← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ونسخ جواز تأخير الصلاة عن الوقت في حالة القتال، بوجوب إقامتها في أثناء القتال. وكل / (٣٦٢/ أ) ذلك أثقل من الحكم المنسوخ، ولوقوع دليل الجواز عقلاً وشرعًا. احتجوا بوجهين: أحدهما: من جهة النص نحو قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ والأثقل ليس بخير، وبقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ﴿ويريد الله أن يخفف عنكم﴾ ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ﴿ويضع

стр. 2102

عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ فإن كل هذه النصوص تنفي التكليف بالأثقل والأشق. وجوابه: منع أن الأثقل ليس بخير، وهذا لأنه يجوز أن يكون المراد من الخير ما هو أجزل ثوابًا وأدفع عقابًا. وعن باقي الآيات النقض بابتداء التكليف، فإن ما لا يجوز الخصم من الأثقل والأشق بطريق يجوزه ابتداء، ودلالة الايات المذكورة على نفيه ابتداء وبطريق البدلية واحدة إذ لا شعار لها بخصوصية ما بعد النسخ. وثانيهما: أن نسخ الحكم الأول، وشرع حكم آخر بعده، إن لم يكن لمصلحة أو كان لمصلحة دون مصلحة الحكم الأول، أو لمصلحة مساوية لمصلحته لزم العبث، أو ترجيح المرجوح على الراجح، وهو على الحكيم محال، وإن كان لمصلحة راجحة على مصلحته، وجب أن يكون أخف منه، إذ لو كان أثقل منه وأشق لا كان أرجح منه مصلحة، لما فيه من زيادة التغيير من الانقياد، والقبول بالنسبة إلى الحكم الأول وبالنسبة إلى شرعه ابتداء أيضًا، لئلا ينقص به، وحصول أحد الضررين، أعني العاجل والآجل فإن بتقدير الفعل، يلزم الأول، وبتقدير الترك يلزم الثاني.

стр. 2103

وجوابه: أنه مبني على رعاية المصالح في أفعاله تعالى، وهو ممنوع. سلمناه: لكنه منقوض بالنقل من الصحة إلى السقم، ومن الغني إلى الفقير. سلمنا: سلامته عن النقض، لكن المعتبر عند الشارع إنما هو المصالح الأخروية وهي في الأثقل أكثر.

стр. 2104

المسألة التاسعة في أنه يجوز نسخ الحكم المؤكد بالتأييد كقوله: أمرتكم بهذا أبدا . وقال قوم من الأصوليين: لا يجوز. لنا وجهان: أحدهما: أنه يجوز تخصيص العام بعد التأكيد "بالكل" "وأجمع"، قال الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾. والخصم يسلم ذلك أيضًا، على ما أشعر به نقل بعضهم. فكذا يجوز نسخ العام الدال على ثبوت الحكم في كل الأزمان بعد التأكيد بالتأبيد الذي لا دلالة فيه سوى تأكيد التعميم. ولا يفرق بينهما: بأن التخصيص يبين أن المخصوص ما كان مرادًا من

стр. 2105

اللفظ، والنسخ ليس كذلك، بل هو رفع فلا يلزم من جوازه جوازه لما فيه من المفسدة الزائدة، وكذلك لا يجوز النسخ بكل ما يجوز التخصيص، لأنا نمنع ذلك على رأي الأستاذ والفقهاء. ولو سلم ذلك لكنه فرق بين/ (٣٦٢/ ب) أصل النسخ والتخصيص، لا بين النسخ المخصوص والتخصيص المخصوص، والكلام في النسخ المخصوص بعد جواز أصل النسخ فلا يسمع في هذا المقام ما يرفع أصله. فإن قلت: إطلاق العام، وإرادة الخاص من قبيل التجوز وهو متوقف على السمع، والعام المؤكد "بكل" "وأجمع" قد وجد استعماله في الخصوص في كلام الفصيح، بخلاف العام الدال على كل الأزمان المؤكد بالتأبيد، فلا يلزم من جواز استعمال الأول فيه جواز استعمال الثاني فيه. قلت: لا نسلم أن ما نحن فيه من قبيل التجوز، وإنما يكون إن لو لم يكن النسخ عبارة عن الرفع، وهو ممنوع. سلمنا: أنه عبارة عن بيان أمد الحكم، لكن لا نسلم أن المجاز يتوقف على السمع. سلمنا: ذلك لكن يقال في العرف: عمر الله هذا المنزل أبدا، وأدام الله دولة الأمير أبدا، والأصل عدم التغيير، كيف وقد ورد في القرآن العظيم التأبيد في وعيد الفساق، مع أنه صح القول بانقطاعه.

