Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
السباع وكل ذي مخلب من الطيور".
وجوابه: أن الآية لم تتناول الوحي إلا إلى تلك الغاية التي نزلت الآية فيها فلا يتناول الوحي الذي يحصل بعدها.
فلم يكن الحديث رافعًا لشيء من مقتضاه فضلاً عن أن يكون ناسخًا.
سلمنا: عموم التناول لكنه يكون مخصصًا لا ناسخًا وهو ظاهر جدًا إذ لم يسقط حكمه بالكلية.
وخامسها: أنه نسخ قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ بما
стр. 2137
روي عنه آحادًا "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها".
وجوابه: أنه مخصص لا ناسخ؛ وهذا لأن النص يقتضي أن يكون كل ما
عدا المذكورات حلالاً أخرج عنه الخبر بعضه فيكون تخصيصًا لا ناسخًا، وإنما يتعين أن يكون نسخًا لو أثبتوا أنه ورد بعد العمل بمقتضى الآية فحينئذ يكون ناسخًا إذ لا يجوز تأخير بيان المخصص عن وقت العمل وفاقًا.
المسألة الثانية
[نسخ الكتاب بالسنة المتواترة]
يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند جماهير الفقهاء: نحو مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وأصحابهم، والمتكلمين من الفريقين. وقال هؤلاء: بوقوعه أيضًا.
стр. 2138
ونقل عن الشافعي ﵁ أنه لا يجوز، وهو مذهب أكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإليه ذهب المتكلمين من أصحابنا القلانسي والحارث
стр. 2139
المحاسبي، وعبد الله بن سعيد القطان، والأستاذ أبو إسحاق، وأبو منصور البغدادي ونقل الإمام عنه مشعر بثبوت الخلاف في الوقوع لا في الجواز.
حيث قال: قال الشافعي ﵁: لم يقع، وهو خلاف نقل الجماعة.
وقال ابن سريج يجوز لكنه لم يقع.
стр. 2140
واحتج المجوزون على الجواز بأن الكتاب مقطوع به في المتن والدلالة لو فرض كذلك، والسنة المتواترة الناسخة أيضًا كذلك إذ نفرض الكلام فيه، فيجوز نسخه لتساويهما في ذلك. كما يجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة المتواترة بالسنة المتواترة.
واحتجوا على الوقوع بوجوه:
أحدها: أنه نسخ قوله ﵇: "ألا لا وصية لوارث".
آية الوصية. وهو ضعيف من وجهين:-
أحدهما: ما سبق من أن الناسخ لها آية الميراث لا الخبر.
وثانيهما: أن ذلك يقتضي نسخ المتواتر بخبر الواحد وهو غير جائز لما تقدم، ولأن أكثر الخصوم يسلمون ذلك.
فإن قلت: لعله كان متواترًا، كما ذكرتم.
قلت/ (٣٦٧/ ب): المستدل لا يكفيه لعل وعسى، بل يجب عليه الإثبات على الجزم "ونحن كنا مانعين في المسألة السابقة فلذلك كفانا الاحتمال" ولا يمكن الاستدلال على كونه متواترًا بما تقدم من أنه يقتضي الجمع بين الدليلين؛ لأن الخصم هذا يحاول نفي كونه ناسخًا، بخلاف المسألة
стр. 2141
السابقة. فإنا إنما قلنا: ذلك على تقدير تسليم كونه ناسخًا.
وثانيهما: أنه نسخ قوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ بما روى عنه ﵇ "أنه أمر بقتل ابن الأخطل وإن كان متعلقًا بأستار الكعبة".
стр. 2142
وجوابه: منه أنه نسخ به، بل نسخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾. ثم الذي يؤكده أن أمره بقتل ابن الأخطل ليس من قبيل المتواتر، فلو نسخ به لزم نسخ الكتاب بخبر الواحد، وأنه غير جائز لما تقدم.
وثالثها: أن آية الحبس في البيوت. ونسخت آية الجلد، بما تواتر من مجموع قوله: وهو قوله "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ومن حكمه: وهو حكمه على ماعز بالرجم، وإنما قلنا: بما تواتر من مجموع قوله وحكمه ليصير التواتر معنويًا، ويندفع المنع المتوجه إلى كل واحد منهما بأنه من قبيل الآحاد، وهذا لو سلم أن نقل حكمه بالرجم من قبيل الآحاد.
стр. 2143
وفيه نظر
فإن قلت: لا نسلم أنه نسخ بالسنة، بل بما كان قرآنًا، وهو قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله وروسوله".
فإنه روى عن عمر ﵁ أن ذلك من جملة ما أنزل.
قلت: إنه لم يكن قرآنًا؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد وفيه ما تقدم من المنع.
وقد نفى ذلك بوجه آخر، وهو أن ذلك لم يكن قرآنًا لما روى أن عمر ﵁ قال: "لولا أن يقول الناس [إن] عمر زاد في كتاب الله تعالى [شيئًا] لألحقت ذلك بالمصحف".
ولو كان قرآنًا لما قال ذلك. وهو ضعيف؛ لأن ذلك يقدح في كونه قرآنًا في الحال، لا في كونه كان قرآنًا في الماضي "لأن" بتقدير أنه كان من
стр. 2144
القرآن، لكن نسخت تلاوته وحكم بإخراجه من المصحف كفى ذلك في صحة قول عمر ﵁.
