← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وأيضًا فإن الحمل عليه يوجب التأكيد ضرورة أن قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾ نهى عن التفرق فيه بناء على أن الأمر بالشيء نهى عن ضده، والحمل على التعميم لا يوجب ذلك بل يوجب فائدة جديدة مستقلة فكان الحمل عليه أولى لما تقدم في اللغات. وسابعها: وهو التمسك بالسنة، وهو المعول عليه في إثبات هذا المطلوب لأكثر المحققين. وتقريره: أن نذكر أولاً ما ورد عنه ﵇ في هذا الباب، ثم نبين وجه دلالته على المطلوب. فالأول: روي عنه ﵇ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على خطأ" وروى "على ضلالة".

стр. 2277

الثاني: أنه قال: سألت الله أن لا تجتمع أمتي على خطأ فأعطانيه". الثالث: "لم يكن الله بالذي ليجمع أمتي على الضلالة" وروى "أنه لم يكن الله ليجمع أمتى على الخطأ". وهذا من مراسيل الحسن البصري، ومراسيله أقوى من مسانيده، لأنه ما كان يرسل إلا إذا حدثه أربعة من الصحابة. الرابع: "يد الله على الجماعة ولا نبالي بشذوذ من شذ".

стр. 2278

الخامس: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". السادس: "من سره بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

стр. 2279

السابع: "عليكم بالسواد الأعظم" وهو جماعة الأمة، لأن كل من دونهم فالأمة بأسرها أعظم منهم". الثامن: "من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه". التاسع: "من فارق الجماعة ومات مات ميتة جاهلية".

стр. 2280

العاشر: "ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة: فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". الحادي عشر: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، قيل يا رسول الله ومن تلك الفرقة؟ قال هي الجماعة".

стр. 2281

الثاني عشر: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتلوا الدجال". الثالث عشر: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم".

стр. 2282

الرابع عشر: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله". الخامس عشر: "لن تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من نأواهم إلى يوم القيامة". السادس عشر: "من شذ شذ في النار" وأمثال هذه الأخبار كثيرة غير عديدة. إذا عرفت هذا فنقول: للأصوليين في الاستدلال بهذه الأخبار طرق: الطريقة الأولى: ادعاء التواتر المعنوي، وهو أولى الطرق المقطوعة، وتقريرها: أن هذه الأخبار وأمثالها اشتركت في أنه لا يجوز على مجموع الأمة الخطأ والمعصية، ولا يجوز ذهولهم عن الحق، ثم أن هذه الأخبار يرويها خلق كثير يؤمن تواطؤهم على الكذب، فصار ما اشترك فيه مجموع هذه الأخبار وهو كون الإجماع حجة، أو معنى يلزم منه كون الإجماع حجة مرويًا بالتواتر كشجاعة علي، وسخاوة حاتم.

стр. 2283

وقدح الإمام في هذا النوع من الاستدلال بأن قال: "لا نسلم بلوغ مجموع رواة هذه الأخبار إلى حد التواتر، فإن العشرين، بل الألف لا يكون متواترًا، إذ لا يمتنع إقدام عشرين إنسانًا على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة. ثم قال: "سلمنا حصول القطع بهذه الأخبار [في الجملة، لكنهم إما أن يدعوا القطع بلفظها، أو بمعناها، أما القطع بلفظها]. فهو أن يقال: إنا وإن جوزنا في كل واحد من هذه الأحاديث أن يكون كذبًا إلا أنا نقطع بأن مجموعها يستحيل أن يكون كذبًا، بل لا بد وأن يكون بعضها صحيحًا. وأما القطع بمعناها فهو أن يقال: إن هذه الألفاظ على اختلافها مشتركة في إفادة معنى واحد، فذلك المشترك يصير مرويًا بكل هذه الألفاظ فيكون ذلك المشترك مرويًا بالتواتر. فنقول: إن أردتم الزول فهو سلم، لكن المقصود لا يتم إلا إذا بينتم أن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على أن الإجماع حجة دلالة قاطعة وإلا لم يفد، لاحتمال أن يكون الصحيح ما ليس كذلك لكنكم ما فعلتم ذلك واستدلالكم بعد فراغكم من تصحيح المتن بواحد منها نحو قوله ﵇ "لا تجتمع أمتي على خطأ" واستقصاء السؤال والجواب عليه ينفي أن يكون كل واحد منها قاطع الدلالة.

стр. 2284

وإن أردتم الثاني: فذلك المعنى المشترك إن كان نفس كون الإجماع حجة، فقد ادعيتم أن كون الإجماع حجة منقول بالتواتر عنه ﵇ لكن ذلك باطل، وإلا لكان العلم بكونه حجة جاريًا مجرى العلم بوجود غزوة بدر وأحد، ولما وقع الخلاف فيه لاشتراك الكل في ذلك، ولأن استدلالكم بواحد منها بعد الفراغ من تصحيح المتن واستقصاء السؤال والجواب عليه ينفي ذلك. وبهذا ظهر الفرق بين هذا وبين علمنا بشجاعة علي ﵁ وسخاوة حاتم بعد سماع أخبارهما في ذلك، لأنا لا نحتاج إلى استدلال ببعض تلك الأخبار على إثبات الشجاعة والسخاوة بعد السماع بل يحصل لنا العلم الضروري بذلك. وإن كان معنى يلزم منه كون والإجماع/ (١٦/ أ) حجة، فذلك إن كان مطلق التعظيم فلا يفيد، وإن كان تعظيمًا ينافي إقدامهم على الخطأ فيؤول إلى ادعاء التواتر في كون الإجماع حجة وقد تقدم إبطاله، وإن كان غيرهما فلا بد من بيان إفادة التصور أولاً ثم بيان إفادة التصديق ثانيًا. وهو ضعيف، أما منعه فجوابه أن نقول: إنك اخترت مذهب المحققين وهو أنه لا يتعين للتواتر عدد معين، بل المرجع فيه إلى العلم فإن حصل العلم للسامع علم حصول عدد التواتر وسائر شرائطه وإلا فلا، ومن تتبع كتب الأحاديث، وأحاط بما ورد في هذا الباب من الأخبار، وخالط أهلها، فإنه يحصل له العلم الضروري بأنه ﵇ قصد بها بيان تعظيم هذه

