Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
المسألة الخامسة
في نسخ حكم القياس ونسخ حكم غيره "به ".
أما الأول: فإما أن يكون ذلك في زمان الرسول ﵇، أو بعده.
فإن كان: في زمانه فيمكن نسخه مع نسخ أصله.
وينسخ أصله، وإن لم يتعرض لنسخه، لأنه إذا نسخ أصله بطلت علته المبنى عليها الحكم.
ونقل فيه خلاف الحنيفة إذ جوزوا صوم رمضان بنية من النهار، قياسًا
стр. 2172
على ما ثبت من صحة صوم عاشوراء، بنية من النهار حين/ (٣٧٣/ أ) كان واجبًا مع زوال حكمه بالنسخ، وبقاء الفرع على حاله، لكن لا يكون هذا النسخ إلا بالنص لأن حكم النص لا ينسخ بالقياس.
وأما نسخ القياس بالإجماع فغير متصور لأنه لا يحصل في زمانه ﵇.
وهل يمكن نسخه بدون نسخ أصله، فهذا ينبغي أن يكون محل الخلاف فجوزه الجماهير. وأباه بعضهم: كالقاضي عبد الجبار.
وأما المجوزون فقالوا: يجوز نسخه بالنص. بأن ينص في ذلك الفرع بأن الحكم فيه كذا على خلاف مقتضى القياس، وبالقياس بأن ينص على حكم آخر ضد حكم أصل ذلك القياس، والأمارة الدالة "على" علته المشترك بين هذا الأصل وبين الفرع، راجحه على الأمارة الدالة على علته المشتركة بين [المستنبط من حكم] الأصل الأول وبين الفرع.
وأما المانعون منه فقالوا: العلة المستنبطة من حكم الأصل كالفحوى بالنسبة إلى الأصل، فكما لا يجوز نسخ الفحوى بدون الأصل فكذا لا يجوز نسخ العلة بدونه.
стр. 2173
وجوابه: منع أن تكون لعلة الفحوى، وهذا لأن نسخ الفحوى مع بقاء حكم الأصل مناقض للغرض، وليس نسخ العلة مع بقاء حكم الأصل كذلك.
سلمناه: لكن لا نسلم أن ذلك لا يجوز.
هذا كله في نسخ حكم القياس في حال حياة الرسول ﵇.
فأما بعده فلا يتصور نسخه، لأنه لو نسخ، فأما أن ينسخ بالنص، وهو باطل، لأنه لو نسخ به، فأما أن يكون بنص حادث بعد وفاة الرسول، وهو باطل لاستحالة ورود النص بعد وفاة الرسول، أو بنص كان موجودًا من قبل، لكن لمجتهد المستنبط لعلة القياس ما كان يعلمه، مع إستقصاء البحث والتفتيش عنه حين أثبت الحكم بالقياس. ثم وجده، وهو أيضًا: باطل. لأنه تبين إذ ذاك أن حكم القياس مرتفع من أصله، وكان باطلاً وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ، ولا في المعنى، سواء قيل: أن كل مجتهد مصيب، أو لم يقل بذلك.
وكلام أبي الحسين البصري مشعر بالفرق، لأن معنى النسخ، إما رفع
стр. 2174
لحكم، أو بيان انتهائه، وعلى التقديرين، إنما يبطل الحكم فيه من حينه لا من أصله، فما تبين أنه كان باطلاً من أصله لا يكون نسخًا في المعنى أيضًا: ولو سمى إنسان زوال التعبد عن الحكم كيف ما كان نسخًا، فهذا حينئذ يكون نسخًا خلاف المصطلح عليه لفظًا ومعنى، أو ينسخ بالإجماع، وهو أيضًا باطل لما تقدم "إن الإجماع لا يكون ناسخًا، أو بقياس وهو أيضًا باطل". لأن الكلام فيه على "النسق" الذي مضى على النص/ (٣٧٣/ ب).
وأما الثاني: وهو نسخ حكم "غير" القياس به فقد اختلفوا فيه.
فمنهم: من جوزه مطلقًا.
ومنهم: من منع مطلقًا.
ومنهم: من فرق بين الجلي وغيره، فجوز بالجلي، دون غيره. وهو قول أبي القاسم الأنماطي.
стр. 2175
وهذا الخلاف أيضًا: ينبغي أن يكون في حال الرسول ﵇ لما سبق، من أنه لا يمكن نسخ حكم القياس بالقياس، بعد وفاته ﵇ وبالنسبة إلى حكم ثابت بالقياس، إذ الثابت بالنص لا ينسخ بالقياس الظني.
فأما بالقياس القطعي سواء نص على عليته، أو لم ينص كقياس الأمة على العبد في تقويم نصيب الشريك على الشريك المعتق، فإنه يجوز لأنه في معنى النص على الحكم.
وأما الثابت بالإجماع، فلا يمكن نسخه به لما تقدم من أن الإجماع لا ينسخ كما لا ينسخ.
واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن آية التخفيف وهي قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية نسخت آية التشديد، وهي قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ وليس نسخها إياها بصراحة اللفظ بل بالتنبيه، وهو نسخ بالقياس.
стр. 2176
وجوابه: أنه إن أراد بالتنبيه التنبيه على علة القياس، أو القياس إذ يجوز أن يكون القياس منبهًا عليه بدون علته، ثم تستخرج علته بالنظر فممنوع.
وإن أراد ما هو أعم منه بحيث يتناول المفهوم وغيره فمسلم، لكنه ليس نسخًا بالقياس، بل بمفهوم اللفظ.
وثانيهما: القياس على التخصيص والجامع كون كل منهما بيانًا.
وجوابه: الفرق بينهما وقد تقدم ذكره.
سلمنا صحته لكنه منقوض بالإجماع وخبر الواحد، ودليل العقل.