واحتج من قال: بعدم جوازه بوجوه:-
أحدها: قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم أن الله على كل شيء قدير﴾.
ووجه الاستدلال به من وجوه:
أحدها: أنه قال: ﴿نأت بخير منها﴾، وذلك يفيد أنه المنفرد بالإتيان/ (٣٦٨/ أ) بذلك الخير.
أما أولاً: فلأنه جعله جزاء للشرط والجزاء يترتب حيث يترتب الشرط، فلو جاز إتيان غيره بذلك الخير عند النسخ لم يكن إتيانه بالخير جزاء له.
وأما ثانيًا: فلأنه ذكره في سياق المدح، والمدح الكامل إنما يحصل لو كان هو منفردًا بذلك، وإذا كان هو منفردًا بذلك وجب أن يكون قرآنًا، لأنه هو المنفرد بذلك دون السنة التي يأتي بها الرسول.
وثانيها: أنه قال ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ وذلك يفيد أن يكون من جنسها؛ لأن الرجل إذا قال: ما أخذ منك ثوبًا إلا أتيتك بخير منه أو بمثله، يتبادر منه إلى الفهم بأنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه أو مثله والتبادر دليل الحقيقة ويكون حقيقة فيه، فيجب حمله عليه إذ لا مانع منه، وحينئذ
стр. 2145
يجب أن يكون قرآنًا، لأن جنس القرآن قرآنًا.
وثالثها: أنه وصف المأتى به بأنه خير منها أو مثلها، وذلك يفيد أن يكون قرآنًا لأنه غير القرآن لا يكون خيرًا منه ولا مثلاً له.
ورابعها: أن قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ يفيد أن الذي يأتي بذلك الخير أو المثل هو المختص بالقدرة عليه من حيث إنه ذكر عقيب ذلك النفي الامتناع والاستبعاد ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ فإنه لا يحسن ذكر مثل هذا الكلام عقيب فعل يقدر عليه غير الفاعل، ألا ترى أن الرجل إذا فعل فعلاً يقدر عليه كل "واحد" لا يحسن منه، ان يقول: أنا أفعل هذا وخيرًا منه ألم تعلموا أني على ما أشاء من الأفعال قدير، وحينئذ يجب أن يكون ذلك هو القرآن دون غيره.
وجوابه: من وجوه:
أحدها: أن الآية ظاهرة في نسخ الآية نفسها وهو نسخ تلاوتها "دون" حكمها، والخصم يحتمل أن يسلم الحكم في نسخ التلاوة، فلم قلتم: إن الحكم في نسخ الحكم كذلك، فلقائل: أن يقول: لا نسلم أن الآية ظاهرة في نسخ التلاوة فقط. وهذا لأن نسخ الآية أعم من نسخ تلاوتها، ونسخ حكمها وهو نسخ حكم من أحكامها، فإن التلاوة حكم من أحكامها وهو
стр. 2146
القدر المشترك بينهما بدليل أنه استعمل فيهما، إذ يقال آية الاعتداد بالحول، منسوخة بآية التربص بأربعة أشهر وعشرًا.
وآية إثبات الواحد للعشرة، منسوخة بآية "ثبات" الواحد للاثنين.
ويقال: آيات الموادعة والمسالمة مع الكفار، منسوخات بآية القتال، ويستعمل حيث تكون نفس التلاوة منسوخة/ (٣٦٨/ ب) دون الحكم، كما في قوله: (والشيخ والشيخة)، وهو متفق عليه، فوجب جعله حقيقة فيهما بحسب القدر المشترك دفعًا للاشتراك والمجاز، وحينئذ يجب حمله عليهما دفعًا للإجمال وتكثيرًا للفائدة.
سلمنا: أنه حقيقة في نسخ التلاوة، لكنه لما وجب هذا الحكم في حقيقة التلاوة، وجب أن يعتبر في الحكم ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
стр. 2147
وثانيها: أن قوله ﴿نأت بخير منها﴾ ليس فيه دلالة على أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخًا، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير آية أخرى مغايرة للناسخ يحصل بعد حصول النسخ، وحينئذ "لا يمنع" نسخ حكم الكتاب وتلاوته بالسنة. ثم الذي يدل على أن المراد من ذلك الخير غير الناسخ هو أن قوله: ﴿نأت بخير منها﴾ جزاء للشرط المتقدم وهو قوله: ﴿ما ننسخ﴾ والجزاء متأخر بالرتبة عن الشرط ومترتب عليه والنسخ مترتب على الناسخ ضرورة أن الفعل متأخر بالرتبة عن الفاعل موجبًا كان أة مختارًا، فلو كان المراد من ذلك الخير هو الناسخ، لزم "ترتب" كل واحد منهما على الآخر، وهو دور. لا يعارض هذا: بأنه تعالى جعل إتيانه بالخير جزاء للنسخ والجزاء مما يجب حصوله عند حصول الشرط وغير الناسخ لا يجب حصوله عند حصول النسخ فلا يجوز أن يكون مرادًا منه؛ لأنا نمنع؛ وهذا لأن الله تعالى وعد بإتيانه الخير عند النسخ، وقد دل الدليل على أنه لا يجوز أن يكون المراد منه هو الناسخ، فوجب أن يكون غيره، وحينئذ يجب حصوله نظرًا إلى وعده ونظرًا إلى أنه جعله جزاء له.
