← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والأخبار، وأجمعوا: على أن المنكر لمدلول العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم أنهم أطبقوا على أن الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر أو فاسق، وهذا غفلة عظيمة إذ جعلوا الفرع أقوى من الأصل. الجواب: قوله: لا نسلم أن كلمة من للعموم. قلنا: قد ثبت ذلك في باب العموم، وقد أجبنا ثمة عن أدلة المخالفين، قوله: لم لا يجوز أن يكون التوعد على الأمرين جميعًا دون كل واحد منهما؟ واعلم أن هذا سؤال مشكل على الاستدلال بهذه الآية. وقد أجاب الناس بأجوبة لا يكاد يصح واحد منها، فلنذكر بعض ما ذكر في ذلك وهو أجودها ونذكر وجه الخلل فيه. فالأول: وهو ما أجاب به أبو الحسين البصري، وهو: أن اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرمًا ومتواعدًا عليه إلا عند مشاقة الرسول لزم أن لا يجب اتباع سبيلهم إلا عند مشاقة الرسول لما ذكرتم من أنه لا واسطة بينهما لكن ذلك محال؛ لأن مشاقة الرسول ليست عبارة عن المعصية كيف كانت، بدليل أنه لا يقال لكل من عصى الرسول أنه مشاق له، بل هي عبارة عن الكفر

стр. 2242

الكفر به وتكذيبه، وإذا كان كذلك فلو لم يجب اتباع سبيل المؤمنين إلا عند مشاقة الرسول [لزم أن لا يجب العمل بالإجماع إلا حالة تكذيب الرسول] وهو محال؛ لأن العلم بكون الإجماع حجة يتوقف على العلم بنبوته ﵇ فإيجاب العمل به حال عدم العلم بالنبوة إيجاب للشيء المتوقف على الشيء حال عدمه وهو تكليف ما لا يطاق وهو محال. لا يقال: ما ذكرتم لازم عليكم أيضًا؛ لأن بتقدير أن لا تكون حرمة اتباع غير سبيل المؤنين مشروطة بالمشاقة كان هو حرامًا مطلقًا، أعني حالة المشاقة وحال عدمها، فما هو جوابكم عنه بالنسبة/ (٧/ أ) إلى حالة المشاقة، فهو بعينه جوابنا عنه على تقدير اشتراط تحريمه بوجود المشاقة، فإن التزمتم على ذلك التقدير صحة تكليف ما لا يطاق التزمنا نحن أيضًا على تقدير اشتراط تحريمه بالمشاقة؛ لأنا نقول: إذا كان التحريم ثابتًا مطلقًا بحسب دلالة الآية لا يلزم منه إلا تقييد الحكم المطلق ببعض الأحوال لدليل العقل، أما إذا كان مشروطًا به لزم تعطيل النص بالكلية لأن عند عدم المشاقة لا يكون التكليف به ثابتًا لعدم ما يدل عليه وعند وجودها يستحيل التكليف به.

стр. 2243

ومعلوم أن هذا الجواب لا يتأتى لكم، وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن المشاقة عبارة عن تكذيب الرسول والكفر به فقط، وما ذكرتم من الدليل لا يدل عليه، بل لو دل فإنما يدل على أنها ليست عبارة عن مطلق المعصية، ولا يلزم منه أن لا يكون عبارة عن بعض منها غير الكفر به وتكذيبه. سلمنا: دلالة ما ذكرتم على أنها عبارة عن الكفر وتكذيبه، لكنه معارض بما يدل على أنها عبارة عن مطلق المعصية؛ وذلك لأن المشاقة مشتقة من الشق وهو الطرف والناحية، فتكون المشاقة عبارة عن كون أحد الشخصين في شق، والآخر في شق آخر، وذلك يكفي فيه أصل المخالفة سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغ. سلمنا: سلامته عن المعارض، لكن لا نسلم أن مطلق الكفر ينافي التكليف بالإجماع؛ وهذا لأن كون الإجماع حجة لا يتوقف إلا على صدق الرسول، والكفر الذي ينشأ من تكذيبه ومن عدم العلم بصدقه ينافي التكليف به. فأما الكفر الذي لا ينشأ منه نحو الذي يحصل من شد الزنار، ولبس الغيار، وإلقاء المصحف في القاذورات، والاستخفاف بالنبي ﷺ مع الاعتراف بكونه نبيًا، وإنكار نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيًا وما يجري مجراها، فكل ذلك لا ينافي التكليف بالإجماع.

стр. 2244

فإن قلت: هب أنه لا ينافي التكليف به، لكن يلزم منه تكليف الكافر بالعمل بالإجماع وهو ممتنع أيضًا. قلت: لا نسلم امتناعه وقد تقدم ما يدل على أنه ليس كذلك حيث بينا أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. سلمنا أن مطلق الكفر ينافي التكليف به، لكن لم قلتم أن ذلك غير جائز؟ وقد تقدم ما يدل على جوازه. واعلم أنه لو سلم امتناع تكليف ما لا يطاق، وامتناع كون الكفار مخاطبين بفروع الإسلام لمشى هذا الجواب، إذ الجواب عن المانعين الآخرين ممكن يعرف بالتأمل. وثانيها: وهو ما ذكره الإمام ﵀ وهو: أن المعلق بالشرط، إن لم يكن عدمًا عند عدم الشرط فقد حصل الفرض. إن كان عدمًا عند عدمه لم تكن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بالمشاقة والإلزام أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا عند عدم المشاقة ضرورة أن المعلق بالشرط عدم عند عدمه لكن ذلك باطل؛ لأن مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ، لكن لا شك في أنها لا تكون صوابًا مطلقًا فبطل ما ذكروه. وهو أضعف من الأول. أما الأول: فلأنا لا نسلم أنه يحصل الغرض من القسم الأول؛ وهذا لأنه يجوز أن لا يكون المعلق بالشرط عدمًا عند عدمه وتكون حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين، وكونه متوعدًا عليه عدمًا عند عدم المشاقة بخصوصيته، وهذا يسهل

стр. 2245

دفعه بأن يردد في نفس هذه الصورة. بأن يقال: حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين إن لم يكن عدمًا عند عدم المشاقة فقد حصل الغرض. وأما ثانيًا: فلأنه إن عنى بقوله "مطلقًا" في قوله: وإن كان عدمًا عند عدمه لزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا، الكل أي يجوز اتباع كل واحد مما هو غير سبيل المؤمنين فهذا غير لازم، إذ انتفاء حرمة اتباع كل واحد من سبيلهم لا يستلزم جواز اتباع كل واحد من سبيلهم؛ لأن دفع السلب الكلي لا يستلزم الإثبات الكلي. وإن عنى به الجواز في الجملة أي يجوز اتباع بعض ما هو غير سبيلهم حينئذ فهذا حق؛ لأن انتفاء السلب الكلي يستلزم الإثبات الجزئي، لكن لا نسلم بطلانه، بل هو مذهب الخصم وما ذكره من الدلالة عليه فهو غير صحيح لأنه إن عنى بالصواب مفهومًا زائدًا على الجواز فبتقدير تسليم أن مخالفة الإجماع لا يكون صوابًا فهذا المعنى لم يحصل المقصود، ولأن انتفاء الصواب حينئذ لا يستلزم انتفاء الجواز أن يكون انتفاؤه بانتفاء ذلك المفهوم الزائد. وإن عنى به ما هو المعنى من نفس الجواز يناقض كلامه؛ لأن معنى قوله: ليس بصواب حينئذ هو أنه ليس بجائز، وما ليس بجائز يكون خطأ قطعًا، فيلزم أن يكون خطأ على تقدير أن لا يكون خطأ وهو متناقض. سلمنا عدم التناقض، لكن لا نسلم أن خلاف الإجماع ليس بصواب مطلقًا؛ وهذا لأن معناه على التقدير أن خلافه ليس بجائز في الجملة، وأنه غير مسلم عند الخصم، بل هو مذهبه، فكيف يمكن أن يقال لا شك أن خلافه ليس بجائز في الجملة. هذا إن أراد بقوله "مطلقًا" في قوله: ليس بصواب مطلقًا كونه كذلك في الجملة.