стр. 2177
المسألة السادسة
في نسخ المفهوم والنسخ به
أما مفهوم الموافقة: فقد اتفق الكل على أنه يجوز به نسخ كل ما يجوز نسخه لأن دلالته إن كانت لفظية فظاهر، وإن كانت معنوية فكذلك، لأنها قطعية غير قابلة للتأويل فهي كدلالة النص.
فأما نسخه مع نسخ الأصل فهذا أيضًا مما لا نزاع فيه وهو ظاهر.
وأما نسخ الأصل بدون الفحوى، أو نسخ الفحوى بدون الأصل فقد اختلفوا فيه: فذهب أصحابنا، والمعتزلة: إلى أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفخوى.
ونقل فيه خلاف الحنفية: وهو غير بعيد "بل هو متجه" لأن المقتضى لثبوته قائم، وهو المقتضى لثبوت حكم الأصل، والناسخ الرافع للأصل غير رافع له حتمًا، لجواز أن يكون مقتصرًا على رفعه فقط. ولهذا يجوز أن يصرح بنفي تحريم التأفيف مع التصريح بتحريم الضرب/ (٣٧٤/ أ) وإذا كان كذلك وجب أن لا يفيد نسخ الأصل نسخ الفحوى.
стр. 2178
وهذا الدليل وإن كان لازمًا على الكل، لكن على من يقول من اصحابنا، كالإمام وغيره: إن نسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز ألزم.
وعلى هذا "بنو أن نسخ" قوله ﵇: "من قتل عبده قتلناه" لا قتضى نسخ مفهومه، وهو أنه يقتل بقتل عبد غيره بالطريق الأولى.
стр. 2179
احتج الجماهير: بأن الفحوى تبع الأصل، فإذا زال المتبوع زال التبع.
وجوابه: أنه تابع له في الثبوت في مثل هذا الخطاب لا مطلقًا ولهذا يعقل ثبوت حكم الفحوى بدون حكم الأصل، وفي مثل هذا التابع لا نسلم أن زوال المتبوع يوجب زوال التابع.
سلمناه: لكنه منقوض بالجواز إذا نسخ الوجوب.
فأما نسخ الفحوى بدون الأصل فغير جائز عند أبي الحسين البصري وهو مختار الأكثر.
وتردد فيه القاضي عبد الجبار، فعلى هذا نسخ الفحوى يستلزم نسخ
стр. 2180
الأصل عند أبي الحسين، ولا يستلزم عند القاضي على رأي.
احتج أبو الحسين: بأن نسخ الفحوى مع بقاء الأصل مناقض للغرض، ألا ترى أنه إذا حرم التأفيف إعظامًا للأبوين كانت إباحة ضربهما نقضًا للغرض.
واحتج القاضي: بأن الفحوى، إما تابع، أو غير تابع، بل تحريمه وتحريم الأصل نازل منزلة تحريم شيئين.
فإن كان الأول: وجب أن لا يكون رفعه رفع حكم الأصل، لأن رفع [حكم] التابع لا يستلزم رفع المتبوع.
وإن كان الثاني: لم يكن نسخ تحريمه مستلزمًا لنسخ تحريم الأصل أيضًا: كما في كل شيئين إذا حرما معًا.
وجوابه: أن المتبوع إذا كان ملازمًا للتابع، فلا نسلم أن رفعه لا يستلزم رفع المتبوع.
وأما مفهوم المخالفة: فيجوز نسخه مع نسخ الأصل، وبدونه "هو" ظاهر إذ لا يصير نقضًا على الغرض، كما في مفهوم الموافقة.
وهو كقوله ﵇: "الماء من الماء"، نسخ مفهومه بقوله ﵇:
стр. 2181
"إذا التقى الختانان وجب الغسل" وبقى أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال.
فأما نسخ الأصل بدونه فيحتمل أن لا يجوز، ويحتمل أن يجوز، ولا يخفى مأخذهما مما سبق، وإن كان الأظهر هو الاحتمال الأول: لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القيد المذكور فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى عليه.
فعلى هذا نسخ الأصل نسخ للمفهوم، وليس المعنى منه أن يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيًا ويرجع إلى ما كان/ (٣٧٤/ ب) عليه من قبل.
стр. 2182
"الفصل الثالث"
فيما اختلف فيه أنه ناسخ وليس هو بناسخ
وفيه مسائل:
стр. 2183
" الفصل الثالث"
فيما اختلف فيه أنه ناسخ وليس "هو" بناسخ
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا ؟
فنقول: اتفق الكل على أن زيادة عبادة مستقلة سواء كان من جنس المزيد عليه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، أو لم يكن من جنسه كزيادة عبادة ليس من جنس الأركان الخمسة، ليس نسخًا للمزيد عليه.
وإنما جعل بعض أهل العراق زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخًا لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ دون الصلوات الخمس "لأنها" تجعل الوسطى غير الوسطى.
وهو ضعيف، لأنه يلزمهم أن يقولوا: بنسخ الصلوات الخمس إذا زيدت صلاة سادسة في آخرها، لأنه يجعل الأخيرة غير الأخيرة. ويجعل عددها
стр. 2184
ستة ويخرجها عن كونها خمسًا فقط وتخرجها عن أن يكون لها وسط.
وقد زيف بوجه [آخر] وهو: أن كون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بشرعي والنسخ إنما يتطرق إلى الحكم الشرعي لا غير.
وفيه نظر.
لأن الحكم العقلي يصير شرعيًا إذا ورد الشرع به وقرره عليه، فحينئذ يكون نسخًا للحكم الشرعي.
وأيضًا: كون صلاة منها بعينها وسطى ليس أمرًا حقيقًا لا يختلف، بل كون صلاة منها أي صلاة كانت وسطى أمر حقيقي.