стр. 2106

وثانيهما: أن من شرط النسخ أن يرد في الزمان الذي دل الخطاب على ثبوت الحكم فيه، إما ظاهرًا، أو نصًا، لأنا بينا جواز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، فنصوصية الخطاب الدال على ثبوت الحكم لا يكون منافيًا للنسخ، بل شرط على البدلية، ودلالة التأبيد على دوام الحكم لا يخلو عن أن يكون بطريق الظهور، أو بطريق النصوصية، وعلى التقديرين يكون شرط النسخ وشرط الشيء لا ينافيه. واحتجوا بوجوه: أحدها: أن التأبيد جاري مجرى التنصيص على كل واحد واحد من الأزمنة بخصوصيته، ولو شرع الحكم كذلك لم يجز نسخه فكذا هذا. وجوابه: منع أنه جاري مجرى التنصيص وقد عرفت سنده. سلمناه: لكنه منقوض بالعام المؤكد "بكل" "وأجمع". سلمنا: سلامته عن النقص، لكن لا نسلم أنه لو شرع الحكم في جميع الأزمنة بلفظ هو نص في هذا المعنى لا يجوز نسخه وقد عرفت سند أيضًا. وثانيها: أن الحكم قبل اقترانه بلفظ التأبيد، كان قابلاً للنسخ وفاقا، فلو كان قابلا له بعده أيضًا، لم يكن لاقترانه به فائدة.

стр. 2107

وجوابه: منع أنه لا فائدة فيه، وهذا لأن فائدته إبعاد احتمال تطرق النسخ إليه بالنسبة إلى ما كان أولاً لا أنه يصير ممتنعًا، ثم أنه منقوض بالعام المؤكد "بكل" "وأجمع". وثالثها: لو جاز النسخ بعده لوجب أن لا يبقى لنا طريق إلى العلم بدوام الحكم وفيه امتناع التكليف على التأبيد، وهو باطل وفاقًا. وجوابه: منع أن لا يبقى طريق إلى العلم به، وهذا لأنه يجوز أن يعلم ذلك بالقرائن وبخلق العلم الضروري/ (٣٦٣/ أ). المسألة العاشرة أنه يجوز نسخ التلاوة والحكم معًا . وقد نقل فيه خلاف بعض الشاذين. إذ قالوا: لا يجوز نسخ التلاوة أصلاً.

стр. 2108

والدليل على جوازه وقوع ذلك: إذ روى عن عائشة ﵄. أنها قالت: "كان فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس محرمات".

стр. 2109

ولقائل أن يقول: ثبوت نسخ تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معًا يتوقف على كونه من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد، فلا يثبت به نسخ تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معًا. ويمكن أن يجاب عنه بأن القرآن المثبت بين الدفتين لا يثبت بخبر الواحد بل بالتواتر، وأما المنسوخ الذي لا يثبت ولا يقرأ، فلا نسلم أن ذلك لا يثبت بخبر الواحد. سلمنا: ذلك لكن الشيء قد يثبت ضمنًا بما لا يثبت به استقلالاً، كالنسب بشهادة القابلة على الولادة. ولهذا قال بعض الأصوليين: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: أنه كان قبل الآخر قبل ولزم منه نسخ المتأخر، وإن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم.

стр. 2110

وهل يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة؟. ففيه خلاف: فذهب الأكثرون إلى جوازه. وذهب الأقلون من المعتزلة إلى امتناعه. لنا: أن التلاوة عبادة مستقلة، ولها أحكام: نحو كتبها في القرآن، وجواز الصلاة بقرائتها، وحكم المتلو أيضًا عبادة مستقلة، وله أيضًا: أحكام. ولذلك يثاب المكلف بفعل أحدهما دون "فعل" الآخر، وإذا كان كذلك جاز أن ينسخ أحدهما بدون الآخر لاحتمال أن يصير مفسدة دون الآخر، كما في الحكمين الثابتين معًا بخطاب واحد. وكيف ينكر جوازه، وقد وقع ذلك، وهو دليل الجواز وزيادة. أما الأول: فنحو ما يروى أن من جملة ما أنزل قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله" ونحو ما يروى أنه نزل في

стр. 2111

قتلى بئر معونة: "بلغوا إخواننا أنا لقينا ربنا فرضى، عنا وأرضانا".