وأما قوله: وغير الناسخ لا يجب حصوله عند حصول النسخ.
قلنا: نعم لكن نظرًا إلى نفس النسخ لا إلى غيره، ونحن إنما أوجبنا ذلك لأمر خارجي لا لنفس النسخ، فلا يكون منافيًا لما ذكرنا.
ولا يدفع هذا بأنه قول: لم يقل: به أحد، لأن من لم يجوز نسخ الكتاب بالسنة. قال: المراد من ذلك الخير هو الناسخ، ومن جوز ذلك لم يوجب أن يؤتى بآية أخرى تقام مقام المنسوخ، إما في الحكم أو في التلاوة
стр. 2148
على تقدير نسخه بالسنة.
فالقول: بوجوب الإتيان بذلك الخير على تقدير نسخ الكتاب بالسنة قول لم يقل به أحد، لأنا نمنع حجة مثل هذا الإجماع.
"سلمناه": لكنا لا نسلم أنه قول لم يقل به أحد، إذ ليس منهم إطلاق وإشارة عليه غايتع أنه لم يوجد ما يدل على أنه قول أحد منهم، لكن عدم الوجدان/ (٣٦٩/ أ) لا يدل على العدم.
وثالثها: وهو الجواب على الوجه التفصيل: وهو أن يقول: لا نسلم دلالة الآية على المطلوب، قوله: في الوجه الأول: إنها تفيد أنه تعالى هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن لا غيره.
"قلنا: لا نسلم أنه تعالى هو المنفرد بذلك، لكن لا نسلم أن ذلك هو القرآن لا غيره" وهذا لأن السنة وإن نسخت لكن الآتي بذلك الخير الذي هو مدلول السنة، إنما هو الله تعالى، والرسول إنما هو مبلغ فلا يجب أن يكون ذلك الخير قرآنًا.
وأما قوله: في الوجه الثاني: إن ذلك الخير لا بد وأن يكون من جنس القرآن فممنوع.
[والمثال] الذي ذكروه في الدلالة عليه فمعارض بمثال آخر، نحو ما يقال: ما تفعل معي من حسنة إلا وآتيك بخير منها، فإن هذا لا يقتضي
стр. 2149
أن ما يفعله المكافي يكون من جنس ما فعله المكافي، ألا ترى أنه يحسن ذلك وإن كان فعل المحسن إقراضًا وفعل المحسن إليه إنقاذًا من الغرق أو الحرق وتخليصًا من العدو.
فإن قلت: إنما يفعله المحسن من جنس الحسنة المذكورة، والسنة ليس من جنس الآية المذكور في الآية.
قلت: الضمير لا يرجع إلى اللفظ إلا باعتبار مدلوله المراد منه، بدليل أن الاسم المشترك إذا استعمل في أحد مفهوميه، ثم أعيد إليه الضمير، فإنه لا يرجع إليه باعتبار ذلك المعنى. والمراد من الحسنة في قوله: ما يفعل معي من حسنة، ليس هو كل واحد واحد مما صدق عليه اسم الحسنة، وإلا لكان الضمير في قوله: أتيك بخير منها، راجعًا إليه لكنه باطل لاستحالة الإتيان بما هو خير من كل الحسنة، ولا ما صدق عليه اسم الحسنة وإلا لكان الضمير راجعًا إليه، وحينئذ لو أتى، بما هو خير [منه] من حسنة ولو كانت دون حسنة لكفى لكنه باطل، بل المراد منها الحسنة المفعولة.
أو يقال: إن المراد منها وإن كان غيرها لكن الضمير لا يرجع إلا إليها وحينئذ يعود ما ذكرناه من أنها لا تجب أن تكون من جنس حسنة المكافأ على أنا نعدل منه إلى مثال أظهر منه نحو ما يقال: ما أخذ منك درهما إلا آتيك بخير منه، فإنه لا يدل على أن الذي يأتي به إنما هو الدرهم، بل قد يكون غيره.
سلمنا: أن ما هو موصوف بالخير لا بد وأن يكون من جنس ما سبق.
لكن يقول: المراد من قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾، ما ننسخ من حكم آية ليكون متناولاً للفظ والمعنى، لما ثبت أن نسخ الآية أعم من نسخ تلاوتها أو
стр. 2150
حكمها، وحينئذ يكون الحكم/ (٣٦٩/ ب) الثابت بالسنة الناسخ لحكم الكتاب من جنس ما تقدم.
وعن الثالث: أن المراد من الخير إذا كان ما هو أسهل على المكلف فعله وأجزل ثوابًا له في المعاد.
فلم قلتم: إن ما بينته السنة لا يكون خيرًا مما بينته الآية؟
وعن الرابع: أنا نسلم أن الله تعالى هو المنفرد بإتيان ذلك الخير سواء كان ذلك الخير مضمون الآية أو مضمون السنة، لأن الكل من عند الله تعالى بوحي قال الله تعالى: ﴿[و] ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، لكن منه ما يتلى وهو الكتاب ومنه ما يتلى وهو السنة، ولو جوز صدور الأحكام منه بالاجتهاد فلا شك أن مثله لا يكون ناسخًا فضلاً عن أن يكون ناسخًا للكتاب.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس﴾.
ووجه الاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه تعالى أخبر أنه هو الذي يبدل الآية وذلك يدل على أنه لا
стр. 2151
يبدل غيره الآية، لأنه حينئذ لا يكون التبديل مضافًا إليه ولا يكون بالآية أيضًا.
