← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

انقرضوا عقيب الإجماع لا تستقر حجته، ولو بقوا بعد التكرر وتطاول الزمان يكون حجة وإن كان قطعيًا فلا يعتبر الانقراض ولا التطاول [وإن كان الثالث فهو باطل]. لنا: أدلة الإجماع: فإنها بإطلاقها تدل على حجية الإجماع من غير فصل بين انقراض العصر، وعدم انقراضه. فوجب أن يكون حجة مطلقًا، وإلا لزم تقييد تلك الأدلة وأنه خلاف الأصل. واستدل بوجهين آخرين: أحدهما: أن الإجماع بعد انقراض العصر حجة وفاقًا، فأما أن يكون لنفس الإجماع، أو لنفس الانقراض، أو للأول بشرط حصول الثاني. فإن كان الأول فهو المطلوب؛ لأنه يلزم أن يكون الإجماع حجة قبل انقراض العصر لحصوله فيه. وإن كان الثاني فهو باطل، وإلا لكان انقراض العصر بدون الاتفاق حجة وهو باطل وفاقًا. وإن كان الثالث فهو باطل أيضًا، لأنه يقتضي أن يكون الموت شرطًا في

стр. 2347

حجية قولهم، وهو باطل؛ لأن الموت لا يكون شرطًا في حجية قول هو حجة كما في قول الرسول ﷺ . وهو ضعيف، أما أولاً: فلأن الجامع وصف طردي لا يصلح للعلية فلا يصح القياس به. وأما ثانيًا: فلأن حجية قول الرسول وإن لم يتوقف على الموت، لكن استقرار حجيته يتوقف على الموت، فلم لا يجوز أن يكون استقرار حجية الإجماع كذلك؟ والمعنى من كون انقراض العصر شرطًا في انعقاد الإجماع: استقرار حجيته عليه. وثانيهما: أنه لو اعتبر انقراض العصر في حجية الإجماع لم يتصور إجماع بات مقطوع بحرمة المخالفة، لاحتمال أن يحدث قبل انقراض أهل العصر الأول من له أهلية الاجتهاد، ويحدث قبل انقراضه مجتهد آخر، وقبل انقراضه مجتهد آخر، وهلم جرا إلى يوم القيامة. فمهما أراد مجتهد مخالفته لم يحرم عليه، لعدم حصول شرط حرمتها، وهو انقراض العصر وهو خلاف الإجماع، ولا يدفع هذا بأن المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الحادثة، لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اشتراط انقراض الجميع، لأن هذا الاحتمال بعينه آت بالنسبة إلى اشتراط انقراض عصر من كان مجتهدًا عند حدوث الواقعة، فإنه يمكن أن يقال: أنه ربما يحدث مجتهد قبل انقراض ذلك اللاحق، وهلم جرا فلم يحصل إجماع بات مقطوع بحرمة المخالفة. وهو أيضًا ضعيف، أما إن قيل: بأن فائدة اشتراط انقراض العصر إنما يرجع إلى المجمعين لا غير، أي يجوز لهم الرجوع عن الحكم ما داموا أحياء ولا يجوز لغيرهم مخالفتهم وإن لحقهم أحياء كما هو مذهب أحمد فظاهر. وأما إن لم تقتصر الفائدة عليه بل تظهر فائدته في حقهم وفي حق من

стр. 2348

لحقهم من أهل العصر الثاني فكذلك، لاحتمال أن يعتبر الانقراض بالنسبة إلى المجمعين وإلا من لحقهم لا بالنسبة إلى لاحق اللاحق وما بعده. لا يقال: فعلى هذا يلزم [اعتبار] انقراض بعض أهل العصر لا كلهم؛ لأنا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأنا اعتبرنا مخالفة اللاحق، ولكن لم نعتبر مخالفة من لحقه وهو ليس من أهل العصر الأول حتى تعتبر مخالفته، بل هو لاحق بمن هو لاحق بأهل العصر الأول، وليس لاحق اللاحق كاللاحق، ولأنا نعني بانقراض أهل العصر انقراض المجمعين أو من لحقهم وحينئذ يسقط ما ذكروه بالكلية. واحتج المخالف بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، ولو كان إجماعهم حجة عليهم لا يجوز لهم مخالفته لكانوا شهداء على أنفسهم وهو خلاف دلالة الآية. وجوابه من وجوه: أحدها: أنه مخالف مفهوم الآية لا مخالف منطقوها وهو ليس بحجة. سلمنا حجيته لكن وجد من القرينة المعنوية ما يدل على عدم إرادته وهو: أنه إذا كانت شهادتهم مقبولة على غيرهم مع احتمال تطرق التهمة إلى تلك الشهادة، فلأن تكون شهادتهم على أنفسهم مقبولة بطريق الأولى، ولهذا

стр. 2349

يقبل إقرار المرء على نفسه وإن لم تقبل شهادته على غيره. فإن قلت: فعلى هذا فأي فائدة في تخصيص شهادتهم على غيرهم؟ قلت: الفائدة فيه التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ فإن قتلهم عند خوف الفقر إذا كان منهيًا عنه، فلأن يكون عند عدمه بطريق الأولى. وثانيها: أن قوله: ﴿شهداء على الناس﴾ يتناول شهادتهم على أنفسهم وهذا لأنهم/ (٢٨/ أ) من جملة الناس فيدخلون تحت قوله: ﴿شهداء على الناس﴾ فتكون شهادتهم على أنفسهم مدلول الآية لا مخالفًا لمدلولها. وثالثها: أن شهادتهم على الغير، إنما تكون مقبولة؛ لأن ما أجمعوا عليه حق وصواب، فإذا كان حقًا وصوابًا بالنسبة إلى غيرهم [كان] حقًا وصوابًا بالنسبة إليهم أيضًا، ضرورة أن كونه حقًا وصوابًا لا يختلف. وفيه نظر، فإن الشيء قد يكون صوابًا وحقًا بالنسبة إلى شيء دون شيء، وكذلك قد يكون الشيء مقبولاً بالنسبة إلى شيء دون شيء. وثانيها: ما روي عن النبي ﵇[أنه قال:] "لا يخلو عصر من الأعصار من قائم لله بحجة" وهو بمفهومه يدل على خلو بعض

стр. 2350

العصر منه، وحينئذ لا يكون الإجماع فيه حجة. وجوابه: أن المفهوم ليس بحجة. سلمناه لكن المراد منه وقت من الأوقات، بدليل قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم"، وأمثاله من الأحاديث. وثالثها: "ما روي أن عليًا ﵁ سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال: "كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن* فرأيت الآن بيعهن" فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك،