стр. 2112

ويروى عن أبي بكر ﵁: أنه قال: كنا نقرأ من القرآن: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم". وأما الثاني: فنحو قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾. ونحو آية الاعتداد بالحول في حق المتوفى عنها زوجها. ونحو قوله: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اله لهن سبيلا﴾ وغيرها من الآيات. احتجوا بوجوه:

стр. 2113

أحدها: أن نسخ التلاوة يوهم نسخ الحكم من حيث إنه دليل عليه/ (٣٦٣/ب)، فلو نسخت التلاوة دون الحكم لأوهم ذلك الباطل فموهمة أيضًا باطل. وجوابه: أن موهم الباطل إنما يكون باطلاً إذا لم يكن عليه دليل، أما إذا كان فلا، كما في إنزال المتشابهات، ولما دل الدليل على دوام الحكم من حيث أن الأصل في كل ثابت دوامه ما لم يدل على زواله دليل، لا يكون ذلك الإيهام باطلاً. وثانيها: أن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم يفضي "في" إخفاء الدليل الذي مدلوله ثابت وأنه قبيح لإفضائه إلى إخفاء المدلول. وجوابه: منع إفضائه إلى إخفائه في حالة الدوام، لأن إذ ذاك يصير عليه دليل آخر وهو الأصل كما سبق، فلا يفضي [إخفاؤها إلى إخفائه، لأن إخفاء دليل معين لا يفضي إلى] إخفاء المدلول. وثالثها: أن المقصود من الآية الحكم، وزوال المقصود يغلب على الظن زوال التابع من حيث إنه لا فائدة في إبقائه بدون المقصود من حيث إن بقاؤه يوهم بقاء المقصود، وهو إيهام للجهل وهو قبيح. وجوابه: منع أن الحكم هو المقصود فقط، بل هو والتلاوة، لما بينا أن التلاوة عبادة مستقلة غير تابعة، فيكون مقصوده أيضًا فلا تبقى عرية من الفائدة، والإيهام زائل بالدليل الناسخ المتواتر قرآنًا كان أو خبرًا متواترًا، إذ لا يجوز نسخ القرآن إلا به فلا يقبح.

стр. 2114

المسألة الحادية عشرة اختلفوا في ثبوت حقيقة النسخ "وحكمه" في حق من لم يبلغه الخبر حيث ثبت ذلك مع العلم . فقال: قوم يثبت النسخ في حقه وإن كان جاهلاً به، كما في حق العالم، فإن الرافع للحكم، أو المبين لأمد الحكم، إنما هو الناسخ، لا العلم، وإنما يعذر في تركه مقتضاه لعدم علمه به، لا لأنه لم يرفع الحكم في حقه، وهذا ينسب إلى أصحابنا. وقال قوم: لا يكون نسخا في حقه ما لم يبلغه الخبر وهذا ينسب إلى الحنفية، إذ حقيقة النسخ وهو الرفع أو البيان بأن الحكم غير مراد الثبوت في ذلك الزمان غير ثابتة في حقه، لأنه مأمور بالإتيان بمقتضى المنسوخ،

стр. 2115

وعاصي بتركه ولو بان بعده النسخ وفاقا، ولا يتجه "فيه" خلاف، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، فإن تكليف من هو بأقصى اليمن بترك التوجه إلى بيت المقدس والتوجه إلى الكعبة عند نزول آية وجوب التوجه إليها بالمدينة تكليف بما لا يطاق. وعند هذا ظهر أن فائدة الخلاف لا يظهر في حقيقة النسخ، وهو رفع التكليف وانقطاعه عن الفعل الأول [بل] إنما يظهر في نتيجته وهو وجوب القضاء بمقتضى الناسخ عند معرفة وجود الناسخ لو وجد الأمر بالقضاء عند من يرى أن القضاء بأمر جديد وإلا فبالأمر الأول. وهذا الخلاف إنما هو بعد وصول/ (٣٦٤/أ) الناسخ إلى النبي ﷺ فأما قبله فلا وإن وصل إلى جبريل ﵇. المسألة الثانية عشرة اختلفوا في أن كل "واحد" من الأحكام، هل هو قابل للنسخ أم لا ؟ فذهب أصحابنا إلى تجويزه.

