← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

والثاني باطل، لأن القول في الدين لا لدليل باطل. والأول إما أن يكون لدليل شرعي، أو عقلي، والأول باطل، إذ الأصل عدمه إلا إذا بين الخصم ذلك فحينئذ يكون الكلام معه في تصحيح متنه ووجه دلالته. وأما الثاني فقد تقدم بطلانه وإذا/ (٣٤/ أ) بطل الأصل ما يتفرع عليه. وثالثها: أن عليًا خالفه الصحابة في مسائل كثيرة في الحالة التي يعلم أنه لم يكن غيره من العترة فيها بصفة الاجتهاد، وهي ما بين صوت فاطمة، وبلوغ الحسنين ﵃ فيتعين أن يكون قوله وحده حجة، كما إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد على قول من يقول: إن قول مجموع

стр. 2382

الأمة حجة، مع أنه ﵁ ما كان يقول لأحد منهم أن: قولي وحدي حجة فلم تخالفوني؟ ولو فرضت المخالفة في حالة اتصاف الباقين بصفة الاجتهاد، فنحن نعلم موافقتهم إياه في بعض تلك المسائل كمسألة الإمامة مع أنهم ﵃ ما كانوا يقولون لأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ﵃ لم تخالفونا في أن الإمامة لنا، أولى فإن العترة متفقة على ذلك. احتج الخصم بالآية، والخبر والمعقول: أما الآية فقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾. ووجه الاستدلال به: أن المراد من أهل البيت هم العترة، بدليل ما روي عنه ﵇ أنه لما نزلت الآية لف كساء على علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: "هؤلاء أهل بيتي" والخطأ رجس فوجب أن يكون منفيًا عنهم. وحينئذ يلزم أن يكون إجماعهم حجة [ولا نعني بكون إجماعهم

стр. 2383

حجة] سوى هذا. وجوابه: أن المراد من أهل البيت زوجاته ﵇، فإن ما قبل الآية وما بعدها وسياقها يدل عليه. أما الأول: فإن قوله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ إلى قوله: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ مختص بهن، وكذلك ما بعدها، وهو قوله: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن﴾ الآية، وأما سياقها فلأن الآية ذكرت في معرض دفع التهمة عنهن، وامتداد الأعين بالنظر إليهن، وهي واردة في ضمن الآيات التي وردت في حقهن.

стр. 2384

وما ذكروه من الحديث فهو بيان لكونهم مرادين من الآية أيضًا، لا أن الآية مختصة بهم، ويدل عليه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت لرسول الله ﷺ : ألست من أهل البيت؟ فقال بلى إن شاء الله تعالى. وإنما احتيج إلى هذا البيان لئلا يظن أن الآية مختصة بالزوجات فإن سياق الآية يدل على أنها مختصة بهن، وكون أهل البيت ظاهرًا فيهن أيضًا يدل على قصر الإرادة فيهن. وبهذا أيضًا خرج الجواب عما يقال عليه من الإشكال وهو: لو كانت الزوجات مرادة لقال: ليذهب عنكن ويطهركن، لأن الإرادة لما لم تكن مقصورة عليهن، بل أريد منها الذكور أيضًا اجتمع التذكير والتأنيث، فكان يجب التعبير بعبارة التذكير، لما عرف أن التذكير يغلب التأنيث. ونحو قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿قالوا أتعجبين من أمر الله﴾ مخاطبين لها، فلما أرادوا خطابها وخطاب غيرها من أهل البيت من الذكور والإناث الذين حواهم بيت إبراهيم ﵊ قالوا:

стр. 2385

﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ تغليبًا للتذكير على التأنيث. فإن قلت: لو كان أهل البيت ظاهرًا فيهن لملازمتهن البيت لكان دخول غيرهم في حكمهن أعنى في زوال الرجس خلاف الظاهر، لأن كلمة "إنما" للحصر فاقتضى حصر إرادة زوال الرجس عنهم، فدخول غيرهم فيه خلاف الأصل، فما يستلزمه أيضًا خلاف الأصل. وأيضًا: فإنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو باطل. قلت: لا نسلم أن كلمة "إنما" للحصر، وأن الجمع بين الحقيقة والمجاز غير جائز. سلمناه لكن إنما يلزم ذلك أن لو كان حقيقة فيهن فقط، أما إذا كان حقيقة فيهن، وفي غيرهن ممن حواه البيت ولزمه أو تربى فيه، وإن فرض بعد ذلك خروجه عنه، لكنه يغشاه كل ساعة ولحظة ذكرًا كان أو أنثى بحسب معنى مشترك بينهم، وإنما يكون ظاهرًا في البعض دون البعض الآخر، لأن إطلاقه على تلك الأفراد وإن كان بالتواطؤ لكنه بالتشكيك فلا يلزم ذلك. سلمنا لزومه لكن كون كلمة "إنما" ليس للحصر في هذا المقام فذلك لازم على كل مذهب، فإن بتقدير أن يكون المراد منه عليًا وفاطمة والحسن والحسين يلزم ذلك أيضًا، وذلك، لأن إرادة الله ليست منحصرة في إذهاب الرجس عنهم، بل قد يريد لهم غير ذلك، وقد يريد لغيرهم هذا. سلمنا أن الخطأ منفى عنهم لكن كل أنواع الخطأ أو بعضه؟

