليتأمل الناظر].
فإن قلت: الحكم الشرعي عندكم قديم. فكيف يعقل رفعه، فإن رفع القديم غير معقول.
قلت: قد عرفت أن الحكم هو الخطاب الأزلي المتعلق "بالأفعال" وهو غير مرفوع عند النسخ، بل المرفوع إنما هو تعلقه، وهو حادث وليس رفعه يستلزم رفع الخطاب، إذ الخطاب كان حاصلا في الأزل وتعلقه بالفعل غير حاصل فلا يكون رفعه مستلزمًا لرفعه، وكذا يرتفع تعلق الخطاب بسبب الجنون والعجز.
ثم إذا "قال": يعود مع بقاء الخطاب في الحالتين في نفسه وعدم تغيره في ذاته، فعلم أن رفع التعلق لا يقتضي رفع الخطاب، ونحن لا نعني بنسخ الحكم الشرعي سوى نسخ تعلق الخطاب.
واحتج الخصم بوجوه:
أحدها: أنه ليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لبقاء الباقي فلا يحصل أحدهما بالآخر، وعند ذلك، إما أن يوجدا معا، وهو محال، لاستحال اجتماع الضدين أو يعدما معا، وهو أيضا محال، لأن علة
стр. 2032
علة عدم كل واحد منهما هو وجود الآخر فلو عدما معا لوجدا معا وذلك محال.
وجوابه: أن زوال الباقي، لحدوث الحادث، أولى من العكس بدليل أن عند وجود العلة التامة لعدم الشيء، أو لوجوده المنافية لوجوده، أو لعدمه ضرورة أن علة عدم الشيء منافية لوجوده، وعلة وجود الشيء منافية لعدمه يحصل عدمه/ (٣٥٠/ أ) أو وجوده قطعًا، ولولا الأولوية لامتنع حصوله وما ذكر من الوجهين في دفع الحادث أقوى من الباقي فضعيف.
أما الأول: وهو أن الباقي إن لم يحصل له أمر زائد على ما كان حاصلا له حالة الحدوث لزم أن يكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث، وحينئذ يمتنع رجحان الحادث عليه، وإن حصل له أمر زائد فذلك الزائد يكون حادثًا قطعا، فيكون مساويًا للضد الطارئ في الحدوث فيمتنع رجحان أحدهما على الآخر، وإذا امتنع عدم كيفية الباقي عدم الباقي وإلا لما امتنع (عدم) الكيفية.
فلأنه إن عني بقوله: إن لم يحصل للباقي أمر زائد على ما كان حاصلًا له حالة الحدوث (له) لأنه لم يحصل [له] أمر ما كان حاصلًا له حالة الحدوث، ولا زال عنه ما كان حاصلًا له فيها وهو الأظهر فحينئذ نمنع امتناع رجحان الضد الطارئ على الباقي على التقدير الثاني، وهذا لأن جهة الرجحان وهي الحدوث حاصلة لذات الضد الطارئ [وهي غير حاصلة لذات
стр. 2033
الضد الباقي على التقدير الثاني، (بل لأن جهة الرجحان] وهي غير حاصلة لذات الضد الباقي على التقدير الثاني) بل الكيفية، والمنافاة بالذات إنما هو بين الضدين وأما بين الضد الطارئ وبين كيفية الضد الباقي فبالعرض من حيث إنه ينافي ما هو محل لها، وإذا كان كذلك لم يمتنع رجحان الطارئ بحدوثه على الباقي الذي هو فاقد له.
وإن عني به القسم الأول: فقط فحينئذ نمنع أن يكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث، لجواز أنه لم يحصل له أمر ما كان حاصلًا له، لكن زال عنه ما كان حاصلًا له.
وأما الثاني: وهو أن الحادث إن كان يمتنع عدمه حالة حدوثه، لكونه مع سببه فبالباقي أيضا يمتنع عدمه حالة بقائه لكونه مع سببه ضرورة أنه ممكن، وإذا امتنع العدم عليهما استويا في القوة فيمتنع رجحان أحدهما على الآخر، فلأنه مبني على أن علة الحاجة إلى السبب هي الإمكان، لأن بتقدير أن لا يكون ذلك علة الحاجة إلى المؤثر لم يجب أن يكون مع الباقي السبب، وهو ممنوع على ما عرف أن علة الحاجة عند المتكلمين هي الحدوث.
وثانيهما: أن الضد الطارئ إن طرأ حالة كون الضد الأول معدومًا لم يكن له تأثير في إعدامه، لأن إعدام المعدوم محال، وإن كان طرأ حالة وجوده فقد وجد مع وجوده، وإذا وجدا معا لم يكن بينهما منافاة وإذا لم يكن بينهما منافاة لم يكن أحدهما رافعًا للآخر.
стр. 2034
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ذلك، كالكسر مع الانكسار؟
قلت: لانكسار/ (٣٥٠/ ب) عبارة: عن زوال التأليفات الحاصلة لأجزاء المنكسر، والتأليفات أعراض غير باقية فلا يكون للكسر أثر في إزالتها، بل في دفع المثل.