стр. 2246

وإن أراد به أنه كذلك في كل الصور فمسلم أنه ليس بصواب، لكن لا يحصل منه المقصود وهو حجية الإجماع، فإن ذلك إنما يحصل إن لو لم تجز مخالفته في صورة ما. وثالثها: وهو ما ذكر بعضهم أن الوعيد إذا ترتب على أمرين اقتضى ذلك ترتبه على كل واحد منهما وعليهما معًا، يدل عليه قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا﴾، فإن الإثم كما هو مترتب على/ (٨/ أ) فعل الجميع مترتب على فعل كل واحد منها. وهو ضعيف أيضًا؛ لأنا لا نسلم أن ترتب الوعيد على كل واحد منها مستفاد من هذا النص، بل من دليل آخر وهو ما يدل على كون كل واحد منها محرمًا. ثم الذي يدل على أنه غير مستفاد من هذا النص هو: أنه لو كان مستفادًا منه لزم أيضًا ترتب ضعف العذاب على كل واحد منها لقوله تعالى: ﴿يضاعف له العذاب﴾ وبالإجماع ليس كذلك. فإن قلت: مقتضى الآية ذلك لكن خرج ذلك بدليل آخر. قلت: ليست إحالة عدم ترتب ضعف العذاب على فعل كل واحد منها إلى دليل آخر أولى من إحالة ترتب الإثم على فعل كل واحد منها إلى دليل آخر بل هذا أولى لأنه لا يلزم منه التعارض، وأما على ذلك التقدير فإنه يلزم منه التعارض وهو خلاف الأصل. وأيضًا: الرجل إذا قال لزوجته: "إن دخلت الدار وأكلت فأنت طالق"

стр. 2247

فإنها لا تطلق بفعل أحدهما إجماعًا، ولو كان ما ذكرتم مقتضى الكلام لما انعقد الإجماع على خلافه، إذ ليس له دليل آخر بالأصل، ولما سبق من استلزام ذلك التعارض. ورابعها: أجمعنا على أن مشاقة الرسول وحدها يترتب عليها الوعيد المذكور وذلك يدل على ترتب الوعيد المذكور على اتباع غير سبيل المؤمنين وحده أيضًا؛ إذ ليس للنص إشعار بترتب الوعيد على خصوصية المشاقة، بل لو دل فإنما يدل على ترتبه على المجموع وعلى كل واحد منهما، فأما أن يدل على أحدهما دون الآخر فلا ولما دل على أحدهما دل على الآخر أيضًا. وهو أيضًا من جنس ما سبق؛ لأنا لا نسلم أن ذلك مستفاد من هذه الآية بل من دليل آخر. فإن قلت: الأصل عدم الدليل فيجب أن يكون مستفادًا من هذا الدليل لئلا يلزم القول بغير دليل؛ لأنا نقول: إن ذلك الدليل معلوم بالضرورة من دين محمد ﵇ فلا يمكن الاستدلال بالأصل على نفيه. وخامسها: وهو أنه لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فأما أن يكون ذلك لمفسدة متعلقة به أو لا لمفسدة، لا جائز أن يقال بالثاني، فإن ما لا مفسدة فيه لا تواعد عليه وفاقًا، وإن كان الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين أما أن يكون من جهة مشاقة الرسول، أو لا من جهتها فإن كان الأول فذكر المشاقة كاف في التواعد لما قيل ولا حاجة إلى قوله "ويتبع غير سبيل المؤمنين". وإن كان الثاني لزم التواعد لتحقق المفسدة سواء وجدت المشاقة أو لم توجد.

стр. 2248

وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا نختار من جملة الأقسام المذكورة أنه كان التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين لمفسدة متعلقة به لكن بشرط وجود المشاقة. وقوله في الدلالة على فساده: فذكر المشاقة كاف في التوعد من غير حاجة إلى قوله ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ ممنوع، وهذا لأنه إنما يكون كاف لو كانت المشاقة مستقلة باقتضاء تلك المفسدة، وأما إذا لم تكن مستقلة بذلك فلا، ولو عنى بقوله: فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن يكون من جهة مشاقة الرسول، أو لا من جهتها أن تكون المشاقة مستقلة باقتضاء تلك المفسدة منعنا القسم الثاني، وهو أنه يلزم التواعد على اتباع غير سبيل المؤمنين بدون المشاقة إذ لا يلزم من استقلالها أن لا يكون لها مدخل في تحقق المفسدة المتعلقة باتباع غير سبيل المؤمنين. والأولى في ذلك وجهان: أحدهما: أن مشاقة الرسول من جملة غير سبيل المؤمنين، فلو كانت شرطًا في حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين لزم أن تكون حرمة الشيء مشروطًا بوقوعه وهو مناقض للمعنى المقصود من التحريم، فإن المقصود من تحريم الشيء منع إدخاله في الوجود، ولأن الفعل بعد ما وجد لم يبق متعلق التكليف وفاقًا وكونه محرمًا بعده يقتضي ذلك فالجمع بينهما متناقض. لا يقال: ما ذكرتم إنما يلزم لو كانت حرمة المشاقة منحصرة في جهة كونها غير سبيل المؤمنين لكنه ليس كذلك ليس كذلك؛ لأنها محرمة لخصوص جهة المشاقة أيضًا، وحرمتها بهذا الاعتبار غير مشروطة لوقوع نفسها فلا يلزم ما ذكرتم من المحذورين؛ لأنا نقول: نحن ما ادعينا أنه يلزم أن لا تحرم المشاقة إلا بعد

стр. 2249

وقوعها وأنها لا تبقى متعلق التكليف إلا بعد وقوعها حتى يكون ما ذكرتم قادحًا فيه بل ادعينا أن اعتبار شرطية المشاقة في تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين يستلزم المحذور المذكور فيكون باطلاً [وما] ذكرتم غير قادح فيما ذكرناه. وثانيهما: أن الآية سيقت لتعظيم الرسول، ولتعظيم مجموع المؤمنين، وذلك إنما يحصل لو حرم كل واحد منهما بدون الآخر، وإلا لم يحصل هذا المقصود بل تعظيم مجمول الرسول تعظيم لهم لئلا يلزم الترك بسياق الآية وإذا كان كذلك وجب القول بأنه لا تشترط المشاقة في تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين كما لا يشترط هو في تحريمها تعظيمًا للرسول. قوله: الآية دالة على حرمة اتباع بعض ما هو غير سبيل المؤمنين لا على حرمة اتباع الكل لأن لفظ السبيل والغير مفرد. قلنا: بل هي دالة على حرمة الكل لوجوه: أحدها: أنهما وإن كانا مفردين لكنهما مضافان إلى الجمع المعرف باللام وهو يفيد العموم، فكذا ما أضيف إليه ويصير المعنى على هذا: ويتبع كل واحد مما هو غير سبيل المؤمنين. وثانيها: أن/ (٩/ أ) الرجل إذا قال: "من دخل غير داري ضربته" فهم منه العموم، ولهذا يصح منه استثناء كل واحد من الدور المغايرة لداره.