стр. 2386

والأول ممنوع، وهذا لأن المفرد المعرف لا يفيد العموم. والثاني مسلم لكنه لا يفيد المطلوب. سلمنا إفادته العموم وأن قولهم صواب، لكن لم قلتم أنه يكون حجة على غيرهم من المجتهدين فإنا قد نحكم بإصابة المجتهد ولا نوجب اتباعه على غيره من المجتهدين. وأما الخبر، فما روي عنه ﵇ أنه قال: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي" وروي بعبارة أخرى: "إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي لم يفترقا حتى يردا على الخوض". ووجه الاحتجاج بالأول ظاهر، وهو آت في الثاني ويخصه وجه آخر وهو: أنه قال "لم يفترقا" وهو يدل على أن كل ما يقولونه فإنه موافق لكتاب الله تعالى، ولا شك أن الكتاب حجة، فموافقه أيضًا حجة. وجوابه: أن الخبر من باب الآحاد، وعند الخصم أنه ليس بحجة في العلميات، فكيف/ (٣٥/ أ) يحتج به في العلميات مع أنه ليس بحجة فيه

стр. 2387

وفاقًا؟ وكون الأمة تلقته بالقبول، لأن بعضهم قبله للاستدلال به على المسألة، وبعضهم قبله لفضيلتهم، لا يدل على القطع بصحته لاحتمال أن قبلوه آحادًا. سلمناه لكنه يقتضي وجوب التمسك بهما، وأن مجموعهما حجة، فلم قلتم، إن قول العترة وحدهم حجة؟ وكون الكتاب وحده حجة غير مستفاد من هذا الدليل حتى يلزم مثله في قول العترة بل من دليل آخر ومقتضى هذا ليس إلا أن التمسك بمجموعهما ينفي الضلالة، فأما كون التمسك بالكتاب وحده أيضًا ينفي الضلالة فذاك من دليل آخر. فإن قلت: فعلى هذا يكون التعرض للتمسك بقول العترة حينئذ ضائع عبث وكلام الشارع يصان عنه. قلت: لا نسلم ذلك، وهذا لأن فائدته تظهر عند التعارض، فإن الكتاب إذا عارضه كتاب آخر، أو سنة متواترة، فإن الذي يعضده قول العترة يترجح على الذي لم يكن كذلك، فالتمسك بهما إذ ذاك ينفي الضلالة، لا التمسك بالكتاب وحده. سلمنا أنه يفيد وجزب التمسك بكل واحد منهما، لكن لا يلزم منه أن يكون إجماعًا؟ وهذا لأنه يجوز أن يكون حجة لعموم كونه قول الصحابي لا لخصوصية كونه إجماعًا كقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وكقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"

стр. 2388

وأمثاله، فإنه ليس ذلك بطريق الإجماع وفاقًا بيننا وبين خصومنا، بل لو كان فإنه إما بطريق أن قول الصحابي حجة، أو بطريق الفتيا فكذا ها هنا. سلمنا وجوب التمسك بقول العترة وحدهم، لكن فيما يقولونه بطريق الرواية، لا فيما يقولونه بطريق الاجتهاد، وهذا إن لم يكن خلاف الظاهر من قوله فظاهر صحة حمله عليه، وإن كان خلافه فيجب المصير إليه جمعًا بين الدليلين وإنما خصهم بذلك لأنهم أخبر بحاله، وأكثر اطلاعًا على أقواله. ويؤكد هذا ما قيل في تفسير الحديث الثاني: أن المراد من الثقلين الكتاب والسنة، ويخص الوجه الثاني منع أن موافق الكتاب مطلقًا حجة، وهذا لأن النقيضين قد يوافقان الكتاب كل واحد منهما من وجه مع أنا نقطع بخطأ واحد منهما من غير تعيين على قولنا: المصيب واحد لا بعينه. وأما المعقول، فهو: أن أهل البيت مهبط الوحي، ومعدن النبوة والنبي فيهم، ومنهم، فكان علمهم بما هو المراد من النصوص من الظاهر وغيره وبكيفية قوله ﵇ من كونه على وجه الإباحة، والوجوب، أو غيرهما من الأحكام أتم الخطأ عليهم أبعد. وجوابه: أنا لو سلمنا ذلك لا يلزم منه إلا أن يكون قولهم أبعد عن الخطأ، لا أنه إجماع وحجة، ثم أنه منقوض بزوجاته ﵇ فإن جميع ما ذكرتم موجود فيهن مع أن قولهن ليس بحجة.