стр. 2351

فدل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلاً، مع أن عليًا خالفه، لأنه لم ينقرض العصر، لأنه كان من جملة المجمعين. وجوابه: أنه ليس في قول على ولا في قول عبيدة ما يدل على أن الإجماع كان حاصلاً، بل غاية ما يدل عليه هو أن اتفاق جماعة كان حاصلاً في ذلك، ولا يلزم منه اتفاق الأمة، لجواز أن يكون ذلك رأي بعضهم الذين يصدق عليهم أنهم جماعة. فإن قلت: فكان ينبغي أن يقول: رأيك مع جماعة ولا يقول مع الجماعة لأنه ظاهر في العموم. قلت مطلقًا أم بتقدير عدم العهد؟ والأول ممنوع، وقد عرفت سنده في باب العموم. والثاني مسلم، لكن لا يفيد، لاحتمال أن العهد كان حاصلاً، فإن الجماعة الذين اتفقوا على الحكم ربما كانوا معينين معروفين عندهما فلذلك عرف لفظ الجماعة، ثم الذي يدل على أن التعريف ليس باعتبار العموم أن جماعة من الصحابة كانوا يرون جواز بيعهن. نقل عن جابر بن عبد الله أنه كان يرى جواز بيعهن في زمان عمر

стр. 2352

رضي الله عنهما. ونقل عن ابن عباس ﵄ أنه كان يرى جواز بيعهن وكان يقول: "ما هي إلا كشاتك وبعيرك". وكذا نقل عن ابن الزبير أنه كان يرى جواز بيعهن، ومع المخالفة يستحيل انعقاد الإجماع، هذا لو صح رؤية الجماعة. أما إذا لم يثبت ذلك على ما يقال أنه قال: "رأيك مع عمر أحب إلينا

стр. 2353

من رأيك وحدك" فيسقط الاستدلال بالكلية، وهذا أولى لمطابقة الكلامين اللهم إلا إذا روي كلام علي ﵁ على نحو قوله: "كان رأيي ورأي الجماعة" وقد روي بذلك فإنه لا يتأتى هذا الترجيح، وأيضًا فإنه روي "رأيك في الجماعة" فعلى هذا يحتمل أن يكون المراد منه: رأيك في زمن الجماعة والألفة والطاعة للإمام قبل ظهور الفتن والمخالفة، أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة، لكنه بعيد لمقابلة قوله: "من رأيك وحدك" اللهم إلا إذا روي ذلك هكذا: "من رأيك في الفرقة" وقد روي ذلك أيضًا فإنه حينئذ بيان التأويل المذكور. سلمنا دلالة ما ذكرتم على مخالفة علي ﵁ للإجماع قبل انقراض العصر لكن [لعله] كان مذهبًا له فلا يكون حجة على غيره. ورابعها: أن الصديق ﵁ كان يرى التسوية في "القسم"، ولم يخالفه أحد في زمانه، ثم أن عمر ﵁ خالفه بعد وفاته، ولم ينكر عليه ذلك. فدل ذلك على انعقاد الإجماع

стр. 2354

على جواز مخالفة الإجماع قبل انقراض العصر. وجوابه: منع حصول الإجماع على ذلك، إذ روى مخالفة عمر له في زمانه. واحتج عليه في ذلك بقوله: "أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ " ولم ينقل رجوعه عنه بعد ذلك، والأصل استمراره، وسكوته عن جواب استدلال أبي بكر ﵁ لو ثبت، لا يدل على رجوعه عنه، لاحتمال أنه رآه دليلاً صحيحًا لكنه لم ير رجحانه على دليله. وخامسها: أن عمر ﵁ حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من حده أربعين.

стр. 2355

وجوابه: منع إجماع الكل عليه، وهذا لأنه لم يثبت خوض الكل فيه بل الظاهر عدمه، لعدم تعلق غرضهم به، إذ لم يسألوا عنه، وعلمهم بمن يعتني به وهو الإمام. سلمناه لكن كان لمصلحة وقد تغيرت تلك المصلحة في زمن عمر ﵁، فزال الحكم لزوالها، وليس هو من مخالفة الإجماع في شيء. ثم أن الذي يدل على أن حد الشارب إنما كان بناء على المصلحة: أنه كان يضرب في زمان الرسول بأطراف الثياب والنعال والجريد، فضرب أبو بكر أربعين، بناء على أنه قدر ذلك به، وضرب عمر ثمانين، بناء على أن ذلك القدر من الجلد ما كان يزجر الناس عنه، وإقامة لمظنة الشيء مقامه، ولولا عرفوا أن الحكم فيه للمصلحة ما كان يجوز لهم مخالفة الرسول ﵇ بالاجتهاد، فإن شرط الاجتهاد [أن] لا يكون منصوصًا عليه من جهته ﵇. سلمناه لكن لو دل على اعتبار انقراض العصر فإنما يدل في الإجماع السكوتي دون القولي وربما يلتزم ذلك فيه.

стр. 2356

وسادسها: أن قول مجموع الأمة لا يزيد على قول الرسول، لأنه اختلف في حجيته دون حجية قول الرسول، ولأن حجيته مستفادة من حجية قول الرسول، فإذا كان موت الرسول شرطًا في استقرار حجية قوله، فلأن يكون موتهم شرطًا في استقرار حجية قولهم أولى. وجوابه: منع الجامع المعتبر./ (٢٩/ أ). سلمناه لكن الفرق بينهما حاصل، وهو أن عدم استقرار حجية قوله ﵇ مادام حيًا إنما يكون؛ لأنه يحتمل النسخ من جهته تعالى، وأما الإجماع فلا يحتمل ذلك، لما تقدم، ولا يتصور أن ينعقد على خلاف دليل راجح حتى يقال عند الاطلاع عليه يزول الحكم عنه ويجعل ذلك كالنسخ في حقه. وسابعها: لو لم نعتبر انقراض العصر، لحصل الإجماع بموت المخالف لهم في حالة حكمهم؛ لأن من بقى بعد موته كل الأمة. وهو باطل، لأنه يصير القول بالموت حجة؛ ولأنه يلزم بطلان قول الميت. وجوابه: أما بطلان قول الميت فلازم على المخالف أيضًا على تقدير انقراض العصر، فما هو جوابه عنه فهو جوابنا عنه قبل انقراضه. وأما لزوم حجية القول بالموت. فممنوع على ما عرفت أنه يصير حجة عنده لا به. وثامنها: أن الإنسان مادام في قيد الحياة، فإنه في الفحص عن الأدلة والفكر فيها، والإجماع على الحكم الواحد قد يكون عن اجتهاد وظن فلو قلنا مجرد إجماعهم حجة لا تجوز مخالفته من غير انقراض العصر، لزم أحد المحذورين وهو: إما منعهم من الحكم إذا لاح لهم دليله، أو سد باب الطلب والفحص والفكر في الأدلة إذا لاح لهم دليل على الحكم.