وثانيهما: أن المشركين كانوا يقولون عند تبديل الآية بالآية إنما أنت مفتر والله تعالى أزال هذا الاتهام بقوله: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ وذلك يدل على أن ما لا يكون من روح القدس لا يكون مزيلاً للاتهام [و] في نسخ الكتاب بالسنة تأكيد الاتهام فيكون باطلاً.
وجواب الأول: أنا نمنع أن التبديل لا يقع من غيره، ولا نسلم أن قوله: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ يقتضى أن لا يقع التبديل من غيره.
-[ولا نسلم أن قوله] ولا بغير الآية- لأن القول بمفهوم الاسم باطل.
سلمنا: أنه يقتضى أن لا مبدل إلا الله تعالى، لكن لا نسلم أن هذا يقتضى أن لا يقع التبديل بالسنة، فهذا فإن الناسخ هو الله تعالى سواء ظهر ذلك بالكتاب، أو بالسنة.
وعن الوجه الثاني: أن مضمون السنة أيضًا مما ينزله روح القدس، فيكون مزيلاً للاتهام، وهذا لا يقوى؛ لأنه يكون بالإلهام.
فالأولى أن يقال: إن التهمة إنما تتطرق إليه من الشك في نبوته وعند ذلك
стр. 2152
لا تزول التهمة، سواء نسخ القرآن بالقرآن أو بالسنة، لأنا لا نسمع القرآن إلا منه ولا تزول هذه التهمة إلا بالنظر في معجزاته.
وأما من لا يكون شاكًا في ذلك فإنه لا تهمه سواء نسخ القرآن بالقرآن أو بالسنة، فلا عبرة بذلك الاتهام مع وجود ما يزيله.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فوض بيان المنزل وهو القرآن إليه، والنسخ رفع وإبطال وهو ضد البيان.
وجوابه: أن النسخ أيضًا بيان، فإنه بيان انتهاء الحكم، وإن ما بعده غير مراد من الخطاب كالتخصيص ولو اقتضى تفويض البيان إليه أن لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة/ (٣٧٠/ أ) لاقتضى أن لا يجوز تخصيصه به.
سلمنا: أنه ليس بيانًا لكن تفويض البيان إليه لا يقتضى أن لا يكون ناسخًا فإنه يجوز وصف الإنسان بوصفين مختلفين أو متضادين في زمانين.
سلمنا: أنه ينافي ذلك لكن لا نسلم أن الوارد من البيان بيان المجمل حتى يكون الرفع والإبطال منافيًا له، بل المراد منه إظهار المنزل، وحينئذ لم قلتم "إن نسخ حكمه" بالسنة منافيًا له، بل هو مقتضى له، لأنه إظهار
стр. 2153
للمنسوخ وهو أعم من أن يكون بالقرآن أو بالسنة.
ورابعها: قوله تعالى ﴿[قال] الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلىَّ﴾.
وهذا دليل على أنه لا يجوز تبدل القرآن بغيره.
وجوابه: أنه ظاهر في تبديل الآية نفسها لا في تبديل حكمها.
سلمنا: أنه ظاهر فيهما، لكن إنما يبقى التبديل من تلقاء النفس ولا يبقى التبديل بالوحي والسنة أيضًا وحي وليس كل وحي قرآنًا حتى تتم الدلالة عليه.
وخامسها: أن نسخ القرآن بالسنة يوجب التهمة والنفرة فوجب أن لا يجوز.
وجوابه: ما تقدم من أن التهمة زائلة بالتمسك بمعجزاته وكذلك النفرة
стр. 2154
لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
سادسها: أن السنة إنما يجب العمل بمقتضاها بالكتاب. لما تقدم من الآيات في وجوب التأسي به يجوز.، فيكون فرعًا له، والفرع لا يرفع الأصل، كالقياس لا يرفع مقتضى النص.
وجوابه: من وجوه:-
أحدها: أنه لا ترفعه، بل تبينه كالتخصيص، فإن النسخ بيان انتهاء مدة الحكم.
سلمنا: أنه رفع لكنها لا ترفع أصلها الذي دل على وجوب العمل بها، بل ترفع مقتضى غير أصله وهو ما لا يتضمن إيجاب العمل بها.
وثانيها: أنها ترفع نفس أصلها وهو القرآن، بل حكمه وحكمه ليس أصلاً لها.
وثالثها: المعارضة بوجه آخر، وهي: ما ذكرتم يقتضى جواز النسخ بالسنة، فإن الرسول إذا شافهنا بأن حكم هذه الآية منسوخ، فإنه إن لم يقبل قدح ذلك في دلالة تلك الآيات على وجوب متابعته.
وإن قيل: لزم تجويز النسخ بها.
стр. 2155
المسألة الثالثة
[في نسخ السنة المتواترة بالكتاب]
يجوز نسخ السنة المتواترة بالكتاب عند جماهير الفقهاء والمتكلمين وهو واقع. وهو أحد قولي الشافعي ﵁.
ونقل عنه قول آخر أنه لا يجوز.
احتج الجماهير على جوازه أولاً.
ثم على وقوعه ثانيًا.
أما على الجواز فلما تقدم في المسألة السالفة، بل هنا أولى إذ ليس فيه اتهام ولا نفرة.