стр. 2116

وذهب المعتزلة إلى أن من الأحكام ما لا يقبل ذلك، وهو كل ما يكون بذاته أو اللازم ذاته حسنًا أو قبحًا "لا يختلف" باختلاف الزمان، كحسن معرفة الباري وشكر النعم، والعدل، والإنصاف، وقبح الجهل والكذب الضار، وهو سديد على قاعدة التحسين والتقبيح، فإن النسخ على هذه القاعدة إنما يجوز لاحتمال أن يكون فعل الشيء حسنًا في زمان قبيحًا في زمان آخر، وذلك فيما فرضناه من الأحكام محال. وإبطال هذا بإبطال قاعدته وقد تقدم. واتفق الكل على أنه يجوز أن تزول التكاليف بأسرها عن المكلف؛ لزوال شرطه كالعقل، وأنه لا يجوز أن ينهى الله تعالى المكلف عن معرفته إلا إذا جوز تكليف ما لا يطاق، لأن نهيه عنها يستدعي معرفة النهي وفي ذلك معرفة الناهي ففي امتثال النهي ضد مقتضاه، وهو تكليف ما لا يطاق. وإنما اختلفوا: في أنه هل يجوز أن تزول التكاليف بأسرها بطريق النسخ أم لا؟ فذهب الغزالي، والمعتزلة: إلى أن ذلك عير جائز، لأنه إذا نسخ جميع التكاليف عن المكلف، فقد أوجب عليه ضمنًا معرفة الناسخ، والنسخ، والدليل المنصوب عليه، لضرورة تحقق النسخ، وهذا النوع من التكليف ينفي ضرورة وضمنًا لا يمكن نسخه.

стр. 2117

وأعترض عليه: أنا وإن قلنا: بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق النسخ بجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن ملكفًا، بمعرفة النسخ. وهو ضعيف، لأن زوال التكليف بمعرفة النسخ عند معرفة النسخ عند معرفة النسخ ليس بطريق النسخ، بل بطريق الامتثال، فإن ما يجب مطلقًا إذا امتثل مرة زال التكليف به، ولن نسلم عدم وجوب معرفته قبل الشعور بنزوله حتى يقال: إنها ليست واجبة قبل الشعور بنزوله ولا بعد الشعور، لجواز أن يكون العلم به معه فيستحيل إيجابه لاستحالة تحصيل الحاصل، فلا تكون معرفة النسخ واجبة بحال، ولو سلم أنه لا يجب إذ ذاك، لكن لم لا يجوز أن يقال: إنه يجب عند العلم به متقدمًا عليه بالرتبة، كما في سائر العلل التي مع المعلول في الزمان. المسألة الثالثة عشرة في نسخ الخبر اعلم أن الخبر إن كان خبرًا عما لا يجوز تغييره، ككون الصانع عالمًا قادرًا والعالم حادثًا فهذا لا يجوز نسخه وفاقًا.

стр. 2118

وإن كان خبرًا بمعنى [الأمر] والنهي كقوله تعالى: ﴿والوالدات/ (٣٦٤/ب) يرضعن أولادهن﴾ [وكقوله] ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وكقوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾. فهذا يجوز نسخه ولا يعرف فيه خلافًا. ولا يتجه الخلاف فيه؛ لأنه بمعنى الأمر والنهي. وما نقل الإمام وغيره من الخلاف في الخبر عن حكم شرعي، فليس هو هذا لأن "ذلك" محمول على ما كان خبرًا في اللفظ، "والمعنى" وإنما مدلوله حكم شرعي، وما نحن فيه ليس فيه إلا صيغة الخبر استعملت في الأمر على وجه التجوز، فهو في معنى الأمر، إذ نحن نعلم قطعًا أن الصيغة لا مدخل لها في تجويز النسخ وعدمه فهو في معنى الأمر. وإن كان خبرًا عما يجوز تغييره: وهو إما أن يكون ماضيًا، كالإخبار عن عمر