стр. 2250

وثالثها: أنا لو لم نحمله على العموم فإما أن نحمله على بعض معين منه وهو باطل، [إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه أو على بعض غير معين وهو أيضًا باطل] لما فيه من الإجمال، أو لا يحمل على شيء وهو أيضًا باطل وهو ظاهر، فيتعين الحمل على العموم. ورابعها: أن ترتيب الحكم على الاسم يشعر بكون المسمى علة لذلك الحكم، فعلة التهديد والتوعد هو كونه اتباعًا لغير سبيل المؤمنين فيعم الحكم لعموم علته. قوله: العمل على البعض متعين وهو ما صاروا به مؤمنين. [قلنا: قد تقدم أنه للعموم فيجب إجراؤه على العموم وأما قوله أولاً: إن الفهم يتبادر إليه]. قلنا: ممنوع. سلمناه لكنه وجد هنا ما يدل على أن المراد منه ليس ما ذكرتم؛ وذلك لأنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لزم التكرار ضرورة أنه لا معنى لمشاقه الرسول إلا اتباع غير سبيل المؤمنين فيما صاروا به غير مؤمنين، فيكون النهي عنه نهيًا عن اتباع غير سبيل المؤمنين فيما صاروا به غير مؤمنين، وهذا إنما يتم لو كانت المشاقة هي الكفر، فأما إذا كانت أعم منه أو أخص فلا، إذ لا يلزم من نهى الشيء نهى ما هو أعم منه أو أخص للتكرار. سلمنا دلالة ما ذكرتم لكنه معارض ببعض ما تقدم. وأما قوله ثانيًا: إن الآية وردت في رجلٍ ارتد.

стр. 2251

قلنا: قد تقدم في باب العموم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصية السبب. قوله: لو حمل على الكل لا يفيد أيضًا. قلنا: ذاك لو حمل على الكل من حيث إنه كل، فأما إذا حمل على كل واحد واحد كما تقدم فإنه يحصل المقصود ولا شك أنه هو المتبادر إلى الفهم، فإن الرجل إذا قال: "من دخل غير داري فله كذا" فإنه لا يفهم منه: أنه أراد به من دخل جميع الدور المغايرة لداره ولهذا يستحق الجزاء بدخول أي دار كانت غير دوره. قوله: لم قلت: إنه يلزم من حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع سبيلهم؟ قلت لوجهين: أحدهما: أنه يفهم في العرف من قول القائل: "لا تتبع غير سبيل الصالحين" الأمر بمتابعة سبيلهم، ولهذا لو صرح بالنهي عن متابعة سبيلهم معه وقال: لا تتبع سبيلهم أيضًا عد متناقضًا. نعم لو قال: "لا تتبع سبيل غير الصالحين" فإنه لا يفهم منه الأمر بمتابعتهم، ولهذا لو صرح معه بالنهي عن متابعتهم أيضًا بأن قال: "ولا تتبع سبيلهم أيضًا" لم يعد متناقضًا فإذا كان كذلك كان التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين أمرًا باتباع سبيلهم. وثانيهما: أن غيرها هنا بمعنى إلا؛ بدليل أنه لو كان بمعنى الصفة لزم إضمار الموصوف، والإضمار خلاف الأصل، فما يفضي إليه يكون أيضًا كذلك

стр. 2252

كذلك، وجعل غير بمعنى إلا وإن استلزم التجوز لكنه خير من الإضمار، وحينئذ يصير المعنى: ومن يشاقق الرسول ويتبع إلا سبيل المؤمنين، ومعلوم أنه لو قال هذا لأفاد إيجاب اتباع سبيلهم فكذا هذا. قوله: "إنما يجب اتباع سبيلهم بشرط تبين الهدى". قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن قوله: "ويتبع غير سبيل المؤمنين" مطلق فتقييده بتبين الهدى خلاف الأصل، وكونه معطوفًا على المشاقة المشروطة بتبين الهدى لا يقتضي أن يكون أيضًا مشروطًا بتبين الهدى؛ إذ العطف لا يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأمور ولو سلم ذلك، لكنه يقتضي تبين دليل التوحيد والنبوة فقط؛ لأنه هو الهدى الذي شرط تبينه في المشاقة لا أدلة الفروع، وحينئذ لو شرط تبين أدلة الفروع في وجوب اتباع غير سبيل المؤمنين فإما أن يكون ذلك لأن العطف يقتضي الاشتراك بينهما في جميع الأمور وهو باطل؛ لأنه غير مشروط في المعطوف عليه، أو لغيره والأصل عدمه. ولو سلم وجود ما يقتضيه لكنه معارض بوجهين: أحدهما: أنه لو شرط في وجوب اتباع غير سبيل المؤمنين تبين دليله لخرج ذلك عن أن يكون اتباعًا لسبيلهم؛ لأن من يقول قولاً بناء على دليل لا يعد متبعًا لأحد وإن وافقه في ذلك، ولذلك لا يعد المسلمون متبعين لليهود والنصارى في القول بنبوة موسى وعيسى ﵉ وهو خلاف مدلول الآية.

стр. 2253

وثانيهما: أن هذه الآية خرجت مخرج التعظيم والمدح للمؤمنين، وتمييزهم عن غيرهم، فلو شرط في وجوب اتباعهم تبين دليل ما يتبعون فيه لم تكن الآية مدحًا لهم لأنه لا منقبة للنصارى واليهود في أن يقول المسلمون بقول من أقوالهم عند معرفة دليله. سلمنا سلامته عن المعارض، لكن لا نسلم أنه لم يبق إذ ذاك في التمسك بالإجماع فائدة؛ وهذا لأنه حجة قطعية غير قابل للنسخ والتخصيص بخلاف غيره من الأدلة. قوله: "لفظ السبيل غير مستعمل في حقيقته". قلنا: لا نسلم بل هو عندنا حقيقة في الطرائق والأقوال والأفعال التي يختارها الإنسان لنفسه بحسب قدر مشترك؛ وهذا لأنه مستعمل في الكل كثيرًا قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾، ﴿قل هذه سبيلي﴾، و ﴿من أهدى سبيلاً﴾، و ﴿من أضل سبيلاً﴾، والأصل في الاستعمال الحقيقة الواحدة. سلمنا أنه مجاز لكن لا نسلم أن الحمل على دليل الحكم أو الاستدلال عليه أولى من الحمل على نفس الحكم، وما ذكروه من الدلالة وإن دل عليه لكن لفظ الاتباع يمنع من حمله عليه إذ المتمسك بالدليل لا يكون متبعًا/ (١٠/ أ).

