← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وجوابه: أن التصديق مسبوق بالتصور فما المعنى من قولك. إن نسخ بعض العبادة أو نسخ شرطها "لا تلك" العبادة. فإن عنيتم به أن حكم تلك العبادة من الوجوب وغيره لا يبقى، بل يرتفع من حيث إنه كل فهذا صحيح لا ننازعكم فيه، ولا حاجة في إثبات هذا الاستدلال، بل ادعاء الضرورة كاف فيه، فإن الكل وحكمه من حيث إنه كل ينتفي بانتفاء الجزء ولو احتيج إليه لكن لا حاجة إلى ما ذكروه من أن الركعتين الباقيتين ليستا بعض الأربع، وإن عنيتم به أنه يرفع حكم تلك العبادة بالكلية، وأنه لا يبقى من حكمها شيء، فهذا باطل فإن وجوب الركعتين الباقيتين من حكم الأربع المفروضة أولاً، بدليل أنه لو/ (٣٧٩/ ب) كان غيره بمعنى أنه ينفك عنه ويمكن وجوده بدونه لا بمعنى: أن المفهوم منه غير المفهوم من وجوب الأربع، فإن البعض بهذا المعنى مغاير للكل لاحتاج ثبوت وجوبه إلى دليل آخر غير الخطاب الأول، وبالإجماع ليس كذلك. وأما قوله: لو كانتا بعضًا منها لكان من صلى الصبح أربعًا لكان قد أتى بالواجب وغيره. قلنا: إنما لم يصح ذلك، لأنه لم يأت بالتسليم المفروض عقيب الركعتين لا لأن الركعتين ليستا بعضًا من الأربع، ولهذا فإن من لم يوجب التسليم وإنما يوجب القعود بمقدار التشهد يصحح ذلك لو قعد عند تمام الركعتين مقدار التشهد ولم يصححه أيضًا إذا ترك ذلك، ولأن بقاؤهما بعد النسخ على الوجه الذي أوجب أولاً من ركعتين القراءة والأذكار والهيئات دليل على أنهما

стр. 2207

بعضًا منها. وثانيهما: أن نسخ الركعتين من أربع ركعات يوجب رفع نفي إجزائها بدونهما، ويوجب رفع وجوب تأخير التشهد، وتوجب رفع وجوب ضم المنسوختين إلى الباقيتين، وتوجب رفع إجزائها معًا وكل هذا نسخ، فكان نسخًا لأصل العبادة. وجوابه: من وجهين: أحدهما: أن هذه الأحكام أحكام للركعتين الباقيتين، وهي مغايرة لهما فليس نسخها [نسخًا] لهما. وثانيهما: وهو الجواب التفصيلي أن نفي أجزاء الركعتين بدون الركعتين إنما كان لوجوب الأربع، فلما زال وجوب مجموع الأربع زال ما هو تبع له فرفع نفي الإجزاء تبع لرفع الركعتين من الأربع، وهو الجواب بعينه عن قولهم: إنه يرفع وجوب تأخير التشهد، ويرفع وجوب ضم الركعتين المنسوختين إلى الباقيتين ويرفع إجزاء الباقيتين مع المنسوختين.

стр. 2208

المسألة الثالثة في أن نسخ أصل القياس هو نسخ للفرع أم لا ؟ المشهور من أصحابنا أنه نسخ له. والمشهور من الحنفية أنه ليس بنسخ له. وقد تقدم ذكره. والذي نزيده هنا هو أن الحنفية قالوا: إن هذا نسخ بالقياس، إذ لم يرد ناسخ للفرع، وإنما أثبتم ذلك بالقياس على الأصل. أجاب المثبتون: أن هذا ليس نسخًا بالقياس، إذ ليس يحتاج فيه إلى معنى جامع هو علة النسخ، ولو كان قياسًا لاحتيج إليه بل هو زوال الحكم عن

стр. 2209

الفرع لزوال أصله، فإن الحكم في الفرع مبني على العلة، والعلة فرع الحكم في الأصل، لأنها مستنبطة من الأصل بحسب الحكم، فإذا بطل الحكم في/ (٣٨٠/ أ) الأصل بطلت العلة، فإذا بطلت العلة زال الحكم المبني عليها. وعند هذا ظهر أن هذا النزاع ليس نزاعًا في أنه نسخ حقيقة، فإن زوال الحكم لزوال علته ليس بنسخ، إذ لا يجعل زوال التحريم عن الخمر لزوال الإسكار عنها نسخًا. بل هو نزاع في أنه هل يزول الحكم عن الفرع إذ ذاك أم لا؟ قالت الحنفية: قولكم: إذا بطلت العلة بطل الحكم المبني عليها حتى إذا كان الحكم مفتقرًا إليها دوامًا أم مطلقًا. فالأول: مسلم، والثاني ممنوع. وهذا لأن الباقي غير مفتقر إلى العلة حالة البقاء عندنا وحينئذ لا نسلم أنه يلزم من زوال العلة زوال الحكم. أجاب المثبتون: بأن زوال الحكم لزوال علته ثابت بالاستقراء في مسائل من غير نقض يوجد لذلك، وذلك يغلب على الظن أنه سبب لزوال الحكم ولو سلم وجود النقض، لكان أفراد الدائر أكثر وإلحاق الفرد بالأكثر أقوى.

стр. 2210

خاتمة: في طريقة معرفة الناسخ والمنسوخ: اعلم أن التعارض: إذا وقع بين معلومين، أو مظنونين، أو بين معلوم ومظنون. فإما أن يمكن الجمع بينهما: نحو الخاص مع العام، والمقيد مع المطلق، وقد تقدم الكلام في هذا النوع فيما سلف. أو لا يمكن وحينئذ إما أن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر منهما لا بصراحة اللفظ ولا بغيره، أو يعلم ذلك. فإن كان الأول: فحكمه العمل بالراجح إن ظهر الترجيح وستعرف طريقه إن شاء الله تعالى "وإلا فحكمه التوقف والتخيير على ما سيأتي ذلك في التراجيح إن شاء الله تعالى". وإن كان الثاني: فالمتأخر ناسخ للمتقدم إن كانا متساويين في القوة والضعف، أو كان المتأخر أقوى من المتقدم، وعكسه غير متصور عند من لا يجوز نسخ المعلوم بالمظنون، ثم كونه متأخرًا وناسخًا يعلم تارة بصريح اللفظ، نحو أن يقال: هذا متأخر عن ذلك وهذا ناسخ لذاك، وذاك متقدم على هذا ومنسوخ بهذا، ويلحق بهذا القسم: ما إذا كان في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر نحو قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها"، ونحو قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، فإنه يدل

