← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

يقول: هذه الشريعة دائمة مؤيدة إلا أنها لا تبقى بعد مدة معمولة بها وترتفع أحكامها، أو سأنسخ أحكامها فهذا لا نسلم أنه نسخ لما سبق وإن كان كونه نسخا أقرب من السابق عليه. سلمناه: ولكنه باطل لما سبق. هذا كله إذا بينه بلفظ يفيد الدوام. إما إذا بينه بلفظ يفيد اللادوام، فإما أن لا يفيد التكرار، أو يفيده. فإن كان الأول: فلا يحتمل النسخ، أما بعد العمل به فظاهر، وأما قبل حضور وقت العمل (به) فلما سيأتي في مسألة أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به. وإن كان الثاني: فاحتمال النسخ إنما يكون فيما يفيد فيه التكرار دون ما لا يفيد فيه ذلك، وحينئذ يعود فيه ما سبق من الكلام. وأما إن كان البيان بلفظ لا يفيد الدوام ولا اللادوام فهذا أيضا غير قابل للنسخ لما سبق في الأول من القسم الثاني. وجوابه على رأي من يجوز تأخير بيان النسخ وهو أن يقول: لم لا يجوز أن يكون البيان بألفاظ تفيد الدوام، ولم يضم إليه ما يدل على أنه

стр. 2067

سينسخه، وما ذكر من الأدلة على فساده فقد سبق أجوبتها في مسألة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وسلمنا: فساد هذا القسم فلا يجوز أن يكون البيان على ما هو مذكور في القسم الثاني، وما ذكر من الوجهين على فساده. فالوجه الأول: منها منقوض بالتخصيص فإنه يجوز أن يقول: اقتلوا المشركين كلهم أجمعين، ثم يقول اليهود لا تقتلوهم. والتحقيق فيه هو أن التناقض إنما يتحقق على تقدير إدارة العموم / (٣٥٦/أ) من العام، فأما إذا لم يرد ذلك، بل يرد منه بعض مدلولاته من الأزمان أو الأشخاص فلا، وتكون الجملة المخصصة قرينة إدارة ذلك. وأما الوجه الثاني منهما فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقول لا يجوز أن يكون البيان على وجه لا يظهر إلا بنظر دقيق وبحث عميق، وما كان كذلك لم يتصور فيه النقل المتواتر، لأن من شرطه تأخير التواتر أن يكون واقعا عما علم وجودة بالضرورة بخلاف أصل الشرع، فإنه ليس كذلك وبه خرج الجواب عما لزمنا من تجويز نسخ شرعنا، فأنه بيان: أنه لا نبي بعده.

стр. 2068

وأنه خاتم النبيين، ما ورد على وجه يحتاج فيه إلى تدقيق النظر، وبه خرج الجواب عما ذكره من توفر الدواعي على نقله، لأن ذلك إنما يكون فيما علم وجوده بالضرورة. وثانيهما: أنا لو سلمنا: أن البيان كان ظاهرا جليا، ومثله يجب تواتره ولكن إنما يجب ذلك أن لو بقي من اليهود في كل زمان ما يحصل به التواتر وهو ممنوع وهذا لأنهم انقطعوا في زمان بخت نصر، ولم يبق منهم عدد لا يمكن تواطؤهم على الكذب حتى يحصل بنقلهم التواتر، بخلاف شرعنا، فإن أهل شرعنا في كل عصر وزمان بالغين مبلغ التواتر.

стр. 2069

فإن قلت: فكان يجب أن يكون العلم بأصل شرعهم غير ضروري لعدم ناقليه. قلت: ذلك معلوم من القرآن وشرعنا لا من نقلهم، وبهذين الوجهين يجيب من لا يجوز تأخير بيان النسخ. وثانيهما: قالوا: ثبت بالتواتر أن موسى ﵇ قال: تمسكوا بالسبت أبدا ما دامت السموات والأرض. ولا خلاف في أنه نبي صادق القول، وكان قوله حجة، وهو بظاهرة يمنع جواز النسخ. وجوابه: أنا لا نسلم أنه قول موسى، وتواتره ممنوع لما سبق، بل هو

стр. 2070

مختلف صريح بعد (موسى) ومحمد رسول الله ﵉، إذ لم ينقل عن اليهود محاجتهما به، ولو كان ذلك قول موسى ﵇، أو كان مختلقا قبلهما مشهورا فيما بين اليهود، لكان ذلك أقوى حججهم. وقد قيل: إن أبن الرواندي وضعه، ولقنهم بأصفهان. سلمنا: صحته، لكنه محمول بشرط أن لا يرد ناسخ. كما روي أنه جاء في التوراة في البقرة التي أمروا بذبحها، فيكون ذلك سنة أبداً.

стр. 2071

ثم انقطع بذلك التعبد عندهم. وكما جاء في قصة دم الفصح بأن يذبحوا الجمل ويأكل لحمه ملهوجا، ولا يكسروا منه عظما ويكون لهم هذا الجمل سنة أبدا. ثم نسخ ذلك وهو كالخطاب المقترن بالأبد فإنه محمول بشرط الحياة. كما / (٣٥٦/ب) وروي أنه جاء في التوراة في العبد أنه يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة، ثم إن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبداً.