стр. 2285

الأمة تعظيمًا ينافي إقدامهم على المعصية والخطأ، وكون الخلاف واقعًا فيه من زمرة قليلة غير مخالطة لأهل الأخبار، ولا محيطة بما ورد فيه لا ينفي ذلك، بل لو فرض الإنكار منهم مع تتبع كتب الأحاديث ومخالطة أهلها، لما قدح ذلك أيضًا؛ لأن إنكار الجمع القليل للضروريات مع الاشتراك في طرائقها غير ممتنع. وبهذا أجاب هو عن منع المرتضى في باب الأخبار فكيف عول على المنع هنا والمنع المنع، والجواب الجواب؟. وأما قوله: فإن العشرين بل الألف لا يكون متواترًا، إن أراد به أن هذا عدد لا يحصل به التواتر ألبتة فهو باطل قطعًا، وإن أراد به أنه قد يحصل وقد لا يحصل فهذا مسلم، لكنه احتمال آت في كل عدد يفرض، إذ ليس لنا عدد نقطع أنه عدد التواتر، وأنه يحصل العلم الضروري بقولهم البتة، فإن كان هذا قادحًا به فليقدح في الكل وإلا فهو مقدوح. وأما قوله: نرى المستدلين بهذه الأخبار بعد فراغهم من تصحيح المتن يتمسكون بواحد منها، ويستقصون الكلام فيه سؤالاً وجوابًا فليس ذلك لتوقف العلم عليه بل لإزالة إشكالات تتطرق على لفظ ما يفيد اليقين إما بحسب التواتر المعنوي، أو اللفظي وهو غير ممتنع. أو يقال: أنه ليس على طريقة هؤلاء بل هو على طريقة غيرهم من الطرق الآتية. الطريقة الثانية: الاستدلال على كون هذه الأخبار صحيحة في الجملة

стр. 2286

وتقرير هذه الدلالة من وجوه: أحدهما: أن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان آحادًا محتملاً لكونه صادقًا أو كاذبًا، لكنا نعلم قطعًا أنها بأسرها ليست كاذبة، وأي واحد منها صح بمعنى أنه قطع بصدقه لزم أن يكون الإجماع حجة، لما تقدم أن القدر المشترك بين هذه الأخبار إما نفس كون الإجماع حجة، أو معنى يلزم منه ذلك. وثانيها: أن هذه الأخبار بتقدير صحتها يثبت بها أصل عظيم مقدم على الكتاب والسنة، وما هذا شأنه: كانت الدواعي متوفرة على البحث عنه بأقصى الوجوه، أما القائلون به فلتصحيحه، وأما المنكرون له فلدفعه وإفساده فلو كان في متنها خلل استحال ذهول هؤلاء الخلق الكثير، والجم الغفير عنه بعد البحث التام والطلب الشديد، نظرًا إلى جري العادة، ولما لم يعلموا فيها خللاً إذ لو علموا ذلك لأظهروه، ولو أظهروه لاشتهر إذ الإظهار والاشتهار في مثل هذا أوجب وأمس من إظهار واشتهار ما يقدح في مسألة فرعية لكنه ليس كذلك علمنا صحتها. واعترض الإمام عليه: بأنه إن عنى بالخلل في متنها ما يدل على فسادها وعدم جواز العمل بها، فهذا مسلم أنه لم يجدوا ذلك فيها، لكن لا يلزم من عدم ذلك القطع بصدقها، إذ أخبار الآحاد المعمول بها بهذه المثابة مع أنها ليست مقطوعة الصدق. وإن عنى به ما يقدح في قطعها، فلا نسلم أنهم لم يعلموا ذلك في متنها، فإنهم لما علموها آحادًا فقد علموا خللاً في متنها بالتفسير المذكور، ولا يقال: أن واحدًا منهم لم يقل بذلك بل كلهم أطبقوا على أنها متواترة، لأن ذلك إن ثبت بالتواتر لزم كونها متواترة عندنا ضرورة ثبوت تواتره بالتواتر لكن ادعاء

стр. 2287

ذلك ادعاء لما علم بالضرورة خلافه، فإن من المعلوم بالضرورة أن كل واحد من تلك الأخبار ولا واحدًا منها بعينه متواتر عندنا. وإن ثبت ذلك بالآحاد لزم كونها آحادًا؛ لأن من شرط التواتر استواء الطرفين [والواسطة وهو منقدح. وثالثها: أن هذه الأخبار كانت مشهورة] بين الصحابة والتابعين وكانوا متفقين على موجبها مستدلين بها عليه [من غير اختلاف ولا نكير وكان الأمر هكذا إلى زمان ظهور المخالف] والاستقراء دل على إحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع اختلاف هممهم ودواعيهم ومع تطاول الأزمان على الاستدلال لما لا أصل له، لا سيما في إثبات أصل هو مقدم على الكتاب والسنة من غير أن ينتبه أحدهم على فساده وبطلانه. وهو أيضًا ضعيف، لأنه إن عنى بقوله: "بما لا أصل له" أي بما هو غير صالح لإثبات الحكم فهذا مسلم، لكن لا يلزم من هذا أن يكون قاطعًا لأن ما يثبت به الحكم أعم من أن يكون قاطعًا أو غير قاطع. وإن عنى به غير قاطع المتن فهو ممنوع، وهذا لأنه لا بعد في أن يتفقوا على شيء مستدلين عليه بما لا يفيد إلا الظن كما اتفقوا على موجب حديث عبد الرحمن بن عوف وهو أخذ الجزية من

стр. 2288

المجوس بالاستدلال به عليه مع أنه خبر واحد. وكما اتفقوا على أن المرأة لا تنكح على عمتها وخالتها استدلالاً بخبر أبي هريرة وهو قوله ﵇: "لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها"