стр. 2211

على أنه بعد التثقيل المذكور من قبل فهو ناسخ له. وتارة يعلم بغير صراحة اللفظ، وهذا ينقسم إلى ما لا يعلم بدلالة حال الراوي، نحو أن يقال: ورد هذا في سنة كذا، وهذا في سنة كذا، ويقال: ورد هذا في غزوة بدر، وورد هذا في غزوة أحد، وهذا إنما يفيد لو علم تقدم إحدى الغزوتين على الأخرى. إما بالطريق الأول/ (٣٨٠/ ب)، أو بغيره نحو التصريح بتقدم أحدهما على الآخر من غير أن يعلم وقوعها في سنة معينة، بهذا ظهر الفرق بين هذه الطريقة المذكورة من قبل. وإلى ما يعلم بدلالة حاله نحو: أن يروي أحد الخبرين رجل متقدم الصحبة للرسول ﵇، ويروي الخبر الآخر رجل متأخر الصحبة له، بحيث يكون ابتداء صحبته عند انقطاع صحبة الأول، ويكون كلاهما يرويان عنه ﵇ من غير واسطة، فإنه إذ ذاك يدل على أنه متأخر عنه، أما إذا لم يكن بهذه الحيثية فلا يجوز أن سمع متقدم الصحبة الخبر الذي رواه بعد سماع متأخر الصحبة الخبر الذي رواه. ويجوز أن يروي متأخر الصحبة عمن تقدمت صحبته ويروي متقدم الصحبة عمن تأخرت صحبته. ومن هذا يعلم أنه لا يثبت النسخ بكون روى أحد الخبرين من أحداث الصحابة. أو يكون إسلامه متأخرًا عن إسلام راوي الآخر.

стр. 2212

وأما قول الصحابي: كان هذا الحكم ثم نسخ أو هذا الخبر منسوخ، أو هذا الخبر ينسخ هذا الحكم، فليس يعرف به النسخ، لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادًا فلا يثبت به النسخ في حق الكل. وعن الكرخي: الفرق بين ما إذا قال هذا منسوخ، وبين ما إذا قال هذا منسوخ بهذا. فأوجب قبول قوله في الأول دون الثاني، زعمًا منه أنه لولا ثبوت النسخ وظهوره ما أطلق النسخ إطلاقًا، بخلاف ما إذا عين الناسخ، فإنه يجوز أن يكون قاله اجتهادًا. وهو ضعيف. لأنا وإن سلمنا: أن ذلك يدل على الظهور، لكن بالنسبة إلى ظنه واجتهاده، لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر إذ ليس فيه دلالة على ذلك، وحينئذ لا يجب قبوله كما في الأول. ولا بكون إحدى الآيتين مثبتة في المصحف بعد الأخرى، فإن قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر

стр. 2213

وعشرًا﴾ مثبتة قبل آية الاعتداد بالحول، وهو ناسخ لها، ولأن ترتيب الآيات والسور في المصحف ليس على ترتيبها في النزول، فلا يكون تأخرها في الإثبات دليلاً "على تأخرها في النزول، فلا يكون" دليلاً على النسخ. وأما إذا قال الصحابي: في أحد الخبرين المتواترين أنه كان قبل الآخر. فهل يقبل ذلك أم لا؟ فالأكثرون على أنه لا يقبل، لأنه يتضمن نسخ المعلوم بالمظنون، وهو غير جائز إذ الكلام في هذه المسألة تفريعًا عليه. وقال القاضي عبد الجبار: يقبل وإن لم يقبل المظنون في نسخ المعلوم إذ الشيء [يقبل] بطريق التضمن والتبع، ولا يقبل بطريق الأصالة "كما يقبل بطريق الضمن والتبع، ولا يقبل بطريق/ (٣٨١/ أ) الأصالة" كما تقبل شهادة القابلة في كون الولد من إحدى المرأتين، وإن كان يترتب على

стр. 2214

ذلك ثبوت النسب للولد من صاحب الفراش مع أن شهادة النساء لا تقبل في النسب وكما تقبل شهادة الاثنين في الإحصان الذي يترتب عليه الرجم، وإن كان لا تقبل شهادتهما في إثباته. قال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي الجواز العقلي في قبوله لا في وقوعه ما لم يثبت أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الأمر، والجواز العقلي لا نزاع فيه، فإنا بينا أنه لا نزاع في أنه يجوز أن ينسخ المقطوع بالمظنون، فإذا لم يكن في قبول المظنون في أصل النسخ نزاع، فلأن يكون نزاع في قبوله بالنسبة إلى شرطه بطريق الأولى. والله أعلم "وأحكم".

стр. 2215

النوع الثاني عشر الكلام في الإجماع

стр. 2216

النوع الثاني عشر: الكلام في الإجماع وهو مرتب على مقدمة وفصول: أما المقدمة ففي تفسيره لغة، ورسمه شرعًا . اعلم أن الإجماع في اللغة يطلق على أمرين: أحدهما: العزم على الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ أي اعزموا. ومنه قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" [أي لمن يعزم عليه من الليل].

стр. 2217

وثانيهما: الاتفاق يقال: القوم أجمعوا على كذا أي: اتفقوا عليه وأما رسمه بحسب اصطلاح العلماء فقد قال الشيخ الغزالي ﵀ "الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد ﵇ خاصة على أمر من الأمور الدينية". واعترض عليه من وجوه: أحدها: أنه يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد ﵇ من اتبعه إلى يوم القيامة، والموجود في العصر بعض الأمة لا كله فلا يكون إجماعهم حجة. وهو ضعيف؛ لأن الأمة أخص من الشيء، فإذا كان الشيء على رأينا لا يتناول المعدوم، فلأن لا يتناول ما هو أخص منه بالطريق الأولى. ولئن سلمنا أن الشيء يتناول المعدوم، لكن الاتفاق حاصل بيننا وبينهم على أن الموجود وما هو أخص منه لا يتناول المعدوم، والأمة والناس وما يجري مجراهما أخص من الموجود فلا يتناول المعدوم.