стр. 2119

شخص كان، أو مستقبلاً وهو إما وعد أو وعيد، أو خبر عن حكم شرعي نحو أن يقول: الحج واجب عليكم في كل سنة. فهذا هل يجوز نسخه أم لا؟. فقد اختلفوا فيه: فذهب أبو علي، وأبو هاشم وأكثر المتقدمين من الفقهاء، والمتكلمين: إلى أنه لا يجوز نسخه. وذهب أبو عبد الله وأبو الحسين البصريين، والقاضي عبد الجبار: إلى أنه يجوز، وهو مختار الإمام. وفصل بعضهم بين الماضي والمستقبل: فجوزه في الثاني دون الأول. واعلم أنه إن فسر النسخ بالرفع، فهذا الخلاف لا يتجه ألبتة؛ لأن نسخ الخبر حينئذ يستلزم الكذب قطعًا، لأن الخبر إن كان صادقًا كان الناسخ الذي يرفع بعض مدلوله كاذبًا، ضرورة أنه صدق وإلا فهو كاذب، نعم: إنما يتجه لو فسر بأنه عبارة: عن بيان المراد فحينئذ يصح أن يقال: إن الخطاب وإن دل على ثبوت المخبر عنه في جميع الأزمنة ظاهرًا، لكنه غير مراد من اللفظ، بل

стр. 2120

المراد منه الأزمنة التي مضت قبل ورود الناسخ. واستدل القائلون بالجواز: بأنه إذا قال الشارع: لأعذبن الزاني أبدا، ثم تبين بعد ذلك أنه لم يعذبه بعد ألف سنة لا يلزم الكذب، لاحتمال أن يقال: إنه أراد من الأبد تلك المدة وليس فيه إلا أنه أطلق العام وأراد به الخاص، وليس هو من الكذب في شيء وإلا لزم أن يكون العام المخصوص من أسماء الأعيان كذبًا. وكذلك لو قال: عمر نوح ألف سنة، ثم تبين بعد ذلك أنه عمر ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهذا إنما يصح أن لو صح إطلاق أسماء الأعداد وإرادة البعض منها. وفيه نظر: لأنها نصوص في مدلولاتها فلا يتطرق إليها التخصيص، نعم: يصح الاستثناء منها، لكن تقديره في النسخ ممتنع؛ لأن بتقدير اتصاله/ (٣٦٥/ أ) بالمستثنى منه لم يكن ناسخًا وبتقدير انفصاله لم يصح إلا الاستثناء به اللهم إلا على المذهب المروي عن ابن عباس، لكنه ضعيف غير معمول به وفاقًا. واحتجوا بوجهين:- أحدهما: أن تطرق النسخ إلى الخبر يوهم كونه كذبًا، وهو على

стр. 2121

الشارع غير جائز. وجوابه: أن مجرد الإيهام مع قيام الدليل الدال على امتناع ذلك غير مانع، وإلا لكان يلزم أن لا يتطرق النسخ إلى الأمر والنهي ضرورة أنه يوهم البداء فإن قالوا: لا يوهم ذلك لأن الناسخ دل على المنسوخ ما تناول الزمان الذي ورد الناسخ فيه وما بعده. قلنا: وكذا نقول في نسخ الخبر: إنه لا يوهم الكذب؛ لأن الناسخ دل على أن الخبر المنسوخ ما تناول تلك الأزمنة. وثانيهما: أنه لو جاز نسخ الخبر لجاز نسخ هذا الخبر وهو أن يقول الله تعالى: أهلكت عادًا، ثم يقول: ما أهلكت عادًا، ومعلوم أنه لو قال: ذلك لكان كذبًا، أو تخصيصًا؛ لأنه إن أراد نفي إهلاك كلهم لزم الكذب، وإن أراد نفي إهلاك بعضهم لزم التخصيص، وعلى التقديرين لا يكون نسخًا. وجوابه: أن إهلاكهم غير متكرر بحسب الزمان، وإن كان متكررًا بحسب الأشخاص، فلم يقبل التخصيص بحسب الزمان، الذي هو عبارة: عن النسخ، وإن كان قابلاً للتخصيص بحسب الأعيان، الذي هو مسمى بمطلق التخصيص.