стр. 2289

مع أنه خبر واحد. وبهذا أيضًأ يعرف اندفاع ما قيل في تقرير الوجه الذي نحن في تضعيفه: أن الاستقراء دل على أمتنا لا يجتمعون على/ (١٧/ أ) موجب حديث مستدلين به عليه وإلا كانوا قاطعين به. الطريقة الثالثة: أن نجعل هذه الأخبار من باب الآحاد، ونتمسك بواحد منها أو أكثر وهذه الطريقة طريقة من يقول: إن الإجماع حجة ظنية ويستدل بقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" فإنه أصرح من غيره. ووجه الاستدلال به أن نقول: الحديث يدل بصريحه على أن ما اتفق عليه الأمة صواب فيغلب على الظن أنه كذلك، والعمل بالظن واجب لما سيأتي، فيكون العمل بالإجماع واجبًا، ولا نعني بكون الإجماع حجة سوى هذا. فإن قيل: لا نسلم دلالة النص على المطلوب، وهذا لأن لفظ الأمة إن قيل: بأنه لا يتناول إلا الموجودين لم يكن شيء من الإجماعات حجة إلا إجماع الصحابة، لكن إجماعهم إنما يكون حجة أن لو عرفنا الموجودين منهم

стр. 2290

وقت ورود الخبر، وبقاءهم بعد الرسول واتفاقهم على مسألة ما، ومن المعلوم أنه متعذر، فحينئذ يلزم أن لا يكون شيء من الإجماعات حجة. فإن قيل: بأنه يتناول الموجودين وغيرهم فحينئذ يلزم أن يكون المراد من الأمة جميع من يوجد إلى يوم القيامة، إذ ليس بعض غير الموجودين أولى من البعض فيتناول الكل، وحينئذ إن لم يعتبر للميت قول لم يتصور حصول الإجماع، وإن اعتبر لم يتصور حصوله إلا عند انقراض العالم ومعلوم أنه لا فائدة فيه إذ ذاك، فلم يكن الإجماع حجة. سلمنا أن المراد منها أهل كل عصر، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من الخطأ الكفر، أو خطأ يكون كبيرة؟ كما ورد في حديث آخر "لا تجتمع أمتي على ضلالة" فإن الخطأ الذي هو من باب الصغائر لا يوصف بالضلالة، وهذا لأن المطلق يحمل على المقيد. سلمنا أن المراد من الخطأ حقيقته، لكن لعل المراد منه الخطأ الذي هو سهو لا جميعه. سلمنا ذلك لكن إنما يلزم نفيه أن لو ورد الحديث على صيغة الخبر وهو ممنوع، فإن من الجائز أن كان واردًا على صيغة النهي فاشتبه على الراوي فرواه مرفوعًا. سلمنا أنه ورد بصيغة الخبر لكن جاز أن يكون المراد منه النهي، فإن صيغة الخبر تستعمل في النهي على وجه التجوز كما تقدم في اللغات. سلمنا أن المراد منه الخبر، لكن لم قلت أنه يلزم منه كون الإجماع واجب الاتباع؟ بل غاية ما يلزم منه أن ما أجمعوا عليه صواب لكن ليس كل صواب واجب الاتباع، ألا ترى أن المجتهد لا يجب عليه اتباع المجتهد الآخر ولا

стр. 2291

[يجب على] العامي اتباع مجتهد بعينه مع أن ما ذهب إليه صواب. أما على قولنا: إن كل مجتهد مصيب فظاهر، وأما على قولنا المصيب واحد، فلأنه حينئذ يغلب على الظن صواب المجتهد وإن كنا لا نقطع به، والحديث أيضًا لا يفيد سوى غلبة الظن بصواب ما أجمعت الأمة عليه. الجواب: أما عن الأول فمن وجهين: أحدهما: ما تقدم في التمسك بالآية. وثانيهما: أن بقية الأحاديث نحو قوله ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". ونحو قوله: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه". ونحو قوله "عليكم بالسواد الأعظم". ونهى عن الشذوذ نحو قوله: "من شذ شذ في النار". ونحو قوله: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". وأمثالها ينفي ما ذكرتم من الاحتمال. وعن الثاني: أنه تقييد بغير دليل فيكون باطلاً، ونحن إنما نحمل المطلق على المقيد إذا دل دليل على الحمل عليه، وهو غير حاصل [هنا]، إذ الأصل عدمه لا بمجرد اللفظ، فإن ذلك المذهب باطل كما تقدم في بابه فيبقى قوله: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" على إطلاقه، والحديث الآخر على

стр. 2292

تقيده إذ لا منافاة بينهما. وعن الثالث: أنه تقييد من غير دليل فيكون باطلاً؛ ولأنه ليس في تخصيص أمته ﵇ بذلك فضيلة، فإن السهو ممتنع عادة على الجمع العظيم من أي أمة كان. وعن الرابع: أن عدالة الراوي المتحفظ المتيقظ ينفيه ظاهرًا. ولأن فتح هذا الباب يسد باب الاستدلال بأكثر النصوص، ولأنه مدفوع بسائر الأحاديث. وعن الخامس: أنه خلاف الأصل فإن الأصل استعمال الصيغة في مدلولها. وعن السادس: أن الأمة أجمعت على أن الإجماع إذا كان صوابًا يجب اتباعه، فالقول بكونه صوابًا مع عدم وجول اتباعه قول لم يقل به أحد، فلو كان هذا الاحتمال واقعًأ صحيحًا لأجمعت الأمة على الخطأ وهو خلاف مدلول الخبر. واعلم أن هذه الطريقة وإن كانت لا تفيد القطع بكون الإجماع حجة لكن تفيد ظنًا غالبًا بذلك لا ينقص عن الظن الذي يحصل من التمسك من نصوص الكتاب، وإن كان مقطوع المتن لضعف دلالالتها على المطلوب، وهذه الأخبار وإن كانت مظنونة المتن لكن صريحة الدلالة على المطلوب فلا ينبغي أن يقدح فيها. وثامنها: وهو الوجه المعقول الذي عول عليه إمام الحرمين: أن اتفاق