وأما على الوقوع فبوجوه:
стр. 2156
أحدها: أن تحريم المباشرة/ (٣٧١/ ب) في ليالي الصيام كان ثابتًا بالسنة إذ لا يوجد في القرآن ما يدل عليه، ثم أنه نسخ بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾.
وثانيها: أن التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة كان واجبًا بالسنة إذ ليس في القرآن ما يدل على وجوب التوجه إليه على سبيل "الخصوص".
ثم أنه نسخ بالقرآن، وهو قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾.
وثالثها: أنه نسخ صلح الرسول مع المشركين عام الحديبية على رد من جاءه منهم مسلمًا بقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ وكان ذلك الصلح ثابتًا بالسنة إذ ليس في القرآن ما يدل على شرعيته.
ورابعها: أنه نسخ وجوب صوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان الثابت
стр. 2157
بالقرآن قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
وليس في القرآن ما يدل على وجوب صوم عاشوراء، فكان "ثابتًا" بالسنة.
وخامسها: أن تأخير الصلاة عن وقتها بعذر القتال كان جائزًا في أول الأمر. ولهذا أخر الظهر والعصر في يوم الخندق عن وقتهما وقال في قتلاهم "حشى الله قبورهم نارًا" لحبسهم له عن الصلاة.
وهو ثابت بالسنة إذ ليس في القرآن ما يدل عليه، ثم نسخ بقوله: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركبانًا﴾ أو بقوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ الآية.
стр. 2158
فإن قلت: لعل هذه الأحكام كانت ثابتة بقرآن نسخ تلاوته، أو وإن ثبت بالسنة، لكن لعلها نسخت أيضًا بالسنة، لكنها لم تنقل، إما لدلالة القرآن على هذه الأحكام، أو لحصول الإجماع عليها.
قلت: الأصل عدم ذلك لا سيما مع عدم الوجود بعد التفتيش والبحث التام، فإن دواعي الخصوم متوفرة على الطلب والبحث عن ذلك، لدفعهم حجاج خصومهم عليهم ولا مانع لهم عنه، فوجب حصول التفتيش والطلب، والمسألة اجتهادية فيكفينا فيها التمسك بالأصل، وكيف لا وفتح هذا الباب يقتضى أن لا يتعين ناسخ ولا منسوخ، لاحتمال أن يقال: في كل ناسخ يعين أنه ليس بناسخ، بل غيره وفي كل منسوخ يعين ذلك، وفي عدم تعين المنسوخ نظر.
فإن قلت: إنه غير لازم، لأنا إنما نحيل النسخ هنا إلى غيره لقيام الدليل على أنه لا يجوز أن يكون ناسخًا وأنه لا يجوز أن يكون منسوخًا به، وهذا غير حاصل في كل ناسخ ومنسوخ.
قلت: سنجيب عن تلك الأدلة فلا يكون ذلك مانعًا من إحالة النسخ إليه.
سلمنا: ذلك لكن لا يلزم من عدم الدليل على شيء عدم ذلك الشيء فيم يبقى هذا الاحتمال ثمة.
واحتجوا بوجوه:-
стр. 2159
أحدها: قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾.
ووجه الاستدلال به: وهو أنه تعالى جعل كلامه بيانًا للقرآن، فلو كان القرآن/ (٣٧١/ أ) ناسخًا له، فإما أن يكون بمعنى الإبطال وهو باطل لأن المبين "لا يكون" مبطلاً للمبين، وإما أن يكون بمعنى البيان، وهو أيضًا: باطل، لأن المبين يصير مبينًا للمبين فيلزم أن يكون كل واحد منهما بيانًا للآخر.
وجوابه: أن المراد من البيان التبليغ والإظهار دون بيان المراد "لأن في" الحمل على الأول: إجراء كلمة "ما" على العموم.
وأما في الحمل على الثاني: فليس كذلك، ضرورة أن كل ما نزل إليهم لا يحتاج إلى البيان، فحينئذ يلزم، إما الإجمال، أو التخصيص، وهما على خلاف الأصل. فما يستلزمه أيضًا كذلك، وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على أن القرآن لا ينسخ السنة.
سلمنا: أن المراد منه بيان المراد، لكن ما ينسخه القرآن من السنة ليس هو بيانًا لناسخه حتى يلزم ما ذكروه من المحذور بل يغيره، وحينئذ لا يلزم ذلك.
سلمنا: أن ما ينسخه القرآن من السنة فهو بيان له، لكن على تقدير أن يكون قوله: ﴿لتبين﴾، يدل على أن كلامه لا يكون إلا بيانًا. وهو ممنوع وهذا لأن قول القائل: بعثت إليك الكتاب لتبينه، لا يدل على أنه لا يصدر
стр. 2160
منه إلا البيان.
وثانيها: أن تجويز نسخ السنة بالقرآن يوهم عدم رضا الله بما سنه الرسول ﵇ وهو مناقض لمقصود البعثة، فموهمه أيضًا باطل.
وجوابه: لأن الإيهام إنما يلزم أن لو كان النسخ عبارة: عن الرفع وهو ممنوع، أما إذا كان عبارة عن: بيان انتهاء المدة فلا.
سلمنا: لزومه مطلقًا، لكنه زائل بما أنه لا ينطق عن الهوى ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ ولأن هذا الإيهام حاصل في تجويز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، مع أنه جائز بالاتفاق.