стр. 2389

" المسألة التاسعة" إجماع الخلفاء الأربعة ليس بحجة مع مخالفة غيرهم لهم . خلافًا لأبي حازم على ما حكى عنه أبو بكر الرازي وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀.

стр. 2390

وكذلك إجماع الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ ليس بحجة مع مخالفة الغير لهما. وخالف فيه أيضًا بعض الناس. لنا ما سبق. احتج الأولون بقوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوًا عليها بالنواجذ". أوجب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، كما أوجب اتباع سنته، فذلك إما بعموم كونه قول الصحابي، أو بخصوص كونه قول الخلفاء، والأول باطل لأنه حينئذ يلغو تقييد السنة بالخلفاء، ولا يبقى فيه فائدة البتة، فيتعين أن يكون الثاني. وهو إما بطريق الإجماع، أو بغيره، والثاني [باطل] بالإجماع، لأنه كل من قال أن قولهم جميعًا حجة لخصوص كونه قول الجميع قال أنه بطريق الإجماع لا غير، فالقول بكونه حجة لا بطريق الإجماع قول لم يقل به أحد، وإذا بطل الثاني تعين الأول وهو المطلوب. وما يجاب عنه: بمنع انحصار سنة الخلفاء الراشدين في سنة الأربعة فضعيف

стр. 2391

لقوله ﵇: "الخلافة بعدي ثلاثون ثم [تصير] بعدي ملكًا". وكذلك جوابه بالتعارض بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، لأن الخصم إن قال بحجية قول الصحابي فظاهر، وإن لم يقل به حمل ذلك على أنه خطاب مع العوام، ولا سبيل إلى حمل ما نحن فيه على كل واحد منهما، لأنه يلغو فائدة التقييد بالخلفاء. وجوابه: النقض بقوله: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهذا لأن جميع ما ذكروه آت فيه مع أن الخصم لا يقول بأن اتفاقهما إجماع وحجة.

стр. 2392

واحتج الآخرون على ما ذهبوا إليه بهذا الخبر. ووجه الاستدلال به على الوجه الذي تقدم في الخبر الأول. وأجيب عنه بالمعارضة بالخبر العام وقد عرفت ضعفه. والأولى أن يجاب عنه: بأنه محمول على الحجية لا على الإجماع لكنه عند التعارض، وهذا الجواب بعينه آت في الأول أيضًا وإن لم يذكره ثمة.

стр. 2393

" المسألة العاشرة" إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين حالة الإجماع ليس بحجة عند الأكثرين . والخلاف فيه مع فريقين: أحدهما: الذين قالوا: لا حجة إلا في إجماع الصحابة، والكلام مع هؤلاء بخصوصيته سيأتي في مسألة منفردة. وثانيهما: الذين سلموا أن إجماع غيرهم/ (٣٦/ أ) أيضًا حجة، لكن قالوا: لا عبرة لمخالفة غيرهم مع إجماعهم وهم بعض المتكلمين. فأما إذا خالفهم بعد انعقاد الإجماع، وقبل انقراض العصر، فيخرج على اعتبار انقراض العصر، فمن اعتبره جعل خلافه في هذه كخلافه في حالة انعقاد الإجماع. ومن لم يعتبره جعل خلافه فيها كخلافه بعد انقراض العصر.

стр. 2394

لنا وجهان: أحدهما: أن الأدلة إنما تدل على أن إجماع مجموع الأمة حجة، خرج عنها العوام، والصبيان، والمجانين، لدليل فوجب اعتبار من عداهم والصحابة مع معاصرة التابعي لهم ليسوا مجموع الأمة بل بعضهم، فوجب أن لا يكون إجماعهم حجة، لئلا يلزم القول في الدين بغير دليل، إذ الأصل عدم دليل آخر. وثانيهما: أن الصحابة اعتبروا قول التابعي، وسوغوا له الاجتهاد، ورجعوا إلى قوله: روي أن ابن عمر ﵄ سئل عن فريضة، فقال: "اسألوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها مني". وسئل أنس عن شيء فقال: "اسألوا مولانا الحسن، فإنه سمع

стр. 2395

وسمعنا، وحفظ ونسينا". وربما سئل الحسن بن علي ﵄ عن مسألة فقال: "اسألوا الحسن البصري". وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "تذاكرت أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: عدتها أطول الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها: فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي". وسئل ابن عباس ﵄ عن نذر ذبح الولد؟ فقال: اسألوا مسروقًا، فلما أتاه السائل بجوابه تابعه فيه.