стр. 2293

الخلق العظيم المختلف الدواعي والهمم على الحكم الواحد إما أن يكون الدليل أو لأمارة، أو لا لدليل ولا لأمارة، وهذا الثالث مستحيل عادة. فإن كان الأول كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدليل وحينئذ وجب اتباع الإجماع، وإلا لكان ذلك تجويزًا بمخالفة الدليل وهو ممتنع. وإن كان الثاني فمثل هذا الحكم وإن كان يسوغ مخالفته لأمارة أخرى لكن لما رأينا التابعين قاطعين بالمنع من مخالفة الإجماع علمنا اطلاعهم على دلالة قاطعة مانعة من مخالفة الإجماع إذ لو/ (١٨/ أ) كان المانع منه أيضًا الأمارة لما قطعوا بالمنع منه، وهذه الدلالة لو صحت تقضي أن يكون إجماع الخلق العظيم من كل أمة حجة وأن لا يكون الإجماع حجة إذا كان المجمعون عدد التواتر. واعترض الإمام على هذه الدلالة وقال: "لا نسلم انحصار التقسيم، وهذا فإنه يجوز أن يكون اتفاقهم على الحكم لشبهة، فكم من المبطلين - مع كثرتهم - في الشرق والغرب قد اتفقوا على حكم واحد لشبهة اعترضت لهم. سلمنا الحصر، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك لأمارة؟ ولا نسلم إجماع الصحابة والتابعين على المنع منه. سلمنا ذلك، لكن لم جوزت حصول الإجماع على الحكم لأمارة؟ فلم لا يجوز حصول الإجماع على المنع من مخالفة الإجماع لأمارة أيضًا؟ واعلم أن السؤال الأول قادح وأما الثاني فضعيف، فإن العلم بإجماع الصحابة والتابعين على المنع من مخالفته بعد استقراء أحوالهم يكاد أن يكون ضروريًا.

стр. 2294

وأما الثالث فيمكن أن يجاب عنه: بأن المعلوم من عادتهم أنهم كانوا يقطعون بالمنع من مخالفة الحكم الصادر عن الأمارة، ورأيناهم قاطعين في المنع من مخالفته فلا يكون ذلك صادرًا عن الأمارة. وتاسعها: وهو وجه آخر من المعقول، وهو: أن هذه الأمة آخر الأمم، لأنه قد ثبت أنه لا نبي بعد نبيهم فلا أمة بعدهم، فلو جاز إطباقهم على الخطأ وإصرارهم عليه لاحتاجوا إلى نبي يدعوهم إلى الحق كما احتاجت إليه سائر الأمم الذين كانوا على الباطل، فكانت البعثة واجبة بمقتضى الحكمة إذ ذاك، والإخلال به إذ ذاك غير لائق بالحكمة، ولذلك قال ﵇: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فإن الأنبياء عالمون بالحق في تلك الشرائع، وفي شريعتنا لما امتنع وجود الأنبياء قام العلماء مقامهم، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجوز اتفاقهم على الخطأ. فإن قلت: قيام الأدلة والمعجزة الدالة على صدقه وهو القرآن يغني عن ذلك. قلت: بقاؤها إنما يكون بعصمة الأمة، إذ لو جاز إجماعهم على الباطل جاز إطباقهم على عدم القيام بها ونقلها فحينئذ لا يحصل بها الاكتفاء. وأيضًا فإن ذلك إنما يغنى بالنسبة إلى مسائل الأصول كالتوحيد وإثبات النبوة دون مسائل الفروع. فهذا ما أردنا إيراده من أدلة المثبتين للإجماع. وأما المنكرون له فقد احتجوا بوجوه من الكتاب، والسنة، والمعقول:

стр. 2295

أما الكتاب فنحو قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وقوله ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ وكذا كل ما فيه نهى لكل الأمة، فإن ذلك يستدعي تصور الخطأ منهم، فإن النهي عما لا يتصور صدوره من النهي لا يجوز، وإذا كان الخطأ منهم متصور الوجود لم يكن الإجماع حجة. ونحو قوله تعالى: ﴿فإن تناوعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. أوجب الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع واقتصر عليه، وذلك يدل على عدم اعتبار الإجماع، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز. ونحو قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ وهو يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع. وجواب النوع الأول: أنا لا نسلم أن ذلك خطاب للكل، بل لكل واحد بدليل تبادر الفهم إليه، والفرق بين كل واحد وبين الكل معلوم بالضرورة فلا يلزم من تصور المعصية من كل واحد منهم تصورها من جميعهم. وبهذا أيضًا يعرف اندفاع ما يذكر في هذا المقام من أن الخطأ جائز على كل واحد منهم فكذا على الكل. سلمنا أنه نهى للكل من حيث أنه كل، لكن النهى عن الشيء يستدعي تصوره بحسب نفسه فقط، أو تصوره بحسب نفسه والأمر الخارجي معًا؟

стр. 2296

والأول مسلم، ولا يضرنا، لأنا نقول بامتناع الخطأ عليهم من جهة أنه لا يتصور الخطأ منهم بحسب نفسه بل لأمر خارجي. والثاني ممنوع، وهذا فإنه تعالى نهى نبيه عن الشرك في قوله تعالى: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾، وعن الجهل في قوله تعالى: ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ مع أنه غير متصور منه بحسب الأمر الخارجي. وكذا نهى الله تعالى كل واحد من المكلفين عن الكفر والقتل، والزنا، مع علمه ببعضهم أنه يموت على الإيمان من غير قتل، وزنا، وما علم الله تعالى أنه لا يقع يستحيل وقوعه، لكن امتناعه لأمر خارجي لا بحسب نفسه. سلمنا أنه يستدعى جواز وقوعه مطلقًا لكن ليس كل جائز يقع، وما ذكرنا من الدليل يدل على أنه لا يقع فيجمع بينهما. وأما الآية الثالثة فهي حجة عليهم لا لهم، من حيث أنه وقع النزاع في أن الإجماع هل هو حجة أم لا؟ فنحن رددناه إلى كتاب الله وسنة رسوله وأثبتناه بهما. سلمنا أن المراد منه النزاع في الحكم لكن الرد إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة من حيث أنه ثابت بهما وليس المراد الرد إليهما من غير واسطة، وإلا لبطل غيرهما من الأدلة. وبهذا أيضًا خرج الجواب عن الآية الرابعة، فإن كون الكتاب تبيانًا لكل شيء ليس بصريحه بل به وبالتوسط.