واختلفوا في الزيادة التي لا تكون كذلك. كزيادة الركعة في صلاة واحدة وكزيادة التغريب على الجلد في حد الزنا، وكزيادة صفة الإيمان في مطلق الرقبة الواجبة في الكفارة.
стр. 2185
فذهب الشافعي، وأصحابه والحنابلة، وجماعة من المعتزلة، كأبي علي، وأبي هاشم: إلى أنه لا يكون نسخًا.
وذهبت الحنفية إلى أنها تكون نسخًا.
ومنهم: من فصل وذكروا فيه وجوهًا:-
أحدها: أن الزيادة إن كانت تفيد خلاف ما أفاد النص بمفهوم المخالفة كمفهوم الصفة، أو الشرط، أو الغاية، كانت الزيادة نسخًا وإلا فلا.
وثانيها: أن الزيادة إن كانت مغيرة للمزيد عليه تغييرًا شديدًا بحيث إن لو فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة كان وجوده، كعدمه ووجب استئنافه، فإنه يكون نسخًا، نحو زيادة ركعة على صلاة الصبح، أو الظهر، وإن لم تكن كذلك بل يقع معتدًا به ولا يجب استئنافه، وإنما يجب أن يضم إليه
стр. 2186
تلك الزيادة لم يكن نسخًا نحو زيادة التغريب على الجلد المذكور في الكتاب، ونحو زيادة عشرين جلدة عليه مثلاً، وهو قول القاضي عبد الجبار/ (٣٧٥/ أ) [قريب منه ما قاله الشيخ الغزالي ﵀].
"وثالثها": أن الزيادة إن كانت متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كانت نسخًا، نحو زيادة ركعتين على ركعتي الصبح وإلا فلا، نحو زيادة عشرين جلدة على حد القاذف "ونحو الشرط وزيادته"، وهو اختيار الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى.
ورابعها: أن الزيادة إن غيرت حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخًا، نحو زيادة عشرين جلدة على الجلد المذكور في حد الزنا، ونحو زيادة التغريب عليه، ونحو زيادة النية على الطهارة، وإن لم يغير حكمه نحو زيادة وجوب ستر الركبتين على ستر الفخذين، ونحو وجوب قطع رجل السارق
стр. 2187
بعد قطع يده لم يكن نسخًا، وهو قول الكرخي وأبو عبد الله البصري.
وخامسها: وهو طريقة أبي الحسين البصري، وهي أجودها وأحسنها فقال: النظر في هذه المسألة يتعلق بأمور ثلاثة:
أحدها: أن الزيادة على النص، هل يزيل أمرًا كان قبلها أم لا؟.
والحق أنها تزيل، لأن إثبات كل شيء لا أقل من أن يزيل عدمه السابق عليه، كيف وهي تزيل كون المزيد عليه وحده مجزئًا ومخرجًا عن عهدة التكليف وكونه كل الواجب.
وثانيها: أن الدلالة التي يحصل بسببها، هل يسمى نسخًا.
والحق أن الذي يزول بسبب هذه الزيادة، إن كان حكمًا شرعيًا، وكانت الزيادة، متراخية عنه كان ذلك الزوال نسخًا.
وإن كان حكمًا عقليًا لم يسمى نسخًا اصطلاحًا وإن سمى به لغة.
وثالثها: أنه هل يجوز الزيادة على النص بخبر الواحد والإجماع والقياس أم لا؟.
والحق أنه يجوز حيث يكون الزائل حكمًا عقليًا إلا [أن] يمنع منه مانع،
стр. 2188
نحو أن يقال: إن خبر الواحد لا يقبل فيما تعم به البلوى فحينئذ لا يقبل، لكن لا تعلق له بالمسألة إذ لا يقبل ذلك ابتداء أيضًا: عند من يقول به، وإن لم يكن الزائل حكمًا عقليًا بل شرعيًا، فلتنظر في دليل الزيادة، فإن كان مما لا يجوز نسخ الحكم الزائل به لم يقبل وإلا فقبل.
فإن قلت: فلو قيل فلينظر في دليل الزيادة، فإن كان مما لا يجوز نسخ المزيد عليه به لم يقبل وإلا فقبل.
فهل تقوم هذه العبارة مقام تلك العبارة، فإن ما يدل على المزيد [عليه] هو الدال بعينه على الحكم الزائد فوجب أن تقوم إحداهما مقام الأخرى.
قلت: فيه نظر.
لأنا نسلم أن دليلهما واحد، لكن يجوز أن تختلف دلالته عليهما بأن يدل على المزيد عليه بطريق المنطوق وعلى الحكم الزائل بطريق مفهوم المخالفة على رأي/ (٣٧٥/ ب) من يقول به، وخبر الواحد لو ورد في نسخ منطوق
стр. 2189
مقطوع المتن لم يقبل كما تقدم ولو ورد في نسخ ما يدل عليه بطريق مفهوم المخالفة وما يجري مجراه فإن الظاهر أنه يقبل إذ هو مظنون المتن أيضًا إذ لم يثبت بقاطع أنه حجة، وحينئذ يظهر أنه لا تقوم العبادة الثانية مقام العبادة الأولى، ولو ثبت أن كل ما نقل في نسخ الحكم الزائد يقبل في نسخ المزيد عليه، وما لا فلا لقامت إحدى العبارتين مقام الأخرى، لكن لم يثبت ذلك، لنا على الحقيقة على وجه الإجماع: هو أن نسخ عبارة عن إزالة الحكم الشرعي، وليس من ضرورة الزيادة أن يزيل حكمًا شرعيًا، بل قد لا يزيل إلا الحكم العقلي كما ستعرف ذلك في الفروع الآتية التي هي مبنية على هذا الأصل، وإذا كان كذلك، وجب أن لا يحكم عليها بأنها ناسخة على الإطلاق.