وجوابه: أن تمام الضد الطارئ انعدام الضد الباقي، وذلك ليس إعدام المعدوم، بل هو إثبات العدم كإثبات الوجود ليس إيجاد الموجود.
وثالثهما: أن طريان الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو كان زوال المتقدم معللًا بطريان الطارئ لزم الدور.
وجوابه: منع أنه مشروطة به، ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره، أن يكون وجوده مشروطًا بزواله، فإن وجود العلة تنافي عدم معلوله، مع أنه ليس مشروطًا بزواله، وإلا لكان وجود المعلول متقدمًا على وجود العلة، ضرورة أن رتبة الشرط متقدم على رتبة المشروط.
ورابعهما: أن حكمة كلامه، وكلامه قديم، والقديم يستحيل رفعه.
وجوابه: أن المرفوع تعلق الخطاب لا نفس الخطاب كما سبق، وما قيل: في دفعه بأن تعلق الخطاب إن لم يكن أمرا وجوديًا استحال رفعه، وإن كان وجوديًا، فإن كان قديمًا استحال أيضا رفعه، وإن كان وجوديًا، فإن كان قديمًا استحال أيضًا رفعه، وإن كان [وجوديًا] حادثًا
стр. 2035
لزم أن يكون الباري محلا للحوادث.
(فضعيف، لنه لا يلزم من حدوث تعلق الخطاب، أن يكون الباري محلا للحوادث)، إذ هو غير قائم بذات الله تعالى.
وخامسها: وهو ما استدل به إمام الحرمين على فساد القول بالرفع، وهو: أن علم الله تعالى جهلًا، وهو محال، وإن تعلق باستمراره إلى ذلك الوقت الذي نسخ فيه لزم أن لا يبقى بعده، وإلا لزم انقلاب علم الله تعالى جهلا، وهو محال، وحينئذ يمتنع أن يكون زواله بمزيل، لأن الواجب لذاته لا يصير واجبًا بغيره.
стр. 2036
وجوابه: أنه يجوز أن يكون علمه متعلقًا بزواله في ذلك الوقت بإزالة الحادث (إياه) لا بنفسه، وهو لا يمنع من زواله به، وإلا لزم أن يقال:
إن علمه تعالى بوجود العالم ي=بالمؤثر مانع من وقوعه به، بل يمنع من زواله بنفسه وإلا لزم انقلاب علم الله تعالى جهلا، وهو محال.
وسادسها: أن الحكم المرفوع، إن كان ثابتًا استحال رفعه، لأن رفع الثابت محال، وإن كان منفيًا استحال ايضًا رفعه لاستحالة تحصيل لحاصل.
وجوابه: أنه منقوض بالزوال إذا أمكن أن يقال: إن الحكم الزائل إن كان ثابتًا استحال زوال الثابت، وإن لم يكن كذلك استحال زواله، لاستحالة أن يزول الزائل، ثم الجواب/ (٣٥١/ ب) الكاشف عن محل الإشكال هو أن المرفوع كان ثابتًا فعندما حصل الرفع بتمامه ارتفع به ولا استحالة فيه.
стр. 2037
المسألة الرابعة
في الفرق بين النسخ والبداء
اعلم أن النسخ غير البداء وغير مستلزم له.
أما الأول: فلأن النسخ عبارة عما سبق لغة، واصطلاحًا.
وأما البداء: فهو عبارة عن الظهور بعد أن أن لم يكن كذلك، قال الله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا﴾، وقوله: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ أي ظهر لهم من الله ما لم يكن كذلك.
ويقال: في عرف الاستعمال: بدا لنا وجه الرأي، وبدا لنا سور المدينة أي ظهر بعد أن لم يكن كذلك، وإذا كان كذلك كان النسخ غير البداء، إذ لا يتفقان في الدلالة على مسمى واحد، لا بحسب اللغة، ولا بحسب الاصطلاح.
стр. 2038
وأما الثاني: فلأنه يجوز أن يكون فعل المأمور مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، فيحس الأمر به في وقت يكون مصلحة فيه، ويحسن النهي عنه في وقت يكون مفسدة فيه، ولا ننكر جواز ذلك، فإن أكثر
الأفعال العادية كذلك.
ألا ترى أن الأكل والشرب حالة الجوع والعطش مصلحة، وحالة الشبع والري مفسدة فلا يلزم من نسخ ما كان مطلوبًا فعله أن يكون ذلك لظهور مفسدة فيه، لما سبق من الاحتمال.
وهذا على رأي من لم يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، وأما من يجوز ذلك فيعلل بأن الأمر بالشيء في وقت قد يكون مصلحة، والنهي عنه (قبيح) فيه وفي وقت آخر يصير الأمر به (فيه) قبيحًا ويصير النهي عنه فيه حسنًا، كما سيأتي تمام تقريره في مسألة جواز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، وحينئذ ينبغي أن يحسن الأمر والنهي كلاهما بحسب وقتين مختلفين، فلا يكون النهي عما أر به أولا قبل حضور وقت عمله مستلزما للبداء، إذ لا يكون دالا على ظهور مفسدة
стр. 2039
فيه، فظهر أن النسخ غير البداء وغير مستلزم له.