стр. 2297

وأما السنة فنحو حديث معاد، والاستدلال به ظاهر، فإنه لم

стр. 2298

يذكر الإجماع ولا الرسول ﵇، ولو كان مدركًا شرعيًا معروفًا لذكره معاد، وبتقدير أن لا يكون معلومًا له لوجب ذكره على الرسول ﵇ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز وفاقًا، والحاجة كانت ماسة إلى بيان مدارك الشرع إذ ذاك، ولما لم يذكره الرسول ﵇ ولا معاذ ﵁ علمنا أنه ليس مدركًا شرعيًا. ونحو قوله ﵇: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". ونحو قوله: "لتركبن/ (١٩/ أ) سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" يعني في العدول عن الحق وعما جاءت به أنبياؤهم.

стр. 2299

ونحو قوله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي" ونحو قوله: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

стр. 2300

ونحو قوله: "تعلموا الفرائض وعلموها للناس فإنها أول ما ينسى". ونحو قوله: "من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل". ونحو قوله: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدًا". ونحو قوله: "خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه" الحديث.

стр. 2301

فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالحق وذهولهم عنه. وجوابه: أما حديث معاذ، فإنما لم يذكر الإجماع فيه؛ لأنه لم يكن إذ ذاك حجة فلم يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. وأما الحديث الثاني فجوابه - بعد تسليم صحته - فإن فيه كلامًا - يحتمل أنه خطاب مع أقوام [وهم] الذين ارتدوا بعده ﵇ كبني حنيفة الذين منعوا الزكاة، وقاتلوا أبا بكر ﵁، ولو سلم أنه خطاب مع الكل، لكن لا يقتضي ذلك جواز وقوعه منهم على ما

стр. 2302

تقدم ذلك [ولو سلم ذلك] لكن إنما ندعي حجية إجماعهم إذا بقوا على صفة الإيمان لا مطلقًا. وهو الجواب بعينه عن بقية الأحاديث التي تدل على خلو عصر ما عن العلماء. وهذا الجواب إنما يستقيم على رأي من يجوز خلو الزمان عمن يقوم بالحق، فأما من لم يجوز ذلك فلا، بل هو يجيب عن البقية بأنه محمول على قلة العلماء؛ وهذا لأنه ليس فيها ما يدل بصراحته على أنه لا يبقى عالم ما في العصر، ولو سلم أن فيها ما يدل عليه لكن يجب حمله على ما ذكرنا، لمعارضة قوله ﵇: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" وأمثاله جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن كل واحد من الأمة يجوز عليهم الخطأ فوجب أن يجوز على الكل، كما أن كل واحد من الزنج لما كان أسود وجب أن يكون الكل أسود. وجوابه ما تقدم، والمثال الذي ذكرتم لا يدل على اللزوم، بل يدل على أنه قد يكون كذلك وهو غير مفيد. وثانيها: أن الإجماع على الحكم إن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان باطلاً لمساعدتكم والدليل عليه فلا يجب اتباعه، وإن كان لدلالة وجب اشتهارها؛ لأن الدواعي تتوفر على نقل قواطع الوقائع العظيمة، وما اجتمع عليه علماء الشرق والغرب لا شك أنه واقعة عظيمة، وحينئذ لا يبقى في التمسك بالإجماع فائدة.

стр. 2303

وإن كان لأمارة فهو محال، أما أولاً فلأن حجية الأمارة مختلف فيها عند العلماء فلا يمكن الاتفاق بناء عليها. وأما ثانيًا: فلأن دلالة الأمارة تختلف بالنسبة إلى الأذهان ويستحيل عادة تطابق الأذهان على دلالة واحدة من وجهي دلالتها. وجوابه: أنه يجوز أن يكون لدلالة وإنما يجب نقلها لو لم يحصل ما يسد سدها، فأما عند حصول ذلك فلا نسلم ذلك. سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون لأمارة. أما الوجه الأول: فلأن الاختلاف في حجية الأمارة محدث، فلا يمنع ذلك من انعقاد الإجماع على حكم بناء عليها قبل حدوث الخلاف، ولا بعده أيضًا، لجواز أن لا يبقى منهم مجتهد في بعض الأعصار فيعتبر قوله. وأما الوجه الثاني فممنوع، وهذا لأن تطابق الأذهان والهمم المختلفة إنما يمتنع فيما يتساوى فيه الاحتمال، فأما ما يترجح فيه ذلك فلا نسلم امتناع ذلك فيه. وثالثها: أن أمة محمد ﵇ أمة من الأمم فلا يكون اتفاقهم حجة كغيرهم من الأمم. وجوابه: منع الحكم في المقيس عليه؛ وهذا لأن بعض أصحابنا كأبي إسحاق وغيره وجماعة من العلماء ذهبوا إلى أن إجماع علماء الملل السابقة

стр. 2304

حجة أيضًا لكن قبل نسخ شرائعهم. سلمناه لكنه وصف طردي في مقابلة النص فلا يقبل. ورابعها قياس الأحكام الشرعية على إثبات العلم بالصانع، وعلى إثبات علمه وقدرته، فإنه لا يجوز إثبات شيء من ذلك بالإجماع، فكذا الأحكام الشرعية، والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا يجوز إثباته إلا بدليل. وجوابه ما سبق [أنه] وصف طردي في مقابلة النص. سلمنا صحته لكن إنما لم يجز ذلك، لأن إثبات ذلك بالإجماع دور كما ستعرف ذلك، وإثبات الأحكام به ليس كذلك فافترقا.

