Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
قبيح؛ وهذا لأن ترتيب العقاب على فعل القبيح من لوازم القبيح، ولوازم الماهية معلولات الماهية، فترك القبيح لخوف العقاب على فعله أقل لتركه لكونه قبيحًا.
ثم الذي يؤكد أن ترك القبيح لأجل خوف العقاب ليس بقبيح هو: أن المقتضى لترتب العقاب على فعله هو نفس القبيح وحصول الخوف بعد الشعور بهذا الاقتضاء لازم له، فلو كان ترك القبيح لأجل خوف العقاب قبيحًا لكان ترك القبيح قبيحًا، ضرورة أن مستلزم القبيح قبيح، ولا يتأتى هذا في الإمام لأن ترك القبيح لأجل خوفه ليس بلازم من لوازم القبيح.
سلمنا أنه قبيح لكنه لازم الماهية ولا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الخوف بسبب الإمام فإنه ليس بلازم فيمكن الاحتراز عنه.
وما ذكره الإمام ﵀ من الدلالة على أنه ليس بقبيح لورود الشرع به إذ الشرع لا يرد بالمفاسد، فإنه مشترك بينه وبين صورة الإمام، وما ذكره من أنه حينئذ يصير وجوب نصب الإمام شرعيًا فممنوع، وهذا لأن معرفة ذلك من الشريعة لا يقتضي أن يكون وجوبه شرعيًا أيضًا، لاحتمال أن يقال: أن وجوبه عقلي، لكن إنما يعرف ذلك بعد ورود الشرائع به، نعم ما كان يمكن الجزم بوجوبه قبل ورود الشريعة به، لاحتمال أن ما ذكر مفسدة لكن لما وردت الشريعة به انتفى هذا الاحتمال فأمكن الجزم الآن بوجوبه عقلاً لانتفاء احتمال أن يكون ما ذكروه مفسدة اللهم [إلا] إذا فسر الوجوب العقلي: بما يستقل العقل بمعرفة وجوبه من غير توقف على الشرع لا بحسب نفسه، ولا بحسب ما تتوقف عليه حجيته، فحينئذ يكون ذلك قادحًا في كونه عقلها.
стр. 2312
وثالثها: أن فعل الطاعات، وترك القبائح عند وجود الإمام أسهل مما إذا لم يكن ضرورة توفر الدواعي على ذلك على ما ذكرتم وسهولة الفعل عند توفر الدواعي فيكون سببًا لنقصان الثواب، إذ الفعل كلما كان أشق كان الثواب أجزل، للحديث، وهو مفسدة.
فثبت بهذه الوجوه أن نصب الإمام يشتمل على المفاسد فوجب أن لا يجوز، فضلاً عنن أن يكون واجبًا.
سلمنا خلوه عن جهة المفسدة لكنه لطف عينا، أو في الجملة ولو على طريق البدلية، أي يقوم غيره مقامه في كونه لطفًا؟
فإن ادعيتم الأول فممنوع؛ وهذا لأنه إنما يكون كذلك أن لو لم يكن هناك لطف آخر يقوم مقامه وهو ممنوع، ولا يمكن الاستدلال على عدمه بالأصل إذ المسألة علمية.
وإن ادعيتم الثاني فمسلم، لكنه لا يحصل مقصودكم وهو الجزم بوجوبه في كل زمان، لأن ما لا يتعين لكونه لطفًا بعينه لا يتعين للوجوب في كل زمان.
سلمنا أنه لطف بعينه لكنه في المصالح الدنيوية، أو [الدينية] الشرعية، أو الدينية مطلقًا شرعية كانت أو عقلية؟
فالأول مسلم لكنه لا يقتضي وجوبه؛ لأن تحصيل الأصلح في الدنيا غير واجب عليه تعالى، فما يكون وسيلة إليه أولى أن لا يجب.
والثاني أيضًا مسلم، لكنه لا يقتضي وجوبه عقلاً إذ الوسيلة تجب كإيجاب
стр. 2313
أصله، فلما كانت الدينية الشرعية واجبة بالشرع كانت وسيلة أيضًا كذلك.
والثالث ممنوع، وهذا لأن جميع ما يحصل من المنافع من نصب الإمام منحصر في اندفاع الهرج والمرج، واستقامة أحوالهم فيما يتعلق بإقامة الصلوات، وإيتاء الزكوات، وكل ذلك مصالح دنيوية أو شرعية، وعلى التقديرين لا يجب نصب الإمام عقلاً كما سبق.
فإن قلت: أنه لطف في المصالح الدينية مطلقًا، شرعية كانت أو عقلية لأن ما ذكرناه من المنفعة في وجوده من الحث على أداء الواجبات، والمنع من القبائح لا اختصاص له بالشرعيات، بل يعمها والعقليات فإنه كما يحث على فعل الواجبات الشرعية، ويمنع من قبائحها، فكذا على الواجبات العقلية ويمنع من قبائحها.
قلت: فحينئذ يمنع أن يكون حال الخلق عند وجود الإمام أقرب إلى الإتيان بالواجبات، والانتهاء عن المنهيات [وهذا لأنه إذا حثهم على فعل الواجبات، والانتهاء عن المنهيات] فربما تقوى دواعيهم على ضد ذلك إذ الإنسان حريص على ما منع، فكان فعل القبائح وترك الواجبات أقرب من العكس لقوة الدواعي إليه، ولهذا يكون فعل الذي يمنع منه السلاطين أكثر من الذي لم يمنع منه، ولهذا نهى عن التسعير، فإن الغلاء
стр. 2314
إذ ذاك أكثر ولو سلم ذلك لكن إتيانهم ذلك إذ ذاك ربما يكون بمجرد خوفهم عنه من غير قصد امتثال الأمر والنهي، ولا شك أن ذلك ليس أقرب إلى الحق والسداد.