стр. 2072

ومعلوم أن معناه يستخدم أبدا ما دام حيا فهكذا هذا. المسألة السادسة [في نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به] ذهب جماهير أصحابنا إلى أنه يجوز أن يقول: الشارع: صل غدا ركعتين، ثم أنه ينسخه قبل مجيء الغد. خلافا للمعتزلة، وكثير من الفقهاء منا، ومن الحنفية، والحنابلة. وهذه المسألة: الملقبة: بنسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به،

стр. 2073

واللقب لا يتناول جميع صور النزاع، فإن النزاع واقع أيضا إذا حضر وقت العمل به، لكنه لم يمض منه مقدار ما يسعه، فيكون اللقب أخص، والأولى أن يترجم: بنسخ الشيء قبل مضي مقدار ما يسعه من وقته فيكون متناولا لجميع الصور التي وقع النزاع فيها. فعلى هذا يجوز النسخ وفاقا بعد مضي مقدار ما يسعه، وإن لم يكن قد فعل المأمور به، وهذا على المشهور. وفي بعض المؤلفات القديمة أن بعضهم: كالكرخي خالف فيه أيضا، وقال: لا يجوز النسخ قبل الفعل سواء مضى من الوقت مقدار ما يسع أو لم يمض. فعلى هذا ترجمته النسخ قبل الفعل، كما وقع في كلام إمام الحرمين وغيره من المتقدمين. تنبيه: أعلم أن كل من قال: أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال (يلزمه أن يقول بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال) إذ النسخ قبله على هذا التقدير يبين أن الأمر في نفس الأمر، وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تحقيق الأمر السابق، فيستحيل النسخ عند عدمه. وأما من لم يقل بذلك فجاز أن يقول بجوازه، وأن لا يقول ذلك،

стр. 2074

لدليل يخصه، وعند هذا ظهر أن هذه المسألة ليست فرع تلك المسألة على الإطلاق، أعني في الجواز وعدم الجواز، كما وقع إليه الإشارة في كلام الشيخ الغزالي ﵀، بل في عدم الجواز فقط. استدل الأصحاب بوجوه: أحدها: التمسك بقوله تعالى:﴾ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴿وهو عام في كل ما يشاء محوه على أي وجه كان، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها. ولا يدفع: بأنه مجاز، لأن نسخ العبادة إنما هو رفع التكليف بها، وليس ذلك حقيقة المحو، فلا يجوز أن يحمل عليه مادام يمكن حمله على حقيقته، وهو محو الكتابة، نحو ما كتب في اللوح المحفوظ من الإسعاد، والأشقاء، والإحياء، والأمانة. أو على نحو ما يكتب الملكان من الأعمال المباحة / (٣٥٧/أ) إذ لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب، وتبقية المعاصي والطاعات، لأنه يتعلق بهما الثواب والعقاب. لأنا نمنع أن المحو إنما هو حقيقة في محو الكتابة، بل هو حقيقته في إزالة الأثر، يقال: محوت آثار القوم إذا أزلته، والأصل في الإطلاق

стр. 2075

الحقيقة، ومنه قوله تعالى:﴾ وجعلنا الليل ونهار آيتين فمحونا آية الليل ﴿أي جعلنها ممحوة إذ لا يظهر فيه أثر، ولو سلم ذلك لكن إنما يكون فيه مجازا أن لو لم تكن التكاليف مكتوبة وهو ممنوع، وهذا لأن ظاهر قوله تعالى:﴾ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴿يدل على أنها أيضا مكتوبة فيه. ولقائل أن يقول: هب أنه يمكن حمله عليه على وجه الحقيقة، ولكن لا يدل على مسألة، لأنه ليس فيه دلالة إلا على أنه تعالى يمحو ما يشاء. فلم قلتم: إنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها حتى تكون الآية حجة في المسألة، فإن بين ذلك بأنه ممكن إذا ليس مستحيل لذاته وهو ظاهر، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال نظرا إلى ذاته ولا لغيره، لما سنجيب عما يذكره الخصم من استلزامه المحال، وكل ممكن يجوز أن يتعلق به الإرادة والمشيئة، فيجوز أن يشاء محوه فهو دليل مستقل في المسألة، وحينئذ يصير التمسك بالآية ضائعا مستدركا. وثانيهما: التمسك بقصة إبراهيم ﵇ فإنه تعالى أمره بذبح إسماعيل: ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله:﴾ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴿وهو صريح في أنه رأى مباشرة ذبحه لا مقدماته فقط [ورؤية الأنبياء فيما يتعلق

стр. 2076

بالفعل] والترك وحي معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بهذا الطريق. وثانيها: أنه لو لم يعلم ﵇ بأن ما رآه يجب العمل به لما جاز له العزم على ذبحه، وإرعابه بإخباره عنه، وإظهار مقدماته له فإن العزم على فعل المحرم محرم، وإرعاب المؤمن محرم أيضا. ثالثها: أن قوله:﴾ افعل ما تؤمر ﴿يدل على أنه مأمور بالذبح، إذ لو لم يحمل عليه، فإما أن يحمل على ما أمر به في الماضي من غير الذبح. وهو باطل: لما فيه من مخالفة ظاهر الكلام وعدم مناسبته. أو على ما يؤمر به في الاستقبال. وهو أيضا باطل: لعدم مناسبة الكلام إذ المناسبة تقتضي حمله على المذكور السابق.