стр. 2254

سلمنا ذلك لكنه لا يخل بمقصودنا وذلك، لأنه تعالى لما أمرنا بمتابعة دليلهم أو استدلالهم: دل ذلك على أنه حق وصواب مطلقًا، وإلا لما أمرنا باتباعه مطلقًا، وذلك يستدعي حقيقة ما أجمعوا عليه مطلقًا فيجب اتباعه. واحترزنا بقولنا: "مطلقًا" مما أدى إليه اجتهاد المجتهد على قولنا: إن كل مجتهد مصيب، فإنه وإن كان حقًا لكنه ليس مطلقًا لكن بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى من يقلده. قوله: "وجوب الاتباع أعم من وجوب الاتباع في كل الأمور، أو في بعضها والدال على العام لا يدل على الخاص". قلنا: الآية دالة على وجوب اتباع سبيلهم في كل الأمور، بدليل صحة الاستثناء، وبدليل الإيماء فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فيشعر أنه إنما وجب اتباع سبيل المؤمنين [لكونه سبيل المؤمنين] فيعم الحكم لعموم علته، وأيضًا لما حرم اتباع كل ما هو غير سبيل المؤمنين وجب اتباع كل ما هو سبيلهم؛ ضرورة أنه لا واسطة بينهما، وهذا إنما يتم إن لو لم يجعل عدم الاتباع واسطة. قوله: "لا يجب اتباعهم في بعض الأمور قطعًا". قلنا: ندعي وجوب اتباعهم [في كل الأمور إلا ما خصه الدليل وما ذكرتم من الأمور خصه الدليل] فيبقى فيما عداه باق على دلالته. قوله: "الحمل على ما صاروا به مؤمنين أولى".

стр. 2255

قلنا: لا نسلم، أما الوجه الأول [فلا نسلم] تبارد الفهم إليه [وهذا] لأن للآمر أن يذم المأمور ويوبخه على ترك بعض السنن والمندوبات التي لهم مع أنهم ما صاروا به صالحين، بل إنما صاروا صالحين بفعل الواجبات، وترك المنهيات، ولولا أنه للعموم لما صح الذم، ولو سلم ذلك لكن لم يمكن ذلك في الإيمان؛ لأنه لا يحصل بالتقليد، والاتباع إنما يكون بالتقليد على ما عرفت ذلك غير مرة؛ ولأن الحمل عليه يقتضي التكرار والتأكيد، فإن القرآن مشحون بالتحذير عن الكفر والحث على الإيمان، فلو حمل هذه الآية عليه لزم التأكيد، ولو حمل على جميع سبيلهم يحصل فائدة جديدة لم تحصل من غيرها فكان الحمل عليه أولى. وبهذين الأخيرين عرف الجواب أيضًا عن قوله: "الحمل على الإيمان أولى لكونه حاصلاً عند نزول الآية". وأما الوجه الثاني: فجوابه أنا لو سلمنا فهم ما ذكرتم منه دون العموم فإنما هو لقرينة عرفية اقتضت، وإلا فهو من حيث اللفظ يفيد التعميم لما سبق. قوله: " [يجب] اتباع كل المؤمنين أو البعض". قلنا: الكل إلا ما خصه الدليل. قوله: "الكل هم الذين يوجدون إلى يوم القيامة. قلنا: ممنوع، وسنده ما سبق. قوله: "فحينئذ لا يتناول إلا إجماع الموجودين عند نزول الآية، وحينئذ يلزم أن لا يكون شيء من الإجماعات حجة بالتقدير الذي سبق.

стр. 2256

قلنا: لما تعذر الحمل على الكل الذين يوجدون إلى يوم القيامة، وعلى الموجودين عند نزول الآية، وجب حمله على كل مؤمني عصر دفعًا للتعطيل. قوله: "يحمل على كل مؤمني كل عصرٍ أو على بعضهم؟ قلنا: على كلهم إلا ما خصه الدليل، نحو العوام والمجانين والصبيان. قوله: "نحمله على الإمام المعصوم". قلنا: حمل لفظ الجمع على الواحد غير جائز عند الأكثرين، ومن جوز قال: إنه مجاز نادر لا يجوز الحمل عليه ما دام أمكن الحمل على ما يتحقق فيه معنى الجمع. لا يقال: نحن لا نحمل على الإمام المعصوم بل على الأئمة المعصومين لأنا نقول: لا وجود لإجماعهم قبل يوم القيامة، وبعده لا فائدة فيه، ولو اعتبر إجماع ثلاثة أو أربعة منهم لزم الترجيح من غير مرجح. قوله: "الإيمان أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه". قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه عندنا حقيقة في الإقرار باللسان فيحمل عليه، وحينئذ يمكن الاطلاع عليه، فلم قلت: إنه ليس عبارة عنه بطريق الحقيقة؟ لا بد لهذا من دليل. سلمنا أنه ليس حقيقة فيه، فلم لا يحمل عليه؟ قوله: "يلزم منه التجوز وأنه خلاف الأصل". قلنا: التجوز خير من تكليف ما لا يطاق.

стр. 2257

سلمنا أنه حقيقة في التصديق القلبي، وأنه هو المراد من الآية، لكن لا نسلم أنه لا يمكن الاطلاع عليه على وجه العلم، وهذا لأنه يجوز أن يعلم بالقرائن الظاهرة، فإن الأمور الباطنة كالحب، والبغض، والعلم، والجهل قد تعلم بالقرائن الظاهرة. سلمنا أنه لا يمكن الاطلاع عليه على وجه العلم، لكن لا شك في إمكان الاطلاع عليه على وجه الظن، فلم لا يكتفى به في هذا المكان كما اكتفى به في مواضع كثيرة من التكاليف؟ فلو قال: أنه تجويز لاتباع من يجوز أن يكون كافرًا. قلنا: نعم لكن لم قلتم أن ذلك ممتنع؟ وهذا لأنه يجوز قتل المسلم بغلبة الظن بأنه كافر، فلم لا يجوز اتباع من ليس بمؤمن بناء على غلبة الظن بأنه مؤمن في مسألة فرعية؟ قوله: "سلمنا دلالة الآية لكن دلالة ظنية، أو قطعية؟ قلنا: دلالة ظنية. قوله: "المسألة علمية فلا يجوز التمسك فيها بما يفيد الظن". قلنا: لا نسلم أن المسألة علمية بل هي عندنا ظنية. سلمنا، لكن لم لا يجوز التمسك فيها بأدلة كل واحد منها وإن كان لا يفيد إلا الظن، لكن مجموعها يفيد القطع واليقين؟ والمقصود من هذه الأدلة تقوية الظنون إلى أن تنتهي إلى حد العلم. ومن هذا يعرف أن تشنيع الإمام غير واقع في موقعه؛ لأنهم حيث لم يكفروا ولم يفسقوا المنكر مدلول العمومات، فإنما لم يكفروا ولم يفسقوا،