سلمنا أنه لطف مطلقًا لكن لم قلتم أن كل لطف واجب؟
أما الوجه الأول: فلا نسلم أن فعل اللطف كالتمكين، ولا نسلم أن ترك التوتضع كرد الباب؛ وهذا لأن إرادة/ (٢٢/ أ) تناوله الطعام مختلفة، فأي مرتبة فرضت من مراتبها كان رد اللباب مناف لتلك الإرادة، لأنه علامة الكراهة فكان مناف للإرادة، بخلاف ترك التواضع فإنه ليس كذلك، ولهذا لو صرح وقال: أريد أن تأكل طعامي لكن لا إلى حيث أنك لو لم تأكل طعامي إلا عند تقبيلي ليدك فعلت ذلك بل إرادة دون ذلك لا يعد مناقضًا، بخلاف ما إذا قال: أريد أن تأكل طعامي لا إلى حيث لو أنك جئت لذلك أترك الباب لك مفتوحًا [بل إرادة دون ذلك، فإنه يعد مناقضًا، ويعد كلامه متهافتًا] وذلك لأن أي مرتبة فرضت من مراتبها كان ذلك منافيًا له، ولأن فعل التواضع قد يشق على بعض الناس فيكون ذلك معارضًا لإرادة أكل الطعام فيبقى الأمر فيه موقوفًا على القوة والضعف بخلاف ترك الباب مفتوحًا فإنه ليس مشقًا على من دعا الناس إلى بيته وليس الفعل مع
стр. 2315
المعارض كهو مع عدمه وعند ظهور الفرق لا يصح القياس
سلمناه لكنه لا يفيد إلا الظن، والمسألة علمية.
وأما الوجه الثاني فالملازمة ممنوعة، وهذا لأن الفرق حاصل بيهما، لأن ترك اللطف ترك الانفاع، وفعل المفسدة فعل الأضرار، والأول قد لا يكون قبيحًا بخلاف الثاني فإنه قبيح قطعًا، ولهذا لا يقبح منا ترك إنفاع الفقير ويقبح منا إضراره؛ ولأن ترك اللطف ترك المحصل وفعل المفسدة فعل المزيل وقد ورد الشرع يقبح الثاني دون الأول، وذلك يدل على تمكن المفسدة فيه دون الأول، سلمنا الملازمة لكنه قياس وهو غير مفيد لليقين.
سلمنا أنه يجب فعل اللطف لكن اللطف المحصل، أم مطلق اللطف [حتى] المقرب.
والأول مسلم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن ما ذكرتم من الدلالة لا يتناول اللطف المقرب، إذ التواضع إذ ذاك إنما يجب أن لو علم حصول الأكل عنده فأما إذا لم [يعلم] ذلك فلا نسلم وجوبه بل التمكين هو المقيس عليه إنما يجب إذا علم حصول الفعل المطلوب إذ ذاك، وحينئذ نقول: لم قلتم أن الإمام لطف محصل؟ بل هو عندنا لطف مقرب، وهذا لأنه لا يعلم حصول الطاعات، والانتهاء عن المنهيات من المكلفين عند حصول الإمام المعصوم، بل الذي يعلم أن حالهم إذ ذاك أقرب إلى الطاعة، وأبعد عن المعصية.
والذي يؤكد هذا الاحتمال: أنه لا امتناع في أن يعلم الله تعالى من أهل زمان أن الإمام لا يكون لطفًا محصلاً لهم فحينئذ يستحيل أن يكون الإمام لطفًا محصلاً لهم، ثم لا زمان إلا ويحتمل أن يكون ذلك الزمان، فلا يمكن القطع في شيء من الزمان أن يكون الإمام لطفًا محصلاً فيه لأهله.
стр. 2316
سلمنا صحة دليلكم لكنه منقوض بعدم عصمة القضاة والأمراء والجيوش وبعدم وجوب نصب الإمام في كل بلد أو في كل قطر، ويكون ذلك الإمام غير قادر على إيصال النكبة بمن شاء من العصاة، وكيف شاء من غير أعوان وخدم، وبكونه غير قادر على الطيران، والاستتار عن العيون، وعلم الغيوب، فأنا نعلم بالضرورة أن حال الخلق عند عصمة القضاة والأمراء وتعدد الأئمة المعصومين، وعندما يكون ذلك الإمام قادرًا على ما شاء من الإساءة إلى العصاة مع علمه بالغيب أصلح مما إذا لم يكن كذلك، ولا يمكن دفع هذا باحتمال مفسدة فيها يعلما الله تعالى ولا نعلمها نحن لأن ذلك الاحتمال بعينه موجود فيما نحن فيه فكان يجب أن لا يجب.
ولو قيل: أنه وإن كان لطفًا لكنه لا يجب فهذا يبطل مقدمة دعواه وهي أن كل لطف واجب.
لا يقال: إن ما ذكرتم كله لطف مكمل وقد يجب أصل اللطف، دون اللطف المكمل، لأنا نقول: إذا كان دليلهما واحدًا يجب التسوية بينهما، فإن عمل في أحدهما وجب أن يعمل في الآخر وإلا ألغى فيهما اللهم إلا إذا أبدى معنى في أحدهما يوجب إلغاءه لكن الأصل عدمه.
يلمنا سلامته عن النقض، لكن لم قلتم أنه يجب أن يكون معصومًا؟
قوله: لو لم يكن معصومًا لافتقر إلى إمام آخر.
قلنا: لا نسلم بل الذي نسلم افتقاره إذ ذاك إلى لطف آخر لا إلى إمام آخر، وحينئذ نقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك اللطف هو مجموع الأمة؟
وليس هو لطفًا لمجموع الأمة حتى يدفع ذلك بالدور بل هو لطف لكل واحد من الأمة، وحينئذ يجب عليهم إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون مجموع الأمة لطفًا له، ولا يكفيهم في ذلك القدح في أدلة الإجماع، لأن ذلك ينفي الجزم بعصمتهم وكون إجماعهم حجة، لا احتمال كونه حجة
стр. 2317
والمانع يكفيه الاحتمال.
سلمنا عصمته لكن لا نسلم أن ذلك يدل على أن قوله صواب، وهذا لأنه يجوز أن يكون باطلاً، لكن إنما أفتى بذلك خوفًا وتقية، فإنه لما رأى أهل العلم متفقين على ذلك القول خاف من مخالفتهم وذلك عندهم جائز.