стр. 2218

فإن قلت: ما هو أخص من الموجود مطلقًا لا يصدق على ما لا يصدق عليه الموجود، فأما ما هو أخص منه من وجهٍ دون وجهٍ، فلا نسلم أنه لا يصدق حيث لا يصدق هو عليه، ولم لا يجوز أن يقال: إن الأمة أخص من الموجود من وجه دون وجه من حيث إن الأمة تتناول الموجود من جنسه والمعدوم من جنسه، وحينئذ لا يلزم من عدم صدق الموجود على المعدوم من الأمة عدم صدق لفظ الأمة عليه؟. قلت: هذا الاحتمال مندفع بالإجماع، فإنهم اتفقوا على أن الأسامي التي مدلولاتها مركبة لا تصدق في حالة العدم؛ لأنه لا تحقق لماهية التأليف والتركيب في حالة العدم وفاقًا. وثانيهما: أنه يقتضي أن يكون إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد إجماعًا شرعيًا وليس كذلك. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا إن لم نعتبر قول العوام في انعقاد الإجماع منعنا إمكان وقوع المسألة؛ وهذا لأنه لا يجوز خلو الزمان عمن يقوم بالحق. وإن اعتبرنا قولهم منعنا أن إجماعهم ليس إجماعًا شرعيًا. وثالثها: أنه غير جامع؛ لأنه خرج منه إجماعهم على أمر عقلي، أو عرفي، أو لغوي؛ ضرورة أنه ليس أمرًا دينيًا مع أن إجماعهم فيه/ (٢/ أ) إجماعًا شرعيًا وهو منقدح. وقال النظام: هو كل قول قامت حجته.

стр. 2219

وقصد بذلك الجمع بين مذهبه من أن اتفاق أمة محمد ﵇ ليس بحجة وبين ما تواتر من السلف من أنه لا يجوز مخالفة الإجماع. والنزاع لفظي ولا مشاحة في الألفاظ. وأما ما أورد عليه بأنه يلزم منه أن يكون قول الواحد إجماعًا وهو على خلاف اللغة والعرف. فهو وارد أيضًا على من يقول بالإجماع بالمعنى المشهور؛ لأنه إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد فإنه يكون قوله حجة بطريق الإجماع عنده فما هو جوابه في هذه الصورة فهو جواب النظام. ولئن قلت: إنه حجة بطريق الإجماع من حيث إنه لا يجوز ذهول مجموع الأمة عن الحق، لكن لا يطلق عليه اسم الإجماع. قلت: وللنظام أن يقول مثله، بأن يقول: إنما يطلق الإجماع على القول الذي قامت حجته إذا كان قول الجماعة، فأما إذا كان قول الواحد فإنه لا يجوز مخالفته بطريق الإجماع، لكن لا أطلق عليه لفظ الإجماع. فالأولى أن يقال في حده أنه: عبارة عن اتفاق جميع المجتهدين الموجودين في كل عصر من الأعصار من أمة محمد ﵇ على أمر من الأمور. وأطلقنا اتفاقهم، ليتناول الاتفاق في الاعتقاد، والقول، والفعل، والسكوت، والتقرير، المنزلين منزلة القول والفعل والاتفاق المركب منها.

стр. 2220

وإنما قيدنا بالجميع؛ ليخرج البعض فإن اتفاق البعض ليس بحجة. وقيدنا بالمجتهد؛ ليخرج اتفاق العامة فإنه غير معتبر على الرأي الأظهر ولو اعتبر ذلك وجب حذفه ويقام مقامه ما يتناولهم ولغيرهم ممن يعتبر قولهم. وإنما قلنا: الموجودين في كل عصر من الأعصار؛ لرفع أن يتوهم متوهم أن المراد من المجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة وإن كان هذا التوهم باطلاً. وإنما قلنا: على أمر من الأمور، ليتناول الشرعيات، والعقليات والعرفيات، واللغويات. هذا تمام المقدمة، أما الفصول ففي المقاصد.

стр. 2221

" الفصل الأول" "في الإجماع " وفيه مسائل:

стр. 2222

" المسألة الأولى" في إمكان وقوع الإجماع، وإمكان الإطلاع عليه: اعلم أن من الناس من أحاله عادة. ومنهم من قال بإمكانه بغير إحالة بوجه ما، لكن قال: لا سبيل إلى الاطلاع عليه.

стр. 2223

أما الأولون، فقالوا: إن كل ما لا يكون معلومًا بالضرورة فإنه يستحيل اتفاق الخلق العظيم والجم الغفير عليه، كما يستحيل اتفاقهم في الساعة الواحدة، على المأكول الواحد، واللبس الواحد، وكيف لا وتراهم يختلفون في الضروريات والبديهيات: فمنهم من اعترف بها، ومنهم من أنكرها أصلاً ورأسًا، مع أن طريقها واحدة لا فكر فيها ولا روية، فالنظريات القطعيات بذلك أجدر لافتقارها إليهما وافتقارها إلى النظر والناس مختلفون فيه فإن منهم من [أنكر] كون النظر يفيد العلم بل لا يفيد إلا الظن الغالب والظنيات بذلك أولى من القطعيات؛ لأن طرائقها كثيرة، وطباع الخلق الكثير وأذهانهم مختلفة عادة، فمن الممتنع تطابقها على طريقة واحدة. وجوابه: منع استحالة اتفاق الخلق الكثير، والجم الغفير على الشيء الواحد الذي لا يكون معلومًا بالضرورة إذا كان له دليل قاطع، أو شبهة أو أمارة مغلبة للظن؛ وهذا لأنه وجد ذلك؛ فإنا نعلم اتفاق الخلق الكثير والجم الغفير في شرق البلاد وغربها على نبوة محمد ﵇ بسبب معجزته القاطعة، واتفاق أهل الشبه على مقتضاها كأهل البدع والكفر. وكذلك نعلم اتفاق الخلق العظيم على فساد بيع المضامين والملاقيح مع أن الموجب له ليس إلا ما يوجب الظن من خبر واحد، أو قياس. وإنما عدلنا عن العبارة المشهورة في ذلك، وهي: أنا نعلم اتفاق المسلمين

стр. 2224

مع أن كثرتهم لا تحصى على نبوة محمد ﷺ . ونعلم اتفاق اليهود والنصارى على إنكار نبوته. واتفاق الشافعية على أقواله الصادرة عن الأمارة، إلى ما ذكرنا ليندفع ما يقال عليها وهو: أنك إن عنيت بالمسلم المعترف بنبوته كان ذلك جاريًا مجرى قولنا المعترف بنبوته معترف بنبوته وذلك معلوم بالضرورة، وإن عنيت به غيره فلا نسلم اتفاقهم عليها، وكذا الكلام في المثالين الأخيرين، فإن هذا لا يتأتى على عبارتنا، وما ذكروه من الصور، فإنما امتنع فيه الاتفاق، لانتفاء ما شرطنا في حصول الاتفاق وهو الدليل القاطع، أو الأمارة المغلبة للظن. وما ذكروه من اختلاف الناس في الاعتراف بالبديهيات، والضروريات، والنظريات فإنما يقدح فيما نحن فيه أن لو ادعينا اتفاق جميع الأمم على شيء واحد، وليس كذلك، بل ندعي اتفاق بعض من اعترف بكلها وهم المجتهدون. وقوله: الظنيات طرائقها كثيرة، وأذهان الناس مختلفة، فمن الممتنع عادة اتفاقهم على واحدة منها. قلنا: وإن كان كذلك لكن قد يكون البعض منها أرجح من البعض فلا يمتنع اتفاقهم عليه. سلمناه [لكنه] منقوض بما تقدم من أنا نعلم اتفاق الخلق الكثير على عدم جواز بيع المضامين والملاقيح مع أن الدليل الدال عليه ظني نحو الخبر