стр. 2122

الفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل:

стр. 2123

الفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل: المسألة الأولى القائلون بجواز نسخ القرآن: اتفق أكثرهم على أنه يجوز نسخ القرآن بالقرآن لتساويهما في إفادة العلم ووجوب العمل به ، وقد وقع ذلك كما تقدم ذكره. واتفق القائلون بجواز النسخ على أنه: يجوز نسخ المتواترة بالسنة المتواترة، ونسخ الآحاد منها بالمتواترة والآحاد. نحو نهيه ﵇ عن ادخار لحوم الأضاحي: بقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، والآن كلوا وادخروا". ونحو نهيه عن زيارة القبور بقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها". ونحو ما روى ﵇ أنه قال في شارب الخمر: "فإن شربها

стр. 2124

الرابعة فاقتلوه".

стр. 2125

"ثم روي" أنه حمل إليه من شربها في الرابعة فلم يقتله". وأما نسخ المتواتر منها الآحاد: فاتفقوا: على جوازه عقلا. واختلفوا: في جوازه شرعًا ووقوعه". فذهب الأكثرون: إلى أنه غير واقع.

стр. 2126

خلافًا لبعض أهل الظاهر. وكذا نسخ القرآن بخبر الواحد لم يقع ولا يجوز شرعًا عند الجماهير. خلافًا لهم. وفصل بعضهم: كالشيخ الغزالي رحمه الله تعالى: بين زمان الرسول، وبين ما بعده/ (٣٦٥/ ب) فجوزه، وقال: بوقوعه في زمانه ﵇ دون ما بعده جمعًا بين الدليلين، كما سيأتي ذلك. احتج الأكثرون بوجهين: أحدهما: الإجماع: وتقديره أن الصحابة كانت تترك خبر الواحد إذا رفع حكم الكتاب والسنة المعلومة. قال عمر في خبر فاطمة بنت قيس: (لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا

стр. 2127

بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت). وقال علي ﵁ في خبر أبي سنان الأشجعي "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول أعرابي بوال على عقبيه".

стр. 2128

وكان ذلك مشهورًا فيما بينهم، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا. وثانيهما: وهو الوجه المعقول: أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، والمتواتر يفيد القطع، وترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز. ولقائل: أن يقول: الوجهان ضعيفان. أما الأول: فلأن ما ذكرتموه لا يدل على عدم قبولهم خبر الواحد إذا رفع حكم المعلوم؛ وهذا لأنه يحتمل أن يكون ردهما الخبرين لعدم إفادتهما ظن الصدق بهما بسبب عدم تحفظ الراوي وسقوط مروءته وهو الظاهر، ولذلك قال عمر ﵁: "لا ندري أصدقت أم كذبت" وقال علي ﵁: "بوال على عقبيه".

стр. 2129

سلمناه: لكنه منقوض بما أنه يجوز تخصيصهما به. فإن قلت: لم يقبل في التخصيص في رفع الحكم، ضرورة أنه لم يرفع الحكم، بل يبين المراد. قلت: إنما يصح هذا الفرق أن لو صح قبوله في التخصيص، فإن بتقدير أن لا يقبل في التخصيص كان الحكم ثابتًا فإثبات صحة قبوله في التخصيص بهذا الفرق دور. "أما" الثاني: فإنه يقتضي نفي الجواز العقلي أيضًا، لأن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع في العقول، وأنتم لا تقولون به فيكون منقوضًا. وأجيب بوجهين آخرين: أحدهما: تمنع أنه يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى، وهذا لأن الكتاب والسنة متواترة وإن كان مقطوعي المتن، لكنهما مظنونى الدلالة، وخبر الواحد وإن كان مظنون المتن، لكنه مقطوع الدلالة خاصًا لكونه فاستويا، بل خبر الواحد الخاص أقوى دلالة على مدلوله، لأن تطرق الضعف إلى مدلول خبر الواحد الخاص، إنما هو من احتمال الكذب والغلط، وتطرق الضعف إلى مدلول الكتاب العام، إنما هو من جهة تخصيصه وإرادة بعض مدلولاته دون بعض، ومعلوم أن تطرق التخصيص إلى العام أكثر من تطرق الكذب والغلط إلى العدل المتحفظ.