سلمنا أنه لا يجوز أن يكون ذلك خوفًا وتقية، فلم لا يجوز أن يكون ذلك على وجه السهو والنسيان منه؟!
فأما من القوم كلهم فلا على هذا الوجه، لئلا يدفع بأن السهو والنسيان يستحيل على الجمع الكثير عادة بل على وجه التعمد من كلهم أو من أكثرهم وعلى وجه السهو من أقلهم فهذا تمام الكلام في تقرير كون الإجماع حجة على اختلاف المذهبين.
стр. 2318
"الفصل الثاني"
"فيما اختلف فيه أنه من الإجماع"
وفيه مسائل:
стр. 2319
الفصل الثاني
فيما اختلف فيه أنه من الإجماع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
إذا اختلفت الأمة في مسألة على قولين فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث أم لا ؟
اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
فذهب الأكثرون/ (٢٣/ أ) إلى المنع منه مطلقًا.
وذهب أهل الظاهر، وبعض الحنفية، والشيعة إلى تجويزه مطلقًا.
وفصل المحققون فيه فقالوا: إن كان القول الثالث يرفع شيئًا مما اتفق عليه القولان لم يجز إحداث القول الثالث. وإن لم يرفع ذلك جاز وهو المختار.
стр. 2320
مثال الأول: اختلاف الأمة في الجد مع الأخوة:
فمنهم من جعل المال كله للجد.
ومنهم من جعل له بعضه إما بطريق المقاسمة، أو بطريق الفرضية على اختلاف الحالين.
فالقول بأن المال كله للأخوة خلاف ما اتفق عليه القولان فيكون باطلاً.
مثال الثاني: اختلافهم في متروك التسمية:
стр. 2321
فمنهم من قال: يحل أكله سواء كان الترك عمدًا أو سهوًا.
ومنهم من قال لا يحل أكله سواء كان الترك عمدًا أو سهوًا.
فالقول الثالث: وهو التفصيل بين العمد والسهو في حل الأكل وعدمه كما هو مذهب مالك ليس خرقًا للإجماع؛ لأنه قول موافق للقولين السابقين لكن في حال دون حال فلا يمتنع.
[فإن قلت] فقد قال الشافعي: "وطء الجارية الثيبة لا يمنع من ردها بلا عقر" مع أن الأمة قبله كانوا مختلفين على قولين: بمنع الرد أصلاً ورأسًا، أو بالرد مع العقر.
[قلت]: لم يثبت خوض جميع الصحابة في المسألة بل كان القولان
стр. 2322
من الخائضين لا غير، فلذلك قال الشافعي ﵀ بالرد مجانًا، فأما إن كان ذلك على تقدير خوضهم جميعًا فيها واستقرار رأيهم على الرأيين فلا.
احتج المانعون منه مطلقًا بوجوه:
أحدها: أنه لو جاز القول الثالث فأما أن يكون [له] دليل أو لا يكون له دليل.
فإن كان الأول فذلك الدليل إما أن يعلمه أهل العصر الأول المختلفون في المسألة أو لا يعلمه.
فإن كان الأول فإما أن يكون راجحًا على مستند مذهبهم، أو مساويًا له، أو مرجوحًا عنه.
والأول باطل وإلا لزم إجماعهم على الخطأ؛ لأن ترك العمل بالراجح مع العلم به والعمل بالمرجوح خطأ، وهم حينئذ مطبقون عليه فكان يلزم إجماعهم على الخطأ.
وكذا الثاني، لأن مقتضاه إذ ذاك التوقف، أو التخيير فالجزم بالحكم إذ ذاك خطأ فكان إجماعهم على الجزم بالحكم خطأ.
وإن كان الثالث كان القول المحدث باطلاً، لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح باطل.
وإن كان الثاني لزم ذهولهم عن الحق واتفاقهم على غير مقتضاه ولو جوزنا ذلك بطل أصل الإجماع.
وإن كان ذلك لا لدليل كان القول به باطلاً فوجب أن لا يجوز القول الثالث بحال.
стр. 2323
وجوابه أن نقول: لم لا يجوز أن يكون القول الثالث لدليل مرجوح واعتقد صاحبه رجحانه؟ والعمل بالمرجوح إنما يكون خطأ أن لو كان ذلك مع العلم بكونه مرجوحًا أما بدونه فلا.
سلمنا أنه خطأ مطلقًا لكن المجتهد قد تمكن من العمل بالاجتهاد الخطأ.
سلمنا فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون ذلك مع عدم العلم بذلك الدليل؟
قوله: لزم ذهول مجموع الأمة عن الحق.
قلنا: ممنوع، وهذا لأنه إنما يكون كذلك أن لو كان ذلك راجحًا، فأما إذا لم يكن كذلك بأن يكون مساويًا له، أو مرجوحًا عنه فلا. وما ذكر من أن الحكم إذ ذاك إما للتخيير، أو التوقف فذلك عند العلم بهما لا مطلقًا.
سلمنا فساد هذا القسم أيضًا، لكن لم لا يجوز أن يكون القول الثالث لا لدليل لكنه ظنه دليلاً وحينئذ لا نسلم أنه خطأ، وإنما يكون خطأ أن لو لم يكن كل مجتهد مصيب؟
سلمنا أن المصيب واحد لكن لا يلزم من كونه خطأ أن لا يمكن من العمل به لما سبق.
وثانيها وهو ما تمسك به القاضي عبد الجبار: أن الأمة إذا اختلفت على قولين فقد أجمعت على أنه يجب على كل واحد من المكلفين الأخذ بأحد
стр. 2324
ذينك القولين، وأنه لا يجوز العدول عنهما، وتسويغ القول الثالث يبطل ذلك فكان باطلاً.
وجوابه: أنه مشروط بعدم ظهور القول الثالث، فإذا ظهر زال الحكم لزوال شرطه. وهذا الاشتراط وإن كان محتملاً في الإجماع على القول الواحد، لكنهم حذفوه فيه، وقطعوا بعدم تطرقه إليه، وجزموا بوجوب الأخذ به دائمًا فلا يجوز التسوية بينهما إذ من شرط صحة القياس أن لا يكون الحكم مجمعًا عليه.