стр. 2357

فإن لم يقولوا بمقتضاه إلا إذا قطعوا بعدم دليل آخر أرجح منه لعلمهم أنهم إذا قالوا به لم يجز لهم الرجوع عنه وإن ظهر لهم دليل أرجح منه لزم الأمر الأول. وإن قالوا بمقتضاه لزم الأمر الثاني؛ لأنه حينئذ لم يبق في الطلب والفكر فائدة، ضرورة أنه لا يجوز الرجوع عنه بحال. وجوابه: أن طلب أدلة الحكم والفكر فيها بعد الحكم به، إن كان لاحتمال أن يوجد فيها ما يخالف الدليل الأول وهو أرجح منه، أو يوجد فيها وجه استدلال يخالف الاستدلال الأول وهو راجح، فهذا محال، لأن مجموع الأمة معصوم عن الخطأ فيستحيل منهم الحكم بالدليل المرجوح مع وجود الدليل الراجح لأن ذلك إن كان مع العلم به فظاهر، وإن كان مع الجهل به فكذلك، لأنه لا يجوز ذهولهم عن الحق فسد هذا الباب سد باب العناء وهو غير محذور، وإن كان الطلب والفكر لأغراض أخر نحو الظفر على ما يقوى ذلك الحكم من الدليل، أو وجه الاستدلال، فهذا ممكن الحصول لكن من المعلوم أن عدم اعتبار انقراض العصر لا يسد هذا الباب. وتاسعها: أن الحكم الذي اتفقوا عليه إن كان دليله قطعيًا، فلا يعتبر فيه انقراض العصر، وإن كان ظنيًا وجب أن يعتبر فيه ذلك، وإلا لزم أن يقال الاجتهاد مانع من الاجتهاد، والحجر على المجتهد في أن لا يتغير اجتهاده. وجوابه: منع لزوم ما ذكروه، وهذا لأن مجرد الاجتهاد السابق لا يمنع من الاجتهاد الثاني، وإنما يمنع منه اتفاقهم على مقتضاه، فإنه يصير إذ ذاك الحكم قطعيًا، [فلا يسوغ فيه الاجتهاد بعد ذلك، وكذا لا يلزم حجر المجتهد في أن لا يتغير اجتهاده، وإنما يلزم حجره عن العمل بمقتضى اجتهاده

стр. 2358

بعد أن صار الحكم قطعيًا]. وعاشرها: أن السكوت عن حكم الحادثة ليس دليلاً على الرضا به لاحتمال أن يكون ذلك للتروي والفكر، فإذا مات على ذلك دل على الرضا به إذ لا تتمادى مدة النظر والفكر عن مدة الحياة فوجب اعتبار انقراض العصر في الإجماع السكوتي. وما يقال في جوابه، أن السكوت إن دل على الرضا وجب أن يحصل ذلك قبل الموت، وإن لم يدل عليه لم يحصل ذلك أيضًا بالموت، لاحتمال أنه مات على ما كان عليه قبل الموت فضعيف، لأنه وإن احتمل ذلك لكنه احتمال مرجوح. والأظهر إنما هو احتمال الرضا، لما تقدم أنه لا تتمادى مهلة النظر عن مدة العمر.

стр. 2359

المسألة الخامسة إذا قال بعض المجتهدين من أهل العصر قولاً في المسائل التكليفية الاجتهادية، وعرفه الباقون، ولم يظهر منهم في ذلك إنكار عليه فهل يكون ذلك إجماعًا أم لا ؟. اختلفوا فيه: فذهب الشافعي ﵁ إلى أنه لا يكون إجماعًا ولا حجة وهو مذهب داود وبعض الحنفية.

стр. 2360

وذهب الإمام أحمد وكثير من الحنفية والشافعية وبعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه إجماع وحجة، لكن منهم من يعتبر في ذلك انقراض العصر كالجبائي وأتباعه، وأكثرهم لم يعتبروا ذلك. وقال أبو هاشم: أنه حجة وليس بإجماع، وهو منقول عن الصيرفي أيضًا. وقال أبو علي ابن أبي هريرة: إن كان ذلك الحكم صادرًا عن حاكم لم يكن إجماعًا ولا حجة. وإن كان صادرًا عن غيره يكون إجماعًا متبعًا. ونقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني: أنه إن كان صادرًا عن حاكم يكون إجماعًا وحجة، لأن الظاهر من حالة أنه لا يقول به إلا عن بحث وإتقان بعد مباحثة العلماء والفقهاء واستصواب منهم، وإن كان عن غيره فلا،

стр. 2361

إذ لا يمكنه جمع العلماء للمباحثة والمشاورة، والظاهر أنه قاله عن رأيه وحده. احتج الأولون: بأن السكوت يحتمل أن يكون للرضا فعلى هذا التقدير يكون الإجماع حجة. ويحتمل أن يكون لغيره: نحو أن لم يجتهد فيه بعد، أو وإن اجتهد لكن لم يظهر له جهة الصواب فيه، أو وإن ظهر لكنه لم يظهره، لغاية سخطه عليه وازدرائه بذلك القول، وقد تظهر قرائنه عليه، أو وإن لم يكن كذلك لكنه ربما يراه قولاً سائغًا لم أدى اجتهاده إليه وإن لم يكن قد أدى اجتهاده إليه. أو وإن لم يكن كذلك لكنه إنما لم يظهر الإنكار، لأنه لم يره فرضًا أصلاً، بناء على أن كل مجتهد مصيب. أو وإن يرى الإنكار فرضًا/ (٣٠٨ أ) في الجملة لكنه لم يره فرضًا إذ ذاك إما لعدم الوقت الموافق لذلك، فينتهز فرصة [التمكن منه، أو لأنه لو أنكره لم يلتفت إليه ولحقه بسبب ذلك ذل وهوان] أو بحضور من هو أولى بالإنكار. أو وإن لم يكن كذلك لكنه ظن أنه سبق بالإنكار، وإن لم يكن كذلك فكذلك لم يظهر الإنكار، وإن لم يكن كذلك لكنه سكت خوفًا وتقية ومهابة، كما قال ابن عباس: "هبته ولقد كان والله مهيبًا". أو وإن لم يكن كذلك لكن يرى الإنكار في ذلك من الصغائر، بناء على أن ذلك الخطأ من باب الصغائر فلا يرى في تركه قدحًا في عدالته فلم ينكره.