стр. 2258

لأنه لم تتظافر عليه عمومات مجموعها يفيد القطع واليقين، أو ظنًا قريبًا منه. وأما إذا كان مدلولاً لمثل هذه العمومات أعنى مثل عمومات الإجماع، فلا نسلم أنهم لم يكفروا ولم يفسقوا المنكر مدلولها، والإجماع من جملة ما تظافر عليه أدلة مجموعها يفيد القطع وإن لم يفد كل واحد منها ذلك. وثانيها: قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على/ (١١/ أ) الناس﴾. ووجه الاحتجاج به: أنه وصف الأمة بكونهم أمة وسطًا، و"الوسط" هو العدل والخيار من كل شيء. قال الله تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾، أي أعدلهم وخيارهم. وقال ﵇: "خير الأمور أوساطها" أي أعدلها.

стр. 2259

وروي عنه أنه قال: "عليكم بالنمط الأوسط" أي الأعدل. وقيل: "إنه ﵇ أوسط قريش نسبًا" أي أخيرهم وأعدلهم. وقال الشاعر: هم وسط يرضي الأنام بحكمهم .... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم

стр. 2260

أي عدول. وإذا كانوا عدولاً وخيارًا بتعديل الله تعالى وجب أن لا يجوز منهم صدور شيء من المحظورات، ولا نعني بكون الإجماع حجة سوى هذا. فإن قيل: لا نسلم أنه وصف الأمة بالوسط، بل وصف المخاطبين بكونهم أمة وسطًا ولا يلزم منه وصف الأمة بكونهم أمة وسطًا. سلمناه، لكن الأمة أيضًا لا يتناول إلا الموجودين، فلو دلت الآية على عدالة الأمة فإنما تدل على عدالة الموجودين لا غير، فليس في دلالتها على عدالة الأمة زيادة على دلالتها على عدالة المخاطبين فإنه على التقديرين يختص بالموجودين حالة نزول الآية. سلمنا: تناوله للموجودين في كل عصر، لكنه متروك الظاهر؛ لأن ظاهره يقتضي عدالة كل واحد واحد من الأمة وهي ثابتة، للعلم الضروري أن كل واحد من الأمة ليس بعد ولا خيار لصدور المحظورات منهم، وحينئذ يجب حمله على المجاز وليس البعض أولى من البعض، فتبقى الآية مجملة فلا يصح بها الاستدلال. سلمنا: أن البعض منه أولى من البعض الآخر، لكن ليس الحمل على

стр. 2261

الموجودين في كل عصر أولى من الحمل على الأئمة المعصومين. سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الوسط هو العدل، وما ذكرتم من الدلالة عليه فهو معارض بوجهين: أحدهما: أن العدالة من فعل العبد، ضرورة أنها عبارة عن فعل الواجبات واجتناب المحرمات، وكونهم وسطًا من فعل الله تعالى لصراحة قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ فوجب أن يكون كونهم عدولاً غير كونهم وسطًا. وثانيهما: أن "الوسط" حقيقة فيما يكون متوسطًا بين الشيئين، فلو كان حقيقة أيضًا في العدالة لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل. سلمنا سلامته عن المعارض لكن لا نسلم أن كونهم عدولاً وخيارًا يقتضي أن لا يصدر منهم شيء من المحظورات؛ وهذا لأن الصغائر لا تقدح في العدالة، وحينئذ يجوز إجماعهم على الخطأ الذي هو من باب الصغائر. سلمنا ذلك لكن إنما جعلهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس في الآخرة بتبليغ الأنبياء الرسالة إليهم وذلك يقتضي عدالتهم في ذلك، فلم قلتم

стр. 2262

أنهم عدول في غيره؟ وهذا لأن العدالة تتجزأ، فإن الرجل قد يكون عدلاً في شيء دون شيء. سلمنا أنها لا تتجزأ وأنه يقتضي أن يكونوا عدولاً في كل شيء لكن بالنسبة إلى وقت أداء الشهادة، أو مطلقًا؟. والأول مسلم، والثاني ممنوع، وهذا لأن عدالة الشهود لم تعتبر إلا وقت الأداء، دون وقت التحمل، ولا شك أن وقت الأداء إنما هو الدار الآخرة فيقتضى تحقق عدالتهم فيها فقط. سلمنا دلالة الآية على تحقق عدالتهم في الدنيا والآخرة لكن على وجه القطع، أو على وجه الظن؟ والأول ممنوع، وسنده ظاهر. والثاني مسلم، لكنه لا يفيد إذ المسألة علمية فلا يجوز التمسك فيها بالدليل الظني. سلمنا دلالته على تحقق العدالة قطعًا، لكن العدالة تدل على عدم صدور الخطأ ظاهرًا، أو قطعًا؟ والأول مسلم، ولا يفيد، إذ الإجماع حينئذ يصير حجة ظنية. وأنتم لا تقولون به. والثاني ممنوع، إذ من المعلوم أن العدالة لا تدل على عدم صدور الخطأ على وجه القطع.

стр. 2263

الجواب: قوله: "وصف المخاطبين بالوسط لا الأمة. قلنا: خطاب المشافهة لا يتناول سوى الموجودين، والأمة أيضًا لا تتناول إلا الموجودين على ما ذكرتم، وساعدناكم عليه، فيكون وصف المخاطبين بذلك يقتضي وصف الأمة بذلك. قوله: "الآية إنما تدل على عدالة الموجودين لا غير. قلنا: سبق الجواب عنه في المسلك الأول. قوله: "الآية متروكة الظاهر وليس البعض أولى من البعض فتكون مجملة". قلنا: لا نسلم أن ليس البعض أولى من البعض، وهذا لأن الحمل على الموجودين في كل عصر أولى دفعًا للتعطيل. قوله: "ليس الحمل عليه أولى من الحمل على الأئمة المعصومين". قلنا: قد مر الجواب عنه في الدليل الأول. قوله: "لا نسلم أن الوسط هو العدل". قلنا: قد مر الدليل عليه في وجه الاستدلال. قوله: في المعارضة الأولى "العدالة من فعل العبد". قلنا: لا نسلم، وهذا لأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى عندنا ولو قال: العدالة من كسب العبد، وكونهم وسطًا ليس من كسبهم [فلا يكون كونهم وسطًا عبارة عن كونهم عدولاً، منعنا الثاني، وهذا لأن قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ لا دلالة فيه على أن ذلك ليس من

стр. 2264

كسبهم] قوله في الوجه الثاني "الوسط اسم للمتوسط حقيقة فلا يكون حقيقة في العدالة". قلنا: هو حقيقة فيه بحسب قدر مشترك بينه وبين العدالة وهو: البعد عن الطرفين لا بحسب الخصوصية، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور ولو ادعيتم أنه حقيقة فيه بحسب الخصوصية منعناكم. ثم الذي يدل على مرجوحيته أنه يستلزم الاشتراك أو التجوز وكلاهما خلاف الأصل/ (١٢/ أ) وما ذكرنا لا يستلزم شيئًا من هذا فكان أولى. قوله: "الصغائر لا تقدح في العدالة". قلنا: لا صغيرة على الإطلاق، بل كل ذنب فإنه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقه، كبيرة بالنسبة إلى ما تحته فقد سقط هذا السؤال. وأما أن قيل: بأن الصغائر والكبائر ثابتة على الإطلاق، فقد أجيب عنه على هذا التقدير: أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولاً، والأصل أن يكون ذلك حقيقة في نفس الأمر، لكونه عالمًا بالخفيات، والحاكم إذا علم من حال شخص أنه غير عدل في نفس الأمر لا يخبر عنه بأنه عدل.