وثالثها: أن القول الثالث إن كان خطأ وجب أن لا يسوغ القول به، وإن كان صوابًا وحقًا لزم إجماع الأولين على الخطأ.
وجوابه: أنه لا يلزم من حقيقته خطأ ما سبق؛ لأن كل مجتهد مصيب.
سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن ذلك ممتنع، وهذا لأن الممتنع عندنا إنما هو تخطئه كل الأمة فيما اتفقوا عليه لا مطلقًا، إذ يجوز خطأ بعضهم في المسألة، والبعض الآخر في مسألة أخرى.
سلمنا امتناعه مطلقًا لكن لا يلزم من خطئه أن لا يسوغ القول به لما سبق.
واحتج المجوزون مطلقًا بوجهين:
أحدهما: أن الشافعي ﵁ أحدث القول الثالث في رد الجارية الثيبة الموطوءة المعيبة، وهو مناف للقولين السابقين، لأنهم متفقان على أنها لا ترد مجانًا، ولم ينكر عليه أحد من علماء عصره فكان إجماعًا.
стр. 2325
وجوابه: ما سبق من أنه لم يثبت خوض الجميع فيها واستقرارهم على الرأيين.
وثانيهما: أنه لم يحصل إجماع على حكم واحد فلم يكن حجة كما قبل الاستقرار على الرأيين.
وجوابه: منع الصغرى؛ وهذا لأنهم اتفقوا على أن للجد قسطًا من المال فالقول بحرمانه مع الأخوة مخالفة لما اتفقوا عليه فكان ممتنعًا.
وعند هذا ظهر أن الحق من الأقوال هو ما اختاره المحققون.
стр. 2326
المسألة/ (٢٤/ أ) الثانية
أهل العصر إذا لم يفصلوا بين المسألتين، فهل يجوز لمن بعدهم الفصل بينهما أم لا ؟ اختلفوا فيه:
فمنهم من جوز ذلك مطلقًا.
ومنهم من منع ذلك مطلقًا.
ومنهم من فصل وقال: إن كان طريق الحكم واحدًا لم يجز الفصل وإلا جاز.
ثم اعلم أن هذا الخلاف مختص فيما إذا لم يوجد فيهم من فصل بينهما.
فأما إذا علم نفي الفصل بصراحة قولهم نحو أن يقولوا: "لا فصل بينهما في شيء من الأحكام، أو في الحكم الفلاني" فإنه لا يجوز الفصل بينهما فيما نصوا عليه وفاقًا؛ لأنه إجماع صريح كغيره من الإجماعات والمختار إنما هو التفصيل.
والدليل عليه: أن طريق الحكم في المسألتين إذا كان واحدًا، كما في توريث العمة والخالة، فإن من ورثهما فإنما ورثهما لأنه يرى توريث ذوى الأرحام.
ومن لا يورثهما فإنما لا يورثهما لأنه لا يرى ذلك. كان ذلك جاريًا مجرى فولهم: "لا فصل بين هاتين المسألتين في ثبوت الحكم وعدمه، ضرورة
стр. 2327
أنه يلزم من ثبوت العلة ثبوت حكمها، ومن نفيها نفيه، إذ الكلام حيث تكون العلة متحدة، ومعلوم أنهم لو قالوا ذلك لم يجز الفصل بينهما، فكذا عند حصول ما هو جار مجراه.
احتج المجوزون مطلقًا بوجوه:
أحدها: أنه لو لم يجز الفصل لوجب على من وافق الشافعي في مسألة الدليل يخص تلك المسألة، أن يوافقه في جميع المسائل؛ لأن المجموع المركب من بعض ما قاله وبعض ما قاله غيره قول لم يقل به واحد منهما لكنه باطل وفاقًا، إذ فيه حجر المجتهد عن النظر والاستدلال.
وجوابه: أنه أن عنى بقوله: لو لم يجز الفصل عدم جوازه في كل واحد من الصور سلمنا الملازمة، لكنه لا يحصل المقصود، إذ لا يلزم من انتفاء السلب الكلي تحقق الموجب الكلي.
وإن عنى به عدم جوازه في الجملة ولو في بعض الصور منعنا الملازمة؛ وهذا لأنا لا نمنع الفصل في كل الصور بل فيما اتحدت العلة فيه.
وثانيها: أجمعت الصحابة والتابعون على أن كل ما ليس مجمعًا عليه فإنه مساغ للاجتهاد، وما نحن فيه ليس مجمعًا عليه فيسوغ فيه الاجتهاد، فلا يمتنع الفصل إذا أدى إليه الاجتهاد.
стр. 2328
وجوابه: منع أن ما طريق حكمه واحد ليس مجمعًا عليه؛ وهذا لأنا بينا أنه جار مجرى قولهم لا فصل بينهما، ومعلوم أنهم لو قالوا ذلك لم يجز الفصل فكذا ما يجري مجراه.
وثالثها: أن بعضهم أحدث قولاً ثالثًا ولم ينكر عليه فكان تجويزه مجمعًا عليه.
بيان الأول: أن الصحابة كانوا على رأيين في زوج وأبوين، وزوجه وأبوين، كان ابن عباس ومن تابعه على أن للأم في المسألتين ثلث
стр. 2329
جميع المال، وكان الباقون على أن لها ثلث الباقي بعد فرض الزوج أو الزوجة، فجاء ابن سيرين وأحدث قولاً ثالثًا، فقال بقول ابن عباس في زوجة وأبوين، وقال [بقول] سائر الصحابة في زوج وأبوين.
وأما بيان الثاني: فإنه لو وجد الإنكار لنقل واشتهر، ولما لم يشتهر ولم ينقل بطريق الآحاد دل على أنه لم يوجد.
وكذلك أحدث سفيان ﵁ قولاً ثالثًا وهو: أن الجماع ناسيًا يفطر، والأكل ناسيًا لا يفطر، مع أن الأمة قبله على قولين بالإفطار وعدمه فيهما ولم ينكر عليه لما تقدم.