стр. 2225

المروي بالآحاد، أو القياس. وأما الآخرون الذين قالوا: بإمكان وقوعه لكن زعموا أنه لا طريق لنا إلى معرفته. فقد احتجوا عليه بأن قالوا: إن من الظاهر أنه لو أمكن أن يحصل العلم به فإنما يحصل من جهة السمع لا غير، بأن يسمع من/ (٣/ أ) أهل الاتفاق أنهم اتفقوا عليه، أو يسمع منهم ما يجري [مجراه] فإن ما عداه من الطرائق نحو الوجدان والإحساس [بغير حس السمع، وحكم العقل إما بالبداهة، أو بالنظر فيما لا يمكن اكتسابه به] لكن ذلك متعذر، لأن سماع كلام الغير مع العلم بكونه كلامه يتوقف على معرفته بعينه، وذلك معلوم بالضرورة، فأذن العلم باتفاق المجتهدين على حكم يتوقف على معرفة أعيانهم، لكنه متعذر لتفرقهم شرقًا وغربًا. لا يقال: يمكن ذلك بطريقين: أحدهما: أن يطوف عليهم شرقًا وغربًا ويسمع منهم ذلك. وثانيهما: أن يجمعهم سلطان قاهر فحينئذ يمكن الاطلاع عليه، لأنا نقول: أما الأول، فباطل، لأنه لم يوجد إلى الآن من طاف المشرق والمغرب وعرف المجتهدين بأعيانهم، وأخبر عنهم اتفاقهم على حكم ما. سلمنا ذلك، لكن من أين نعلم أنه لم يغادر أحدًا منهم لم يجتمع به، وكيف الخلاص من وجود خامل منهم لا يعرف؟

стр. 2226

سلمناه، لكن من أين نعلم أن ما أفتاه، أو أخبره من اعتقاده من أنه يعتقد ذلك الحكم أفتاه من صميم قلبه، أو كان صادقًا فيما أخبره؟ فلعله أفتاه بذلك خوفًا وتقية، أو لأسباب أخر وهو لا يعتقد ذلك. وكذا الكلام فيما إذا أخبره عن اعتقاده. سلمناه لكن لا يمكن ذلك في زمان واحد ضرورة تفرقهم في شرق البلاد وغربها، بل في مدة متطاولة وحينئذ لم يمكن القطع بحصوله؛ لاحتمال أن يكون الذي أفتاه أولاً. فقد رجح عنه بعد ارتحال المستفتى عنه قبل إفتاء الآخرين، وحينئذ لا يحصل الإجماع، لعدم حصول الاتفاق في زمان ما. وأما الثاني فهو باطل أيضًا بأكثر ما سبق، ولا ينقض ذلك لما أنا نعلم من اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﵇ مع تفرقهم في شرق البلاد وغربها. وكذلك نعلم اتفاق اليهود والنصارى على إنكار نبوته ﵇ مع تفرقهم في الآفاق. وكذلك نعلم اتفاق الشافعية على فساد النكاح بلا ولي، واتفاق الحنفية على صحته، وإن لم نعرفهم بأعيانهم. ولا ينقض أيضًا: بما أن نعلم باستيلاء بعض المذاهب والملل على بعض النواحي كما نعلم باستيلاء الإسلام في بلاد الحجاز واليمن، واستيلاء الملة النصرانية في جزائر الإفرنج وإن كنا لا نعرفهم بأعيانهم لأنا نقول: أما الجواب عن الأول فقد سبق. وأما عن النقضين الباقيين فعلى نحوه بأن يقال: إن أريد باليهودي المعترف

стр. 2227

بنبوة موسى ﵇ المنكر لنبوة محمد ﷺ فإن ذلك جار مجرى قولنا: المعترف بنبوة موسى ﵇ المنكر لنبوة محمد ﷺ منكر لنبوته وهو ضروري. وإن أريد به غيره فلا نسلم حينئذ اتفاقهم على إنكار نبوته ﵇ وعلى هذا المنوال الجواب في اتفاق الشافعية والحنفية. فأما النقض الأخير فالجواب عنه: أنا إنما نعلم ذلك بالنسبة إلى أكثر من في البلاد بخبر التواتر، أو المشاهدة بناء على رؤية شعار الإسلام والتنصر، ومعرفة علامتها، نحو الأذان والمساجد للمسلمين، والكنائس والناقوس للنصارى، فأما أن نعلم ذلك بالنسبة إلى كل واحد من أهل تلك البلاد فذلك مما لا سبيل إليه. الجواب عنه: أنه يمكن الاطلاع عليه، أما إذا كان المجتهدون قليلين بحيث يمكن معرفتهم بأعيانهم كما كان في زمان الصحابة. فبمراجعتهم ومشافهتهم وإن كانوا كثيرين بحيث لا يمكن لواحد أن يعرفهم بأعيانهم فبمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم، وخمول المجتهد بحيث لا يعرفه أهل بلدته مستحيل عادة.

стр. 2228

" المسألة الثانية" "في كون الإجماع حجة " مذهب جماهير السلف والخلف أن إجماع أمة محمد ﵇ حجة، لكن اختلفوا في أنه هل هو حجة قطعية، بحيث يكفر، أو يضلل ويبدع مخالفه، أو لا يكون حجة قطعية، بل هي ظنية لا يضلل ولا يبدع مخالفه؟ فذهب الأكثرون إلى الأول. وذهب المحققون منا ومن المعتزلة إلى الثاني.

стр. 2229

وقالت الخوارج، والنظام، والشيعة القائلون بالإمام المعصوم أنه ليس بحجة. لنا وجوه، وهي: الكتاب، والسنة، والمعقول. أما الكتاب فآيات: أحدها: قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾. ووجه الاستدلال به: أنه جمع بين مشاقة الرسول، وإتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو لم يحرم (اتباع) غير سبيل المؤمنين لما جاز الجمع بينه وبين المشاقة في الوعيد؛ إذ لا يجوز أن يجمع بين المحرم والمباح في الوعيد كما يقال: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، وإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم.