стр. 2265

وهو ضعيف، إذ لا نزاع في أنه تعالى إذا أخبر عن عدالتهم تكون عدالتهم ثابتة، وإنما الكلام في أن العدالة هل تقتضي المنع من الصغائر أم لا؟ وما ذكره لا يفيده، ثم الذي يدل على أنه لا يمنع من تجويز الصغائر أن الفرق بين العصمة والعدالة معلوم، فلو اقتضت العدالة المنع من الصغائر والكبائر لما بقى بينهم فرق. فإن قلت: الفرق بينهما: أن العصمة تمنع من التجويز، والعدالة لا تمنع منه وإنما تمنع من الوقوع. قلت: من يقول بأن الإجماع حجة لا يجوز منهم صدور الخطأ إلا أنه لا يقع منهم مع جواز أن يقع ذلك منهم. وأيضًا: لو كانت الصغائر تقدح في العدالة لقدحت في عدول القضاة، إذ العدالة غير مختلفة بالنسبة إلى كل الأمة وإلى بعضها. وما قال الإمام في دفع هذا وهو "أنه لا اطلاع للقضاة على بواطن الأمور فلا جرم اكتفى بالعدالة الظاهرة، بخلاف الله تعالى فإنه عالم بظواهر الأمور وبواطنها، فإذا أطلق العدالة عليهم وجب أن يكونوا عدولاً في كل شيء". فليس بدافع، لأنه مبني على أن العدالة الظاهرة والباطنة تمنع من الذنوب كلها صغائرها وكبائرها وهو ممنوع لما سبق، وأيضًا [العدالة إذ لم تثبت باطنًا لم تمنع من الكبائر أيضًا فلا معنى لجعل] العدالة الظاهرة مانعة من الكبائر دون الصغائر. واعلم أنه يمكن تقرير الدلالة على أن العدالة متى تحققت وجب أن تمنع من المعاصي كلها، بأن يقال:

стр. 2266

العدالة عبارة عن هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة [والأصل ترتب المقتضى على المقتضى، ولا شك أن الإتيان بالصغيرة يخل بالتقوى]، إذ التقوى بالاتقاء عن المعاصي، والصغيرة معصية فلو صدرت مع تحقق العدالة لزم عدم ترتب المقتضى على المقتضى وهو خلاف الأصل لكن هذا إنما يدل على عدم جواز صدورها عمدًا، فأما سهوًا أو نسيانًا فلا، إذ الإتيان بالمعصية على وجه السهو أو النسيان لا يخل بالتقوى وحينئذ لم يلزم حجية الإجماع. قوله: "إنما جعلهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس في الدار الآخرة بتبليغ الأنبياء الرسالة إليهم". قلنا: هذا تقييد للمطلق، لأن قوله ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، مطلق غير مقيد بشيء دون شيء، فتقييده بالشهادة على تبليغ الرسالة خلاف الأصل بل هو متناول له ولغيره إذا صح نقل هذا القول عن السلف، وإلا كان الحمل عليه بعيدًا، لأن الأمم السالفة شاهدت الرسل [و] المرسل إليهم، وكثير منهم من آمن بهم، فشهادتهم على المنكرين منهم أولى ممن لم يشاهد ذلك. قوله: "الآية تقتضي عدالتهم في الدار الآخرة". قلنا: لا نسلم [هذا]، لأن قوله: ﴿وكذلك جعلناكم﴾ يقتضي أن جعلهم وسطًا في الماضي، ولو كان [المراد] جعلهم عدولاً في الدار

стр. 2267

الآخرة لقال "سيجعلكم" ولأن الأمم كلها عدول في الدار الآخرة، إما لعدم صدور المعاصي منهم فيها، أو وإن صدر من بعضهم الكذب كإنكار المعاصي كما حكى الله تعالى عنهم في الكتاب العزيز في مواضع، لكنهم غير مؤاخذين به لارتفاع التكاليف، وحينئذ لم يكن في تخصيص أمة محمد ﷺ بذلك مزيد فائدة. وكونه جعلهم وسطًا ليكونوا شهداء على الناس في الدار الآخرة على تقدير تسليمه لا يقتضي أن يكونوا عدولاً في غيرها، لجواز أن تعدل في وقت وتتراخى الشهادة عنه. قوله: "دلالة الآية على تحقيق العدالة ظنية، وكذلك دلالة العدالة على عدم الخطأ ظنية، فلا يجوز التمسك بها. قلنا: قد مر الجواب عنه في المسلك الأول. وثالثها: قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. ووجه الاستدلال به: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم خير أمة، لأمرهم بالمعروف

стр. 2268

ونهيهم عن المنكر، والمراد من المعروف والمنكر: كل المعروف وكل المنكر، أما إن قيل: بأن المفرد المحلى بالألف واللام للعموم فظاهر، إذ هو حقيقة في الاستغراق حينئذ والأصل عدم الصارف عنه. وأما إن لم نقل بذلك فيجب حمله على العموم هنا أيضًا، لأنه لو لم يحمل عليه، فإما أن يحمل على المعهود وهو إما ما يصح به الدين، أو غيره. والأول باطل، لأنه ليس في تخصيص هذه الأمة بذلك زيادة منقبة ومدح، إذ الأمم كلها تأمر بأصول ما يصح به دينها وتدعو إليه، مع أنه الآية ما سيقت إلا لبيان المدح والثناء عليهم. والثاني أيضًا باطل، إذ لا عهد بالنسبة إلى كله، ولا بالنسبة إلى البعض [لا بحسب الدليل العقلي، ولا بحسب الدليل النقلي فليس كله أولى من غيره وليس] البعض منه [أولى من/ (١٣/ أ) البعض الآخر فيتحقق الإجمال وهو خلاف الأصل]، والاكتفاء بالبعض منه أي بعض كان يوجب إلغاء فائدة التخصيص، إذ الأمم تشارك هذه الأمة في الأمر بمعروف ما والنهي عن منكر ما. وبهذا يعرف أيضًا [أنه لا يجوز حمله على الماهية أيضًا]، لأنه يكفي في تحقق مدلول النص على هذا التقدير الأمر بمعروف ما والنهي عن منكر ما، وإذا بطل أن يحمل على الماهية وعلى المعهود وعلى البعض معينًا، أو غير معين وجب حمله على الكل حذارًا من التعطيل، وإذا حمل على الكل من المعروف والمنكر لزم أن يكون الإجماع حجة، إذ لو جاز أن يجمعوا على ما ليس بحق