стр. 2130

وثانيهما: النقض بجواز تخصيصهما به. وهما ضعيفان. أما الأول: / (٢٦٦/ أ) فلأنه ليس من شرط المنسوخ من الكتاب أو السنة المتواترة أن يكون عامًا وناسخه من خبر الواحد خاصًا حتى يتأتى ما ذكروه، بل قد يكونا عامين، أو خاصين، والمنسوخ خاصًا، والناسخ عامًا، على رأي من يرى أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، وحينئذ لا يتأتى ما ذكروه من المنع، فيلزم ترجيح الأضعف على الأقوى فلم يجز النسخ في هذه الصور، وإذا لم يجز في هذه الصور لم يجز في تلك الصور لعدم القاتل بالفصل "ولا يعارض مثله. بأن يقال: إذا جاز النسخ في تلك الصورة لتساويهما جاز في هذه الصور، لعدم القائل بالفصل" لأن إلحاق الفرد بالأكثر أولى، ولأن تحقق المفسدة في صور عديدة أشد محذورًا من تحققها في صورة واحدة. وأما الثاني: فلأن الخصم إنما يجوز التخصيص "به" لأنه لا يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى لما ذكر من المعنى فلم يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى، وهو غير متحقق في النسخ على ما عرفت فلا يلزم النقض. احتجوا بوجوه: أحدها: أن الرسول ﵇ كان ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ.

стр. 2131

وذلك يدل على قبول الناسخ والمنسوخ كيف كان. وجوابه: أنه كان يبعث للفتوى، بدليل أن العوام فيهم أكثروا الحاجة إليه أمس. سلمناه: لكن فيما يقبل فيه خبر الواحد، وأما على الإطلاق فممنوع. وثانيها: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة المتواترة، إذ ليس في الكتاب ما يدل عليه، وأهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخه، إذ روى أنهم كانوا يصلون متوجهين إليه فجاءهم منادي رسول الله ﷺ ، وأخبرهم ألا إن القبلة حولت إلى الكعبة، فاستداروا لخبره، والرسول ﵇ لم ينكر عليهم ذلك مع علمه به.

стр. 2132

فدل ذلك على الجواز. وجوابه: أنه خبر واحد ولا تثبت مثل هذه القاعدة به. سلمنا: جواز إثبات مثل هذه القاعدة به، لكن لعل الرسول أخبرهم بذلك قبل وقوع الواقعة، فلذلك قبلوه. سلمنا: أنه ما أخبرهم، لكن لعله لقرينة انضمت إليه نحو أنهم سمعوا منادي رسول الله ﷺ ولا يتجر على الرسول أحد بمثله، ونحو كون المسجد قريبًا وارتفاع ضجة في ذلك فيه. وثالثها: أنه نسخت آية الوصية للوالدين والأقربين، بما روى عنه ﵇: أنه قال "لا وصية لوارث" إذ لم يوجد غيره ما يصلح أن يكون ناسخًا "لها" فيتعين أن يكون هو.

стр. 2133

لا يقال/ (٣٦٦/ ب): الناسخ له آية الميراث، ولهذا قال ﵇ حين نزلت "إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث". لأن الجمع بينهما ممكن. ولهذا جازت الوصية للأجنبي مع توريث الوارث. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن الناسخ لها هو آية الميراث لا الخبر، وإنما هو مؤكد لها. وقوله: الجمع بينهما ممكن. قلنا: بين التوريث على ما فرض الله تعالى، وبين الوصية التي هي مدلول الآية، أو بينه وبين الوصية في الجملة، نحو الوصية الجائزة أو المقيدة بالثلث، كما هي في حق الأجنبي. والأول: ممنوع ولا يمكن دعواه، لأن الوصية التي هي مدلول الآية هي الوصية بكل المال، وهي كانت واجبة بصراحة الآية، قال الله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾.

стр. 2134

وآية التوريث منافية لهذا الوجوب، لأن وجوب صرف المال إليهم على وصية الله تعالى ينافي وجوب صرفه إليهم على وصية العبد، لأن وصية العبد إن كانت مخالفة لوصية الله تعالى فظاهر، وإن كانت موافقة فالعمل بوصية الله لا بوصيته ووصيته لاغية، ومنه يعرف عدم وجوب توصيته أيضًا إذ لا فائدة فيه على التقديرين "و" إذا كانت منافية لها كانت ناسخة لها ضرورة أنه لا يمكن الحمل على التخصيص. والثاني: مسلم "لكنه" لا يضر إذ ليس هو مدلول الآية حتى يجعل الحديث ناسخًا له. فإن قلت: لما دلت الآية على وجوب الوصية بكل المال، دلت على جواز الوصية في كل المال وفي الثلث، ضرورة أن الدال على الكل دال "على الجزء وذلك الجواز غير باق الآن للحديث لا للآية فيكون الحديث ناسخًا" لمدلول الكتاب. قلت: لا نسلم أن الجواز غير باق الآن، وهذا لأن الوصية لهم تصح على الأظهر، ولكن يتوقف على إجازة الورثة، ولهذا يصح تقيدًا على الرأي الأظهر. سلمنا: أنه غير باق لكن الوجوب إذا نسخ لم يبق الجواز، فيكون الناسخ للجواز ما هو الناسخ للوجوب. سلمنا: أنه لم يوجد غيره ما يصلح أن يكون ناسخًا لها، لكن