стр. 2230

فإن قلت: لا نسلم أن كلمة من للعموم، وسنده ما سبق في أدلة الواقفية. وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على أن يحرم على كل واحد واحد من المكلفين اتباع غير سبيل المؤمنين، فلا يكون فيها دلالة على كونه حجة، إذ حجيته إنما تثبت أن لو حرم على الكل مخالفته. لا يقال: بأن كل من قال بحرمة اتباع غير سبيل المؤمنين بالنسبة إلى بعض المكلفين، قال بذلك بالنسبة إلى كلهم فالقول بذلك بالنسبة إلى البعض دون البعض قول لم يقل به أحد؛ لأنا نمنع ذلك، وهذا، لأنه يحرم على العوام عندنا مخالفة المجتهدين واتباع/ (٤/ أ) غير سبيلهم دون المجتهد. سلمنا أنها للعموم لكن لا نسلم أنه توعد على كل واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين بانفراده حتى يلزم أن يكون كل واحد منهما محرمًا بانفراده بل توعد على مجموعهما، وحينئذ لا يلزم أن يحرم اتباع غير سبيل المؤمنين بانفراده. وقوله، لو لم يكن محرمًا لما جاز الجمع بينه وبين المشاقة في الوعيد. قلنا: متى إذا لم يحرم بحال الجمع والإفراد، أو أن حرم حالة الجمع دون الإفراد؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع، وهذا فإن الشيء جاز أن يحرم مع الغير

стр. 2231

ولا يحرم وحده كنكاح الأخت مع الأخت، وإنما لم يجز الجمع بين الزنا وشرب الماء في الوعيد لأنه من قبيل القسم الأول. سلمنا حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا، لكن حرمة بعض غير سبيل المؤمنين أو حرمة كل غير سبيل المؤمنين؟ والأول مسلم: فإن عندنا بعض ما يغاير، أو كل ما يغاير بعض أو كل غير سبيل المؤمنين حرام وهو ما صاروا به مؤمنين. وهذا التأويل متعين لتبادر الفهم إليه، فإن القائل إذا قال: "لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من متابعة غير سبيل الصالحين فيما صاروا به غير صالحين لا غير. ولأن الآية نزلت في رجل ارتد، وذلك يفيد أن الغرض منها المنع من متابعتهم في الكفر. والثاني ممنوع؛ وهذا لأن لفظ الغير والسبيل مفرد فلا يفيد الكل. ولو أفاد الكل لم يفد؛ لأنه لا يلزم من [حرمة كل ما هو غير سبيل المؤمنين كون الإجماع حجة؛ لأن حرمة الكل من حيث] إنه كل لا يستلزم حرمة كل واحد منه.

стр. 2232

سلمنا حرمة كل واحد من سبيل غير المؤمنين. لكن لم قلت: إنه يلزم منه وجوب اتباع سبيل المؤمنين؟ فإن قلت ذلك بناء على أنه لا واسطة بين اتباع غير سبيل المؤمنين، وبين اتباع سبيلهم حتى يلزم من حرمة اتباع غير سبيلهم وجوب اتباع سبيلهم فممنوع، وهذا لأن عدم الاتباع واسطة و [إن] قلت بناء على مفهوم الخطاب، فلا نسلم أن مفهومه التواعد على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل مفهومه عدم التواعد على اتباع سبيلهم، وذلك لا يستلزم وجوب اتباع سبيلهم، وفرق بين التواعد على عدم الشيء وبين عدم التواعد على الشيء، فإن الأول يستلزم الوجوب دون الثاني. سلمنا أن مفهومه يدل عليه لكن لا نسلم أنه حجة فإن قلت: إنا لم نقل ذلك بناء على المفهوم بل بناء على أنه لا واسطة بينهما، والدليل على ذلك وجهان أحدهما: أن غير هاهنا بمعنى إلا، لا بمعنى الصفة، إذ لو كان بمعنى الصفة لزم تحريم متابعة سبيل غير المؤمنين، ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الأفعال أن يحرم على المكلف أن يقول بحظره، أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك، وإذا كان غير بمعنى إلا يصير تقدير الآية. ومن يشاقق الرسول ولا يتبع سبيل المؤمنين، وحينئذ يكون التوعد على عدم متابعة سبيل المؤمنين، ويلزم منه وجوب اتباع سبيلهم ضرورة أنه لا واسطة بين عدم الاتباع والاتباع وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن غير للصفة، لكن نقول عدم اتباع سبيل المؤمنين اتباع لسبيل غيرهم؛ لأن غير المؤمنين لا يتبع سبيلهم فيكون ذلك سبيل

стр. 2233

غيرهم عن لم يتبع سبيلهم فقد اتبع سبيل غير المؤمنين. قلت: أما الأول، فباطل؛ لأنا أجمعنا على أن غير موضوعة للصفة فجعله بمعنى إلا إن كان على وجه الحقيقة لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل، وإن كان على وجه التجوز لزم المجاز، وأنه أيضًا خلاف الأصل، فوجب أن يكون مستعملاً في موضوعه. وقوله في الدلالة على امتناعه: أنه لو كان بمعنى الصفة لزم تحريم متابعة سبيل غير المؤمنين، ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الأفعال أن يحرم على المكلف أن يقول بحظره أو بوجوبه والمخالف لا يقول به، قلنا: لزوم الاحتمال المذكور الذي لا يقول به الخصم على التقديرين أعنى أن تكون غير بمعنى الصفة، أو بمعنى إلا على السواء؛ لأن المعنى الثاني أخص من المعنى الأول، وكل ما دل عليه العام دل عليه الخاص، فإن كان كون الخصم لا يقول به دل على فساده [فليدل على فساد الاحتمال الثاني أيضًا لأنه لا] يقول به الخصم على هذا التقدير، وإن ذكر ذلك على وجه الإلزام فلا يصح؛ لأن كون الخصم لا يقول باحتمال قادح في استدلال المستدل لا يدل على فساده إلا إذا اعتبر من حيث أنه قول لم يقل به أحد، وهو تمسك بالإجماع فيكون إثباتًا للإجماع بإجماع أضعف منه. وأما الثاني فلا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين اتباع لسبيل غير المؤمنين وإن كان ذلك سبيلاً لغير المؤمنين؛ وهذا لأن الاتباع عبارة عن: أن يأتي بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير أتى به، فمن لا يتبع سبيل المؤمنين لأجل أن غير المؤمنين لا يتبعونهم كان متبعًا لهم.