وذهبت الروافض، واليهود: إلى أن النسخ يستلزم البداء فلزمهم التسوية بينهما في الجواز وعدم الجواز.
فذهبت اليهود إلى عدم جوازهما، وقالوا: لا يجوز النسخ من الله تعالى لاستحالة البداء عليه.
وذهبت الروافض إلى جوازهما وقالوا: بجواز البدء على الله تعالى لجواز النسخ منه.
فكل واحدًا من المذهبين، وإن كان كفرًا.
إذ الأول يقتضي إنكار نبوة نبينا ﵇.
والثاني: يقتضي جواز الجهل على الله تعالى، وكونه محلًا للحوادث.
لكن الثاني: كفر صريح لا يمكن أن يحمل على وجه لا يلزم منه الكفر/ (٣٥١/ ب) (بخلاف الأول: فإنه يمكن أن يحمل على وجه لا يلزم منه الكفر)، وذلك بأن يقال: ليس من ضرورة القول بصحة نبوة نبينا عليه
стр. 2040
السلام القول بصحة النسخ حتى يلزم من إنكار النسخ إنكار النبوة، وذلك لاحتمال أن يقال: أن شرع من قبله كان مغيا إلى غاية ظهوره ﵇ في اللفظ فعند ظهوره ﵇ زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية وليس ذلك من النسخ في شيء، بل هو جارى مجرى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ وحينئذ لا يلزم من إنكار النسخ إنكار نبوته ﵇، وبهذا التأويل أنكر بعض المسلمين النسخ.
ثم كذبت الروافض وبهتوا في نسخة تجويز البداء على الله تعالي إلي أهل البيت حيث نقلوا عن علي ﵁ أنه قال: "لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة".
ونقلوا عن جعفر الصادق ﵁ أنه قال:"البداء ديننا ودين أبائنا في الجاهلية".
ونقلوا عنه أيضا أنه قال: "ما بدأ الله في شيء كما بدأ له في إسماعيل" أي في أمره بذبحه.
واتخذوا هذه الأكاذيب المخترعة من بعضهم مستندا لمذهبهم الباطل.
стр. 2041
وربما استدلوا عليه من جهة نص الكتاب بقوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾.
واستدلوا عليه من المعقول: بأنه إن علم خلو الفعل من المفسدة حسن الأمر به فقبح النهي عنه، وإن علم اشتماله على المفسدة قبح الأمر به وحسن النهى عنه، فأحدهما حسن والآخر قبيح لا محالة ولم يحسن الأمران معا إلا بحسب اختلاف العلم بذلك.
وأيضا: لو لم يجز عليه البداء لكان فعله على نمط واحد كفعل الطبائع، وذلك ينافي كونه فاعلا مختارا تعالي عن ذلك، إذ الفاعل المختار ما يمكنه الفعل والترك على حسب ما يشاء.
وفي هذا المعني قال قائلهم:
стр. 2042
ولولا البداء سميته غير هائب ... وذكر البداء نعت لمن يتقلب
ولولا البداء ما كان فيه تصرف ... وكان كنار دهرها يتلهب
وكان كضوء مشرق بطبيعة ... وبالله عن ذكر الطبائع يرغب
واعلم أن نصوص الكتاب، نحو قوله تعالي ﴿[و] ما يعزب" عن ربك" [من] مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾، ونحو قوله: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾، وقوله: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾، وقوله: ﴿ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾، ونحو قوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ وغيرها من النصوص التي تدل على أن علمه تعالي محيط بجميع الأشياء والأدلة/ (٣٥٢/ أ) القاطعة العقلية الدالة عليه (و) كلاهما يدل على فساد
стр. 2043
هذا المذهب وليس له مستند، ولا بحسب العقل، ولا بحسب العقل، ولا بحسب النقل سوى تلك الأكاذيب المخترعة.
وأما قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ فهو لا يدل عليه، لأن المراد منه المحو والإثبات بطريق النسخ لا بطريق البداء، ويحتمل أيضا أن يكون المراد منه (محو) السيئات بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾،أو محو السيئات بالتوبة، ومحو الحسنات بالردة، كما قال تعالي: ﴿ومن يرتد [د] منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ وغيرها من الاحتمالات التي ذكر المفسرون في تفسيرها.
وأما الوجه الأول من المعقول: فقد عرفت جوابه.
стр. 2044
وأما الثاني: فجوابه: إنما يمتنع أنه لو لم يجز عليه البداء، لكان فعله على نمط واحد، وهذا لأنه يجوز أن يختلف فعله بحسب اختلاف المصلحة والمفسدة بالنسبة إلى الأوقات كما تقدم.
سلمنا: الملازمة لكن لا نسلم أن ذلك ينافي كونه فاعلا مختارا، وهذا لأن المعني من كونه فاعلا مختارا، هو أنه إن شاء فعل وإن شاء ترك، فإن ذلك محال (لا أنه بعد مشيئة الفعل وإرادته إن شاء فعل وإن شاء ترك، فإن ذلك محال)، لأن مشيئة الترك مع مشيئة الفعل محال، وكذا بعدها في حق من تكون مشيئته وإرادته قديمة.