стр. 2305

" المسألة الثالثة" "في وجه استدلال الشيعة على أن الإجماع حجة " قالوا: لا يجوز خلو زمان من أزمنة التكليف عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة. أما الأول، فلأن نصب الإمام لطف، لأن حال الخلق في فعل الطاعات والانكفاف عن المعاصي عندما يكون لهم إمام قاهر يحثهم على فعل الطاعات ويمنعهم عن القبائح أحسن مما إذا لم يكن لهم ذلك، والعلم بذلك ضروري مستفاد من استقراء العادة، ولذلك قيل: "الناس على دين ملوكهم"، ولأنه لو لم يكن أحسن حالاً منه لكان الفعل مع المعاون والمعاوق كهولاً معهما وهو باطل قطعًا، وكل لطف واجب. أما أولاً، فلأنه كالتمكين في إزاحة عذر المكلف، لأنه لا فرق بين رد الباب على وجه الضيف المدعو الذي يراد تناوله الطعام، وبين ترك التواضع له إذا علم من عادته أنه لا يأكل الطعام عند ترك التواضع له، والتمكين واجب فاللطف كذلك، ضرورة عدم افتراقها في مناط الوجوب.

стр. 2306

وأما ثانيًا فلأنه لو لم يجب فعل اللطف لم يقبح فعل المفسدة، إذ لا فرق في العقل بينهما؛ لأنه لا فرق في العقل بين فعل ما يختار المكلف عنده القبيح، وبين ترك ما يخل المكلف عنده بالواجب. والأول فعل المفسدة، والثاني/ (٢٠/ أ) ترك اللطف، وإذا لم يكن بينهما فرق كان ترك اللطف أيضًا قبيحًا، وحينئذ يكون فعله واجبًا، ضرورة أن ما يكون تركه قبيحًا يكون فعله واجبًا. ثم ذلك الإمام الذي يجب نصبه يجب أن يكون معصومًا؛ لأن احتياج الخلق إلى الإمام إنما كان لصحة إقدامهم على المعاصي، فلو كانت هذه الصحة ثابتة في حقه لاحتاج هو أيضًا إلى إمام آخر، ويلزم إما الدور، أو التسلسل، وهما محالان. فثبت أنه يجب أن يكون معصومًا. وأما أنه متى كان كذلك كان الإجماع حجة، لأن الإجماع مهما انعقد فلا بد أن يكون قول الإمام فيه وإلا لم يكن إجماعًا إذ يعتبر فيه اتفاق جميع المجتهدين وهو سيدهم، فكيف لا يعتبر قوله؟ ومهما كان قول [من لا] يجوز عليه الخطأ فيما بين ذلك الاتفاق كان ذلك الاتفاق حجة بطريق الكشف عنه، لا أن نفس الاتفاق حجة، وهذا يقتضي أن يكون إجماع كل الأمة حجة، وأن لا يتوقف العلم بحجيته على العلم بالنبوة ضرورة أن الدليل ليس سمعيًا. وهو ضعيف، لأنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وقد تقدم إبطالها إذ لا قائل بالفصل بين التحسين والتقبيح شاهدًا أو غائبًا، لأن أثبتهما

стр. 2307

شاهدًا وغائبًا، ومن تفاهما نفاهما شاهدًا وغائبًا فإذا بطل القول به شاهدًا بطل القول به غائبًا، لأن القول بإثباته غائبًا دون الشاهد قول لم يقل به أحد. سلمناه لكن لا نسلم أن نصبه لطف؛ ولا نسلم أن حال الخلق عندما يكون لهم إمام أحسن مما إذا لم لكن لهم ذلك. وأما ما ذكروه من الوجه الأول فممنوع، وهذا لأن الاستقراء في ذلك غير متصور على مذهبكم، وهذا لأن الاستقراء فيه إنما يمكن أن لو خلا زمان من الإمام، وعندكم لا يخلو زمان عنه فلا يمكن استقراء الزمانين، أعني زمان وجوده، وزمان عدمه. سلمنا إمكان الاستقراء مطلقًا لكن تدعون التفاوت بين الزمانين بسبب نصب الإمام كيف كان أم بسبب أمام قوي قاهر؟

стр. 2308

والأول ممنوع ولا يمكن دعواه؛ وهذا لأن من المعلوم بالضرورة أن نصب من لا يعرف ولا يؤبه به لا يظهر بسببه تفاوت البتة. والثاني مسلم لكنكم لا توجبونه، فما هو دعواكم لا يوجبها الدليل وما يوجبه لا تقولوه به. وأما الوجه الثاني فأنا نسلم أن الفعل مع المعاون والمعاوق ليس هو كمع عدمهما، لكن لا نسلم أن المعاونة والمعاوقة تحصل بمجرد الإمام كيف كان بل الذي نسلم حصولهما من إمام ظاهر قوي قاهر، وأنتم لا توجبون ذلك، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور. سلمنا أن نصبه يوجب التفاوت المذكور لكن متى لا يجب ذلك إذا خلا عن جميع جهات القبح أم مطلقًا؟ والأول مسلم، لكن لا يحصل مقصودكم منه إلا إذا أقمتم الدلالة على خلوه عن جميع جهات القبح وأنتم ما فعلتم ذلك. والثاني ممنوع، وهذا لأن بتقدير أن يكون مشتملاً على جهة من جهات المفسدة والقبح، لا سيما على الراجح، أو المساوي لا يجوز نصبه فضلاً عن أن يكون واجبًا، وهذا لأنه يكفي في كون الشيء قبيحًا اشتماله على جهة من جهات المفسدة. ولا يكفي بمثله في الحسن. لا يقال: إنما نقيم الدلالة على خلوه عن جهات المفسدة وهي من وجهين: أحدهما: أنه لا دليل على اشتماله على جهة من جهات المفسدة لأنا سبرنا وبحثنا فما وجدنا عليه دليلاً، وما لا دليل عليه يجب نفيه. وثانيهما: أن جهات المفسدة مشهورة منحصرة في نحو الكذب، والظلم والجهل، وهي بأسرها زائلة عما نحن فيه فوجب القطع بعدم اشتمالها على