стр. 2330
وكذلك أحدث مسروق في مسألة الحرام قولاً آخر غير الأقوال المذكورة [فيها] للصحابة من غير إنكار عليه.
وجوابه: أن القول الثالث فيما ذكرتم من الصور إن لم يتضمن رفع حكم اتحد طريقه فقد سقط الاستدلال به، لأنه حينئذ غير دال على الجواز مطلقًا.
стр. 2331
وإن تضمن فإنما جاز، لأنه لم يثبت خوض الجميع فيهما، أو وإن ثبت ذلك لكن لعلهم خالفوهم لوجودهم في حالة اتفاقهم، أو في عصرهم.
وهذا إنما ينقدح إذا اشترك انقضاء العصر في انعقاد الإجماع.
واحتج المانعون منه مطلقًا بوجوه:
أحدها: أن تسويغ القول الثالث تخطئه للقولين الأولين وفيه تخطئة كل الأمة.
وجوابه: ما سبق في المسألة السابقة.
وثانيها: أن الأمة إذا قالت بثبوت الحكم في المسألتين، أو بنفيه عنهما فقد اتفقوا على أنه لا فصل بينهما، فالقول بينهما بالفصل رفع لهذا الإجماع فيكون باطلاً.
وجوابه: منع أنهم اتفقوا عليه بل لم يوجد فيهم من يفصل بينهما وهذا ليس اتفاقًا منهم على عدم الفصل، وإلا لكان كل ما ليس قولاً لهم باطلاً، وفيه بطلان أكثر وجوه الاستدلالات، والطائف المستنبطة من الآيات.
وثالثها: أن الأمة إذا اختلفت على قولين فقد أوجبت على كل مكلف الأخذ بأحد ذينك القولين فيها، وحظرت الأخذ بغيرهما، وتسويغ القول الثالث يرفع هذا الإجماع فيكون باطلاً.
وجوابه: ما سبق من أنه مشروط بعدم ظهور قول آخر فإذا ظهر زال الحكم لزوال شرطه.
стр. 2332
المسألة الثالثة
يجوز حصول الإجماع في المسألة بعد الخلاف فيها ، سواء كان قبل استقرار الخلاف، وتفصيل المذاهب، ومضى أربابها عليها مدة، أو بعد ذلك كله.
أما الأول، ففيه خلاف الصيرفي.
لنا: إجماع الصحابة على دفنه ﵇ حيث توفي بعد الاختلاف فيه، وإجماعهم على إمامة أبي بكر ﵁ بعد
стр. 2333
اختلافهم فيها.
وإجماعهم على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم فيه، والوقوع دليل الجواز وزيادة.
واحتج الصيرفي على امتناعه بوجهين:
أحدهما: بأنهم أجمعوا حالة الخلاف على أنه يجوز الأخذ في المسألة بكل ما أدى إليه اجتهاد المجتهد، فلو حصل الإجماع بعد ذلك على حكم واحد، فإن لزم المصير إليه لزم بطلان الإجماع/ (٢٥/ أ) الأول، وإن لم يلزم بل يقال حكم الأول باق لزم بطلان الإجماع الثاني، ولأنه ليس بطلان أحدهما بالآخر أولى من العكس، فإما أن يبطلا معًا وهو محال، أما أولاً: فلأنه
стр. 2334
يلزم منه الخروج من النقيضين.
وأما ثانيًا: فلأنه ليس علة بطلان أحدهما إلا صحة الآخر فلو بطلا معًا لصحا معًا، أو يصحا معًا وهو أيضًا باطل، لاستحالة اجتماع النقيضين، ولما لم ينفك حصوله عن أحد هذه الأقسام الباطلة كان حصوله باطلاً.
وجوابه من حيث النقض، والتفصيل.
أما من حيث النقض، فلأنه يقتضي امتناع حصول الإجماع على حكم كان غير مجمع عليه غير الإجماع على تسويغ الاجتهاد في كل ما ليس مجمعًا عليه إذ أمكن أن يقال: إنهم أجمعوا على أن كل ما ليس مجمعًا عليه فيما بينهم فإنه يسوغ فيه الاجتهاد، ويجوز الأخذ فيه بكل ما أدى إليه اجتهاد المجتهد، فلو انعقد الإجماع على حكم كان غير مجمع عليه لزم تعارض الإجماعين.
وأما من حيث التفصيل: فهو أنا نقول: إن ذلك الإجماع كان مشروطًا بعدم الإجماع على قول واحد، فإذا حصل ذلك زال الحكم لزوال شرطه. وهذا وإن اقتضى إمكان اعتبار هذا الشرط في الإجماع على الحكم الواحد، وحينئذ يخرج أن يكون شيء من الإجماعات حجة دائمة وهو خلاف الإجماع لكن أهل الإجماع أجمعوا على عدم اعتباره فلا يمكن اعتباره.
وثانيهما: أنه لا يجوز حصول الإجماع بعد استقرار الخلاف وتمهيد المذاهب فكذا قبله، والجامع دفع ما ذكرنا من المحذور.
وجوابه: منع الحكم في الأصل ثم بالفرق على ما ستعرف ذلك إن
стр. 2335
شاء الله تعالى في الكلام الذي نذكره بعد هذا.
وأما الثاني فيقع على أنحاء:
أحدها: أن يختلف أهل العصر الأول في المسألة على قولين، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذينك القولين، وفيه خلاف الإمام أحمد ﵀ والصيرفي وغيره من أصحابنا: كأبي علي ابن أبي هريرة، وأبي علي الطبري، وأبي حامد المروروذي، وإمام الحرمين، والغزالي
стр. 2336
وكثير من الحنفية، وكثير من المتكلمين كالشيخ أبي الحسن الأشعري.
لنا وجوه: أحدها: أنه لو وقع لم يلزم من فرض وقوعه محال لا بحسب العقل وهو ظاهر، ولا بحسب الشرع؛ لأن المحال الذي يظن أنه يلزم بحسب الشرع ليس إلا ما تقدم ذكره، وهو غير لازم، لما تقدم من الاحتمال، وحينئذ يلزم جواز وقوعه، فبعد وقوعه يكون حجة لاندراجه تحت أدلة الإجماع.