стр. 2362

وعلى هذا لا يكون الإجماع السكوتي حجة. وإذا احتمل سكوت الساكتين هذه الوجوه لم يكن سكوتهم دالاً على الرضا، وهذا معنى قول الشافعي ﵁: "ولا ينسب إلى ساكت قول". اعترض عليه القائلون بحجية هذا الإجماع: أنكم إن عنيتم بقولكم: لا يكون سكوتهم دليلاً على الرضا به، أنه لا يكون دليلاً على الرضا قطعًا، فهذا مسلم، لكنه لا يفيدكم، إذ لا يلزم منه أن لا يكون الإجماع السكوتي حجة ظنية، وإن عنيتم به أنه لا يكون دليلاً على الرضا لا قطعًا ولا ظنًا فهذا ممنوع، وهذا لأن ما ذكرتم من الاحتمالات وإن كان السكوت محتملاً له لكن احتمالاً مرجوحًا، وإذا كان كذلك لم تكن تلك الاحتمالات قادحة في حصول غلبة الظن على الرضا. أما الأول: وهو عدم الاجتهاد؛ فلأنه بعيد من الخلق الكثير والجم الغفير من المجتهدين من حيث الدين، ومن حيث الباعث النفساني، أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأن من علم شيئًا أوله قدرة على تحصيل علمه بالنظر إلى ما حصل له من أسبابه، فإنه لا يطيق أن يصبر عنه إذا وقع الكلام فيه بين يديه. وأما الثاني: فلأن كل واقعة يمكن أن تقع فإن الشارع لا بد وأن يكون قد

стр. 2363

نصب عليها دليلاً، أو أمارة، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق على تقدير وقوعها، والظاهر من المجتهد الاطلاع عليه، أما قبل وقوع الواقعة، أو بعده بعد البحث الشديد والتفتيش التام، والظاهر تأدية نظره إلى وجه دلالته، فإن وجه دلالة الدليل أو الأمارة لا يخفى على المجتهد. وأما الثالث: فلأنه إن ظهر عليهم قرائن السخط والغضب لم يكن مثل هذا الإجماع السكوتي حجة؛ لأن دلالة القرينة الحالية على الرد والمخالفة لا تقصر عن دلالة القولية، وإن لم يظهر عليهم ذلك، فالظاهر إنما هو الرضا والموافقة، لأن الإنكار عليهم واجب بتقدير أن يظهر لهم أنه خلاف الحق، فكان يجب عليهم إظهاره، فلما لم يظهروه لا بصريح القول ولا بدلالة الحالية، غلب على الظن الرضا والموافقة. ولأن اتفاقهم مع كثرتهم وعدم خوفهم على إخفاء الغضب والسخط بحيث لم يظهر من واحد منهم ما ينبي عنه لا بصريح المقال ولا بقرينة الحال بعيد جدًا. وأما الرابع والخامس، فلأنه وإن كان لا يبعد السكوت فيها على تقدير المخالفة أيضًا، بناء على جواز الحكم وصوابه على ذينك التقديرين، لكن يبعد السكوت على تقدير المخالفة، نظرًا إلى ما جرت به العادة المستمرة بين العلماء من زمن الصحابة إلى زماننا من المباحثة والمناظرة في إظهار مآخذهم في المسائل الاجتهادية، فلو أدى اجتهادهم إلى خلاف ذلك الحكم لوجب أن يظهروه جريًأ على مقتضى العادة، ولما لم يظهروه غلب على الظن عدم الأدية إلى المخالفة. وأما السادس: فبعيد أيضًا؛ لأنه على خلاف ما عهد منهم من الصدع بالحق، والمسارعة إلى فعله، وإن كان بحيث قد يلحقهم في ذلك ضرر، ولو سلم ذلك لكنه في غاية البعد مع تطاول الزمان وانقراض العصر وبه يعرف مرجوحية احتمال السابع والثامن والتاسع.

стр. 2364

ويخص التاسع أنه ظن كاذب والأصل خلافه، إما لأن الأصل عدم ما يوجبه، أو وإن وجد لكن الظاهر اطلاعهم على وجه الكذب. وأما الاحتمال العاشر فبعيد أيضًا، لأن القائل بالحكم إن كان مثل الباقين أو دونهم فظاهر، وإن كان فوقهم بحيث يقدر على إيصال المكروه إليهم لو أراد كالإمام الأعظم، فكذلك أيضًا لوجهين: أحدهما: ما سبق من أنه لا تأخذهم في الله لومة لائم. وثانيهما: أنه إنما يخاف حيث يكون إظهار المخالفة يوجب الغضب والحقد، وذلك إنما يكون حيث يكون إظهار المخالفة على وجه التجهيل والتعبير والمغالبة، وكل ذلك خلاف الإجماع من أرباب الدين لا سيما مع الإمام الأعظم ونوابه. فأما إذا كان إظهار المخالفة لا على هذا الوجه بل على وجه النصح وترك الغش، وإظهار الحق، فلا يفضي إلى ذلك فلا يكون هناك تقية ولا خوف. وأما الاحتمال الأخير فضعيف جدًا، إذ لا يلزم من عدم قدحه في العدالة أن لا ينكره، فإن الباعث على إنكاره حاصل وهو حرمة سكوته سواء كانت حيث تبلغ إلى أن يقدح في العدالة، أو لم يبلغ إلى ذلك الحد فظهر أن تلك الاحتمالات مرجوحة بالنسبة إلى احتمال الرضا، وإذا حصلت غلبة الظن بالرضا حصلت غلبة الظن بحصول الإجماع فيكون إجماعًا ظنيًا، ولا ندعي نحن سوى هذا القدر. واعلم أن للنافين في الانفصال عنه طريقين: أحدهما: أن يقولوا أنه لو كان إجماعًا لكان حجة قطعية، بناء على أن