وأما الرد على اليهود فسيأتي في مسألة منفردة بعد هذا إن شاء الله تعالي.
المسألة الخامسة
في إثبات النسخ على منكريه
النسخ جائز عقلا واقع سمعًا عند أكثر المتكلمين.
خلافا لليهود فإن منهم من أنكر جوازه عقلا، ووقوعه شرعًا ومنهم
стр. 2045
من أنكر وقوعه فقط.
وذهبت العيسوية منهم، وهم أصحاب أبي عيسي الأصفهاني، المعترفون بصحة نبوة نبينا لكن إلى بني إسماعيل وهو العراب خاصة إلى جوازه عقلا ووقوعه سمعا.
وهؤلاء وإن لم يكونوا مخالفين فلا يحسن ذكرهم في معرض ذكر المخالفين، لكن إنما ذكرناهم لئلا يتوهم أن جميع اليهود مخالفون في ذلك.
وروى عن بعض المسلمين إنكاره، مع اعترافه بأن شرعنا يخالف شرع
стр. 2046
من قبلنا في كثير من الأحكام، لكن بالتأويل الذي سبق.
واعلم أنا مهما دللنا على الوقوع، فقد دللنا على الجواز العقلي، إذ لا
стр. 2047
يجوز أن يقع ما لا يكون جائزا عقلا، لكن مع ذلك يستدل على الجواز العقلي بدليل يخصه من جهة العقل، والشرع ليكون مدلولا عليه/ (٣٥٢/ ب) بصريح الدلالة، فإن على الطريقة الأولى، إنما يكون مدلولا عليه بطريق الالتزام.
فنقول: لو لم يكن النسخ جائزا لكان ممتنعا، إذ لا قائل بوجوبه (و) لو قيل به لكان الغرض حاصلا، إذ كل واجب جائز بالمعنى العام، فامتناعه، إما لذاته وصورته، وإما لغيره.
والأول: باطل، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، لا بمعنى الرفع، ولا بمعنى انتهاء الحكم، أما بالمعني الثاني: فظاهر إذ لا إشكال عليه.
وأما بالمعني الأول: فلما تقرر من قبل من تحقيق معنى الرفع على الوجه المعقول.
وأما الثاني: فإما أن يكون لاستلزامه البداء وهو باطل لما بينا أنه لا يستلزمه، أو لأنه يستلزم أن يكون الشيء الواحد حسنًا وقبيحًا معا وهو محال.
وهو أيضا باطل، لأنا بينا أن ذلك جائز بالنسبة إلى الوقتين، وإن أكثر الأفعال كذلك، أو لأنه يستلزم الإخلال بحكمة فاعله من حيث إنه إن لم يكن أمره ونهيه لحكمه لزم العبث، وإن كان لحكمه وجب أن يحسن أحدهما دون الآخر، وهو أيضا باطل، لأنا لا نسلم وجوب تعليل أفعال الله تعالى.
стр. 2048
ولئن سلم: لكن لا نسلم أن اللازم إذ ذاك حسن أحدهما، وهذا لأنه يجوز أن يحسن كلاهما في وقتين لما سبق، أو بمعني آخر والأصل عدمه إلا إذا بينه الخصم.
وأما الدليل على جوازه بحسب الدليل الشرعي.
فاعلم أن الأصحاب اعتمدوا في ذلك على قوله تعالي: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.
وزعموا أن هذه الآية بظاهرها تدل على جواز النسخ منه تعالي فهي حجة على من أنكر من المسلمين جوازه شرعا.
стр. 2049
وأما على اليهود المنكرين له شرعا.
فحجتهما إنما ثبتت بعد إثبات نبوته ﵇، فإنه إذا ثبت نبوته امتنع عليه الفرية والكذب، فيثبت كون الآية من كلام الله تعالي، ضرورة أنه ادعى ذلك وقد ثبت ذلك في الكلام بأدلة قاطعة، فوجب أن يكون حجة عليهم ولا يقال الاحتجاج بالقرآن يتوقف على صحة النسخ، ضرورة أنه متى ثبت أنه كلام الله تعالى لزم نسخ ما تقدم من الشرع، إما كله أو بعضه، إذ أحكامه مخالف لأحكام الشرع المتقدم فإثبات صحة النسخ به دور، لأنا نمنع ذلك وسنده الاحتمال المتقدم، ولو سلم التوقف فيستدل على صحة النسخ بما أنه ثبتت بالأدلة القاطعة كونه كلام الله فيلزم صحة النسخ.
стр. 2050
ومنهم من استدل بوجهين آخرين:
أحدهما: أن الأدلة القاطعة دالة/ (٣٥٣/ أ) على صحة نبوة نبينا ﵇، وصحة نبوته لا تثبت إلا مع القول بنسخ شرعه شرع من قبله، (فوجب القول به. وهو ضعيف.
لأنا نمنع أن صحة نبوته ﵇ لا تثبت إلا بنسخ شرعه شرح من قبله) وسنده ما سبق من الاحتمال، ولا يدفع بأن الأصل عدم التقييد؛ لأن المسألة قطعية والتمسك بالأصل لا يفيد إلا الظن.