وثانيها: أنه إجماع حصل بعد ما لم يكن، فيكون حجة كالإجماع الحاصل بعد التردد قبل استقرار الخلاف.
والجامع بينهما اندراجهما تحت أدلة الإجماع، وعدم استلزامهما مخالفة إجماع آخر.
وهذا الدليل إنما هو دليل على [غير الصيرفي.
ولقائل أن يقول: الفرق بينهما ظاهر فإن حصول الإجماع على]
стр. 2337
أحد القولين بعد استقرار الخلاف يقتضي بطلان القول الآخر الثابت المفتى به المحتج عليه وبه، بخلاف الإجماع حالة التردد وقبل استقرار الخلاف، فإنه لا يقتضيه فلا يلزم من عدم جوازه ثمة عدم جوازه هنا.
وثالثها: أنه وقع ذلك، فإن الصحابة كانوا مختلفين في بيع أمهات الأولاد ثم اتفق التابعون على عدم جواز بيعهن. وهو أحد أقوالهم. والقول القديم للشافعي فيه عير معتبر؛ لأن أقواله القديمة مرجوع عنها غير معتد بها إلا على الندور، وأيضًا فإنه يحتمل أنه إنما قال ذلك بناء على أنه لم
стр. 2338
يصح عنده إذ ذاك الإجماع، فلما صح ذلك رجع عنه، أو يقال: أنه وإن صح عنده الإجماع لكنه لم ير أن مثله حجة، وهو العذر بعينه عن مذهب الشيعة. وحينئذ لا يكون الخلاف فيه بعد عصر التابعين قادحًا في إجماع التابعين الذي هو المدعى، وإذ صح وقوعه وجب أن يكون حجة لاندراجه تحت أدلة الإجماع.
احتجوا بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، أوجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله عند التنازع، وهو حاصل في الحال، لأن حصول الاتفاق فيه لا ينافي ما تقدم من الخلاف فوجب الرد فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وجوابه: منع أن التنازع حاصل في الحال وحصول الاتفاق في الحال وإن كان لا ينافي الخلاف السابق لكنه ينافي التنازع والخلاف في الحال.
سلمناه لكن الرد إلى الإجماع رد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله على ما تقدم تقريره.
وثانيها: قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ظاهره يقتضي جواز الأخذ بقول كل واحد من الصحابة، من غير فصل بين ما حصل الإجماع بعده وبين ما لم يحصل.
стр. 2339
وجوابه من وجوه:
أحدها: أنه خطاب مع العوام، بدليل ما يذكر أن مذهب الصحابي ليس بحجة، وإذا كان كذلك كان جواز الاقتداء به مشروطًا بجواز الافتاء بقوله، ضرورة أنه لا يجوز للعامي العمل به ما لم يفت به مفت، فللاستدلال بجواز الاقتداء به على جواز الإفتاء بقوله دور.
وثانيها: أنه خص عنه جواز الاقتداء بهم في التوقف حال الاستدلال والنظر فكذا جواز الاقتداء بهم في القول الذي انعقد الإجماع في العصر الثاني على خلافه، والجامع بينهما تصحيح الإجماع الذي انعقد أخيرًا.
стр. 2340
ولقائل أن يقول: الفرق بينهما حاصل وهو أن الاقتداء بهم في التوقف مخل بمقصود التكليف [بخلاف الاقتداء في القول الآخر فإنه/ (٢٦/ أ) لا يخل بمقصود التكليف] فلا يلزم من تخصيصه تخصيص هذا.
وثالثها: أنه محمول على ما يرويه الصحابة عن الرسول ﷺ أو يخبر عنه بظنه الغالب دون ما يخبر عن اجتهاده حتى يعم ذلك بالنسبة إلى الصحابي وغيره، ولو كان ذلك محمولاً على القسمين لزم خروج الصحابي عنه؛ لأنه ليس مذهبه حجة بالنسبة إليه وفاقًا، وهو تخصيص بخلاف الأصل فيكون باطلاً.
ورابعها: أن قول المجتهدين لا يموت بموتهم [بل] يبقى كما كان في حال حياتهم، بدليل أنه تحفظ أقوالهم في المسائل يحتج بها وعليها ولذلك دونت كتب الفقه، ونقلت أقوالهم فيها، وإذا كان كذلك وجب أن لا ينعقد إجماع مع مخالفة من سبق من المجتهدين كما هو في حال حياتهم مع مخالفتهم.
وجوابه: أنه إن عنى بقوله: أن قول المجتهدين لا يموت بموتهم أنه لا يندرس بالكلية، ولا يجعل نسيًا منسيًا، لعدم تعلق الغرض به فهذا مسلم. لكن هذا القدر لا يقتضي أن لا ينعقد إجماع بدونه.
وإن عنى به: أنه يكون مانعًا من انعقاد الإجماع على خلافه، كما هو في حال حياة صاحبه فهو عين النزاع.
стр. 2341
وإنما دونت كتب الفقه لمعرفة مواقع الخلاف والوفاق، وطرق الدلالة على المسائل، وما قيل فيها، فإن نظر المجتهد إذ ذاك لا شك أتم.
وخامسها: أنهم إذا اختلفوا في واقعة واستمروا عليها، وأفتوا بذلك فقد اتفقوا ضمنًا على جواز الأخذ بكلا القولين، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين، فإما أن يكون ذلك مانعًا من جواز الإفتاء بالقول الآخر أو لا يكون. والقسمان باطلان، لبطلان أحد الإجماعين فما يفضى إليه أيضًا كذلك.
وجوابه: ما سبق، وأيضًا النقض بالإجماع بعد الخلاف وقبل استقراره وهذا يختص بمن سلم الحكم فيه، فأما من لا يسلم الحكم فيه كالصيرفي فلا يصح هذا الجواب بالنسبة إليه.
وسادسها: أنه قد مضى أن الأمة إذا اختلفت في المسألة على قولين فإنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، والقطع على قول واحد غير القولين لهم، ضرورة أن كل واحد منهما غير مقطوع به فيكون غير جائز.