стр. 2365

كل إجماع فهو حجة قطعية، ولما سلمتم أنه [ليس] حجة قطعية لم يكن إجماعًا ولا يخفى عليك ضعف هذه الطريقة؟ إذ لا يمكن تقريرها لا من حيث الإلزام، ولا من حيث الدلالة وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن احتمال كون السكوت للرضا وإن كان راجحًا على كل واحد من [تلك] الاحتمالات، لكن لا نسلم رجحانه على مجموع تلك الاحتمالات فيتعارض كيفية أحد الجانبين بكمية/ (٣١/ أ) الجانب الآخر، فإن لم تترجح الكمية على الكيفية، فلا أقل من المساواة، وحينئذ لا يثبت احتمال كون السكوت للرضا راجحًا على تلك الاحتمالات فلا يحصل الإجماع. واحتج القائلون بحجيته بوجهين: أحدهما: أن الإجماع منعقد على الاحتجاج بالقول المنتشر بين الصحابة إذا لم يعرف له مخالف، فإن أبعد الناس عن القول به الشافعية، وكتبهم مشحونة بالتمسك به، وكذا كتب جميع أرباب المذاهب، والاستقراء يحققه، فلو لم يكن الإجماع السكوتي حجة لزم اتفاقهم على الباطل، وأدلة الإجماع تنفيه ثم إن كان المقصود من هذه الحجة إثبات كونه حجة لا غير اكتفينا بهذا القدر، وإن رمنا إثبات كونه إجماعًا زدنا قولنا: إن ذلك إما أن يكون بناء على كونه إجماعًا، أو لا يكون بناء عليه. والثاني باطل، إذ لا عهد في الشرع بحجية شيء خارج عن مداركه المعروفة المنحصرة، فيتعين أن يكون لكونه إجماعًا. وجواب الأول: منع انعقاد الإجماع عليه، ولعل الاحتجاج به على

стр. 2366

وجه الإلزام، أو ممن يعتقد حجيته، أو على وجه الاستئناس به في المضائق لا أنه تقوم الحجة به، وإذا بطل انعقاد الإجماع على حجيته بطل ما يتفرع عليه. ويخص الثاني: أنا لا نسلم أنه خارج عن مدارك الشرع، وإن كان خارجًا عن مداركه المتفقة عليها، وهذا لأن مثل هذا مدرك من مداركه عند البعض كإجماع الأكثر فإنه حجة، وليس بإجماع على رأي. وثانيها: أن العادة جارية أن الجمع العظيم من الناس لا سيما من العلماء المتدينين إذا اعتقدوا خلاف ما انتشر من القول أظهروه إذا لم يكن هناك مانع قوي، ولو كان هناك مانع قوي لظهر، لإظهارهم ذلك للمخلصين من أصحابهم، لئلا ينسب إليهم التقصير في كتمان الحق ولاطلاع الناس غالبًا على مثل هذا المانع القوي الذي يجمع الجمع العظيم على الكتمان، ولما لم يظهر ذلك علمنا عدمه، وإذا لم يكن هناك مانع وجب إظهار المخالفة ولما لم يظهروا المخالفة علمنا الرضا به. وجوابه: ما سبق من معارضة الكيفية بالكمية. واحتج على ابن أبي هريرة: أن العلماء لم تزل يحضروا مجالس الحكام ولم ينكروا عليهم، ولو يجدونهم يحكمون على خلاف معتقدهم بخلاف ما إذا عرفوا ذلك من غيره؛ ولأن في الإنكار على الإمام نوعًا من الافتيات فيجمل السكوت بالنسبة إليهم على الامتناع منه، بخلاف الإنكار في حق غيرهم. وجواب الأول: أن ذلك بعد تقرير المذاهب، فأما قبله فلا نسلم جريان العادة بذلك.

стр. 2367

وعن الثاني: أن إظهار المخالفة على وجه النصح والعرض والمشاورة لا يعد افتياتًا. فرع القائلون بأن الإجماع السكوتي إجماع وحجة - اختلفوا فيما إذا قال بعض أهل العصر من أهل الحل والعقد قولاً، أو حكم بحكم، وانتشر ولم يعرف له مخالف هل يكون إجماعًا وحجة له أم لا؟ ذهب بعضهم إلى أنه ليس بإجماع وحجة، محتجين: بأنه إنما يكون الإجماع السكوتي إجماعًا وحجة بأن بعضهم قال بالحكم، وسكت الباقون مع العلم به. فلو كان ذلك الحكم خطأ، لحرم عليهم السكوت عن الإنكار فالسكوت إذن دليل الرضا، وهنا لم يكن حمل السكوت على الرضا لاحتمال أن يكون ذلك لعدم العلم به. وذهب بعضهم: إلى أنه إجماع أو حجة. على الخلاف السابق لأن الظاهر وصوله إليهم مع الانتشار فيكون كالسكوت مع العلم به. وعلى هذا تأتي مذاهب التفصيل. والحق فيه التفصيل، وهو: أن ذلك الحكم إن كان فيما تعم به البلوى فهو إجماع وحجة، أو حجة على الخلاف السابق، لأن الانتشار مع عموم البلوى به يقتضي علمهم بذلك الحكم فيكون كالسكوت مع العلم وإلا فلا، لاحتمال الذهول عنه.

стр. 2368

المسألة السادسة أهل العصر الأول إذا استدلوا بدليل على حكم أو استنبطوا منه وجه دلالة، أو ذكروا له تأويلاً، ثم أهل العصر الثاني استدلوا عليه بدليل آخر واستنبطوا منه وجه دلالة أخرى، أو ذكروا له تأويلاً آخر، فأما أن لا يكون الثاني منافيًا للأول بوجه ما ، أو يكون منافيًا له، إما من كل الوجوه أو من بعضها، وعلى التقديرين فقد اتفقوا على أنه لا يجوز إبطال الأول؛ لأن إبطاله يقتضي إبطال ما أجمعوا عليه على وجه البت وهو باطل؛ ولأنه لو كان باطلاً، وكانوا ذاهلين عن التأويل الجديد - الذي هو الحق - لزم ذهول مجموع أهل العصر الأول عن الحق، وأدلة الإجماع تنفيه. ومن هذا يعرف أنه لا يقبل الثاني وفاقًا إذا كان منافيًا للأول ولو بوجه ما، وإنما الكلام في قبول الثاني إذا لم يكن منافيًا له بوجه ما. فذهب الجمهور إلى قبوله محتجين: بأن الناس في كل عصر يستخرجون وجوهًا من الدلالات، والتأويلات التي لم يعرفها أهل العصر الأول، والكل مطبقون على قبولها، فلو كان ذلك باطلاً لزم أن يكون إجماعهم خطأ، وهو باطل. وذهب الأقلون إلى عدم قبوله محتجين في ذلك بوجوه. أحدهما: أن التأويل الجديد، والدليل الجديد ليس سبيلاً للمؤمنين فوجب أن لا يجوز اتباعهم وقبوله، لقوله تعالى ﴿ويتبع غير سبيل