وأما على وجه التفصيل: فإنما يظهر ذلك بتعيين الكلام في كل واحد من الفروع التي هي مبنية [على هذا] الأصل.
ولنتكلم فيها وهي فروع:
الفرع الأول: قبل أصحابنا خبر الواحد في إيجاب التغريب على الزاني، ولم يقبله الحنفية زعمًا منهم أنه زيادة ناسخة لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز
قلنا: نسلم أنه زيادة عليه، لكن لا نسلم "أنها" ناسخ له.
وهذا لأن "إيجاب" مائة جلدة أعم من إيجابها مع التغريب، ومن
стр. 2190
إيجابها بدونه، والدال على القدر المشترك بين الصورتين، لا دلالة له على ما به يمتاز أحدهما عن الأخرى، فلا دلالة للنص الدال على إيجاب مائة جلدة على الزاني على نفي التغريب ولا على وجوده، فلا يكون إثباته بخبر الواحد: نسخًا له، ولأنه يصح أن يقال: أوجب الجلد مع التغريب، أو أوجب بدونه، فلو كان إيجاب الجلد دالاً على نفي التغريب لكان الأول نقضًا، والثاني تكرارًا.
وأيضًا: وجوب الجلد ماهية، ووجوب التغريب ماهية أخرى، ولا تعلق لأحديهما بالآخر، فاللفظ الدال على وجوب الجلد لو دل على نفي التغريب، فإما أن يدل بطريق الإشتراك، أو بطريق التجوز.
والأول: باطل، لأن الاشتراك خلاف الأصل.
سلمناه: لكن لم يقل أحد من الأمة أن قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ مشترك بين إيجاب الجلد وبين التغريب، فكان باطلاً.
سلمناه: لكنه قد أريد منه أحد المعنيين بالإجماع فلم يجز إرادة الآخر/ (٣٧٦/ أ) إذ المشترك لا يستعمل في المفهومين المختلفين، والخصم والبرهان يساعدان عليه.
والثاني: أيضًا باطل، لأن شرط التجوز حصول العلاقة والمناسبة ولا علاقة بينهما ولا مناسبة.
سلمناه: لكنه باطل لما سبق من أنه لا يستعمل اللفظ الواحد في المفهومين المختلفين.
стр. 2191
فإن قلت: أليس أن قبول خبر الواحد في إيجاب التغريب يقتضي رفع كون الجلد وحده مجزئًا، وهو حكم من أحكامه، وروفع كونه كل الحد ورفع كون الإمام لا يفسق أو لا يأثم بتركه، ورفع كونه بحيث يجب الاقتصار عليه، ورفع كون غيره ليس بواجب، ورفع كون الفاء للجر في قوله تعالى: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. إذ الجزاء: إما يكون كافيًا وكونه كافيًا يمنع من وجوب غيره.
قلت: لا نزاع في أنه رافع لما ذكرتم من الأحكام، لكنها أحكام عقلية وتابعة للحكم العقلي، فإن كون غيره ليس بواجب حكم عقلي لا يرتاب العاقل منه، وكونه وحده مجزئًا وكمال الحد، وكون الإمام لا يأثم بتركه وكونه بحيث يجب الاقتصار عليه فكلها أحكام تابعة للحكم العقلي، وإزالة الحكم العقلي ليس نسخًا، فيجوز قبول خبر الواحد فيه، كما يجوز قبوله وفاقًا في إثبات عبادة مستقلة مع أنه يزيل كون العبادات الواجبة قبلها كل الواجبات، وكون غيرها ليس بواجب، وكون المكلف ما كان يأثم بترك غيرها ولا كان يرد شهادته وروايته بترك "غيرها".
وأما كون "الفاء" للجزاء فممنوع وهذا لأنها حقيقة في التعقيب وفاقًا، فلو كانت حقيقة في الجزاء أيضًا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل، ولو استعمل فيه باعتبار التعقيب وهو الصحيح من حيث إن الجزاء يوجد عقيب الشرط لم يكن
стр. 2192
لها دلالة على خصوصية الجزاء فليس لكون الفاء للجزاء معنى.
سلمنا: ذلك، لكن لا نسلم أن الجزاء ما يكون كافيًا، وهذا لأنه يصح أن يقال: هذا كل الجزاء، وهذا بعض الجزاء ولو كان اسمًا، للكافي لكان الأول: تكرارًا، والثاني نقضًا.
سلمنا: ذلك لكن إنما يكون نسخًا لو ثبت أن ورود الخبر كان بعد حضور وقت العمل بالنص، فإن بتقدير أن يكون واردًا قبل حضور وقته كان ذلك دليلاً على أنه ما أريد منه حقيقته، ورفع حكم الدليل إنما يكون نسخًا بعد ثبوت حكمه واستقراره، فأما قبل ذلك فلا لاحتمال أن يقال: إنه ما أريد به ذلك الحكم واستعمل اللفظ على وجه التجوز ولم يبين إذ ذاك، فإن تأخير بيان المجاز والتخصيص إلى/ (٣٧٦/ ب) وقت الحاجة جائز والحمل على ذلك إذ ذاك [أولى] من حمله على النسخ، وإن كان محتملاً له على رأينا، لما تقدم من قبل أن احتمال الاشتراك خير من النسخ، واحتمال التجوز والتخصيص خير منه فيكون خيرًا من النسخ، وحينئذ لم لا يكن الخبر ناسخًا لمدلول القائل هو ذاك على أنه ما أريد به الجزاء الكافي.
سلمنا: ذلك لكن نحن إنما نقبل الخبر بتقدير أن لا يكون في النص ما يدل على نفي مدلوله، فلو ثبت أن فيه ذلك فلا يقبله، فإنا إنما لا نجعل الزيادة على النص نسخًا إذا لم ينف من مدلوله شيئًا، فعلى هذا نطلب له فرعًا آخر مطابقًا له.