стр. 2077

ولهذا لو قال الرجل لغيره: إن السلطان أمرني بكذا، فيقول له الرجل أفعل ما تؤمر غدا أو في الحال، يعد قوله سخفا من المقال وحمل الكلام على المعنى المجازي المناسب أولى من حمله على الحقيقة التي لا تناسب، إذ التكلم بما لا يناسب يعد جنونا أو ناقصا / (٣٥٧/ب) في العقل، والتكلم بالمجاز ليس كذالك على أن التعبير بالفعل المضارع عن الحالة الثانية المستمرة كثير ومجاز مشهور، نحو قولهم: فلان يحل ويعقد ويبرم وينقض، أي شأنه ذلك في الأحوال كلها الماضي وغيره، لا أنه يفعل ذلك في الحال أو في الاستقبال فقط ولما أمر في الماضي بقيت صفة المأمور به ثابتة ما لم يأت بالمأمور به فجاز أن يعبر عنها بالفعل المضارع على وجوه التجوز. ورابعها: أن قوله تعالى:﴾ وفديناه بذبح عظيم ﴿يدل على أن المأمور به (هو) الذبح لا مقدماته، لأن المقدمات قد حصلت بتمامها فلا يحتاج إلى الفداء ولما سمي بالفداء. أما لو حملناه على أنه كان مأمورا بالذبح حسن تسميته بالفداء، واحتيج إليه أيضا، ضرورة أن المأمور به لم يوجد. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: إنه بدل عما يتوقعه من الأمر بالذبح،

стр. 2078

فبهذا الاعتبار يصح تسميته فداء ويحتاج إليه، لأنه لم يوجد ما هو فداء له وهو الأمر بالذبح. قلت: الأمر المتوقع معدوم فلا يحسن جعله بدلا عنه إذ المعدوم لا يوصف بالبدلية والمبدلية ذا إن جعل بدلا عن الأمر المتوقع، وإن جعل بدلا عن نفس توقع الأمر فلا يحسن أيضا ضرورة أنه حصل فلا يحتاج إلى الفداء ولأن [البدل] والمبدل لا يكون من جانب واحد. وخامسها: أن قوله:﴾ إن هذا لهو البلاء المبين ﴿يدل على أن المأمور به هو الذبح، لا مقدمات الذبح لا توصف ذلك. فإن قلت: حتى لا يوصف بذلك مع العلم بعدم وجوب الذبح أو مطلقا. والأول مسلم والثاني ممنوع، وهذا لأن الأمر بإخراج الولد إلى الصحراء وإضجاعه وأخذ المدية مع غلبة الظن بأن الذبح سيؤمر به، أو مع إبهام عاقبة الأمر بلاء مبين. قلت: وإن كان الأمر كما ذكرتم، لكن الذبح أشد بلاء، فحمل الآية عليه حمل اللفظ على أشد وأقوى مفهوماته، فكان الحمل عليه أولى (لا يقال) ما ذكرتم من الدليل وإن دل على أن الذبح مأمور به.

стр. 2079

لكن قوله تعالى:﴾ قد صدقت الرؤيا ﴿يدل على أن الذبح غير مأمور به، لأنه لم يحصل فلم يحصل تصديق الرؤيا بالنسبة إليه، بل المأمور به إنما هو مقدمات لأنها هي التي حصلت. لأنا نقول: لا نسلم أن تصديق الرؤيا بالنسبة إلى الذبح إنما يكون أن لو حصل الذبح، وهذا لأن تصديق الرؤيا، هو أن يجعلها صادقة، وذلك يكفي فيه العزم والتصميم على فعل مقتضاها فإنها لو كانت كاذبة عند الرائي لما عزم وصمم على فعل مقتضاها. سلمنا: أنه يستدعي حصوله، لكن العازم / (٣٥٨/أ) المصمم على فعل الشيء [يجعل] كالفاعل له على وجه التجوز، فيحمل عليه جمعا بين الدليلين. فثبت بهذه الوجوه أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل. ثم أنه تعالى نسخ ذلك عنه قبل وقت الذبح. لأنه لو لم يكن كذلك، فإما: أن يقال: إنه لم ينسخه عنه، أو وإن نسخه عنه، ولكنه بعد وقت الذبح. فإن قيل: بالاحتمال الأول فيحتمل وجهين:

стр. 2080

أحدهما: ما يقال: إنه حصل الذبح ولكن لم يبطل الحياة، لأنه كلما قطع موضعا وتعداه إلى غيره، وصل الله تعالى ذلك الموضع، وبطلان الحياة ليس جزءا من مسمى الذبح، بدليل أنه يصح أن يقال: ذبح الحيوان. وإن لم يبطل الحياة بعد حتى يكون ذلك قدحا في تحقيق مسمى الذبح. وثانيهما: ما يقال: إنه تعالى جعل على عنقه ﵇ صفحة من حديد، أو نحاس مانعة له من الذبح، وانتفاء الحكم لوجود المانع ليس بنسخ. وهذان احتمالان: باطلان أما ما يعمهما فلأنهما لو وقعا لوجب إشهارهما وتواترهما، لأنهما من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة التي تتوفر الدواعي على نقلها، ولما لا يكن كذلك، علمنا عدم وقوعهما، ولأنه تعالى حكي تسليمهما وتله للجبين، فلو كان ما ذكروه واقعا [لحكي أيضا لأن الانقياد في الذبح وإمرار المدية على الحلق (أكثر)] وأما ما يخص الأول: فلأنه حينئذ ما كان محتاجًا إلى الفداء، وما كان يسمى