стр. 2369

المؤمنين﴾. وجوابه من وجهين: أحدهما: المعارضة بمثله. وهو أن القول ببطلانه ليس سبيلاً للمؤمنين، فوجب أن لا يجوز القول به، وأن لا يجوز اتباعه للآية. وثانيهما: أن المفهوم من سبيل المؤمنين ما كان من الأفعال والمتروك مقصودًا لهم ومختارًا لهم، فيختص بمن اتبع نفي ما أثبته المؤمنون، أو إثبات ما نفوه، ولا يكون متناولاً لإثبات أو نفي ما لا يتعرض له المؤمنون لا بنفي ولا بإثبات. وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ يقتضي كونهم - أعنى أهل العصر الأول - آمرين بكل المعروف، فكل ما لم يأمروا به ولم/ (٣٢/ أ) يذكروه وجب أن لا يكون معروفًا، وما لا يكون معروفًا يكون منكرًا، وما كان منكرًا وجب أن لا يكون مقبولاً. وجوابه من وجهين: أحدهما: المعارضة بقوله: ﴿وتنهون عن المنكر﴾ فإن هذا يقتضي أن يكونوا ناهين عن كل المنكر، فما لم ينهوا عنه لا يكون منكرًا، وما لا يكون منكرًا يكون معروفًا، وما كان معروفًا يكون مقبولاً. وثانيهما: أن ذلك مشروط بشرط العلم به، وخطرانه بالبال ولو على نوع من الإجمال، ضرورة أن الأمر بالشيء والنهي عنه مشروط بالشعور به

стр. 2370

ولو من بعض الوجوه، فإن العلم الضروري حاصل بأنه يستحيل الأمر والنهي عما لا شعور به بوجه ما، وحينئذ نقول: أن ذلك التأويل جاز أن يكون غير مشعور لهم بوجه ما فلذلك لم يأمروا به. وثالثها: أنه لو جاز ذهولهم عن ذلك التأويل وهو صواب - لكان عدم العلم به سبيلاً لهم، وحينئذ يلزم حرمة طلب العلم بشيء هو صواب ضرورة أنه اتباع لغير سبيلهم وهو باطل إجماعًا. وجوابه من وجهين: أحدهما: النقض، فإنه يقتضي امتناع طلب العلم بشيء لم يعلمه أهل العصر الأول وهو باطل قطعًا، فإنه في كل زمان تتجدد علوم، وتعليمه وتعلمه من فروض الكفايات، لا أنه حرام. وثانيهما: ما تقدم من أن المفهوم من سبيل الشخص أو الطائفة ما كان مقصودًا لهم ومختارًا لهم، وعدم العلم بشيء مغفول عنه ليس كذلك، فلا يكون ذلك سبيلاً لهم. ورابعها: أن ذلك التأويل أو الدليل لو كان صحيحًا - لما ذهل عنه الأولون مع تقدمهم في العلم وجدهم واجتهادهم في طلب العلم والحق. وجوابه أيضًا من وجهين: أحدهما: ما سبق. وثانيهما: أنه ربما اكتفوا بالدليل الواحد والتأويل الواحد.

стр. 2371

المسألة السابعة قال مالك ﵁: إجماع أهل المدينة وحدها حجة خلافًا للباقين . واختلف أصحابه في قوله: فالأكثرون على إجرائه على ظاهره. ومنهم من أوله وحمله على أن روايتهم راجحة على رواية غيرهم. ومنهم من حمل ذلك على إجماع الصحابة والتابعين دون علماء سائر الأعصار. ومنهم من حمل ذلك على المنقولات المستمرة كالأذان والإقامة. ومنهم من حمل على أن موافقة إجماعهم أولى وإن كان لا يمتنع مخالفته.

стр. 2372

ثم ممن خالفه ذهب إلى أن إجماع أهل الحرمين، أعني مكة والمدينة والمصرين أعنيك الكوفة والبصرة حجة. فقيل المراد منه: أن هذه البقاع في الزمان الأول جمعت أهل [الحل] والعقد فكان إجماعهم حجة ضرورة أنهم كل أهل الحل والعقد. والأكثرون على أن المراد منه ما أشعر به ظاهره، وهو أن إجماع أهل هذه البقاع في كل زمان حجة.

стр. 2373

واحتج الجماهير: بأن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة، إما المنقول، وإما المعقول. أما المنقول: فوارد بلفظ المؤمنين، والأمة، وهما متناولان للكل بطريق الحقيقة لا غير، وليس المؤمنون منحصرين في أهل المدينة، والحرمين والمصرين حتى يكون إجماعهم إجماع كل الأمة، فإنه لو فرض كذلك ليست المسألة مسألتنا، لأنا حينئذ نساعدكم على أن إجماعهم إذ ذاك حجة، وإذا كان كذلك فلا يكون إجماعهم حجة ضرورة أنهم بعض المؤمنين حينئذ، وإجماع البعض ليس بحجة. وأما المعقول فهو أيضًا: لا إشعار له بخصوصية أهل المدينة دون مدينة على ما عرفت ذلك منه، وحينئذ يلزم أن لا يكون إجماعهم حجة. وهذا المسلك ضعيف؛ لأنه لا يلزم من عدم دلالة دليل معين على المطلوب عدمه، لجواز أن يكون له دليل آخر، وأدلة الإجماع وإن لم تثبته لكن لا شك في أنها لا تنفيه إلا بطريق مفهوم العدد الذي هو ضعيف لم يقل به محصل. وإذا كان كذلك، فالأولى أن تحرر الدلالة هكذا: وهو أنه لو كان إجماعهم حجة فإما أن يكون ذلك لدليل، أو لا لدليل، والثاني باطل؛ لأن القول في الدين بغير دليل باطل، فيتعين أن يكون لدليل [وهو إما أدلة الإجماع، أو غيرها، والأول باطل، لأنه لا دلالة لها على المطلوب]