وثانيهما: أن الأمة مجمعة على وقوع النسخ، وهذا إنما يصح لو ادعى الإجماع قبل ظهور المخالف، وإلا فمع الخلاف كيف يصح ادعاء الإجماع.
وأما حجيته على اليهود، فيتوقف على إثبات النبوة، وقد ثبت ذلك فيكون حجة عليهم أيضا.
وأما الوقوع فاستدل الأصحاب على اليهود بإلزامين:
أحدهما: أنه جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح ﵇ عند
стр. 2051
خروجه من الفلك: أني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم، كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه.
ثم إن الله تعالى حرم على موسى ﵇ وبني إسرائيل كثيرا من الحيوانات.
وثانيهما: أنه تعالى أباح لأدم ﵇ أن يزوج الأخت من الأخ، وقد تواتر ذلك في شرعه، ثم أن تعالى حرم ذلك في شريعة موسى وغيره.
وهما ضعيفان لما سبق من الاحتمال.
لا يقال: لو كان التقييد مذكورا مع الحكم إما مع الاتصال، أو بجملة،
стр. 2052
مستقلة لنقل كأصل الحكم، لأنا نقول: إن ذلك غير لازم، لأن توفر الدواعي على نقل الأصل أكثر، ولهذا نقل كثير من كليات الأحكام ولم ينقل شيء من كيفياته وأوصافه ولو لم يكن كذلك لا نتقص بها.
فالأولى أن يستدل على الوقوع بما وقع من النسخ في القرآن، وهو ينتهض دليلا عليهم، كما هو دليل على من أنكر من المسلمين النسخ، لكن بعد إثبات أنه كلام الله تعالى بالدليل القاطع، وقد ثبت ذلك.
فتقول: الدليل على أنه واقع، هو أنه وقع النسخ في القرآن وبيانه بصور: أحدها: أنه نسخت أية الاعتداد بالحول في حق المتوفى عنها (زوجها) بقوله تعالى﴾ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ﴿.
لا يقال: إن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية في حق المتوفى زوجها يعني حتى يكون نسخا، بل زال في بعض الأحوال فيكون تخصيصاً لا نسخاً.
стр. 2053
بيان الأول: أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملة ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا. لأنا نقول: الاعتداد بالحول زائل كلية، لأن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل سواء/ (٣٥٣/ب) كانت متوفى عنها زوجها أو لم يكن وسواء كانت مدة الحمل سنة أو لم يكن، وإنما يكون تخصيصا لو بقى الاعتداد بالحول بخصوصيته في صورة ما في حقها وليس كذلك، ولأنه لو كان مخصصا لما جاز تأخيره عن وقت العمل بالمخصص وفاقا.
وثانيهما: أنه تعالى أمر أولا بثبات الواحد للعشرة في قوله تعالى﴾ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴿ثم نسخ ذلك بقوله﴾ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ﴿.
فإن قلت: لا نسلم نسخه، وهذا لأن حكمه باق فيما إذا قصد الكفار المسلمين وهم عشرهم، فإنه يجب عليهم الثبات إذ ذاك.
قلت: ذاك في الجهاد الذي هو فرض عين والثبات فيه واجب على كل واحد من المسلمين، سواء كانوا عشر الكفار، أو أكثر، أو أقل، ووجوب ثبات الواحد للعشرة بخصوصيته إنما هو الجهاد الذي هو فرض
стр. 2054
على الكفاية وهو زائل بالكلية، فلأنه (قد) عمل بمقتضى الأول مدة ثم نزل آية التخفيف وتأخير بيان التخصيص عن وقت العمل غير جائز.
وثالثهما: أن التوجيه إلى بيت المقدس في الصلاة كان واجبا في أو الأمر بدليل قوله تعالى﴾ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴿، وجوب هذا التوجيه وإن لم يكن مذكورا في القرآن ولكنه معلوم بالتواتر وبدلالة القرآن فهو كالحكم المذكور في القرآن، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
стр. 2055
وكون التوجه إليه واجبا عند الاشتباه عندما يؤدي إليه الاجتهاد ولا يقتضي بقاء حكمه في صورة ما حتى يقال: إنه تخصيص لا نسخ، لأن ذلك من خصوصية الاشتباه والاجتهاد لا من خصوصية بيت المقدس، فكان (وجوب) التوجيه إليه زائلا بالكلية، وأيضا فإنه باطل بما سبق من الطريق.
ورابعها: أنه تعالى: أمر بتقديم الصدقة بين يدي الرسول عليه وسلم حيث قال تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴿. نسخ ذلك بقوله:﴾ فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴿.
وليس زواله لزوال سببه، وهو تميز المنافقين عن المؤمنين من حيث إن المنافقين ما كانوا يتصدقون على المؤمنين، لأن ذلك يقتضي أن من لم يتصدق يكون منافقا.
ولكنه باطل لما روى أنه لم يتصدق غير علي ﵁.
стр. 2056
ويؤكده ناسخه، فإن قوله﴾ فإذ لم تفعلوا ﴿خطاب مع المؤمنين،
стр. 2057
بدليل قوله تعالى:﴾ وتاب الله عليكم ﴿.