стр. 2081

الكبش به ضرورة أنه أتى بما أمر به، وأما ما يخص الثاني: فهو أنه غير جائز عند "الخضم" ضرورة أنه تكليف ما لا يطاق. وأما الاحتمال الثاني: فهو أيضا باطل. أما إن قيل بأن مطلق الأمر للفور، وإن الصغائر على الأنبياء غير جائز فظاهر، وإما إن لم يقل به، بل يقول: ليس مقتضى الأمر المطلق إلا إدخال المأمور به في الوجود سواء أكان ذلك على الفور أو على التراخي، وإن الصغائر عليهم جائز، فلأن الظاهر من حالهم المسارعة إلى امتثال، والظاهر من حالهم عدم فعلها عمدا، وأما السهو والنسيان فهو نادر في حق غيرهم، فكيف في حقهم، والمسألة ظنية فيجوز التعويل على الظاهر والغالب وبه يعرف اندفاع ما يورد على هذه الحجة. وثالثها: التمسك بقصة الأسرى، وهو ما روي عنه ﵇ أنه أوجب عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلما رجع من معراجه رأى موسى ﵇ في طريقه في بعض السموات فستحكى منه ﵇ ما فرض على أمته من من التكاليف فلما حكي له قضية الصلاة

стр. 2082

أشار إليه بالرجوع، وقال ((إن أمتك ضعافا لا يطيقون ذلك فاستنقض الله بنقصك)). فرجع ﵇ وسأل الله تعالى (في ذلك) مرة / (٣٥٨/ب) (بعد) مرة حتى نسخ الخمسين، وأبقى خمس صلوات منها. وهو نسخ للفعل قبل دخول وقته. فإن قلت: إنه خبر واحد، فلا يجوز التمسك به في إثبات مثل هذا الأصل. سلمناه: لكنه نسخ قبل علم المكلف بالتكليف، وهو غير جائز وفاقاً

стр. 2083

أما إن قيل: إن الأمر لا يكون أمرا قبل بلوغ المأمور فظاهر. وأما إن لم يقل به فكذلك، أما عندنا فظاهر، وأما عندكم فلأنكم وإنما تجوزون النسخ قبل دخول وقت الفعل، لأن الأمر بالفعل قد يكون مصلحة، وإن لم يكن فعله مصلحة، نحو اعتقاد وجوب الفعل، وانقياد المكلف للأمر، وتوطين نفسه على الفعل، وعزمه عليه فإنه يثاب على ذلك كله، وهذه الفوائد لا تحصل في النسخ قبل علم المكلف بالأمر. قلت: الجواب عن الأول أنا لا نسلم أنه لا يجوز التمسك بخبر الواحد في هذه المسألة، وهذا لأن هذه المسألة ظنية اجتهادية عندنا فالتمسك في الظنيات بخبر الواحد جائز وفاقا. وعن الثاني: إن ما ذكروه من الاحتمال غير آت في حقه ﵇، فإنه علم الأمر فيكون نسخا في حقه، قبل دخول الوقت، وقد يفيد المطلوب. سلمناه: أنه نسخ قبل علمهم به. فلم قلتم: إنه غير جائز ولا نسلم أنا إنما نجوز ذلك بناء على ما ذكرتم من الفوائد. وكيف يقال: ذلك وقد عرف من أصلنا أنا لا نوجب تعليل أفعاله تعالى وحيث يتبين جوازه بناء على تلك الفوائد، فإنما هو على تقدير الإلزام على الخصم، أو على تقدير وجوب التعليل في أفعاله تعالى.

стр. 2084

فإن قلت: لا نسلم أنه نسخ قبل دخول الوقت، وهذا لأنه لا يجوز أن يكون قد دخل وقت من أوقات تلك الصلوات المفروضة، فيما بين وقت الفرض وبين وقت الرجوع من موسى ﵇، والنبي ﵇ صلى [بعد] ما دخل وقته، فلا يكون ذلك نسخا قبل دخول الوقت. قلت: هب أنه لا يكون نسخا لتلك الصلاة قبل دخول وقتها، لكنه نسخ للصلوات التي لم تدخل أوقاتها، فيلزم وقوع النسخ فبل دخول الوقت وهو المطلوب، إذ الوقوع دليل الجواز وزيادة. وفيه نظر: إذ الخصم ربما يجوز مثل هذا النسخ، إذ لم يشترط في ذلك أن يكون قد دخل وقت جميع العبادة المفروضة، بل ربما يكتفي بدخول وقت البعض منها، فإنه تعالى لو فرض صوم شهر مثلا، فإنه يجوز نسخه بعد صوم يوم منه أو يومين وفاقا. وبه استدل بعض الأصحاب: وقال: لو قال: الله تعالى: واصلوا الفعل سنة، ثم ينسخه بعد مضي شهر / (٣٥٩/أ) منها مثلا وجاز وهو نسخ للفعل قبل دخول وقته فيما بقي من تمام السنة. والأستاذ أبو إسحاق بالغ في ذلك، وقال: كل نسخ فإنه نسخ قبل الفعل، وإذ أجمعنا على أن النسخ لا ينعطف على [ما] مضى، فكل نسخ فإنما هو للفعل الآتي فيكون نسخا قبل الفعل.