стр. 2374

وهو ظاهر لا يمكن إنكاره، والثاني خلاف الأصل، إذ الأصل عدم ذلك الدليل ثم إذا ذكروا عليه دليلاً اعترضنا عليه وبينا وجه عدم دلالته عليه، وحينئذ يلزم أن لا يكون إجماعهم حجة. واستدل للجماهير أيضًا بوجهين آخرين: أحدهما: أن الأماكن لا تؤثر في كون أقوال ساكنيها حجة للاستقراء. وثانيهما: أنه لو كان أقوال أهلها حجة فيها، لكانت أيضًا حجة إذا خرجوا منها، كالرسول ﵇. وهما ضعيفان، لأن الجامع فيهما وصف طردي لا يصلح للعلية، ويخص الأول: الفرق بين أهلها وبين أهل سائر الأماكن على ما ستعرف ذلك. واحتج لمالك بالمنقول، والمعقول: أما المنقول: فما روي عنه ﵇ أنه قال: "إن المدينة طيبة تنفي خبثها، كما ينفي الكير خبث الحديد"، والخطأ خبث فوجب أن

стр. 2375

يكون منفيًا عنها، وإنما يكون منفيًا عنها أن لو كان منفيًا عن أهلها إذا لو كان في أهلها لكان فيها فما كان منفيًا عنها. لا يقال: ظاهر الحديث متروك؛ لأنه يقتضي أن يكون كل من خرج عنها فإنه [من] خبثها الذي تنفيه المدينة. لكن ليس كذلك، إذ خرج عنها الطيبون: كعلي، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة الذين خرجوا منها إلى العراق والشام، وهم أمثل ممن بقي فيها كأبي هريرة وأمثاله، وإذا كان كذلك وجب صرفه عن الظاهر، وليس بعض المجازات أولى من البعض فيكون الخبر مجملاً فلا يجوز التمسك به، ولو سلم أن البعض أولى من البعض، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الأولى الذي هو محمول عليه، نوعين: أحدهما: الكفار، ولهذا لا يقيم/ (٣٣/ أ) كافر بها. وثانيهما: هو من كره المقام بها مع أن في المقام بها بركة عظيمة، بسبب جوار الرسول ﵇، وجوار مسجده، ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها، لأن الكاره للمقام بها - مع هذه الأحوال - لا بد وأن يكون ضعيف الدين. ومن كان كذلك فلا شك في أنه خبث؟

стр. 2376

سلمنا أن هذا ليس أولى من غيره، لكن لا نسلم أن الأولى ما يلزم منه المطلوب. سلمنا إرادة الحقيقة منها لكن ليس في قوله "تنفي خبثها" ما يدل على العموم. سلمنا ذلك، لكنه خبر واحد فلا يجوز التمسك به في المسألة العلمية، لأنا نقول: لا نسلم أن ظاهر الحديث متروك، وهذا لأنه ليس ظاهره أن من خرج عنها فهو خبثها حتى يلزم الترك بالظاهر، بل ظاهره أن ما فيها من الخبث فإنها تنفيه، وهو غير الأول، وغير مستلزم له، فإن الموجبة الكلية لا تستلزم عكسها كليًا، وحينئذ لا يلزم ترك ظاهره فتسقط بقية الأسئلة المتفرعة على هذا السؤال. وأما قوله: أنه ليس في قوله: "تنفي خبثها" ما يدل على العموم. فجوابه: منعه، وهذا لأن قوله "تنفي خبثها" يقتضي نفي ماهية الخبث، وإنما تنتفي ماهية البحث بانتفاء أفرادها، فلو بقى فرد من أفراد الخبث في المدينة لما نفت المدينة خبثها. وعن الثالث منع أن المسألة علمية، بل هي ظنية، فإن أصل الإجماع عندنا ظني فكيف هذا الإجماع؟ وجوابه: هب أن الحديث يدل على أنهم مصيبون فيما يتفقون عليه لكن لا يلزم منه أن يكون قولهم واتفاقهم حجة على غيرهم من المجتهدين، ألا ترى أنه يجوز للمجتهد أن يخالف مجتهدًا آخر وإن كان يقطع بإصابته على قولنا: أن كل مجتهد مصيب؟ سلمنا لزوم ذلك لكنه منقوض بقول الواحد منهم فإنه بالاتفاق ليس

стр. 2377

بحجة مع أن الحديث بعينه يدل على انتفاء الخطأ عن قوله أيضًا، لأن انتفاء ماهية الخبث عنها لا يكون إلا بانتفاء جميع أفراد الخبث عن جميع أفراد ساكنيها، إذ لو بقى الخطأ في فرد من أفراد ساكنيها لما انتفى جميع أفراد الخبث عنها. وأما التمسك بمثل قوله: "إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها". وقوله ﵇: "لا يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" فساقط جدًا، إذ لا إشعار له ولا مثاله على أن إجماعهم

стр. 2378

حجة. وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما: أن المدينة مهبط الوحي، ودار الهجرة، (و) أكثر أحكام الشرع شرع فيها، وأهلها صحابة الرسول ﵇ شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وأعرف الناس بأحوال الدليل من كونه ناسخًا، أو منسوخًا، أو عامًا، أو خاصًا، وغيرها من الأحوال، والعادة تقضي بأن مثل هؤلاء العلماء الأحقين بالاجتهاد لا يجمعون إلا عن دليل راجح. وجوابه: أنه إن عنى بالراجح الراجح في ظنهم فمسلم، لكن ذلك لا يدل على كونه راجحًا في نفس الأمر، لاحتمال أن يعتقدوا ما ليس براجح راجحًا، ولا يمكن إثبات امتناعه الخطأ عليهم، لأن ذلك إنما يثبت إن لو كان إجماعهم حجة، فإثبات كون إجماعهم حجة بهذا دور ممتنع. وإن عنى به الراجح في نفس الأمر فنحن نمنعه، وهذا لأنه إنما يثبت ذلك أن لو أحاط علمهم بجميع الأدلة وأن لا يجوز عليهم الخطأ، وهما ممنوعان، أما الأول، فلأن صحابة الرسول ﵇ بعد وفاته الذي هو وقت إمكان حصول الإجماع تفرقوا في البلاد والأطراف، وكان مع كل منهم من الدليل ما ليس مع الآخر، فلم ينحصر الدليل الراجح في سكان المدينة، فلم يمكن إحاطة علمهم بجميع الأدلة. وأما الثاني فلما تقدم. وثانيهما: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان حكمهم راجحًا على حكم غيرهم، فيكون إجماعهم حجة.