стр. 2269

لكانوا آمرين به، وناهين عن ضده، فكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف، وهو خلاف مدلول الآية، وإذا كان ما أجمعوا عليه حقًا وجب اتباعه، ولا نعني بكون الإجماع حجة سوى هذا. فإن قيل: ما ذكرتم مبني على أن الآية خرجت مخرج المدح، وأنها ما سيقت إلا لبيان الثناء عليهم على وجه الاختصاص بهم وهو ممنوع، ولم لا يجوز أن يقال: أنه ليس المراد منها إلا بيان ما هو عليه الأمة سواء كانوا فيه منفردين أو يشاركهم فيه غيرهم؟ سلمنا ذلك لكنه مدح له في الماضي أو في الحال؟ والأول مسلم، لكنه لا يفيد، إذ لا يلزم من مدحهم في الماضي باعتبار الصفة المذكورة ثبوت المدح لهم باعتبار تلك الصفة في الحال، بل لو نظر إلى المفهوم اقتضى ذلك عدمه في الحال. سلمنا ثبوت المدح في الحال لكن باعتبار ما كانوا عليه في الماضي أولاً بهذا الاعتبار؟ والأول مسلم، ولا يلزم منه مدحهم في الحال بذلك الاعتبار، فإنه يجوز أن يمدح الإنسان في الحال بما صدر عنه في الماضي وإن كان باعتبار ما في الحال يستحق الذم. والثاني ممنوع، وهذا لأن قوله: ﴿كنتم خير أمة﴾ صريح في أنه مدح لهم باعتبار الماضي. سلمنا أنه مدح لهم في الحال باعتبار ما كانوا عليه في الحال، لكن لم قلتم

стр. 2270

أنه يجب بقاؤهم عليها في الاستقبال حتى يلزم أن يكون الإجماع حجة في جميع الأزمنة؟ ولا يمكن دفعه بعدم الفصل بين الزمانين لما سبق غير مرة، ولا بأن إجماعًا ما وهو الحاصل في ذلك الزمان يكون حجة حينئذ والخصم لا يقول به فيصير محجوبًا، لأنه لم يعلم حصول إجماع ما في ذلك الزمان لا بعينه ولا بغير عينه حتى يلزم حجيته. سلمنا ذلك لكنه خطاب مشافهة فيختص بالحاضرين. سلمنا عدم اختصاصه بهم، لكنه متروك الظاهر وليس بعض المجازات أولى من البعض فيتحقق الإجمال. سلمنا أن البعض أولى من البعض، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الأئمة المعصومون؟ سلمنا دلالة الآية لكن دلالة ظنية، أو قطعية؟ الأول مسلم. والثاني ممنوع، وفد عرفت سنده فيما مر. الجواب عن الأول: أن كون الآية سيقت لبيان مدحهم، وأنهم خير من سائر الأمم فذلك معلوم من صراحة قوله ﴿كنتم خير أمة﴾ ومن سياق الكلام، وحينئذ يجب أن تكون الصفة المذكورة مختصة بهم، وإلا لما حصلت خيرتهم بالنسبة إلى سائر الأمم، وإنما تكون مختصة بهم لو أمروا بجميع المعروف ونهوا عن جميع المنكر، وإلا فسائر الأمم يشاركونهم في الأمر ببعض

стр. 2271

المعروف والنهي عن بعض المنكر. وعن الثاني: أنه إن جعلت كان هنا زائدة كما في قوله تعالى: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيًا﴾. أو تامة، كما في قوله تعالى ﴿كان ذو عسرة﴾ فالسؤال ساقط بالكلية لأنه حينئذ لم يوجد ما يدل على اتصافهم بذلك في الماضي، بل وجد ما يدل على اتصافهم بذلك مطلقًا، لأنه يصير تقدير الكلام على الأول: أنتم خير أمة أخرجت للناس، وعلى الثاني: أي وجدتم وخير منصوب على التقديرين على الحال، ومعلوم: أنه لو قال هكذا لأفاد مدحهم وخيرتهم مطلقًا، فكذا قوله ﴿كنتم خير أمة﴾. وإن جعلت خبرية وهي التي تحتاج إلى اسم وخبر فعلى هذا وإن كان لفظ "كنتم" يدل على ثبوت تلك الصفة في الماضي، لكن لفظ "تأمرون وتنهون" يدل على ثبوته في الحال أو في الاستقبال أو فيهما فيجب القول بثبوت مدلولهما لعدم المنافاة بين مدلوليهما بحسب المطابقة، ومفهوم كان لو سلم القول به لا ينتهض معارضًا لمنطوق تأمرون وتنهون؛ لأن المفهوم المخالف لا يعارض المنطوق. وبه خرج الجواب عن الثالث، فإن لفظ "تأمرون وتنهون" يدل على ثبوت هذه الصفة لهم في الحال أو في الاستقبال أو فيهما.

стр. 2272

وعن الثالث، أنه إن قيل: أن صيغة المضارع حقيقة في الحال والاستقبال أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وقلنا. اللفظ الواحد يجوز استعماله في المعنيين المختلفين، أو قلنا: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك المعنوي، فإنه يجب حملها عليهما، وحينئذ تكون الآية دالة على ثبوت تلك الصفة في الحال والاستقبال، وأما إن لم نقل بذلك فيستدل على ثبوته في الاستقبال باستصحاب الحال وهذا وإن كان ظنيًا لكن دلالة الآية على المطلوب أيضًا ظنية عندنا. وعن البواقي ما سبق في المسلكين المتقدمين. ورابعها: وهو معتمد الإمام، وهو التمسك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. أمر بالكون مع الصادقين فلا بد أن يكون مقدورًا لنا، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وحينئذ لم يجز أن يراد/ (١٤/ أ) منه الصادق في بعض الأمور، وإلا لكان ذلك أمرًا بموافقة كلا الخصمين، لأن كل واحد منهما صادق في بعض الأمور، ولكان ذلك أمرًا لكل واحد منهما بموافقة الآخر وهو باطل فيتعين أن يكون المراد منه: من يكون صادقًا في كل الأمور، وحينئذ نقول: إما أن يكون هذا أمرًا بالكون معهم في جميع الأمور، أو في بعضها. والثاني باطل، لأن ذلك البعض غير متعين بحسب دلالة الآية ولا بحسب غيرها، إذ الأصل عدم ذلك فيلزم الإجمال، وهو خلاف الأصل فيتعين الأول وحينئذ نقول، إن الصادقين الذين أمرنا بالكون معهم هم الصادقون في كل الأمور وهم إما مجموع الأمة أو بعضه، والثاني باطل، لأنه تعالى أمرنا بالطون معهم وجب أن يكون مقدورًا لنا كما سبق، وإنما يكون ذلك مقدورًا لنا أن لو عرفناهم بأعيانهم لكنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف أحدًا نقطع فيه