стр. 2193
الفرع الثاني: إذا أوجب الشارع الزكاة في معلوفة الغنم لم يكن ذلك نسخًا لقوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة" عند من لم يقل بدليل الخطاب لأنه لم يرفع شيئًا من مدلوله، بل إنما يرفع شيئًا لم يتعرض له الخبر لا بنفي ولا إثبات، فيكون المرفوع حكمًا عقليًا، وليس هو من النسخ في شيء.
فأما من يقول به فإنه يكون نسخًا لو ثبت أن المفهوم مراد من الخطاب.
أما بتأخير البيان عن وقت الحاجة أو بدليل آخر، فأما قبله فلا لما سبق من أن رفع حكم الدليل إنما يكون نسخًا بعد ثبوت حكمه واستقراره فأما قبله فلا.
الفرع الثالث: اشتراط النية في الطهارة والغسل ليس نسخًا لنص الوضوء والغسل، لأن إيجاب غسل جميع البدن أعم من إيجاب غسله مع إيجاب النية أولاً مع إيجابها، والدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به الامتياز ولا دلالة للنص الدال على إيجابهما لا على عدم وجوب النية ولا على وجوبها فلا يكون النص المثبت لها نسخًا للنص الدال على وجوبهما مطلقًا.
стр. 2194
الفرع الرابع: تقييد الرقبة بالإيمان، ليس نسخًا للنص الدال على وجوبها مطلقًا حيث ورد كذلك لما سبق، بل هو تقييد للمطلق وحكمه حكم التخصيص.
فيجوز إثباته بخبر الواحد والقياس حيث لم يعلم أن المطلق على إطلاقه مرادًا، أما إذا علم ذلك بسبب تأخير البيان عن وقت الحاجة، أو بدليل آخر مقطوع المتن فلا.
الفرع الخامس: إذا أمر الله بقطع يد السارق، وإحدى رجليه على التعيين، فإباحة قطع رجله الأخرى إنما يرفع عدم إباحة قطعها الثابت بحكم العقل لا شيئًا من مقتضيات النص، فلا تكون إباحته/ (٣٧٧/ أ) نسخًا [له] فيجوز إثباته بخبر الواحد والقياس.
الفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى علينا شيئًا بعينه كغسل الرجلين، ثم أوجب علينا غيره بدلاً عنه على التخيير، كالمسح على الخفين أو أوجب علينا الحكم بشهادة شاهدين وشهادة شاهد واحد وامرأتين على التخيير، ثم أوجب
стр. 2195
علينا الحكم بشهادة شاهد واحد ويمين على التخيير، هل يكون ذلك نسخًا للنص الدال على الحكم الأول حتى لا يقبل فيه المظنون إذا كان هو مقطوعًا به.
اختلفوا فيه: والحق، أنه ليس بنسخ، لأنه لم يرفع ما دل عليه الإيجاب الأول: وهو ترتب العقاب على ترك ما أوجبه فإنه يعاقب على تركه إذ ذاك على بعض الوجوه.
وإنما يزول إذ ذاك ترتب العقاب على تركه عينًا وهو تابع لحكم عقلي، وترتب العقاب على تركه أعم من أن يكون على تركه عينًا أو لا يكون على تركه عينًا، بل على بعض الوجوه، والدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به الامتياز، وحيث يعلم ترتب العقاب على ترك الواجب بعينه، فإنما يعلم ذلك لأنه لم يجب غيره لا لدلالة الإيجاب عليه وهو حكم عقلي بارتفاع العقاب على تركه عبثًا تابع لارتفاع حكم عقلي وإيجاب شيء آخر إنما يرفع هذا الحكم العقلي لا غير فإذا ارتفع الأصل ارتفع ما هو تبع له فلم يكن يجاب شيء آخر بعد إيجابه نسخًا له، وعلى هذا الكلام فيما إذا كان الواجب شيئين على التخيير ثم أوجب شيء ثالث.
والعجب من الحنفية أنهم لم يقبلوا خبر الواحد في وجوب الحكم بالشاهد واليمين لزعمهم أنه نسخ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ مع أنه ليس فيه سوى زيادة التخيير التي لا يدل عليها النص لا بنفي ولا إثبات، وقبلوا خبر نبيذ التمر مع أنه
стр. 2196
رافع لوجوب التيمم عند فقد الماء الثابت بقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾.
فإن قلت: أن نبيذ التمر ماء فلم يكن الخبر واقعًا لوجوب التيمم عند فقد الماء.
قلت: لا يفهم نبيذ التمر من إطلاق الماء كان معرفًا أو منكرًا، ولو استدلوا عليه بما في الحديث من قوله "ثمرة طيبة وماء طهور" لزمهم التسوية بينه وبين غيره من المياه.
стр. 2197
ولو سلم أنه لا يلزمهم التسوية، لكنه حينئذ يكون رافعًا لإطلاق ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه وتقييد مدلول النص المطلق نسخ لذلك النص عندهم.
فإن/ (٣٧٧/ ب) قلت: أليس أن مفهوم قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين
стр. 2198
من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ يدل على أنه لا يجوز الحكم بغيرهما والخبر برفع هذا المفهوم فكان نسخًا له.
قلت: لا نسلم أنه يكون نسخًا له، وإنما يكون كذلك إن لو ثبت أن المفهوم مراد من الخطاب لما سبق من أن النسخ إنما يتطرق الخطاب بعد ثبوته واستقراره لكن ذلك ممنوع، ولو سلم ذلك لكنه نسخًا لمفهوم الخطاب لا للخطاب نفسه، لكن لا نسلم أن ذلك لا يجوز.