وجوابه: أنه غير باعتبار الصفة دون اعتبار الذات، والممنوع إنما هو الأول دون الثاني.
سلمناه لكن بينا أنه غير ممنوع عنه مطلقًا.
سلمناه، ولكن متى لم يجز إحداث قول ثالث إذا كان الإجماع منعقدًا على عدم جوازه مطلقًا، أم إذا كان مشروطًا بشرط؟
الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم لا يجوز أن يقال: إنه مشروط بعدم اتفاق الكل على قول واحد؟
وسابعها: لو كان قولهم إذا اتفقوا - بعد الاختلاف - حجة لكان قول إحدى الطائفتين إذا ماتت الأخرى حجة. وفيه كون القول بالموت حجة.
стр. 2342
وجوابه: منع لزوم كون القول بالموت حجة. بل اللازم أنه يصير عنده حجة لاندراجه، تحت أدلة الإجماع لا به.
وثامنها: أنه لو كان اتفاقهم على القول الواحد من ذينك القولين حجة لكان ذلك لأن ذلك الاتفاق حاصل عن دليل بأن الاتفاق الحاصل لا عن دليل باطل وفاقًا، لكن ذلك باطل، إذ لو كان لما خفى على أهل العصر الأول.
وجوابه: أنه ما خفى على كل أهل العصر الأول، وإنما خفى على بعضهم والمحذور إنما هو الأول دون الثاني.
وتاسعها: أن أهل العصر الثاني بعض الأمة، وبعض المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة كبعض أهل العصر.
وجوابه: منع الصغرى؛ وهذا لأنهم لو كانوا بعضهم لما انعقد إجماعهم فيما هو غير مسبوق بالخلاف، وأنه باطل إجماعًا.
وعاشرها: لو كان هذا الإجماع حجة لوجب ترك القول الآخر، فلو فرض حصول الإجماع على أحد القولين بعد قضاء القاضي بالقول الآخر لوجب أن ينقض، لكونه حاصلاً على مضادة الدليل القاطع، لكن ذلك باطل، أما أولاً فبالاتفاق، وأما ثانيًا: فلأن أهل العصر الأول أجمعوا على نفوذ مثل هذه القضايا فنقضه على خلاف الإجماع منهم.
وجوابه: أن الحكم حين اتصل بقضاء القاضي ما كان على مضادة الدليل القاطع. ونحن إنما ننقض الحكم الذي يكون على مضادة الدليل القاطع [حين اتصال قضاء القاضي به لا غير.
وحادي عشرها: القياس على الإجماع] على القول الواحد، فإنه لا يتصور بعده إجماع آخر فكذا بعد الإجماع على القولين، والجامع صيانة
стр. 2343
الإجماع عن التعارض والنسخ.
وجوابه: ما تقدم في الكلام مع الصيرفي.
وثانيها: أن يختلف أهل العصر الأول في المسألة على قولين، ثم يموت أصحاب أحد القولين، أو يكفروا فهل يصير القول الآخر مجمعًا عليه أم لا؟
اختلفوا فيه على الخلاف المتقدم.
والمختار أنه يصير مجمعًا عليه لا بالموت والكفر، بل عندهما لاندراجه تحت أدلة الإجماع.
وثالثها: أن يختلف أهل العصر الأول في المسألة على قولين، ثم يرجع أصحاب أحد القولين إلى القول الآخر، فهل يجوز وقوع ذلك؟
وبتقدير وقوعه هل يصير إجماعًا متبعًا أم لا؟ اختلفوا فيه:
فمن اعتبر انقراض العصر في الإجماع جوز وقوع ذلك قطعًا، وقال بحجيته، إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين على هذا الرأي.
وأما من لم يعتبر انقراض العصر في الإجماع: فمن جوز منهم حصول الإجماع - في المسألتين السالفتين - وقال بحجيته جوزها هنا وقال بحجيته بطريق الأولى.
وسبب هذه الأولوية: أن القول الثاني فيما نحن فيه مرجوع عنه بالكلية، بخلاف - المسألتين السابقتين - فإن القول الثاني فيهما ما صار مرجوعًا
стр. 2344
مرجوعًا عنه أصلاً. وأيضًا: فإنه قد يظن في/ (٢٧/ أ) المسألتين السابقتين] أن المجمعين ليسوا كل الأمة بل بعضهم، - وها هنا - هذا الظن زائل؛ لأن جميع أهل العصر الزول قد اتفقوا عليه.
وأما من لم يجوز حصول الإجماع في المسألتين السالفتين - فهؤلاء اختلفوا:
فمنهم من جوزه لكنه قال ليس بحجة.
ومنهم من جوزه وجعله حجة.
ومنهم: من فصل فقال بجوازه فيما هو دليل خلافه الأمارة والاجتهاد دون ما هو دليل خلافه القاطع عقليًا كان أو نقليًا.
ومنهم: من أحاله مطلقًا.
والمختار: أنه يجوز وقوعه وأنه حجة. ودليله: ما مر والكلام فيه نفيًا وإثباتًا ما مر في المسألة المتقدمة فأغنى ذلك عن الإعادة.
стр. 2345
المسألة الرابعة
انقراض العصر ليس بشرط في انعقاد الإجماع عند الأكثرين من الفرق . خلافًا للإمام أحمد والأستاذ أبي بكر بن فورك منا.
ومنهم من فصل بين الإجماع السكوتي وغيره، فشرط في السكوتي دون غيره وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق.
وفصل إمام الحرمين بوجه آخر وهو: أنه إن علم أن متمسكهم ظني فليس بحجة حتى يطول الزمان، وتتكرر الواقعة، ومقتضى هذا: أنهم لو
стр. 2346
انقرضوا عقيب الإجماع لا تستقر حجته، ولو بقوا بعد التكرر وتطاول الزمان يكون حجة وإن كان قطعيًا فلا يعتبر الانقراض ولا التطاول [وإن كان الثالث فهو باطل].
لنا: أدلة الإجماع: فإنها بإطلاقها تدل على حجية الإجماع من غير فصل بين انقراض العصر، وعدم انقراضه. فوجب أن يكون حجة مطلقًا، وإلا لزم تقييد تلك الأدلة وأنه خلاف الأصل.