وثالثها: أن السنة ليست "من" جنس القرآن، لكونه معجزًا، ومتلوًا، ومحرمة تلاوته على الجنب والحائض.
стр. 2161
وكونه لا يمسه إلا المطهرون، وكونه يتوقف على قراءته صحة الصلاة، لم يجز نسخها به كما لا يجوز نسخها بالقياس، وكما لا ينسخ حكم العقل بالقرآن والسنة.
وجوابه: أن نسخ السنة بالقياس، إنما امتنع للضعف، لا لاختلاف الجنس وحكم العقل زال بهما، وإنما لا يسمى ذلك نسخًا، لأنه ما كان "ثابتًا" بطريق شرعي وهو معتبر في النسخ على ما تقدم في تفريعه، وهو آيل إلى أنه لا يسمى نسخًا بحسب الاصطلاح وإن سمي به لغة.
стр. 2162
.......................................................................
стр. 2163
...........................................................................
стр. 2164
المسألة الرابعة
في أن الحكم الثابت بالإجماع لا ينسخ به ولا بغيره ، والحكم الثابت بغير الإجماع وبه لا ينسخ به أيضًا: ولتعلم أن الإجماع لا ينعقد دليلا إلا بعد وفاة الرسول، لأنه لو انعقد دليلاً في حياته ﵇ فمن الظاهر أنه لا ينعقد بدون قوله: لأنه ﵇ سيد المجتهدين والعلماء/ (٣٧١/ ب) فكيف ينعقد الإجماع بدون قوله ولا مع قوله "لأن قوله ﵇" وحده حجة ولا عبرة بقول الغير في ذلك ويعتبر في حجية الإجماع اجتماع الأقوال مع وجود أهل القول وفاقًا، فحجية قوله، وإن كان مع غيره من الأقوال على خلاف حجية الإجماع، ولأن منكر حكم الرسول الثابت بطريق القطع كافر وفاقًا، ومنكر حكم الإجماع ليس بكافر فليس حجية قوله مع غيره من الأقوال بطريق الإجماع بل حجيته إذ ذاك بحجيته وحده إذا عرفت
стр. 2165
هذا فنقول: لو انتسخ الحكم الثابت بالإجماع فإما أن ينسخ بالنص: وهو باطل، لأن ذلك النص، إما أن يقال: إنه كان حاصلاً قبل حصول الإجماع، أو حصل بعده. والأول: باطل.
أما أولاً: فلأن شرط الناسخ أن يكون متراخيًا في الورود على ما عرفت ذلك، فالمتقدم في الورود يستحيل أن يكون ناسخًا.
وأما ثانيًا: فلأن ذلك الإجماع، حينئذ يكون على خلاف النص ضرورة أن المنسوخ مناف للناسخ، وهو خطأ ممتنع الصدور من أهل الإجماع.
والثاني: أيضًا باطل، إذ يستحيل ورود النص بعد وفاة الرسول ﵇. أو بالإجماع: وهو أيضًا: باطل، لأن ذلك الإجماع.
إما أن لا يكون عن دليل، أو يكون عن دليل. والأول: باطل، لأن القول أو الاعتقاد بغير دليل باطل، فكان الإجماع باطلاً ممتنع الصدور من أهل الإجماع.
ولقائل أن يقول: من يجوز صدور الإجماع عن تبخيت اندفع هذا عنه ويلزمه أن يجوز نسخ الإجماع بالإجماع، لأنه يجوز أن يحصل الإجماع الأول عن تبخيت ويصادف ما هو حكم الله تعالى على المكلفين في ذلك الزمان عن تبخيت ناسخ لحكم الإجماع الأول، وهذا الاحتمال أظهر لو قيل معه أنه ليس لله تعالى في كل واقعة حكم معين، بل هو ما ذهب إليه المجتهد.
стр. 2166
إما بالتوفيق، أو بالتوقيف "وفيه نظر أن إختلاف حكم الله تعالى بحسب زمانيين بعد انقطاع الوحي يقتضي تكليف ما لا يطاق".
والثاني: أيضًا باطل، لأن ذلك الدليل يستحيل حدوثه إذ ذاك نصًا كان، أو قياسًا.
وأما القياس: فلأنه يستدعى أصلاً ثابتًا بالنص الحاصل من قبل، لاستحالة حدوث الأقيسة، وحدوث النص، وإذا استحال حدوث ذلك الدليل كان موجودًا من قبل، وهو أيضًا: باطل لما تقدم.
فإن قلت: أليس أن الأمة إذا إختلفت في مسألة على قولين:
فقد جوزت للعامي الأخذ بأيهما شاء، فإذا اتفقت بعد ذلك على أحد القولين، أو اتفق/ (٣٧١/ أ) أهل العصر الثاني: على أحد القولين، فقد منعت العامي من ذلك، وأوجبت عليه الأخذ بأحد القولين عينًا، وهو نسخ الإجماع بالإجماع. وهذا مستند المخالف في هذه المسألة إذ نقل فيه خلاف بعض الناس.