سلمنا: ذلك لكن لا يليق ذلك بمذهب من رد الخبر فإنه لا يقول بالمفهوم.
السابع: قال أبو الحسين البصري: زيادة ركعة على ركعتين ليست نسخًا لحكم الدليل الدال على وجوب ركعتين، لأنها لو كانت نسخًا لحكم من أحكامه فإما أن يكون نسخًا للركعتين، وهو باطل، لأن النسخ لا يتعلق بالأفعال ولأن الركعتين لم يرتفعا بزيادة الركعة، أو نسخًا لوجوبهما، وهو أيضًا باطل لأن وجوبهما لم يرتفع، بل هو ثابت لكن قبل الزيادة كان الثابت وجوبهما فقط، وبعد الزيادة وجوبهما مع وجوب الزائدة بالدليل بعد الزيادة، إنما هو الوجوب بوصف كونه واجبًا فقط وهو تابع لحكم عقلي، وهو عدم وجوب غيرهما أو نسخًا لإجزائهما، وهو أيضًا: باطل، لأنهما يجزيان لكن قبل الزيادة بانفرادهم، أو بعد الزيادة مع الركعة الأخرى فلم يرتفع إجزاؤها بالكلية، بل إنما ارتفع إجزاؤهما بدون الركعة الزائدة وذلك تابع
стр. 2199
لنفي وجوبها، أو يكون نسخًا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، وهو أيضًا، باطل لأن وجوبه عقيب الركعتين إنما كان لكون تمام الركعتين كان آخر الصلاة ووجوبه في آخر الصلاة باق غير مرتفع، وإنما ارتفع خصوصية وجوبه عقيب الركعتين، وذلك تابع لحكم عقلي، وهو عدم وجوب غيرهما هذا إذا زيدت قبل التشهد. فأما إذا زيدت بعد التشهد وقبل السلام فظاهر أنها ليست نسخًا، لوجوب التشهد في محله إذ هو باق على حالته، وإنما يكون الكلام في نسخ السلام، وهو على نمط ما تقدم فيما إذا زيدت قبل التشهد وإذا لم يكن نسخًا لحكم من أحكام دليله، لم يكن نسخًا له مطلقًا فيقبل فيه خبر الواحد أو القياس لو أمكن.
وكلام الإمام وغيره صريح في أنها تكون نسخًا لوجوب التشهد عقيب الركعتين إن كانت الزيادة/ (٣٧٨/ أ) [قبل التشهد أو لوجوب التسليم بعد التشهد إن كانت الزيادة] بعده واستدل عليه بأن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي وقد ارتفع ذلك بسبب الزيادة فيكون نسخًا.
وفيه نظر.
لأنه وإن كان حكمًا شرعيًا، لكنه تابع للحكم العقلي كما قررناه وهو لم يجعل رفع "مثل" هذا نسخًا في كثير من الفروع.
стр. 2200
فكيف جعله نسخًا هنا؟.
وإذا زاد الشارع إيجاب غسل عضو في الطهارة غير الأعضاء المعهودة.
فهل يكون ذلك نسخًا لحكم دليله؟
فمن قال في المسألة الأولى: لا يكون نسخًا فهاهنا أولى.
وأما من قال بذلك فيها.
فمنهم من قال به هنا أيضًا كالغزالي.
ومنهم من لم يقل بذلك كالقاضي عبد الجبار.
ووجه الفرق بينهما: من حيث الصورة ما تقدم عند بيان المذاهب، والكلام في الاحتجاج على نسق ما تقدم فلا حاجة إلى الإعادة.
الثامن: زيادة شرط في صحة العبادة، والمعاملة ليست نسخًا لوجوب تلك العبادة، ولا لشرعية تلك المعاملة لبقاء الوجوب والشرعية بعد الزيادة ولا لصحتهما، لأن صحتهما باقية لكن قبل الزيادة كانتا صحيحتين بدون الشرط، وبعدها لا يصحان بدونه، لكن ذلك تابع لنفي الحكم العقلي، وهو عدم وجوب ذلك الشرط المرتفع بوجوبه، وليس إزالة الحكم العقلي وتابعه نسخًا شرعيًا، فيجوز قبول خبر الواحد والقياس في ذلك، فلا يكون اعتبار الطهارة في الطواف في كونه معتدًا به نسخًا لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ حتى لا يقبل فيه قوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" مطلقًا
стр. 2201
أو فإن كان قبل لكن بالنسبة إلى وجوب الطهارة فيه فقط، لا بالنسبة إلى عدم الإجزاء بدونه، كما قبله أبو حنيفة ﵁.
التاسع: نحو قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ يفيد كون أول الليل غاية وطرفًا للصوم، وإن بعده على خلاف ما قبله، على ما تقرر أن مفهوم الغاية حجة فلو ورد خبر واحد أو قياس يقتضي "مد الصوم" إلى غيبوبة الشفق بعد تقرر أن المفهوم مراد من الخطاب لم يقبل، لأنه يرفع كون أول الليل طرفًا وغاية للصوم، وهو نسخ حقيقة، كما لا يقبل ذلك فيما إذا قال: صوموا صومًا آخره وغايته أول الليل، وهذا إنما يستقيم لو لم يجز نسخ مفهوم المقطوع بالمظنون، فإن دلالة "إلى" على أن ما بعدها مخالف لما قبلها إنما هي بطريق المفهوم لا بالوضع، وإن جعلت مشتركة بين دخول الغاية وعدم دخولها، فإن دلالتها على عدم دخولها غير/ (٣٧٨/ ب) دلالتها على عدم الحكم فيها، وغير مستلزمة لها، لأن الدلالة الأولى أعم من الثانية، والعام يستلزم الخاص.
وفيه نظر.