واستدل بوجهين آخرين:
أحدهما: أن الإجماع بعد انقراض العصر حجة وفاقًا، فأما أن يكون لنفس الإجماع، أو لنفس الانقراض، أو للأول بشرط حصول الثاني.
فإن كان الأول فهو المطلوب؛ لأنه يلزم أن يكون الإجماع حجة قبل انقراض العصر لحصوله فيه.
وإن كان الثاني فهو باطل، وإلا لكان انقراض العصر بدون الاتفاق حجة وهو باطل وفاقًا.
وإن كان الثالث فهو باطل أيضًا، لأنه يقتضي أن يكون الموت شرطًا في
стр. 2347
حجية قولهم، وهو باطل؛ لأن الموت لا يكون شرطًا في حجية قول هو حجة كما في قول الرسول ﷺ . وهو ضعيف، أما أولاً: فلأن الجامع وصف طردي لا يصلح للعلية فلا يصح القياس به.
وأما ثانيًا: فلأن حجية قول الرسول وإن لم يتوقف على الموت، لكن استقرار حجيته يتوقف على الموت، فلم لا يجوز أن يكون استقرار حجية الإجماع كذلك؟ والمعنى من كون انقراض العصر شرطًا في انعقاد الإجماع: استقرار حجيته عليه.
وثانيهما: أنه لو اعتبر انقراض العصر في حجية الإجماع لم يتصور إجماع بات مقطوع بحرمة المخالفة، لاحتمال أن يحدث قبل انقراض أهل العصر الأول من له أهلية الاجتهاد، ويحدث قبل انقراضه مجتهد آخر، وقبل انقراضه مجتهد آخر، وهلم جرا إلى يوم القيامة. فمهما أراد مجتهد مخالفته لم يحرم عليه، لعدم حصول شرط حرمتها، وهو انقراض العصر وهو خلاف الإجماع، ولا يدفع هذا بأن المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الحادثة، لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اشتراط انقراض الجميع، لأن هذا الاحتمال بعينه آت بالنسبة إلى اشتراط انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الواقعة، فإنه يمكن أن يقال: أنه ربما يحدث مجتهد قبل انقراض ذلك اللاحق، وهلم جرا فلم يحصل إجماع بات مقطوع بحرمة المخالفة. وهو أيضًا ضعيف، أما إن قيل: بأن فائدة اشتراط انقراض العصر إنما يرجع إلى المجمعين لا غير، أي يجوز لهم الرجوع عن الحكم ما داموا أحياء ولا يجوز لغيرهم مخالفتهم وإن لحقهم أحياء كما هو مذهب أحمد فظاهر.
وأما إن لم تقتصر الفائدة عليه بل تظهر فائدته في حقهم وفي حق من
стр. 2348
لحقهم من أهل العصر الثاني فكذلك، لاحتمال أن يعتبر الانقراض بالنسبة إلى المجمعين وإلا من لحقهم لا بالنسبة إلى لاحق اللاحق وما بعده.
لا يقال: فعلى هذا يلزم [اعتبار] انقراض بعض أهل العصر لا كلهم؛ لأنا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأنا اعتبرنا مخالفة اللاحق، ولكن لم نعتبر مخالفة من لحقه وهو ليس من أهل العصر الأول حتى تعتبر مخالفته، بل هو لاحق بمن هو لاحق بأهل العصر الأول، وليس لاحق اللاحق كاللاحق، ولأنا نعني بانقراض أهل العصر انقراض المجمعين أو من لحقهم وحينئذ يسقط ما ذكروه بالكلية.
واحتج المخالف بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، ولو كان إجماعهم حجة عليهم لا يجوز لهم مخالفته لكانوا شهداء على أنفسهم وهو خلاف دلالة الآية.
وجوابه من وجوه:
أحدها: أنه مخالف مفهوم الآية لا مخالف منطقوها وهو ليس بحجة.
سلمنا حجيته لكن وجد من القرينة المعنوية ما يدل على عدم إرادته وهو: أنه إذا كانت شهادتهم مقبولة على غيرهم مع احتمال تطرق التهمة إلى تلك الشهادة، فلأن تكون شهادتهم على أنفسهم مقبولة بطريق الأولى، ولهذا
стр. 2349
يقبل إقرار المرء على نفسه وإن لم تقبل شهادته على غيره.
فإن قلت: فعلى هذا فأي فائدة في تخصيص شهادتهم على غيرهم؟
قلت: الفائدة فيه التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ فإن قتلهم عند خوف الفقر إذا كان منهيًا عنه، فلأن يكون عند عدمه بطريق الأولى.
وثانيها: أن قوله: ﴿شهداء على الناس﴾ يتناول شهادتهم على أنفسهم وهذا لأنهم/ (٢٨/ أ) من جملة الناس فيدخلون تحت قوله: ﴿شهداء على الناس﴾ فتكون شهادتهم على أنفسهم مدلول الآية لا مخالفًا لمدلولها.
وثالثها: أن شهادتهم على الغير، إنما تكون مقبولة؛ لأن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فإذا كان حقًا وصوابًا بالنسبة إلى غيرهم [كان] حقًا وصوابًا بالنسبة إليهم أيضًا، ضرورة أن كونه حقًا وصوابًا لا يختلف.
وفيه نظر، فإن الشيء قد يكون صوابًا وحقًا بالنسبة إلى شيء دون شيء، وكذلك قد يكون الشيء مقبولاً بالنسبة إلى شيء دون شيء.
وثانيها: ما روي عن النبي ﵇[أنه قال:] "لا يخلو عصر من الأعصار من قائم لله بحجة" وهو بمفهومه يدل على خلو بعض
стр. 2350
العصر منه، وحينئذ لا يكون الإجماع فيه حجة.
وجوابه: أن المفهوم ليس بحجة.
سلمناه لكن المراد منه وقت من الأوقات، بدليل قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم"، وأمثاله من الأحاديث.
وثالثها: "ما روي أن عليًا ﵁ سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال: "كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن* فرأيت الآن بيعهن" فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك،
следующие страницы →