стр. 2085

وهو إن أراد بذلك الفعل نفسه، فلا يستقيم كونه حجة إلا على القول المحكي عن الكرخي. فإن أراد به وقت الفعل، على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فغير لازم، لجواز أن ينسخ بعد دخول مقدار ما يسعه من الوقت قبل فعله ثانيا. ولو قرر هكذا: بأنا أجمعنا على جواز النسخ بعد الفعل، وقبل دخول وقته الثاني، وهو نسخ قبل دخول الوقت إذ النسخ لا ينعطف على ما مضي كان أوجه. ولكن الخصم يفرق بين الصورتين المذكورتين أعني صورة نسخ الأمر بصوم شهر قبل مضي تمامه، وصورة نسخ الفعل بعد فعله في الوقت الأول وقبل دخول وقته الثاني، وبين المتنازع فيه بأن النسخ في تلك الصورتين يبين

стр. 2086

المراد من الخطاب، بأن تمام الشهر غير مراد من الخطاب، وأن الفعل غير مراد التكرار، وإن كان ظاهر الخطاب قد أشعر به حتى لو دل الخطاب على وجوب الصوم وفعله في تمام الشهر، وفي الوقت الثاني والثالث بطريق التنصيص عليه لم يجز نسخه أيضا عندنا، فكان ذلك كالتخصيص فلم يتوارد الأمر والنهي على شيء واحد، بخلاف النسخ ابتداء قبل دخول الوقت فإنه لا يمكن حمله على التخصيص فيتوارد الأمر والنهي على شيء واحد قطعا. فاعلم أن هذا الفرق لو صح فإنما يصح بين العبادة المتكررة، كصلاة الظهر في ظهر كل يوم، والعبادة المتماثلة كصوم شهر، وبين المتنازع فيه فأما بينه وبين العبادات المختلفة، كما لو قال: صل (في) الصبح ركعتين، وفي الظهر أربعا، فإن نسخ الظهر قبل دخول وقته ولو بعد صلاة الصبح نسخ قبل دخول الوقت فتكون القصة حجة، وإنما عقلنا صحة الفرق بقولنا: لو صح لأنه لم يجز إطلاق الشهر وإرادة يوم أو يومين، وما نقل عن القوم [في] جواز نسخ ما إذا قال الله تعالى: واصلوا الفعل سنة قبل مضي تمام السنة فهو محمول على الفعل المتكرر والمماثل لا على المختلف الذي يمكن التعبير عنه بعبارة واحدة حتى يمكن أن يجعل كالعام فيتطرق إليه التخصيص وقيام وقت البعض منه مقام البعض الآخر تعبد.

стр. 2087

ورابعها: أننا بينا في مر، أن التمكن من الامتثال / (٣٥٩/ب) ليس من شرط تحقيق الأمر، فيجوز أن يأمر الله تعالى زايدا بفعل غدا، مع علمه بأنه يمنعه عنه مانع، أو يموت قبل الغد، وهو أمر بشرط عدم المانع، والأمر بالشرط أمر ثابت في الحال، وجد الشرط أو لم يوجد على هذا التقدير، فإذا جاز ذلك جاز أن يأمره بشيء مع علمه بأنه سينسخه ويرفع عنه التكليف قبل التمكن منه. ولا يقدح ذلك في كونه أمرا فهذه المسألة فرع تلك المسألة على الوجه الذي تقدم ذكره. وقد استدل في المسألة بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي الرسول قبل حضور وقت فعله. وهو ضعيف. لأنا نمنع أن ذلك كان قبل حضور وقت العمل. ثم الذي يدل عليه وجهان: أحدهما: ما روي أن عليًا ﵁ ناج الرسول بعد تقديم الصدقة.

стр. 2088

وذلك يدل على كون الوقت حاضرا. لا يقال: إن الأمر ما كان مختصا به ﵁، بل كان متناولا لكل المؤمنين وكان الأمر معلقا بإرادة المناجاة مع النبي ﵇، فمن أراد المناجاة فقد حضر وقت فعله بالنسبة إليه، ومن لم يرد لم يحضر وقت فعله بالنسبة إليه) نسخ) قبل حضور وقت العمل. لأنا نقول: إن نسخه بعد فعل البعض دليل على أن غيره غير مراد من الخطاب، فكان ذلك تخصيصا بالنسبة إليهم لا نسخا قبل حضور وقت العمل، ونسخا بعد حضور وقت العمل بالنسبة إلى من هو مراد من الخطاب. وهذا الجواب إنما يستقيم لو جوز التخصيص ألفاظ الجمع إلى واحد، إذ الخطاب وارد بضمير الجمع قال الله تعالى﴾ يا أيها الذين آمنوا ﴿. وثانيهما: أن قوله تعالى:﴾ أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴿يدل على أن الوقت حاضر وإلا لما حسن ذلك. وقد أستدل أيضا في المسألة بما روي أنه ﵇ (صالح المشركين عام الحديبية على رد من هاجر إليه مسلما كان أو مسلمة) ثم نسخ ذلك في حق النساء.

стр. 2089

قبل الرد بقوله تعالى:﴾ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴿إلى قوله﴾ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴿. وهو ضعيف أيضا لأن لا نسلم أن ذلك قبل حضور وقت الرد، وإن كان قبل الرد لا يقال. إن وقت الرد إنما يكون بعد مجيئهن، لأن الصلح إنما وقع على ردهن إذا جئن فقبل مجيئهن لا يتحقق وقت الرد، لأن المعتبر إنما هو مضي الوقت الذي يمكن فيه مجيئهن وردهن، لا نفس المجيء، لأن ذلك (قد) لا يتفق، ولأن اعتباره يقتضي / (٣٦٠/أ) عدم تجويز نسخ الأمر المعلق على حصول شيء ما لم يحصل ذلك الشيء نحو أن يقول: صل إن كنت متطهرا، فإنه أمكن أن يقال: إن وقت الصلاة إنما يكون بعد الطهارة، لأن الأمر مقيد بحالة حصول الطهارة، فقبل حصول الطهارة لا يتحقق وقت الصلاة فيلزم أن لا يجوز نسخه ولو كانت المدة مديدة ما لم يتطهر ويمضي وقت يسع للصلاة، وهو خلاف الإجماع.