стр. 2309

جهة من جهات المفسدة. لأنا نقول أما الأول: فلا نسلم أن ما لا دليل عليه في نفس الأمر وجب نفيه، فكيف ما لا دليل عليه في علم الإنسان؛ وهذا لأن الباري تعالى ما كان عليه دليل في نفس الأمر في الأزل ضرورة انحصار أدلته في مخلوقاته فلو كان ما لا دليل عليه في نفس الأمر وجب نفيه لزم نفي الباري تعالى في الأزل وهو كفر صريح. وأما الثاني: فلا نسلم انحصار جهة المفسدة فيما نعلمه نحن من جهات المفسدة، وهذا لأن قبح صوم أول يوم من شوال ليس بشيء نعلمه من جهات القبح. فإن قلت: ما ذكرتم من احتمال منقوض بوجوب معرفة الله تعالى، فإن غاية ما يمكن في تقرير أنها لطف واجب: اشتمالها على المصالح نحو أن يقال: أن العلم بوجود الصانع المنعم داع لقبول تكاليفه، باعث على أداء الواجبات العقلية، مانع من ارتكاب قبائحها، وداع لنفي معظم الجهل وأشده ظلمة ومضرة ولا يمكن إقامة الدليل على خلوها عن جميع جهات القبح، ولأن هذا الاحتمال متطرق إلى جميع ما يقال أنه لطف واجب على الله تعالى وأنه يبطل القول بفائدة التحسين والتقبيح وأنتم سلمتم في هذا المقام القول بهما. قلت: أما النقض فمندفع، لأن الفرق بينهما حاصل، وهو أن المعرفة لطف واجب علينا فيكفي في وجوبها العلم باشتمالها على المصلحة وغلبة الظن بخلوها عن المفسدة، لأن غلبة الظن في حقنا قائم مقام العلم في وجوب العمل، بخلاف نصب الإمام فإنه لطف واجب على الله تعالى ولا يكفي في

стр. 2310

الإيجاب على الله تعالى ظن كونه لطفًا، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ولا يتصور في حقه الظن، فما لم يثبت خلوه عن جميع جهات القبح لم يمكن القطع بوجوبه على الله تعالى. وأما الثاني: فإنه لا يقدح في قولنا: ما هو اللطف فهو واجب على الله تعالى وأنه يكفي أن يكون فائدة التحسين والتقبيح، وإنما يقدح في الحكم في فعل معين أنه لطف واجب على الله تعالى، وليس ذلك من ضرورة التحسين والتقبيح. سلمنا/ (٢١/ أ) أنه لا بد من تعيين جهة المفسدة في القدح في كون الفعل لطفًا واجبًا، لكنا نعين فيه جهات مفضية إلى المفاسد: أحدهما: أن نصبه ربما يكون سببًا للتأبى عن الانقياد، والدخول تحت الطاعة، وامتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي بسبب الاستنكاف، ولهذا قالت صناديد قريش وجهلتها: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾. وثانيها: أن نصبه يفضي إلى أن المكلف يترك القبيح إذ ذاك خوفًا من الإمام، لا لكونه قبيحًا وأنه مفسدة، بخلاف حالة عدم الإمام فإنه يتركه لكونه قبيحًا لا غير. لا يقال هذا باطل بترتيب العقاب على فعل القبيح، فإن المكلف إذ ذاك يترك القبيح لأجل خوف العقاب، لا لكونه قبيحًا، لأنا نقول لا نسلم أن هذا

стр. 2311

قبيح؛ وهذا لأن ترتيب العقاب على فعل القبيح من لوازم القبيح، ولوازم الماهية معلولات الماهية، فترك القبيح لخوف العقاب على فعله أقل لتركه لكونه قبيحًا. ثم الذي يؤكد أن ترك القبيح لأجل خوف العقاب ليس بقبيح هو: أن المقتضى لترتب العقاب على فعله هو نفس القبيح وحصول الخوف بعد الشعور بهذا الاقتضاء لازم له، فلو كان ترك القبيح لأجل خوف العقاب قبيحًا لكان ترك القبيح قبيحًا، ضرورة أن مستلزم القبيح قبيح، ولا يتأتى هذا في الإمام لأن ترك القبيح لأجل خوفه ليس بلازم من لوازم القبيح. سلمنا أنه قبيح لكنه لازم الماهية ولا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الخوف بسبب الإمام فإنه ليس بلازم فيمكن الاحتراز عنه. وما ذكره الإمام ﵀ من الدلالة على أنه ليس بقبيح لورود الشرع به إذ الشرع لا يرد بالمفاسد، فإنه مشترك بينه وبين صورة الإمام، وما ذكره من أنه حينئذ يصير وجوب نصب الإمام شرعيًا فممنوع، وهذا لأن معرفة ذلك من الشريعة لا يقتضي أن يكون وجوبه شرعيًا أيضًا، لاحتمال أن يقال: أن وجوبه عقلي، لكن إنما يعرف ذلك بعد ورود الشرائع به، نعم ما كان يمكن الجزم بوجوبه قبل ورود الشريعة به، لاحتمال أن ما ذكر مفسدة لكن لما وردت الشريعة به انتفى هذا الاحتمال فأمكن الجزم الآن بوجوبه عقلاً لانتفاء احتمال أن يكون ما ذكروه مفسدة اللهم [إلا] إذا فسر الوجوب العقلي: بما يستقل العقل بمعرفة وجوبه من غير توقف على الشرع لا بحسب نفسه، ولا بحسب ما تتوقف عليه حجيته، فحينئذ يكون ذلك قادحًا في كونه عقلها.

стр. 2312

وثالثها: أن فعل الطاعات، وترك القبائح عند وجود الإمام أسهل مما إذا لم يكن ضرورة توفر الدواعي على ذلك على ما ذكرتم وسهولة الفعل عند توفر الدواعي فيكون سببًا لنقصان الثواب، إذ الفعل كلما كان أشق كان الثواب أجزل، للحديث، وهو مفسدة. فثبت بهذه الوجوه أن نصب الإمام يشتمل على المفاسد فوجب أن لا يجوز، فضلاً عنن أن يكون واجبًا. سلمنا خلوه عن جهة المفسدة لكنه لطف عينا، أو في الجملة ولو على طريق البدلية، أي يقوم غيره مقامه في كونه لطفًا؟ فإن ادعيتم الأول فممنوع؛ وهذا لأنه إنما يكون كذلك أن لو لم يكن هناك لطف آخر يقوم مقامه وهو ممنوع، ولا يمكن الاستدلال على عدمه بالأصل إذ المسألة علمية. وإن ادعيتم الثاني فمسلم، لكنه لا يحصل مقصودكم وهو الجزم بوجوبه في كل زمان، لأن ما لا يتعين لكونه لطفًا بعينه لا يتعين للوجوب في كل زمان. سلمنا أنه لطف بعينه لكنه في المصالح الدنيوية، أو [الدينية] الشرعية، أو الدينية مطلقًا شرعية كانت أو عقلية؟ فالأول مسلم لكنه لا يقتضي وجوبه؛ لأن تحصيل الأصلح في الدنيا غير واجب عليه تعالى، فما يكون وسيلة إليه أولى أن لا يجب. والثاني أيضًا مسلم، لكنه لا يقتضي وجوبه عقلاً إذ الوسيلة تجب كإيجاب