وخامسها: قوله تعالى:﴾ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ﴿، فإنه يدل على وجوب الوصية لهم، ثم أنه نسخ بآية المواريث.
فإن قلت: إنه ليس بنسخ، بل هو تخصيص، لأنه بقي الحكم معمولا به في الجملة وهو حيث يوصي بقدر أنصبائهم.
стр. 2058
قلت: لو سلم ذلك مع فساده لما سبق، فإنه لا يقدح في نسخ وجوبه الذي هو المدعي، بل في نسخ جوازه الذي هو غير مدعي في هذا المقام.
وسادسها: قوله تعالى:﴾ وإذا بدلنا آية مكان آية الله أعلم بما ينزل ﴿.
ووجه الاستدلال بها أن التبديل يستدعي إثباتًا ورفعًا والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم وأياما كان يلزم وقوع النسخ.
وفي الاستدلال بهذه الآية على الوقوع أو على الجواز نظر: إذ الملازمة بين الشيئين لا يدل على وقوعهما، ولا على جواز وقوعهما، إذ الملازمة قد ثبتت بين الممتنعين، كما نقول إن اجتمع السواد والبياض فهما ليسا بضدين.
وبهذا أيضا يعرف ضعف دلالة قوله:﴾ ما ننسخ من آية أو ننساها نأت بخير منها أو مثلها ﴿على جواز وقوع النسخ، اللهم إلا إذا ضم إليه ما قيل في سبب نزوله، لكن قد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا
стр. 2059
بخصوص السبب.
وعند هذا يعرف أنه لا دليل على جواز وقوع النسخ بحسب السمع إلا وقوعه، فإن الوقوع دليل الجواز وزيادة.
واحتج المنكرون للنسخ عقلا بوجوه:
أولها: لو جاز النسخ فإما أن يجوزك بمعني الرفع، وهو باطل لما تقدم من الوجوه، أو بمعني انتهاء الحكم غايته، وهو أيضا باطل، لأنه إن كان ذلك مصرحا به فاللفظ لم يكن نسخا، وإن لم يكن مصرحا به فاللفظ، إما يفيد التكرار، أو لم يفد، فإن لم يقد لم يجز نسخه، أما قبل وقت العمل به، فلما يأتي في مسألة أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل حضور
стр. 2060
وقت العمل به، وأما بعده فلانقطاع التكليف (به) وإن أفاد لم يجز أيضا لما سيأتي في دليل المانعين منه سمعا.
وجوابه: أن نقول: لم لا يجوز النسخ بمعني الرفع، وما ذكر من الوجوه في إبطاله فقد تقدم إبطاله.
سلمنا: أنه لا يجوز بمعني الرفع، فلم لا يجوز بمعني انتهاء الحكم.
قوله: إن كان فيما لا يفيد التكرار ولا يجوز قبل الوقت.
قلنا: ممنوع وسيأتي تقريره.
والجواب: عن أدلتهم وأن كان بعد حضور وقت العمل فيما يفيد التكرار فلا يجوز لما ذكره.
قلنا: سيأتي الجواب عنها / (٢٥٤/ب)، فحينئذ لا يلزم امتناعه.
وثانيها: النهي عن الشيء بعد الأمر به إن لم يكن لحكمة لزم العبث، وهو على الحكيم محال، وإن كان لحكمه ظهرت لزم البدء وهو على الله تعالى محال، إن كان لحكمة كانت معلومة حالة الأمر (وجب أن لا يحسن الأمر.
وجوابه: لحكمة كانت معلومة حالة الأمر) حصولها في وقت
стр. 2061
النهي دون وقت الأمر، وحينئذ لا يلزم قبح الأمر.
وثالثها: أن نسخ الحكم بمعني انتهائه خلاف ظاهر اللفظ، إذ اللفظ يفيد الدوام فلا يصار إليه، لأنه خلاف الظاهر وبمعني الرفع ممتنع، لأن المرفوع إن كان ثابتًا استحال رفعه (وإن كان نافيًا محضًا سواء كان ذلك قبل الوجود أو بعده استحال رفعه) أيضا لاستحالة رفع ما ليس بشيء.
ولو سلم إمكانه، لكن اللازم بعده ثبوت الحكم ضرورة أن رفع العدم ثبوت وليس ذلك هو اللازم بعد النسخ.
وجوابه: النقض بالإيجاد والإعدام، فإن ما ذكرتم آت فيه، إذ يمكن أن يقال: الإيجاد إن كان للموجود لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن كان للمعدوم لزم إيجاد المعدوم وهو محال فما هو جوابكم عنه فهو جوابنا عن الرفع.
ورابعها: أن الفعل الواحد إما أن يكون حسنًا أو قبيحًا، وعلى الأول: يحسن الأمر دون النهي (و) على الثاني: عكسه، وحينئذ يلزم أن لا يحسن الأمران معًا.
وقريب من هذا ما يقال: إنه من حيث أنه مأمور به مراد، ومن حيث أنه منهي عنه مكروه (فلو حسن الأمران لزم أن يكون الشيء الواحد مرادًا أو
стр. 2062
مكروهًا) وهو محال.
وجوابه: أنه يحسن في وقت ويقبح في وقت، فلا جرم يحسن الأمران في وقتين.