стр. 2090

وأيضاً وهو عقلي: أنه يحسن من السيد أن يقول لعبده، أذهب غدا إلى القرية الفلانية راجلا لتقضي الشغل الفلاني، ويكون غرضه من ذلك امتحان العبد في انقياده له وحصول الرياضة له في الحال، وتوطين نفسه عليه ليسهل عليه فعل ما دونه من التكاليف التي كلفه بها، مع علمه بأنه سيرفع عنه ذلك التكليف وإذا حسن ذلك التكليف وإذا حسن ذلك في الشاهد حسن في الغائب، للحديث المشهور. واحتجوا بوجهين: أحدهما: أنه تعالى: إن كان عالما حالة الأمر بما هو عليه الفعل من المصلحة أو المفسدة في الوقت الذي أمر فيه بالفعل، وجب أن لا يحسن إلا الأمر به أو النهي عنه، وإلا لزم الأمر بالمفسدة أو النهي عن المصلحة، وهو غير جائز على الحكيم، وإنما قيدنا كونه كذلك في وقت الفعل، لأن المعتبر [هو وقت الفعل في الأمر المقيد بوقت] لا وقت الأمر، فإن الشيء إذا كان مشتملا على المصلحة حالة الأمر دون حالة الفعل، فإنه لا يجوز الأمر به في وقت تغيير مصلحته وإن لم يكن عالما به لزم الجهل على الله تعالى وهو محال. وجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح ورعاية المصلحة والمفسدة وكل ذلك باطل عندنا. سلمناه: لكن الأمر بالشيء إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء مشتملا على المصلحة والأمر به أيضا يكون كذلك، فأما إذ لم يكن كذلك لم يحسن الأمر به إذ يكفي في المنع عن الشيء اشتماله على جهة من جهات المفسدة.

стр. 2091

وإذا كان كذلك جاز أن يكون الأمر به في الزمان الثاني لم يكن مشتملا على المصلحة، كما (كان) في الزمان الأول، وإن كان كون الفعل مشتملا على المصلحة لم يتغير، فكذلك حسن النهي عنه في الوقت الثاني دون الوقت الأول. وثانيها: لو جاز أن يقول: الشارع لزيد صل عقيب الزوال ركعتين، ثم يقول: له بعد ساعة لا تصل عقيب الزوال ركعتين، لزم كون الشخص الواحد مأمورا ومنهيا في وقت واحد عن فعل واحد من وجه واحد وهو محال. وجوابه: أنه إن عنى بقوله: يلزم كون الشخص الواحد مأمورا ومنهيا في وقت واحد، وكون الفعل مأمور به ومنهيا عنه في وقت واحد، إنهما يكونان كذلك معا فهذا غير لازم، لأن الأمر / (٣٦٠/ب) وإن أقتضى أنه يكون مأمورا به في ذلك الوقت الذي عين له لكن عندما ورد النهي عنه لم يبق مأمور به في ذلك الوقت، لقطع النهي حكم الأمر، بل بقي منهيا عنه فلم يحصل الازدواج بينهما معا في وقت واحد في ذلك الفعل. وإن عنى به أنه يكون مأمورا بالأمر الأول وفي ذلك الوقت، فلو جاز النهي عنه في ذلك الوقت لزم أن يكون منهيا عنه في ذلك الوقت أيضا، وإن انقطع حكم الأمر بعده، فلا نسلم أن ذلك محال، فإن ذلك أول المسألة.

стр. 2092

وإن عنى به أنه من حيث أنه أمر به في ذلك الوقت يجب أن يكو مشتملا (على المصلحة ومن حيث أنه نهي عنه في ذلك الوقت يجب أن يكون مشتملا) على المفسدة. وحينئذ يلزم اجتمعا مصلحة الأمور ومفسدة النهي في وقت واحد معا، فهو مبني على التحسين والتقبيح ورعاية المصلحة والمفسدة، وكل ذلك باطل على أصلنا. ولو سلم ذلك لكن لا نسلم لزوم اجتماع المصلحة والمفسدة في ذلك الفعل معا في وقت واحد، وهذا لا يجوز أن يحسن النهي عنه في الزمان الثاني، فإن لم يكن ذلك الفعل مشتملا على المفسدة في ذلك الوقت لما سبق في الجواب عن الوجه الأول، وحينئذ لا يقتضي النهي عنه حصول المفسدة فيه، فضلا عن اجتماع المصلحة والمفسدة فيه معا. وثالثها: إذا قال صلوا ولا تصلوا، لا يصح وفاقا، فكذلك إذا قال: صلوا بعد الزوال، ثم يقول: قبل دخوله: لا تصلوا بعد الزوال، لاشتراكهما في استلزام البداء والعبث ولاشتراكهما في أنه نسخ قبل التمكن من الفعل الذي هو المقصود من الخطاب. وجوابه: أنه إنما لم يصح ذلك، لأنه لم يوجد شرط النسخ وهو التراخي، والتراخي وإن وقع احترازا عن الاستثناء والتقييد بالغاية ونحوه من المتصل بالخطاب، وما نحن فيه ليس بمتصل، لكنه في معني المتصل من حيث أنهما يردان على سمع المكلف في وقت واحد، فلا يتحقق معنى الرفع ولا معنى انتهاء الحكم، ونزيد عليه بأنه يعد متناقضاً.