стр. 2234

فأما من لا يتبعهم لا لأجل ذلك بل لأجل أن دليلاً دل على عدم اتباعهم أو لأنه لم يوجد ما يدل على اتباعهم لم يكن متبعًا لهم. سلمنا: وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن بشرط تبين الهدى المشروط في المشاقة أولاً بهذا الشرط؟. والأول مسلم، لكنه لا يفيد؛ لأنه حينئذ لا يجب اتباع سبيل المؤمنين إلا إذا تبين/ (٥/ أ) جميع أنواع الهدى؛ لأن الهدى عام لكونه محلى بالألف والسلام فيتناول جميع أنواع الهدى، ومن جملة الهدى دليل ذلك الفرع الذي اتفقوا عليه فلا يجب اتباعهم إلا إذا تبين ما لأجله أجمعوا عليه وحينئذ لا يبقى في التمسك بالإجماع فائدة. لا يقال: لا يشترط في تبين الهدى تبين جميع الأدلة على الشيء بل يكفى فيه تبين دليل واحد من أدلته، فلم لا يجوز أن يقال: إنه يجب اتباع سبيل المؤمنين بعد تبين حصول الإجماع وإن لم يتبين ما لأجله أجمعوا عليه؟ لأننا نقول: ذلك إنما يصح لو ثبت كونه دليلاً؛ فإن بتقدير أن لا يكون الإجماع دليلاً على ما أجمعوا [عليه] لم يكن تبينه تبينًا لهدى ما أجمعوا عليه فإثبات كونه دليلاً به دور. والثاني ممنوع؛ وهذا لأن تبين الهدى شرط في المشاقة فيكون شرطًا في حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين لكونه معطوفًا عليه، والشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، وإذا كان شرطًا في حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين وجب أن يكون شرطًا في وجوب اتباع سبيل المؤمنين ضرورة أن ما هو شرط أحد

стр. 2235

المتلازمين يكون شرطًا في الآخر، وحرمة اتباع غير سبيل المؤمنين ووجوب اتباع سبيل المؤمنين متلازمان على ما ذكرتم من أنه لا واسطة بينهما. سلمنا: وجوب اتباعهم لا بهذا الشرط، لكن لفظ "السبيل" حقيقة فيما يحصل فيه المشي وهو غير مراد وفاقًا، وحينئذ يجب حمله على المجاز دفعًا لتعطيل النص، وليس حمله على المجاز الذي تحملونه وهو اتفاقهم على أمر من الأمور أولى من حمله على مجاز آخر وهو دليلهم واستدلالهم على ذلك الأمر، فإنهم حين اتفقوا عليه لا بد وأن استدلوا بشيء على إثباته، وإلا لكان اتفاقهم عليه باطلاً بل هذا أولى؛ لأن المناسبة بين الاستدلال وبين السبيل الحقيقي أتم من المناسبة بينه وبين الحكم المتفق عليه؛ لأن ما بينهما من مشابهة الاستمرار والمضي عليهما حاصل بعينه في الأول مع زيادة وهي مشابهته للإفضاء إلى المقصود. سلمنا: أن حمله عليه أولى، لكن يقتضى وجوب اتباعهم في كل الأمور أو في بعضها؟ والدال على العام لا يدل على الخاص. ثم الذي يدل على أنه لا يجب اتباعهم في كل الأمور وجوه: أحدها: أنه لو وجب اتباعهم في كل الأمور لوجب أنهم إذا فعلوا شيئًا واعتقدوا إباحته أن يجب فعله وأن لا يجب؛ لأنه من حيث أنهم فعلوه يجب فعله، ومن حيث أنهم اعتقدوا إباحته لا يجب فعله، لكنه محال لأنه جمع بين النقيضين. وثانيهما: أنهم إذا أجمعوا على حكم فلا بد أن يكون ذلك لدليل؛ لأن الحكم بغير دليل باطل، وذلك الدليل يجب أن يكون غير الإجماع لأن

стр. 2236

الإجماع كيفية من كيفيات ثبوت ذلك الحكم؛ لأن ثبوت الحكم قد يكون بحيث يتفق عليه، وقد يكون بحيث لا يتفق عليه فيكون متأخرًا عنه بالرتبة، والدليل متقدم عليه، فلا يكون الإجماع دليل ذلك الحكم بل غيره، فيكون إثبات ذلك الحكم بغير الإجماع سبيلاً لهم، فلو وجب اتباعهم في كل الأمور لوجب إثبات ذلك الحكم بغير الإجماع لأنهم أثبتوه به، وعدم وجوبه لإجماعهم على أنه لا يجب التمسك بدليل معين عند وجود غيره وهو جمع بين النقيضين. وثالثها: أنهم كانوا قبل إجماعهم على ذلك الحكم متوقفين في المسألة غير جازمين بالحكم، بل كانوا جازمين بأنه يجوز البحث عنه، ويجوز لكل واحد أن يحكم في المسألة بما أدى إليه اجتهاده. ثم أنهم إذا [أجمعوا قطعوا بأنه لا يجوز فيها الاجتهاد، وأنه يتعين القول بذلك الحكم] فلو وجبت متابعتهم في كل الأمور لزم أن يجوز الاجتهاد فيها، وأن لا يجوز، وهو قول بالجمع بين النقيضين. لا يقال: إن جواز الأخذ بمقتضى الإجماع السابق كان مشروطًا بعدم الإجماع البات بعده، فإذا حصل ذلك زال ذلك الحكم لزوال شرطه؛ لأنا نقول: لو جاز أن يكون الإجماع بجواز الأخذ بكلا القولين فيما اختلف فيه على قولين مشروطًا بعدم الإجماع البات بعده لجاز أن يقال: إن الإجماع البات أيضًا مشروط بعدم إجماع بات آخر على خلافه وكذا القول في الإجماع الثاني والثالث، وحينئذ يلزم أن لا يستقر شيء من الإجماعات وهو باطل عندكم.