стр. 2202
كما تقدم، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين ما إذا قال: صم صومًا آخره الليل، فإن دلالة قوله: آخره الليل، على أن أول الليل غاية وطرفًا للصوم إنما هي بطريق المطابقة لا بطريق المفهوم.
والإمام جزم في هذا المكان أنه يكون نسخًا لا يقبل فيه خبر الواحد والقياس.
فلعله فرع على أن مفهوم الغاية حجة، وأن لا يجوز نسخ مفهوم المقطوع بالمظنون مع أن كلامه فيما تقدم صريح في أنه لم يثبت ذلك.
تنبيه:
اعلم أن إزالة الذي لا يدل عليه الخطاب بصراحته أو بمفهومه على رأي من يقول به إنما لا يجعله نسخًا، إذا لم يعلم ثبوت ذلك في دينه ﵇.
فأما إذا علم ذلك فإنه يكون نسخًا.
وإن لم يدل عليه الخطاب لا بصراحته ولا بمفهومه، فحينئذ لا يجوز قبول خبر الواحد والقياس في إزالته.
стр. 2203
المسألة الثانية
اتفقوا على أن إسقاط شيء من العبادة، أو شيء من شروطها، أو شيء من سننها ومستحباتها: "نسخ لما سقط " وكلام الشيخ الغزالي مشعر بالخلاف فيه أيضًا.
وإنما اختلفوا في أن إسقاط ما يتوقف عليه صحة العبادة هل يكون نسخًا للعبادة أم لا؟
فذهب الكرخي، وأبو الحسين البصري، وجماعة من المحققين: إلى أن ذلك لا يكون نسخًا للعبادة سواء كان المنسوخ جزءًا أو شرطًا.
ومنهم من قال: إنه يكون نسخًا.
стр. 2204
ومنهم من فصل بين الجزء، والشرط.
فقال: إسقاط الجزء نسخ للعبادة، وإسقاط الشرط ليس نسخًا: وهو مذهب القاضي عبد الجبار ووافقه الشيخ الغزالي في الجزء. وخالفه في الشرط من حيث إنه تردد فيه وهذا في الشرط المتصل كالتوجه إلى القبلة في الصلاة وترك الأفعال فيها.
فأما الشرط المنفصل من العبادة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فإيراد بعضهم كالإمام وغيره مشعر بأنه لا خلاف فيه.
وإطلاق البعض مشعر "بخلاف في الكل".
احتج الأولون: بأن الصلاة إذا كانت أربع ركعات فالمقتضى لها مقتضى للركعتين فخروج الركعتين عن أن تكون عبادة لا يقتضى خروج الركعتين الأخرتين عن أن تكون عبادة ولو اقتضى/ (٣٧٩/ أ) ذلك لوجوب أن لا يجب الإتيان بهما كما بالركعتين المنسوختين، لكن ذلك خلاف الإجماع، إذا أجمعت الأمة على أنه يجب الإتيان بالركعتين الباقيتين.
وبهذا ظهر أنه لا يلزم من القول بأن نسخ الوجوب نسخ للجواز
стр. 2205
القول بأن نسخ الركعتين نسخ للعبادة، فإن عند نسخ الوجوب لا يثبت القائل بنسخ الجواز بل يرد الأمر إلى ما كان قبل الإيجاب، وهذا ليس كذلك، بل يجب الإتيان بالركعتين الباقيتين وهو ظاهر غني عن التنبيه، وإنما نبهنا عليه لأن سياق دليلهما واحد فلا يظن أنه يلزم من القول بلزوم نسخ الجواز، القول بلزوم نسخ العبادة فيما نحن فيه.
ولقائل: أن يقول: إنا نسلم أن نسخ الركعتين لا يوجب نسخ الركعتين الباقيتين، لكن لم قلتم: إنه لا يوجب نسخ أصل العبادة، فإن نسخ أصل العبادة عندنا قد يكون بحيث لا يكون شيء منها مشروعًا، وقد يكون بحيث يبقى شيء منها مشروعًا، وإذا كان كذلك لا يكون بقاء وجوب الركعتين دليلاً على عدم نسخ أصل العبادة.
واحتجوا بوجهين: أحدهما: أن الشارع إذا أوجب أربع ركعات ثم نسخ منها وجوب ركعتين فقد نسخ وجوب أصل العبادة، ضرورة أن وجوب أربع ركعات لم يبق إذ ذاك، والركعتان اللتان حكم بوجوبهما بعد النسخ عبادة أخرى غير الأربع المفروضة أولاً، وليس أيضًا بعضًا من الأربع المفروضة أولاً، بدليل أنهما لو كانتا بعضًا منهما لكان من صلى الصبح أربعًا فقد أتى بالواجب وزيادة، كمن أمر بصوم النهار فصام النهار والليل، وبالإجماع ليس كذلك، فعلم أنهما ليس بعضًا من الأربع المفروضة أولاً.
стр. 2206
وجوابه: أن التصديق مسبوق بالتصور فما المعنى من قولك. إن نسخ بعض العبادة أو نسخ شرطها "لا تلك" العبادة.
فإن عنيتم به أن حكم تلك العبادة من الوجوب وغيره لا يبقى، بل يرتفع من حيث إنه كل فهذا صحيح لا ننازعكم فيه، ولا حاجة في إثبات هذا الاستدلال، بل ادعاء الضرورة كاف فيه، فإن الكل وحكمه من حيث إنه كل ينتفي بانتفاء الجزء ولو احتيج إليه لكن لا حاجة إلى ما ذكروه من أن الركعتين الباقيتين ليستا بعض الأربع، وإن عنيتم به أنه يرفع حكم تلك العبادة بالكلية، وأنه لا يبقى من حكمها شيء، فهذا باطل فإن وجوب الركعتين الباقيتين من حكم الأربع المفروضة أولاً، بدليل أنه لو/ (٣٧٩/ ب) كان غيره بمعنى أنه ينفك عنه ويمكن وجوده بدونه لا بمعنى: أن المفهوم منه غير المفهوم من وجوب الأربع، فإن البعض بهذا المعنى مغاير للكل لاحتاج ثبوت وجوبه إلى دليل آخر غير الخطاب الأول، وبالإجماع ليس كذلك.