стр. 2135

"لا" نسلم أنه يلزم منه جواز نسخ المتواتر بالآحاد، وهذا لأنه [لا] يجوز إن كان الخبر مقطوعًا به عندهم. ثم إنه ضعف نقله لإجماعهم على العمل بموجبه "و" هذا وإن كان خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه بين الدليلين. ورابعها: أنه نسخ قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا﴾. بما روى عنه/ (٣٦٧/ أ) ﵇: "أنه حرم كل ذي ناب من

стр. 2136

السباع وكل ذي مخلب من الطيور". وجوابه: أن الآية لم تتناول الوحي إلا إلى تلك الغاية التي نزلت الآية فيها فلا يتناول الوحي الذي يحصل بعدها. فلم يكن الحديث رافعًا لشيء من مقتضاه فضلاً عن أن يكون ناسخًا. سلمنا: عموم التناول لكنه يكون مخصصًا لا ناسخًا وهو ظاهر جدًا إذ لم يسقط حكمه بالكلية. وخامسها: أنه نسخ قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ بما

стр. 2137

روي عنه آحادًا "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها". وجوابه: أنه مخصص لا ناسخ؛ وهذا لأن النص يقتضي أن يكون كل ما عدا المذكورات حلالاً أخرج عنه الخبر بعضه فيكون تخصيصًا لا ناسخًا، وإنما يتعين أن يكون نسخًا لو أثبتوا أنه ورد بعد العمل بمقتضى الآية فحينئذ يكون ناسخًا إذ لا يجوز تأخير بيان المخصص عن وقت العمل وفاقًا. المسألة الثانية [نسخ الكتاب بالسنة المتواترة] يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند جماهير الفقهاء: نحو مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وأصحابهم، والمتكلمين من الفريقين. وقال هؤلاء: بوقوعه أيضًا.

стр. 2138

ونقل عن الشافعي ﵁ أنه لا يجوز، وهو مذهب أكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإليه ذهب المتكلمين من أصحابنا القلانسي والحارث

стр. 2139

المحاسبي، وعبد الله بن سعيد القطان، والأستاذ أبو إسحاق، وأبو منصور البغدادي ونقل الإمام عنه مشعر بثبوت الخلاف في الوقوع لا في الجواز. حيث قال: قال الشافعي ﵁: لم يقع، وهو خلاف نقل الجماعة. وقال ابن سريج يجوز لكنه لم يقع.

стр. 2140

واحتج المجوزون على الجواز بأن الكتاب مقطوع به في المتن والدلالة لو فرض كذلك، والسنة المتواترة الناسخة أيضًا كذلك إذ نفرض الكلام فيه، فيجوز نسخه لتساويهما في ذلك. كما يجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة المتواترة بالسنة المتواترة. واحتجوا على الوقوع بوجوه: أحدها: أنه نسخ قوله ﵇: "ألا لا وصية لوارث". آية الوصية. وهو ضعيف من وجهين:- أحدهما: ما سبق من أن الناسخ لها آية الميراث لا الخبر. وثانيهما: أن ذلك يقتضي نسخ المتواتر بخبر الواحد وهو غير جائز لما تقدم، ولأن أكثر الخصوم يسلمون ذلك. فإن قلت: لعله كان متواترًا، كما ذكرتم. قلت/ (٣٦٧/ ب): المستدل لا يكفيه لعل وعسى، بل يجب عليه الإثبات على الجزم "ونحن كنا مانعين في المسألة السابقة فلذلك كفانا الاحتمال" ولا يمكن الاستدلال على كونه متواترًا بما تقدم من أنه يقتضي الجمع بين الدليلين؛ لأن الخصم هذا يحاول نفي كونه ناسخًا، بخلاف المسألة
следующие страницы →