стр. 2237

والثاني مسلم ونحن نقول بموجبه، فإنه يجب اتباعهم عندنا في الإيمان بالله ورسوله، ولا يلزم منه كون الإجماع حجة، إذ لا يلزم من وجوب اتباعهم في بعض سبيلهم وجوب اتباعهم في كل سبيلهم الذي يحصل [به] الإجماع. ويؤكد هذا الاحتمال ما يتبادر إلى الفهم من قول القائل: "اتبع سبيل الصالحين" من الأمر باتباع ما صاروا به صالحين. وكذلك المتبادر من قول السلطان إذا قال: من يشاقق وزيري من الجند ويتبع غير سبيل فلان عاقبتهم، ويشير به إلى المتظاهر بطاعة الوزير. إنما هو الأمر باتباع سبيله في طاعة الوزير، ولو سلم أن هذا المفهوم غير متبادر إلى الفهم وأنه والإجماع سواء في الفهم من الآية، فالحمل على الأمر باتباع سبيلهم في/ (٦/ أ) الإيمان أولى؛ لأن ذلك سبيلهم حين نزول الآية، والإجماع ليس سبيلهم إذ ذاك؛ ضرورة أنه لا يحصل إلا بعد وفاة الرسول وحمل الكلام على ما يحصل مقصوده في الحال والمآل أولى من حمله على ما ليس كذلك. سلمنا: وجوب اتباعهم في كل الأمور، لكن لكل المؤمنين أو لبعضهم؟ والأول مسلم، ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى يوم القيامة، وإجماعهم على أمر واحد ممتنع، ضرورة عدم بقاء البعض عند وجود البعض الآخر، ولو سلم بقاء القول للميت، فإنه وإن أمكن حصول الإجماع

стр. 2238

على هذا التقدير لكن عند قيام الساعة ومعلوم أنه لا فائدة فيه إذ ذاك إذ لا يمكن الاحتجاج به بعده لارتفاع التكليف. وإذا كان كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى يوم القيامة وجب أن يكون الموجودون في كل عصر بعضهم فلا يكون إجماعهم حجة. فإن قلت: المؤمن هو الموجود ضرورة أنه أخص من الشيء، فلا يكون متناولاً لمن لم يكن موجودًا منهم؟ قلت: فعلى هذا يلزم أن تكون الآية دالة إلا على إجماع الصحابة الذين كانوا موجودين عند نزول الآية؛ لأنهم هم الموجودون لا غير إذ ذاك لكن إجماعهم أيضًا ممتنع؛ أما في حياة الرسول فلما مر غير مرة، وأما بعدها فلأنه مات بعضهم فيلزم أن لا يكون شيء من الإجماعات حجة ولو سلم بقاء كل من كان موجودًا عند نزول الآية إلى ما بعد وفاة الرسول لم يتحقق حجية شيء من الإجماعات أيضًا إذ لم ينقل عنهم لا بالتواتر ولا بالآحاد اتفاقهم على حكم واحد في مسألة ما. والثاني ممنوع، وهذا لأن لفظ "المؤمنين" جمع محلى بالألف واللام فيفيد الاستغراق. سلمنا: أن المراد منه البعض الذين يوجدون في كل عصر، لكن كل مؤمني ذلك العصر أو بعضهم؟ والأول باطل، وإلا لاعتبر في الإجماع قول العوام، والأطفال، والمجانين وهو باطل وفاقًا.

стр. 2239

والثاني مسلم، فإن عندنا يجب متابعة بعض من يوجد في كل عصر وهو الإمام المعصوم. سلمنا أن المراد منه: جميع مؤمني كل عصر إلا ما خصه الدليل، لكن بشرط العلم بإيمانهم أولاً بهذا الشرط؟ والأول مسلم، لكنه لا سبيل إليه، لأن الإيمان عبارة: إما عن التصديق بالقلب فقط. أو هو عبارة عنه وعن غيره نحو الإقرار باللسان، والعمل بالأركان. وعلى التقديرين لا يمكن الاطلاع عليه، [لأن التصديق القلبي أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه] وإذا امتنع العلم به امتنع الأمر باتباع سبيلهم، ضرورة أن انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط. والثاني ممنوع؛ وهذا لأن المأمور يجب عليه أن يأتي بالمأمور به على قصد الامتثال والمأمور به إنما هو اتباع سبيل المؤمنين، فإذا لم يعلم تحقق الإيمان استحال أن يقصد اتباع سبيل المؤمنين. لا يقال: المراد من المؤمنين المصدقين باللسان في قوله تعالى ﴿ولا تنكحوا

стр. 2240

المشركات حتى يؤمن﴾ فحينئذ يكون الاطلاع عليه ممكنًا؛ لأنا نقول: إطلاق المؤمن على المصدق باللسان مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة لا سيما في هذا المكان فإن تجويز اتباع المصدق باللسان دون القلب بموجب تجويز اتباع الكافر والمنافق وهو ممتنع. سلمنا إرادة المجاز، لكن لم قلتم أن ذلك المجاز هو مجازكم؟ ولم لا يجوز أن يكون [ذلك] المجاز غيره؟ لا بد لهذا من دليل. سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة، لكن دلالة قطعية، أو ظنية؟ والأول ممنوع ولا يحتاج إلى سنده لظهوره، والثاني مسلم، لكن المسألة قطعية؛ ولهذا أطبق الفقهاء على أن مخالف الحكم المجمع عليه كافر أو فاسق، فلا يجوز التمسك فيها بالدلائل الظنية. ثم شنع الإمام على الفقهاء بأنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات

стр. 2241

والأخبار، وأجمعوا: على أن المنكر لمدلول العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم أنهم أطبقوا على أن الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر أو فاسق، وهذا غفلة عظيمة إذ جعلوا الفرع أقوى من الأصل. الجواب: قوله: لا نسلم أن كلمة من للعموم. قلنا: قد ثبت ذلك في باب العموم، وقد أجبنا ثمة عن أدلة المخالفين، قوله: لم لا يجوز أن يكون التوعد على الأمرين جميعًا دون كل واحد منهما؟ واعلم أن هذا سؤال مشكل على الاستدلال بهذه الآية. وقد أجاب الناس بأجوبة لا يكاد يصح واحد منها، فلنذكر بعض ما ذكر في ذلك وهو أجودها ونذكر وجه الخلل فيه. فالأول: وهو ما أجاب به أبو الحسين البصري، وهو: أن اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرمًا ومتواعدًا عليه إلا عند مشاقة الرسول لزم أن لا يجب اتباع سبيلهم إلا عند مشاقة الرسول لما ذكرتم من أنه لا واسطة بينهما لكن ذلك محال؛ لأن مشاقة الرسول ليست عبارة عن المعصية كيف كانت، بدليل أنه لا يقال لكل من عصى الرسول أنه مشاق له، بل هي عبارة عن الكفر