стр. 2313

أصله، فلما كانت الدينية الشرعية واجبة بالشرع كانت وسيلة أيضًا كذلك. والثالث ممنوع، وهذا لأن جميع ما يحصل من المنافع من نصب الإمام منحصر في اندفاع الهرج والمرج، واستقامة أحوالهم فيما يتعلق بإقامة الصلوات، وإيتاء الزكوات، وكل ذلك مصالح دنيوية أو شرعية، وعلى التقديرين لا يجب نصب الإمام عقلاً كما سبق. فإن قلت: أنه لطف في المصالح الدينية مطلقًا، شرعية كانت أو عقلية لأن ما ذكرناه من المنفعة في وجوده من الحث على أداء الواجبات، والمنع من القبائح لا اختصاص له بالشرعيات، بل يعمها والعقليات فإنه كما يحث على فعل الواجبات الشرعية، ويمنع من قبائحها، فكذا على الواجبات العقلية ويمنع من قبائحها. قلت: فحينئذ يمنع أن يكون حال الخلق عند وجود الإمام أقرب إلى الإتيان بالواجبات، والانتهاء عن المنهيات [وهذا لأنه إذا حثهم على فعل الواجبات، والانتهاء عن المنهيات] فربما تقوى دواعيهم على ضد ذلك إذ الإنسان حريص على ما منع، فكان فعل القبائح وترك الواجبات أقرب من العكس لقوة الدواعي إليه، ولهذا يكون فعل الذي يمنع منه السلاطين أكثر من الذي لم يمنع منه، ولهذا نهى عن التسعير، فإن الغلاء

стр. 2314

إذ ذاك أكثر ولو سلم ذلك لكن إتيانهم ذلك إذ ذاك ربما يكون بمجرد خوفهم عنه من غير قصد امتثال الأمر والنهي، ولا شك أن ذلك ليس أقرب إلى الحق والسداد. سلمنا أنه لطف مطلقًا لكن لم قلتم أن كل لطف واجب؟ أما الوجه الأول: فلا نسلم أن فعل اللطف كالتمكين، ولا نسلم أن ترك التوتضع كرد الباب؛ وهذا لأن إرادة/ (٢٢/ أ) تناوله الطعام مختلفة، فأي مرتبة فرضت من مراتبها كان رد اللباب مناف لتلك الإرادة، لأنه علامة الكراهة فكان مناف للإرادة، بخلاف ترك التواضع فإنه ليس كذلك، ولهذا لو صرح وقال: أريد أن تأكل طعامي لكن لا إلى حيث أنك لو لم تأكل طعامي إلا عند تقبيلي ليدك فعلت ذلك بل إرادة دون ذلك لا يعد مناقضًا، بخلاف ما إذا قال: أريد أن تأكل طعامي لا إلى حيث لو أنك جئت لذلك أترك الباب لك مفتوحًا [بل إرادة دون ذلك، فإنه يعد مناقضًا، ويعد كلامه متهافتًا] وذلك لأن أي مرتبة فرضت من مراتبها كان ذلك منافيًا له، ولأن فعل التواضع قد يشق على بعض الناس فيكون ذلك معارضًا لإرادة أكل الطعام فيبقى الأمر فيه موقوفًا على القوة والضعف بخلاف ترك الباب مفتوحًا فإنه ليس مشقًا على من دعا الناس إلى بيته وليس الفعل مع

стр. 2315

المعارض كهو مع عدمه وعند ظهور الفرق لا يصح القياس سلمناه لكنه لا يفيد إلا الظن، والمسألة علمية. وأما الوجه الثاني فالملازمة ممنوعة، وهذا لأن الفرق حاصل بيهما، لأن ترك اللطف ترك الانفاع، وفعل المفسدة فعل الأضرار، والأول قد لا يكون قبيحًا بخلاف الثاني فإنه قبيح قطعًا، ولهذا لا يقبح منا ترك إنفاع الفقير ويقبح منا إضراره؛ ولأن ترك اللطف ترك المحصل وفعل المفسدة فعل المزيل وقد ورد الشرع يقبح الثاني دون الأول، وذلك يدل على تمكن المفسدة فيه دون الأول، سلمنا الملازمة لكنه قياس وهو غير مفيد لليقين. سلمنا أنه يجب فعل اللطف لكن اللطف المحصل، أم مطلق اللطف [حتى] المقرب. والأول مسلم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن ما ذكرتم من الدلالة لا يتناول اللطف المقرب، إذ التواضع إذ ذاك إنما يجب أن لو علم حصول الأكل عنده فأما إذا لم [يعلم] ذلك فلا نسلم وجوبه بل التمكين هو المقيس عليه إنما يجب إذا علم حصول الفعل المطلوب إذ ذاك، وحينئذ نقول: لم قلتم أن الإمام لطف محصل؟ بل هو عندنا لطف مقرب، وهذا لأنه لا يعلم حصول الطاعات، والانتهاء عن المنهيات من المكلفين عند حصول الإمام المعصوم، بل الذي يعلم أن حالهم إذ ذاك أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية. والذي يؤكد هذا الاحتمال: أنه لا امتناع في أن يعلم الله تعالى من أهل زمان أن الإمام لا يكون لطفًا محصلاً لهم فحينئذ يستحيل أن يكون الإمام لطفًا محصلاً لهم، ثم لا زمان إلا ويحتمل أن يكون ذلك الزمان، فلا يمكن القطع في شيء من الزمان أن يكون الإمام لطفًا محصلاً فيه لأهله.
следующие страницы →