стр. 2379

وجوابه: منع صحة القياس، لعدم الجامع، ولوجود الفارق بعد تسليمه وهو من حيث الإجمال والتفصيل: أما الأول فمن وجهين: أحدهما: أن الرواية يجب فيها الاتباع والحكم المثبت بالاجتهاد لا يجب فيه ذلك بل لا يجوز عند الأكثرين. وثانيهما: أن الرواية ترجح بكثرة الرواة، وبزيادة اطلاع الرواي على أحوال المروى عنه، وغير ذلك مما يخالف طريق الرواية طريق الاجتهاد، والاختلاف في الحكم دليل الاختلاف في الحكمة. وأما الثاني: فهو أن النظر في الرواية: إنما هو في تصحيح المتن فكان رواية من هو أخبر بوقوع القضية، راجحة على رواية من ليس كذلك، بخلاف [النظر] في إثبات الحكم، فإنه يتعلق في وجه دلالة الدليل، ولا يختلف ذلك بالقرب والبعد، وبزيادة الاطلاع على أحوال من ينقل عنه ذلك الدليل. وإنما يختلف ذلك بالفطانة والذكاء، وبسبب كثرة حصول شرائط الاستدلال وقلته.

стр. 2380

المسألة الثامنة إجماع العترة - وحدها - ليس بحجة، خلافًا للزيدية، والإمامية . لنا وجوه: أحدها: نحو ما مضى من المسلك في الاحتجاج على مالك ﵁. وثانيها: أن ذلك عند الخصم مبني على عصمتهم، والقول بوجوب عصمتهم باطل، لأن ذلك إما أن يكون لدليل، أو لا لدليل.

стр. 2381

والثاني باطل، لأن القول في الدين لا لدليل باطل. والأول إما أن يكون لدليل شرعي، أو عقلي، والأول باطل، إذ الأصل عدمه إلا إذا بين الخصم ذلك فحينئذ يكون الكلام معه في تصحيح متنه ووجه دلالته. وأما الثاني فقد تقدم بطلانه وإذا/ (٣٤/ أ) بطل الأصل ما يتفرع عليه. وثالثها: أن عليًا خالفه الصحابة في مسائل كثيرة في الحالة التي يعلم أنه لم يكن غيره من العترة فيها بصفة الاجتهاد، وهي ما بين صوت فاطمة، وبلوغ الحسنين ﵃ فيتعين أن يكون قوله وحده حجة، كما إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد على قول من يقول: إن قول مجموع

стр. 2382

الأمة حجة، مع أنه ﵁ ما كان يقول لأحد منهم أن: قولي وحدي حجة فلم تخالفوني؟ ولو فرضت المخالفة في حالة اتصاف الباقين بصفة الاجتهاد، فنحن نعلم موافقتهم إياه في بعض تلك المسائل كمسألة الإمامة مع أنهم ﵃ ما كانوا يقولون لأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ﵃ لم تخالفونا في أن الإمامة لنا، أولى فإن العترة متفقة على ذلك. احتج الخصم بالآية، والخبر والمعقول: أما الآية فقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾. ووجه الاستدلال به: أن المراد من أهل البيت هم العترة، بدليل ما روي عنه ﵇ أنه لما نزلت الآية لف كساء على علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: "هؤلاء أهل بيتي" والخطأ رجس فوجب أن يكون منفيًا عنهم. وحينئذ يلزم أن يكون إجماعهم حجة [ولا نعني بكون إجماعهم

стр. 2383

حجة] سوى هذا. وجوابه: أن المراد من أهل البيت زوجاته ﵇، فإن ما قبل الآية وما بعدها وسياقها يدل عليه. أما الأول: فإن قوله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ إلى قوله: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ مختص بهن، وكذلك ما بعدها، وهو قوله: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن﴾ الآية، وأما سياقها فلأن الآية ذكرت في معرض دفع التهمة عنهن، وامتداد الأعين بالنظر إليهن، وهي واردة في ضمن الآيات التي وردت في حقهن.

стр. 2384

وما ذكروه من الحديث فهو بيان لكونهم مرادين من الآية أيضًا، لا أن الآية مختصة بهم، ويدل عليه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت لرسول الله ﷺ : ألست من أهل البيت؟ فقال بلى إن شاء الله تعالى. وإنما احتيج إلى هذا البيان لئلا يظن أن الآية مختصة بالزوجات فإن سياق الآية يدل على أنها مختصة بهن، وكون أهل البيت ظاهرًا فيهن أيضًا يدل على قصر الإرادة فيهن. وبهذا أيضًا خرج الجواب عما يقال عليه من الإشكال وهو: لو كانت الزوجات مرادة لقال: ليذهب عنكن ويطهركن، لأن الإرادة لما لم تكن مقصورة عليهن، بل أريد منها الذكور أيضًا اجتمع التذكير والتأنيث، فكان يجب التعبير بعبارة التذكير، لما عرف أن التذكير يغلب التأنيث. ونحو قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿قالوا أتعجبين من أمر الله﴾ مخاطبين لها، فلما أرادوا خطابها وخطاب غيرها من أهل البيت من الذكور والإناث الذين حواهم بيت إبراهيم ﵊ قالوا:

стр. 2385

﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ تغليبًا للتذكير على التأنيث. فإن قلت: لو كان أهل البيت ظاهرًا فيهن لملازمتهن البيت لكان دخول غيرهم في حكمهن أعنى في زوال الرجس خلاف الظاهر، لأن كلمة "إنما" للحصر فاقتضى حصر إرادة زوال الرجس عنهم، فدخول غيرهم فيه خلاف الأصل، فما يستلزمه أيضًا خلاف الأصل. وأيضًا: فإنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو باطل. قلت: لا نسلم أن كلمة "إنما" للحصر، وأن الجمع بين الحقيقة والمجاز غير جائز. سلمناه لكن إنما يلزم ذلك أن لو كان حقيقة فيهن فقط، أما إذا كان حقيقة فيهن، وفي غيرهن ممن حواه البيت ولزمه أو تربى فيه، وإن فرض بعد ذلك خروجه عنه، لكنه يغشاه كل ساعة ولحظة ذكرًا كان أو أنثى بحسب معنى مشترك بينهم، وإنما يكون ظاهرًا في البعض دون البعض الآخر، لأن إطلاقه على تلك الأفراد وإن كان بالتواطؤ لكنه بالتشكيك فلا يلزم ذلك. سلمنا لزومه لكن كون كلمة "إنما" ليس للحصر في هذا المقام فذلك لازم على كل مذهب، فإن بتقدير أن يكون المراد منه عليًا وفاطمة والحسن والحسين يلزم ذلك أيضًا، وذلك، لأن إرادة الله ليست منحصرة في إذهاب الرجس عنهم، بل قد يريد لهم غير ذلك، وقد يريد لغيرهم هذا. سلمنا أن الخطأ منفى عنهم لكن كل أنواع الخطأ أو بعضه؟
следующие страницы →