قلت: من منع من حصول هذا الإجماع فقد سقط عنه هذا السؤال، ومن جوز، فيقول: لا نسلم أنه نسخ، بل هو زوال حكم لزوال شرطه، فإن جواز الأخذ بكلا القولين على البدلية مشروط عنده بعدم حصول الإجماع على أحد
стр. 2167
القولين، فإذا حصل ذلك فقد زال شرطه، وزوال الحكم لزوال شرطه ليس هو من النسخ في شيء على ما عرف ذلك والاستدلال على عدم شرطيته بما سيأتي في الإجماع إن شاء الله تعالى، خروج عن المسألة وانتقال عنها إلى غيرها، وهو غير مسموع عند أهل النظر.
أو بالقياس، وهو أيضًا: باطل.
أما أولاً: فلما سبق.
وأما ثانيًا: فلأن شرط العمل بالقياس أن لا يكون مخالفًا للإجماع، فإذا حصل الإجماع على خلافه فقد زال شرط صحة العمل به، فلم يكن القياس صحيحًا فلم يجز النسخ به، وهذا الوجه آت أيضًا في أنه لا يجوز أن يكون القياس دليل الإجماع الثاني الناسخ للإجماع الأول، وإن "لم" يذكره ثمة هذا كله في أنه لا يجوز نسخ الحكم الثابت بالإجماع.
وأما أنه لا يجوز نسخ الحكم الثابت بالإجماع وتغير الإجماع به، فلأن ذلك الحكم، إما أن يكون ثابتًا بالنص، أو بالإجماع، أو بالقياس.
فإن كان الأول: فالإجماع الناسخ له إما أن يكون عن دليل، أو لا عن دليل.
فإن كان عن دليل، فذلك الدليل: إما أن يكون نصًا، أو قياسًا، إذ لا يتصور أن يكون إجماعًا، لأن الإجماع لا يكون دليلاً على الإجماع، ولو كان: كان الكلام فيه كالكلام في الإجماع الذي هو مدلوله الناسخ للحكم.
فإن كان نصًا: كان الناسخ لذلك الحكم النص لا الإجماع.
стр. 2168
وإن كان قياسًا: كان القياس ناسخًا لحكم النص بالحقيقة.
وهو باطل إذ شرط القياس أن لا يرده النص [فإذا كان منافيًا لحكم النص كان مردودًا، وإن كان] لا عن دليل فيكون خطأ، وإن جوز صدوره عن تبخيت إذ الحق متعين هنا وهو مدلول النص فلا يمكن تصويب ما وقع على خلافه.
وإن كان الثاني: وهو أن ذلك الحكم ثابت بالإجماع فهاهنا أيضًا لا يجوز أن يكون الإجماع ناسخًا له لوجين:
أحدهما: ما سبق.
وثانيهما: أن الإجماع الثاني: لو رفع حكم الإجماع الأول: فلا يرفعه من أصله إذ ليس ذلك مقتضى الناسخ، بل وقت حصوله، وعند ذلك نقول الإجماع الأول لا يخلو إما أن يفيد الحكم إلى تلك الغاية فقط، أو يفيد مطلقًا.
فإن كان الأول: لم يكن الإجماع الثاني ناسخًا له، لأن انتهاء/ (٣٧٢/ ب) الحكم إلى غايته المعلومة ليس بنسخ.
وإن كان الثاني: كان أحدهما خطأ، وحينئذ لا يتحقق النسخ.
وإن كان الثالث: فهو أن يكون ذلك الحكم ثابتًا بالقياس، فها هنا أيضًا:
стр. 2169
لا يجوز أن يكون الإجماع ناسخًا له، وتقريره من حيث الإجمال، والتفضيل، أما الأول: فلأن المسألة لا تتصور إلا إذا اقتضى القياس حكمًا ثم يحصل الإجماع بعده، على خلاف ذلك الحكم فيزول وحكم القياس وهو ليس من النسخ في شيء، لأن شرط صحة العمل بالقياس، أن لا يحصل الإجماع، فإذا حصل الإجماع على الحكم فقد زال شرط صحة العمل بالقياس، وزوال الحكم لزوال شرطه ليس بنسخ.
وأما من حيث التفصيل: فلأن ذلك الإجماع الناسخ له إن لم يكن عن دليل كان خطأ، وإن كان عن دليل، فإن كان نصًا فالناسخ لحكم القياس هو النص لا الإجماع، وإن كان قياسًا إذ لا يمكن أن يكون إجماعًا لما سبق، فإن كان عن قياس راحج كان الحكم الأول باطلاً إذ العمل بالدليل المرجوح مع وجود الدليل الراحج باطل، وحينئذ [لم] يتحقق الناسخ، وإن لم يكن القياس راجح سواء كان لمرجوح أو لمساوي، فحينئذ يكون الإجماع على خلاف ذلك الحكم باطلاً، أما إذا كان القياس مرجوح فظاهر، وأما إذا كان لمساوى فكذلك لأن مقتضاه التخيير أو التساقط، وعلى التقديرين الجزم بمقتضى أحد المتساويين باطل.
واحتج المخالف فيه: وهو عيسى بن ابان وبعض المعتزلة:
стр. 2170
فإنه نقل عنهم جواز النسخ بالإجماع بوجهين:
أحدهما: ما مضى بجوابه.
وثانيهما: أن الإجماع دليل شرعي لفظي فجاز النسخ به كغيره من الأدلة.
وجوابه: أنه إثبات لكونه ناسخًا بالقياس، وهو غير جائز، لأنه إذا لم يجز النسخ به على ما ستعرف ذلك، فلأن لا يجوز إثبات كون غيره ناسخًا به بالطريق الأولى.