стр. 2273

بأنه من الصادقين، وإذا كان كذلك كانت القدرة على الكون معهم فائتة والإمامية وإن قالوا بامتناع خلو زمان عن الإمام المعصوم، لكنهم لم يقولوا بامتناع عدم اشتهاره، ووجوب ظهوره حتى يمكن الكون معه، ولأن حمل لفظ الجمع المحلى بالألف واللام على الواحد ممتنع أو بعيد، وإذا بطل هذا القسم تعين الأول، وهو أن المراد من الصادقين مجموع الأمة دفعًا لتعطيل النص. ولقائل أن يقول: الأمر بالكون معهم إما أن يكون بشرط العلم بصدقهم، وأعنى بالعلم هنا ما يعم العلم، والظن، أولاً بهذا الشرط بل من يكون صادقًا في نفس الأمر وإن لم يعلم ذلك، والثاني باطل، لاقتضائه تكليف ما لا يطاق، ولو جاز هذا لبطل أصل الدليل فيتعين الأول، وحينئذ نقول: دلالة الآية على وجوب اتباعهم يتوقف على ثبوت صدقهم، فإثبات صدقهم بدلالة الآية دور. وبعبارة أخرى وهي أن وجوب اتباع الصادقين يتوقف على العلم بصدقهم فلو استفيد العلم بصدقهم من وجوب اتباعهم لزم الدور. سلمنا أن لا دور، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه ايجاب الكون معهم فيما صدقوا فيه دون غيره؟ وللنص به اشعار من حيث أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلة، فعلة الأمر بالكون معهم إنما هو صدقهم، وصدقهم إنما يوجد فيما صدقوا فيه دون غيره، فيجب اتباعهم فيه دون غيره لانتفاء علة الاتباع وإذا كان كذلك فلا يجب اتباعهم في كل الأمور إلا إذا ثبت أنهم صادقون في كل الأمور فلم قلت أنه كذلك؟ وخامسها: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.

стр. 2274

ووجه الاحتجاج به: أنه شرط في إيجاب الرد إلى الله تعالى والرسول التنازع، وقد تقدم بيان أن مفهوم الشرط حجة، فهذا يقتضي أنه لا يجب الرد إلى الله والرسول عند عدم التنازع، بل يكفي فيه بالاتفاق، ولا نعني بكون الإجماع حجة سوى هذا. ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف، لوجوه: أحدهما: أنه متناقص، لأن الاكتفاء بالإجماع رد إلى الله ورسوله، لأن المعنى من الرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهو أعم من الرد إليها بواسطة، أو بغير واسطة، إذ لو كان المراد منه الرد إليهما بغير واسطة لكان الحكم المثبت بالقياس، أو بالإجماع على رأي من يقول به، أو بالبراءة الأصلية لم يكن مردودًا إلى كتاب الله وسنة رسوله فكان باطلاً وهو متناقض للقول بحجيتها فثبت أن الرد إليهما أعم من الرد إليهما بواسطة أو بغير واسطة، فالاكتفاء بالإجماع عند عدم التنازع رد أيضًا إلى كتاب الله وسنة رسوله ضرورة أن حجيته عندكم مستفاد منهما فيكون وجه الاستدلال مناقضًا للنتيجة. وثانيها: أنا وإن سلمنا سلامته عن التناقض بناء على أن المراد من الرد إليهما الرد إليهما من غير واسطة لكن نقول: أن مفهوم الشرط إنما يكون حجة إذا لم يكن الباعث على التقييد العادة والغلبة، فأما إذا كان ذلك فلا، وهنا كذلك، لأن الإنسان إنما يحتاج إلى الإثبات عند التنازع، فأما عند الوفاق فلا [لمساعدة الخصم، فلا يدل عدم التنازع على عدم وجوب الرد إليهما].

стр. 2275

سلمنا ذلك لكن لا نسلم عدم التنازع فأنا نفرض فيما إذا رجع بعض المجمعين عن الحكم، أو بعض المجتهدين في العصر الثاني لم يقل به فإنه إذ ذاك يوجد التنازع، فيجب الرد إليهما وهو يرفع القول بحجيته. سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن مفهوم الشرط حجة. سلمنا أنه حجة لكنه حجة ظنية أو قطعية؟ سلمنا أنه حجة، لكن الاكتفاء بالاتفاق إما بناء على صدوره عن الكتاب أو السنة إما بواسطة، أو بغير واسطة أو لا بناء على هذا. فإن كان الأول كان فيهما غنية عنه فيكون ضائعًا، وإن كان الثاني كان باطلاً، إذ القول في الشرع من غير دليل باطل وذلك معلوم بالضرورة. واعلم أن بعض هذه الأسئلة وإن كان سهل الجواب لكن البعض الآخر صعب فمن أمكنه الجواب عن كله فله التمسك بهذا النص. وسادسها: التمسك بقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ ووجه الاستدلال به: أنه نهى عن التفرق فيكون محرمًا، خص عنه التفرق فيبقى ما عداه على الأصل. لا يقال: المراد منه التفرق في الاعتصام بحبل الله، لا جميع التفرقات لأن الفهم يتبادر إليه، فإن الملك إذا/ (١٥/ أ) قال: احملوا كلكم على العدو، ولا تفرقوا، فهم منه النهي عن التفرق في الجملة. لأنا نقول: اللفظ مطلق فتقييده في الاعتصام بحبل الله خلاف الأصل، وما ذكرتموه من التبادر لو سلم القول به فإنه بناء على القرينة العرفية واعتبار اللفظ أولى من القرينة العرفية.

стр. 2276

وأيضًا فإن الحمل عليه يوجب التأكيد ضرورة أن قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾ نهى عن التفرق فيه بناء على أن الأمر بالشيء نهى عن ضده، والحمل على التعميم لا يوجب ذلك بل يوجب فائدة جديدة مستقلة فكان الحمل عليه أولى لما تقدم في اللغات. وسابعها: وهو التمسك بالسنة، وهو المعول عليه في إثبات هذا المطلوب لأكثر المحققين. وتقريره: أن نذكر أولاً ما ورد عنه ﵇ في هذا الباب، ثم نبين وجه دلالته على المطلوب. فالأول: روي عنه ﵇ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على خطأ" وروى "على ضلالة".

стр. 2277

الثاني: أنه قال: سألت الله أن لا تجتمع أمتي على خطأ فأعطانيه". الثالث: "لم يكن الله بالذي ليجمع أمتي على الضلالة" وروى "أنه لم يكن الله ليجمع أمتى على الخطأ". وهذا من مراسيل الحسن البصري، ومراسيله أقوى من مسانيده، لأنه ما كان يرسل إلا إذا حدثه أربعة من الصحابة. الرابع: "يد الله على الجماعة ولا نبالي بشذوذ من شذ".

стр. 2278

الخامس: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". السادس: "من سره بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

стр. 2279

السابع: "عليكم بالسواد الأعظم" وهو جماعة الأمة، لأن كل من دونهم فالأمة بأسرها أعظم منهم". الثامن: "من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه". التاسع: "من فارق الجماعة ومات مات ميتة جاهلية".

стр. 2280

العاشر: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة: فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". الحادي عشر: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، قيل يا رسول الله ومن تلك الفرقة؟ قال هي الجماعة".
следующие страницы →