стр. 2093

ذلك بل المتعلق بأحدهما يصير متعلقا بالآخر وباعتبارهما يختلف عليه هذان الاسمان، وليس هو من المحال في شيء، بل هو كالجواهر يتصف بالبياض مرة وبالسواد أخرى فيتجدد عليه أسم الأبيض والأسود وهما متضادان والذات التي تتصف بهما واحد. المسألة السابعة [في جواز النسخ إلي غير بدل] يجوز نسخ الشيء لا إلى بدل. خلافا لقوم من أهل الظاهر.

стр. 2094

لنا: أنه لو لم يجز ذلك، فإما أن يكون ذلك عقلا، أو شرعا. فإن كان الأول: فإما أن يعرف بذلك بضرورة العقل، وهو باطل قطعا، أو بنظرة، وهو أيضا باطل. أما أولا: فلأن الأصل عدم ما يقتضي ذلك. وأما ثانيا: فلأنه لو كان كذلك فإنما يكون لمخالفته المصلحة، إذ من الظاهر أنه لا تعلق لغيرهما بالمسألة، لكن ذلك باطل أيضا. أما إن لم يوجب تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح والمفاسد الظاهرة. وأما إن قيل: بوجوبه فكذلك، لأنه قد لا يكون في مخالفة المصلحة، بل قد تكون المصلحة في نسخ الحكم من غير بدل، وإذا كان كذلك لم يكن ممتنعا لأجل مخالفة المصلحة. وإن كان الثاني: فهو أيضا باطل، لأنه وقع ذلك شرعا على ما نبين ذلك، فلو دل دليل شرعي على امتناعه لزم التعارض بين ما وقع وبين ذلك الدليل، لأن ما وقع دليل الجواز، والتعارض خلاف الأصل، لأنه وقع ذلك. فإنه نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول لا إلى بدل. ونسخ تحريم إدخال لحوم الأضاحي من غير بدل.

стр. 2095

وكذا نسخ (وجوب الإمساك بعد الإفطار في ليالي الصيام) من غير بدل. والوقوع دليل الجواز والزيادة. واحتجوا بوجهين: أحدهما: قوله تعالى﴾ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴿. فإن الآية تدل على أنه تعالى لا ينسخ / (٣٦١/ب) إلا ببدل خيراً منها أو مثلها.

стр. 2096

وجوابه: أن نسخ الآية نسخ لفظها لا نسخ مدلولها الذي وقع النزاع فيه، لأن الآية اسم لما يتلى وهو اللفظ، ولذلك قال:﴾ نأت بخير منها ﴿. وللخصم أن يقول: لما وجب إثبات البدل في نسخ الآية، وجب أيضا في الحكم إذ لا قائل بالفصل. سلمناه: أنه يدل على نسخ الحكم، ولكنه مخصوص بما ذكرنا من الصور. سلمناه: أنه غير مخصوص ولكنه لم لا يجوز أن يقال إن نفى ذلك الحكم وإسقاط التعبد به بدل عن ثبوت ذلك الحكم، وهو خير منه في ذلك الوقت لكون المصلحة فيه دون الإثبات. وفيه نظر. لأن عدم المحض والتفي الصرف لا يوصف بقوله: (نأت) لأن ما أتى به شيء، ولأن الجزاء متأخر عن الشرط والعدم مع رفع الوجود. سلمناه: أنه يقتضي بدلا وجوديا، لكن الآية لا تدل على عدم الجواز الذي وقع النزاع فيه، بل لو دل فإنما يدل على عدم الوقوع. ولقائل: أن يقول: عليه إذا ثبت عدم الوقوع، وجب أن يثبت عدم الجواز، لأن كل من يقول: بالجواز قال: بالوقوع. فالقول: بعدم الوقوع مع الجواز قول لم يقل به أحد.

стр. 2097

وثانيهما: أن النسخ في اللغة عبارة: عن الإزالة، والنقل، فوجب أن يكون في الشرع كذلك، إذ الأصل عدم التغيير. وجوابه: منع أنه من حقيقة فيهما، (بل هو حقيقة في أحدهما. سلمناه: أنه حقيقة فيهما) لكن بطريق البدلية، أو بطريق الجمع. والأول: مسلم لكنه غير مفيد. والثاني: ممنوع، وهذا لأنه على ذلك التقدير يكون مشتركا والمشترك لا يدل على مفهومية معا، ولو سلم ذلك لكن بطريق الجواز لا بطريق الوجوب، ولو سلم أنه بطريق الوجوب لكن حيث لا قرينة، وهنا القرينة حاصلة على أنه لا يراد المعنيان منه وهي ما ذكرنا من الصور التي وجد النسخ فيها من غير بدل. المسألة الثامنة [في النسخ بالأخف والأثقل] اتفق الفريقين أعني القائلين: بوجوب البدل في النسخ، وبعدم وجوبه على أن يجوز النسخ ببدل أخف من الحكم المنسوخ، أو يماثل له.