وأما قوله: لو كانتا بعضًا منها لكان من صلى الصبح أربعًا لكان قد أتى بالواجب وغيره.
قلنا: إنما لم يصح ذلك، لأنه لم يأت بالتسليم المفروض عقيب الركعتين لا لأن الركعتين ليستا بعضًا من الأربع، ولهذا فإن من لم يوجب التسليم وإنما يوجب القعود بمقدار التشهد يصحح ذلك لو قعد عند تمام الركعتين مقدار التشهد ولم يصححه أيضًا إذا ترك ذلك، ولأن بقاؤهما بعد النسخ على الوجه الذي أوجب أولاً من ركعتين القراءة والأذكار والهيئات دليل على أنهما
стр. 2207
بعضًا منها.
وثانيهما: أن نسخ الركعتين من أربع ركعات يوجب رفع نفي إجزائها بدونهما، ويوجب رفع وجوب تأخير التشهد، وتوجب رفع وجوب ضم المنسوختين إلى الباقيتين، وتوجب رفع إجزائها معًا وكل هذا نسخ، فكان نسخًا لأصل العبادة.
وجوابه: من وجهين:
أحدهما: أن هذه الأحكام أحكام للركعتين الباقيتين، وهي مغايرة لهما فليس نسخها [نسخًا] لهما.
وثانيهما: وهو الجواب التفصيلي أن نفي أجزاء الركعتين بدون الركعتين إنما كان لوجوب الأربع، فلما زال وجوب مجموع الأربع زال ما هو تبع له فرفع نفي الإجزاء تبع لرفع الركعتين من الأربع، وهو الجواب بعينه عن قولهم: إنه يرفع وجوب تأخير التشهد، ويرفع وجوب ضم الركعتين المنسوختين إلى الباقيتين ويرفع إجزاء الباقيتين مع المنسوختين.
стр. 2208
المسألة الثالثة
في أن نسخ أصل القياس هو نسخ للفرع أم لا ؟
المشهور من أصحابنا أنه نسخ له.
والمشهور من الحنفية أنه ليس بنسخ له. وقد تقدم ذكره.
والذي نزيده هنا هو أن الحنفية قالوا: إن هذا نسخ بالقياس، إذ لم يرد ناسخ للفرع، وإنما أثبتم ذلك بالقياس على الأصل.
أجاب المثبتون: أن هذا ليس نسخًا بالقياس، إذ ليس يحتاج فيه إلى معنى جامع هو علة النسخ، ولو كان قياسًا لاحتيج إليه بل هو زوال الحكم عن
стр. 2209
الفرع لزوال أصله، فإن الحكم في الفرع مبني على العلة، والعلة فرع الحكم في الأصل، لأنها مستنبطة من الأصل بحسب الحكم، فإذا بطل الحكم في/ (٣٨٠/ أ) الأصل بطلت العلة، فإذا بطلت العلة زال الحكم المبني عليها.
وعند هذا ظهر أن هذا النزاع ليس نزاعًا في أنه نسخ حقيقة، فإن زوال الحكم لزوال علته ليس بنسخ، إذ لا يجعل زوال التحريم عن الخمر لزوال الإسكار عنها نسخًا. بل هو نزاع في أنه هل يزول الحكم عن الفرع إذ ذاك أم لا؟
قالت الحنفية: قولكم: إذا بطلت العلة بطل الحكم المبني عليها حتى إذا كان الحكم مفتقرًا إليها دوامًا أم مطلقًا.
فالأول: مسلم، والثاني ممنوع.
وهذا لأن الباقي غير مفتقر إلى العلة حالة البقاء عندنا وحينئذ لا نسلم أنه يلزم من زوال العلة زوال الحكم.
أجاب المثبتون: بأن زوال الحكم لزوال علته ثابت بالاستقراء في مسائل من غير نقض يوجد لذلك، وذلك يغلب على الظن أنه سبب لزوال الحكم ولو سلم وجود النقض، لكان أفراد الدائر أكثر وإلحاق الفرد بالأكثر أقوى.
стр. 2210
خاتمة: في طريقة معرفة الناسخ والمنسوخ:
اعلم أن التعارض: إذا وقع بين معلومين، أو مظنونين، أو بين معلوم ومظنون.
فإما أن يمكن الجمع بينهما: نحو الخاص مع العام، والمقيد مع المطلق، وقد تقدم الكلام في هذا النوع فيما سلف.
أو لا يمكن وحينئذ إما أن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر منهما لا بصراحة اللفظ ولا بغيره، أو يعلم ذلك.
فإن كان الأول: فحكمه العمل بالراجح إن ظهر الترجيح وستعرف طريقه إن شاء الله تعالى "وإلا فحكمه التوقف والتخيير على ما سيأتي ذلك في التراجيح إن شاء الله تعالى".
وإن كان الثاني: فالمتأخر ناسخ للمتقدم إن كانا متساويين في القوة والضعف، أو كان المتأخر أقوى من المتقدم، وعكسه غير متصور عند من لا يجوز نسخ المعلوم بالمظنون، ثم كونه متأخرًا وناسخًا يعلم تارة بصريح اللفظ، نحو أن يقال: هذا متأخر عن ذلك وهذا ناسخ لذاك، وذاك متقدم على هذا ومنسوخ بهذا، ويلحق بهذا القسم: ما إذا كان في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر نحو قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها"، ونحو قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، فإنه يدل
следующие страницы →