وكذا يجوز أن يكون مرادًا في وقت ومكروهًا في وقت، فلا جرم يحسن أن يكون مأمورا به ومنهيًا عنه بحسب الوقتين.
واحتج المنكرون له سمعًا:
أما الذين أنكروا من المسلمين فقد احتجوا: بأنه لو جاز النسخ مطلقًا لجاز نسخ القرآن إذ لا قائل: بالفصل إذ لم يعرف من جواز النسخ في الجملة، وأنكر نسخ القرآن، لكن لا يجوز نسخ القرآن لقوله تعالى:﴾ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿ولو نسخ لكان قد أتاه الباطل.
وجوابه: أنا لا نسلم أن بتقدير النسخ يكون قد أتاه الباطل، وهذا لأن النسخ بيان انتهاء الحكم، وذلك ليس إبطالًا له بل بيان له وبيان الشيء لا يعد إبطالًا له، ولو فسر النسخ برفع الحكم لم يكن إذ ذاك قد أتاه الباطل أيضًا، لأن الباطل مطلقًا هو الذي ليس بحق أصلا والحكم المنسوخ ليس كذلك فإنه كان حقا قبل النسخ / (٣٥٥/أ) وقد يكون حقا أيضا بعده، وإنما نسخ
стр. 2063
تخفيفا عن العباد.
ولهذا قد يتقرب به بعد النسخ كوجوب صوم عاشوراء.
سلمنا: أن النسخ إبطال لكن ليس ذلك مرادا لقرينة قوله:﴾ من بين يديه ﴿إذ النسخ لا يأتي كذلك.
بل المراد منه: أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتاب بما يبطله ولا يأتيه من بعده ما يبطله.
فأما الذين أنكروه من اليهود سمعًا فقد احتجوا بوجهين:
أحدهما: أنه تعالى لما بين شرع موسى ﵇، فلا يخلوا إما أن يكون قد بينه بلفظ يفيد الدوام، أو بلفظ لا يفيد الدوام وأللا دوام.
فإن كان الأول: فإن لم يضم إليه ما يدل على أنه سينسخه لم يجز نسخه لوجوه:
стр. 2064
أحدها: أن تجويزه يوجب تجويز التلبيس والتجهيل من الله تعالى، لأن ذكر لفظ يفيد الدوام مع انه لا دوام تلبيس وتجهيل، وهو عليه محال.
وثانيها: أن تجويزه يرفع الثقة عن وعده ووعيده، وجميع كلامه لاحتمال أن يقال: المراد منه غير ما دل عليه بظاهرة، وفيه من الفساد ما فيه.
وثالثهما: أن تجويزه يوج توجيه نسخ شرعنا، وأن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة الدوام وتعريفه، لأنه لا طريق إلى معرفة دوامه، إلا أن يقول الشارع: هذه الشريعة دائمة مؤبدة لم يتطرق إليها النسخ أو ما يجري مجراها، فإذا جاز مع ذلك النسخ لزم تجويز نسخ شرعنا، وأن لا يكون لنا طريق إلى معرفة دوامه، وذلك مما لا يقولون به.
وإن ضم إليه ما يدل على أنه سينسخه، فإما أن تكون الغاية معينة، أو لم تكن معينة وعلى التقديرين: البيان، إما منفصل مستقل، أو متصل غير مستقل، فهذه أقسام أربعة:
أحدها: أن تكون الغاية معينة، والبيان بجملة مستقلة، نحو أن يقول: هذا الشرع دائم مؤبد معمولا به.
ثم يقول: أنا نسخة بعد عشر سنيين.
فهذا باطل.
أما أولا: فلأنه متناقض.
وأما ثانيا: فلأنه كان يجب أن ينقل ذلك كأصل الشرع إذ لو لم يجب ذلك لزمنا تجويز نسخ شرعنا لاحتمال أن يقال إنه ﵇ نص على نسخه بعد مدة معينة، لكنه لم ينقل إلينا ولأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، وما كان ذلك يجب نقله واشتهاره وإلا فلعل القرآن عورض ولم ينقل، ولعل ما
стр. 2065
جاء به الرسول ﵇ من الشرع غير هذا الشرع، ولم ينقل وإذا كان كذلك وجب أن يكون العلم بتلك الكيفية كالعلم بأصل الشرع، وحينئذ يجب أن يعلم الكل بالضرورة / (٣٥٥/ب) (بأن من دين موسى ﵇ أن شرعه سينسخ وحينئذ يستحيل اتفاقهم على إنكاره، إذ يستحيل اجتماع الجمع العظيم على إنكار الضروريات).
وثانيها: أن تكون الغاية غير معينة والبيان بجملة مستقلة نحو أن يقول: هذه الشريعة دائمة مؤيدة.
ثم يقول: وأنا أنسخة بعد مدة.
فهذا أيضا باطل لما سبق من الوجهين:
وثالثها: أن تكون الغاية معينة والبيان متصل غير مستقل نحو أن يقول: هذه الشرعية دائمة مؤبدة، إلا أن بعد الزمان الفلاني لا تبقى معمولة بها، أو إلا أن بعد المدة الفلانية سأنسخه.