стр. 2098

واختلفوا في جوازه ببدل أثقل منه، فذهب الأكثرون منهم: إلى جوازه. وذهب بعض أصحابنا، وبعض أهل الظاهر: إلى عدم جوازه. ثم منهم من منع ذلك عقلا، ومنهم من منع سمعا. لنا: أنه نسخ وجوب صوم عاشوراء بصوم رمضان.

стр. 2099

ونسخ التخيير بين صوم رمضان وبين الفداء بتعيين الصوم. ونسخ وجوب حبس الزواني في البيوت بالجلد والرجم.

стр. 2100

ونسخ شرعية عدم التعرض للكفار، بوجوب القتال، مع التشديد العظيم وهو ثبات الواحد للعشرة.

стр. 2101

ونسخ جواز تأخير الصلاة عن الوقت في حالة القتال، بوجوب إقامتها في أثناء القتال. وكل / (٣٦٢/ أ) ذلك أثقل من الحكم المنسوخ، ولوقوع دليل الجواز عقلاً وشرعًا. احتجوا بوجهين: أحدهما: من جهة النص نحو قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ والأثقل ليس بخير، وبقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ﴿ويريد الله أن يخفف عنكم﴾ ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ﴿ويضع

стр. 2102

عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ فإن كل هذه النصوص تنفي التكليف بالأثقل والأشق. وجوابه: منع أن الأثقل ليس بخير، وهذا لأنه يجوز أن يكون المراد من الخير ما هو أجزل ثوابًا وأدفع عقابًا. وعن باقي الآيات النقض بابتداء التكليف، فإن ما لا يجوز الخصم من الأثقل والأشق بطريق يجوزه ابتداء، ودلالة الايات المذكورة على نفيه ابتداء وبطريق البدلية واحدة إذ لا شعار لها بخصوصية ما بعد النسخ. وثانيهما: أن نسخ الحكم الأول، وشرع حكم آخر بعده، إن لم يكن لمصلحة أو كان لمصلحة دون مصلحة الحكم الأول، أو لمصلحة مساوية لمصلحته لزم العبث، أو ترجيح المرجوح على الراجح، وهو على الحكيم محال، وإن كان لمصلحة راجحة على مصلحته، وجب أن يكون أخف منه، إذ لو كان أثقل منه وأشق لا كان أرجح منه مصلحة، لما فيه من زيادة التغيير من الانقياد، والقبول بالنسبة إلى الحكم الأول وبالنسبة إلى شرعه ابتداء أيضًا، لئلا ينقص به، وحصول أحد الضررين، أعني العاجل والآجل فإن بتقدير الفعل، يلزم الأول، وبتقدير الترك يلزم الثاني.

стр. 2103

وجوابه: أنه مبني على رعاية المصالح في أفعاله تعالى، وهو ممنوع. سلمناه: لكنه منقوض بالنقل من الصحة إلى السقم، ومن الغني إلى الفقير. سلمنا: سلامته عن النقض، لكن المعتبر عند الشارع إنما هو المصالح الأخروية وهي في الأثقل أكثر.

стр. 2104

المسألة التاسعة في أنه يجوز نسخ الحكم المؤكد بالتأييد كقوله: أمرتكم بهذا أبدا . وقال قوم من الأصوليين: لا يجوز. لنا وجهان: أحدهما: أنه يجوز تخصيص العام بعد التأكيد "بالكل" "وأجمع"، قال الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾. والخصم يسلم ذلك أيضًا، على ما أشعر به نقل بعضهم. فكذا يجوز نسخ العام الدال على ثبوت الحكم في كل الأزمان بعد التأكيد بالتأبيد الذي لا دلالة فيه سوى تأكيد التعميم. ولا يفرق بينهما: بأن التخصيص يبين أن المخصوص ما كان مرادًا من

стр. 2105

اللفظ، والنسخ ليس كذلك، بل هو رفع فلا يلزم من جوازه جوازه لما فيه من المفسدة الزائدة، وكذلك لا يجوز النسخ بكل ما يجوز التخصيص، لأنا نمنع ذلك على رأي الأستاذ والفقهاء. ولو سلم ذلك لكنه فرق بين/ (٣٦٢/ ب) أصل النسخ والتخصيص، لا بين النسخ المخصوص والتخصيص المخصوص، والكلام في النسخ المخصوص بعد جواز أصل النسخ فلا يسمع في هذا المقام ما يرفع أصله. فإن قلت: إطلاق العام، وإرادة الخاص من قبيل التجوز وهو متوقف على السمع، والعام المؤكد "بكل" "وأجمع" قد وجد استعماله في الخصوص في كلام الفصيح، بخلاف العام الدال على كل الأزمان المؤكد بالتأبيد، فلا يلزم من جواز استعمال الأول فيه جواز استعمال الثاني فيه. قلت: لا نسلم أن ما نحن فيه من قبيل التجوز، وإنما يكون إن لو لم يكن النسخ عبارة عن الرفع، وهو ممنوع. سلمنا: أنه عبارة عن بيان أمد الحكم، لكن لا نسلم أن المجاز يتوقف على السمع. سلمنا: ذلك لكن يقال في العرف: عمر الله هذا المنزل أبدا، وأدام الله دولة الأمير أبدا، والأصل عدم التغيير، كيف وقد ورد في القرآن العظيم التأبيد في وعيد الفساق، مع أنه صح القول بانقطاعه.
следующие страницы →