стр. 2242

الكفر به وتكذيبه، وإذا كان كذلك فلو لم يجب اتباع سبيل المؤمنين إلا عند مشاقة الرسول [لزم أن لا يجب العمل بالإجماع إلا حالة تكذيب الرسول] وهو محال؛ لأن العلم بكون الإجماع حجة يتوقف على العلم بنبوته ﵇ فإيجاب العمل به حال عدم العلم بالنبوة إيجاب للشيء المتوقف على الشيء حال عدمه وهو تكليف ما لا يطاق وهو محال. لا يقال: ما ذكرتم لازم عليكم أيضًا؛ لأن بتقدير أن لا تكون حرمة اتباع غير سبيل المؤنين مشروطة بالمشاقة كان هو حرامًا مطلقًا، أعني حالة المشاقة وحال عدمها، فما هو جوابكم عنه بالنسبة/ (٧/ أ) إلى حالة المشاقة، فهو بعينه جوابنا عنه على تقدير اشتراط تحريمه بوجود المشاقة، فإن التزمتم على ذلك التقدير صحة تكليف ما لا يطاق التزمنا نحن أيضًا على تقدير اشتراط تحريمه بالمشاقة؛ لأنا نقول: إذا كان التحريم ثابتًا مطلقًا بحسب دلالة الآية لا يلزم منه إلا تقييد الحكم المطلق ببعض الأحوال لدليل العقل، أما إذا كان مشروطًا به لزم تعطيل النص بالكلية لأن عند عدم المشاقة لا يكون التكليف به ثابتًا لعدم ما يدل عليه وعند وجودها يستحيل التكليف به.

стр. 2243

ومعلوم أن هذا الجواب لا يتأتى لكم، وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن المشاقة عبارة عن تكذيب الرسول والكفر به فقط، وما ذكرتم من الدليل لا يدل عليه، بل لو دل فإنما يدل على أنها ليست عبارة عن مطلق المعصية، ولا يلزم منه أن لا يكون عبارة عن بعض منها غير الكفر به وتكذيبه. سلمنا: دلالة ما ذكرتم على أنها عبارة عن الكفر وتكذيبه، لكنه معارض بما يدل على أنها عبارة عن مطلق المعصية؛ وذلك لأن المشاقة مشتقة من الشق وهو الطرف والناحية، فتكون المشاقة عبارة عن كون أحد الشخصين في شق، والآخر في شق آخر، وذلك يكفي فيه أصل المخالفة سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغ. سلمنا: سلامته عن المعارض، لكن لا نسلم أن مطلق الكفر ينافي التكليف بالإجماع؛ وهذا لأن كون الإجماع حجة لا يتوقف إلا على صدق الرسول، والكفر الذي ينشأ من تكذيبه ومن عدم العلم بصدقه ينافي التكليف به. فأما الكفر الذي لا ينشأ منه نحو الذي يحصل من شد الزنار، ولبس الغيار، وإلقاء المصحف في القاذورات، والاستخفاف بالنبي ﷺ مع الاعتراف بكونه نبيًا، وإنكار نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيًا وما يجري مجراها، فكل ذلك لا ينافي التكليف بالإجماع.

стр. 2244

فإن قلت: هب أنه لا ينافي التكليف به، لكن يلزم منه تكليف الكافر بالعمل بالإجماع وهو ممتنع أيضًا. قلت: لا نسلم امتناعه وقد تقدم ما يدل على أنه ليس كذلك حيث بينا أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. سلمنا أن مطلق الكفر ينافي التكليف به، لكن لم قلتم أن ذلك غير جائز؟ وقد تقدم ما يدل على جوازه. واعلم أنه لو سلم امتناع تكليف ما لا يطاق، وامتناع كون الكفار مخاطبين بفروع الإسلام لمشى هذا الجواب، إذ الجواب عن المانعين الآخرين ممكن يعرف بالتأمل. وثانيها: وهو ما ذكره الإمام ﵀ وهو: أن المعلق بالشرط، إن لم يكن عدمًا عند عدم الشرط فقد حصل الفرض. إن كان عدمًا عند عدمه لم تكن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بالمشاقة والإلزام أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا عند عدم المشاقة ضرورة أن المعلق بالشرط عدم عند عدمه لكن ذلك باطل؛ لأن مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ، لكن لا شك في أنها لا تكون صوابًا مطلقًا فبطل ما ذكروه. وهو أضعف من الأول. أما الأول: فلأنا لا نسلم أنه يحصل الغرض من القسم الأول؛ وهذا لأنه يجوز أن لا يكون المعلق بالشرط عدمًا عند عدمه وتكون حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين، وكونه متوعدًا عليه عدمًا عند عدم المشاقة بخصوصيته، وهذا يسهل

стр. 2245

دفعه بأن يردد في نفس هذه الصورة. بأن يقال: حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين إن لم يكن عدمًا عند عدم المشاقة فقد حصل الغرض. وأما ثانيًا: فلأنه إن عنى بقوله "مطلقًا" في قوله: وإن كان عدمًا عند عدمه لزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا، الكل أي يجوز اتباع كل واحد مما هو غير سبيل المؤمنين فهذا غير لازم، إذ انتفاء حرمة اتباع كل واحد من سبيلهم لا يستلزم جواز اتباع كل واحد من سبيلهم؛ لأن دفع السلب الكلي لا يستلزم الإثبات الكلي. وإن عنى به الجواز في الجملة أي يجوز اتباع بعض ما هو غير سبيلهم حينئذ فهذا حق؛ لأن انتفاء السلب الكلي يستلزم الإثبات الجزئي، لكن لا نسلم بطلانه، بل هو مذهب الخصم وما ذكره من الدلالة عليه فهو غير صحيح لأنه إن عنى بالصواب مفهومًا زائدًا على الجواز فبتقدير تسليم أن مخالفة الإجماع لا يكون صوابًا فهذا المعنى لم يحصل المقصود، ولأن انتفاء الصواب حينئذ لا يستلزم انتفاء الجواز أن يكون انتفاؤه بانتفاء ذلك المفهوم الزائد. وإن عنى به ما هو المعنى من نفس الجواز يناقض كلامه؛ لأن معنى قوله: ليس بصواب حينئذ هو أنه ليس بجائز، وما ليس بجائز يكون خطأ قطعًا، فيلزم أن يكون خطأ على تقدير أن لا يكون خطأ وهو متناقض. سلمنا عدم التناقض، لكن لا نسلم أن خلاف الإجماع ليس بصواب مطلقًا؛ وهذا لأن معناه على التقدير أن خلافه ليس بجائز في الجملة، وأنه غير مسلم عند الخصم، بل هو مذهبه، فكيف يمكن أن يقال لا شك أن خلافه ليس بجائز في الجملة. هذا إن أراد بقوله "مطلقًا" في قوله: ليس بصواب مطلقًا كونه كذلك في الجملة.
следующие страницы →