فهذا لا نسلم أنه نسخ، بل هو جاري مجرى قوله تعالى:﴾ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴿، ولو سلم ذلك لكنه باطل بالوجه الثاني بل ها هنا أظهر، لأنه إذا كان متصلا كان يجب نقله مع ما هو متصل به.
ورابعها: أن تكون الغاية غير معينة، والبيان متصل غير مستقل نحو أن
стр. 2066
يقول: هذه الشريعة دائمة مؤيدة إلا أنها لا تبقى بعد مدة معمولة بها وترتفع أحكامها، أو سأنسخ أحكامها فهذا لا نسلم أنه نسخ لما سبق وإن كان كونه نسخا أقرب من السابق عليه.
سلمناه: ولكنه باطل لما سبق.
هذا كله إذا بينه بلفظ يفيد الدوام.
إما إذا بينه بلفظ يفيد اللادوام، فإما أن لا يفيد التكرار، أو يفيده.
فإن كان الأول: فلا يحتمل النسخ، أما بعد العمل به فظاهر، وأما قبل حضور وقت العمل (به) فلما سيأتي في مسألة أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به.
وإن كان الثاني: فاحتمال النسخ إنما يكون فيما يفيد فيه التكرار دون ما لا يفيد فيه ذلك، وحينئذ يعود فيه ما سبق من الكلام.
وأما إن كان البيان بلفظ لا يفيد الدوام ولا اللادوام فهذا أيضا غير قابل للنسخ لما سبق في الأول من القسم الثاني.
وجوابه على رأي من يجوز تأخير بيان النسخ وهو أن يقول: لم لا يجوز أن يكون البيان بألفاظ تفيد الدوام، ولم يضم إليه ما يدل على أنه
стр. 2067
سينسخه، وما ذكر من الأدلة على فساده فقد سبق أجوبتها في مسألة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
وسلمنا: فساد هذا القسم فلا يجوز أن يكون البيان على ما هو مذكور في القسم الثاني، وما ذكر من الوجهين على فساده.
فالوجه الأول: منها منقوض بالتخصيص فإنه يجوز أن يقول: اقتلوا المشركين كلهم أجمعين، ثم يقول اليهود لا تقتلوهم.
والتحقيق فيه هو أن التناقض إنما يتحقق على تقدير إدارة العموم / (٣٥٦/أ) من العام، فأما إذا لم يرد ذلك، بل يرد منه بعض مدلولاته من الأزمان أو الأشخاص فلا، وتكون الجملة المخصصة قرينة إدارة ذلك.
وأما الوجه الثاني منهما فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقول لا يجوز أن يكون البيان على وجه لا يظهر إلا بنظر دقيق وبحث عميق، وما كان كذلك لم يتصور فيه النقل المتواتر، لأن من شرطه تأخير التواتر أن يكون واقعا عما علم وجودة بالضرورة بخلاف أصل الشرع، فإنه ليس كذلك وبه خرج الجواب عما لزمنا من تجويز نسخ شرعنا، فأنه بيان: أنه لا نبي بعده.
стр. 2068
وأنه خاتم النبيين، ما ورد على وجه يحتاج فيه إلى تدقيق النظر، وبه خرج الجواب عما ذكره من توفر الدواعي على نقله، لأن ذلك إنما يكون فيما علم وجوده بالضرورة.
وثانيهما: أنا لو سلمنا: أن البيان كان ظاهرا جليا، ومثله يجب تواتره ولكن إنما يجب ذلك أن لو بقي من اليهود في كل زمان ما يحصل به التواتر وهو ممنوع وهذا لأنهم انقطعوا في زمان بخت نصر، ولم يبق منهم عدد لا يمكن تواطؤهم على الكذب حتى يحصل بنقلهم التواتر، بخلاف شرعنا، فإن أهل شرعنا في كل عصر وزمان بالغين مبلغ التواتر.
стр. 2069
فإن قلت: فكان يجب أن يكون العلم بأصل شرعهم غير ضروري لعدم ناقليه.
قلت: ذلك معلوم من القرآن وشرعنا لا من نقلهم، وبهذين الوجهين يجيب من لا يجوز تأخير بيان النسخ.
وثانيهما: قالوا: ثبت بالتواتر أن موسى ﵇ قال: تمسكوا بالسبت أبدا ما دامت السموات والأرض.
ولا خلاف في أنه نبي صادق القول، وكان قوله حجة، وهو بظاهرة يمنع جواز النسخ.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه قول موسى، وتواتره ممنوع لما سبق، بل هو
стр. 2070
مختلف صريح بعد (موسى) ومحمد رسول الله ﵉، إذ لم ينقل عن اليهود محاجتهما به، ولو كان ذلك قول موسى ﵇، أو كان مختلقا قبلهما مشهورا فيما بين اليهود، لكان ذلك أقوى حججهم.
وقد قيل: إن أبن الرواندي وضعه، ولقنهم بأصفهان.
سلمنا: صحته، لكنه محمول بشرط أن لا يرد ناسخ.
كما روي أنه جاء في التوراة في البقرة التي أمروا بذبحها، فيكون ذلك سنة أبداً.
следующие страницы →