سلمنا: التمسك به، لكن الفرق بينه وبين غيره من الأدلة قائم، وهو أن النسخ به يستلزم ما ذكرنا من المفاسد بخلاف غيره من الأدلة فإن ليس فيه ذلك.
стр. 2171
المسألة الخامسة
في نسخ حكم القياس ونسخ حكم غيره "به ".
أما الأول: فإما أن يكون ذلك في زمان الرسول ﵇، أو بعده.
فإن كان: في زمانه فيمكن نسخه مع نسخ أصله.
وينسخ أصله، وإن لم يتعرض لنسخه، لأنه إذا نسخ أصله بطلت علته المبنى عليها الحكم.
ونقل فيه خلاف الحنيفة إذ جوزوا صوم رمضان بنية من النهار، قياسًا
стр. 2172
على ما ثبت من صحة صوم عاشوراء، بنية من النهار حين/ (٣٧٣/ أ) كان واجبًا مع زوال حكمه بالنسخ، وبقاء الفرع على حاله، لكن لا يكون هذا النسخ إلا بالنص لأن حكم النص لا ينسخ بالقياس.
وأما نسخ القياس بالإجماع فغير متصور لأنه لا يحصل في زمانه ﵇.
وهل يمكن نسخه بدون نسخ أصله، فهذا ينبغي أن يكون محل الخلاف فجوزه الجماهير. وأباه بعضهم: كالقاضي عبد الجبار.
وأما المجوزون فقالوا: يجوز نسخه بالنص. بأن ينص في ذلك الفرع بأن الحكم فيه كذا على خلاف مقتضى القياس، وبالقياس بأن ينص على حكم آخر ضد حكم أصل ذلك القياس، والأمارة الدالة "على" علته المشترك بين هذا الأصل وبين الفرع، راجحه على الأمارة الدالة على علته المشتركة بين [المستنبط من حكم] الأصل الأول وبين الفرع.
وأما المانعون منه فقالوا: العلة المستنبطة من حكم الأصل كالفحوى بالنسبة إلى الأصل، فكما لا يجوز نسخ الفحوى بدون الأصل فكذا لا يجوز نسخ العلة بدونه.
стр. 2173
وجوابه: منع أن تكون لعلة الفحوى، وهذا لأن نسخ الفحوى مع بقاء حكم الأصل مناقض للغرض، وليس نسخ العلة مع بقاء حكم الأصل كذلك.
سلمناه: لكن لا نسلم أن ذلك لا يجوز.
هذا كله في نسخ حكم القياس في حال حياة الرسول ﵇.
فأما بعده فلا يتصور نسخه، لأنه لو نسخ، فأما أن ينسخ بالنص، وهو باطل، لأنه لو نسخ به، فأما أن يكون بنص حادث بعد وفاة الرسول، وهو باطل لاستحالة ورود النص بعد وفاة الرسول، أو بنص كان موجودًا من قبل، لكن لمجتهد المستنبط لعلة القياس ما كان يعلمه، مع إستقصاء البحث والتفتيش عنه حين أثبت الحكم بالقياس. ثم وجده، وهو أيضًا: باطل. لأنه تبين إذ ذاك أن حكم القياس مرتفع من أصله، وكان باطلاً وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ، ولا في المعنى، سواء قيل: أن كل مجتهد مصيب، أو لم يقل بذلك.
وكلام أبي الحسين البصري مشعر بالفرق، لأن معنى النسخ، إما رفع
стр. 2174
لحكم، أو بيان انتهائه، وعلى التقديرين، إنما يبطل الحكم فيه من حينه لا من أصله، فما تبين أنه كان باطلاً من أصله لا يكون نسخًا في المعنى أيضًا: ولو سمى إنسان زوال التعبد عن الحكم كيف ما كان نسخًا، فهذا حينئذ يكون نسخًا خلاف المصطلح عليه لفظًا ومعنى، أو ينسخ بالإجماع، وهو أيضًا باطل لما تقدم "إن الإجماع لا يكون ناسخًا، أو بقياس وهو أيضًا باطل". لأن الكلام فيه على "النسق" الذي مضى على النص/ (٣٧٣/ ب).
وأما الثاني: وهو نسخ حكم "غير" القياس به فقد اختلفوا فيه.
فمنهم: من جوزه مطلقًا.
ومنهم: من منع مطلقًا.
ومنهم: من فرق بين الجلي وغيره، فجوز بالجلي، دون غيره. وهو قول أبي القاسم الأنماطي.
стр. 2175
وهذا الخلاف أيضًا: ينبغي أن يكون في حال الرسول ﵇ لما سبق، من أنه لا يمكن نسخ حكم القياس بالقياس، بعد وفاته ﵇ وبالنسبة إلى حكم ثابت بالقياس، إذ الثابت بالنص لا ينسخ بالقياس الظني.
فأما بالقياس القطعي سواء نص على عليته، أو لم ينص كقياس الأمة على العبد في تقويم نصيب الشريك على الشريك المعتق، فإنه يجوز لأنه في معنى النص على الحكم.
وأما الثابت بالإجماع، فلا يمكن نسخه به لما تقدم من أن الإجماع لا ينسخ كما لا ينسخ.
واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن آية التخفيف وهي قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية نسخت آية التشديد، وهي قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ وليس نسخها إياها بصراحة اللفظ بل بالتنبيه، وهو نسخ بالقياس.
следующие страницы →