стр. 2396

وأمثال هذه الروايات كثيرة، فلو لم يكن قول التابعي معتبرًا في الدين إذ ذاك لما جاز لهم ذلك، وحيث جاز ذلك علمنا أن قوله معتبر في الدين فإذا كان قوله معتبرًا في الدين مع وجود الصحابة وجب أن لا ينعقد إجماعهم بدون قوله. فإن قلت: إنما اعتبروا قوله حالة اجتهاده واختلافهم، دون حالة إجماعهم، ولا يلزم من اعتباره حالة الاجتهاد والاختلاف، اعتباره حالة الاتفاق. قلت: كل من اعتبر قوله حالة الاختلاف اعتبر قوله حالة الاتفاق كالمجتهد من الصحابة بالنسبة إلى إجماعهم، والمجتهد من التابعين بالنسبة إلى إجماع التابعين بجامع كونه مجتهدًا متمكنًا من الاجتهاد، ولأن الدوران الوجودي والعدمي [دل] أيضًا على أن كل من اعتبر قوله حالة الاختلاف والاجتهاد

стр. 2397

والاجتهاد اعتبر قوله في انعقاد الإجماع إذا كان موجودًا حالة انعقاده إما وجودًا: كقول المجتهد الصحابي بالنسبة إلى إجماعهم، وكقول المجتهد التابعي بالنسبة إلى إجماعهم، وإما عدمًا: فكقول العامي. واحتج الخصم بالنص والخبر والأثر والمعقول: أما النص فقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾. دلت الآية على أنه تعالى راض عنهم، ولا يكون راضيًا إلا إذا كانوا غير مقدمين على شيء من المحظورات، ومتى كان كذلك كان قولهم حجة. وجوابه: أنه مختص بأهل بيعة الرضوان، ولا خلاف في أنه لا ينعقد إجماعهم مع مخالفة غيرهم من الصحابة والتابعين لهم فما تقولونه لا تدل عليه الآية، وما تدل عليه لا تقولون به. سلمنا أنه غير مختص بهم، لكن لا نسلم زوال الرضا بسبب الخطأ الذي هو صغيرة. سلمناه لكن فيما يكون صاحبه به آثمًا دون ما لا يكون صاحبه غير آثم به

стр. 2398

بل هو مأجور فيه. وأما الخبر - فنحو قوله ﷺ "لو أنفق غيرهم ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه"، وهو يدل على أن أعمالهم وأقوالهم مرضية مزكاة، والقول الخطأ غير مرضي ولا مزكي فلا يكون قولهم. وجوابه: النقض بقول الواحد منهم، هذا إن سلم الخصم أن قول الواحد منهم ليس بحجة، وحينئذ فما هو جوابه ثمة فهو جوابنا هنا. وأما إن لم يسلم الحكم فجوابه: أنه لا يدل على حجية قول الواحد بطريق الإجماع بالإجماع، فليكن مثله في قول كلهم مع مخالفة غيرهم لهم فإن دلالة الحديث في الصورتين على السواء. وأما الأثر فمن وجهين: أحدهما: أن عائشة ﵂ أنكرت على أبي سلمة بن

стр. 2399

عبد الرحمن خلافه لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها - وهي حامل - وقالت: فروج يصيح مع الديكة. وجوابه: لعل الإنكار إنما كان، لأنه خالف بعد الإجماع، أو في مسألة قطعية. وهذا الاحتمالان ضعيفان، وإلا لكان كون عدتها أبعد الأجلين مجمعًا عليه ومقطوعًا به وهو باطل قطعًا. أو لأنه خالف قبل أن كان أهلاً للاجتهاد، أو لأنه أساء الأدب في المناظرة، أو لأنها كانت ترى أنه لا عبرة بقول التابعي مع اتفاق الصحابة ولا حجة في مذهبها. وثانيهما: أن عليًا ﵁ نقض على شريح حكمه في ابني

стр. 2400

عم أحدهما أخ لأم لما جعل المال كله للأخ، ولولا أنه لا عبرة بقوله واجتهاده مع مصير الصحابة إلى خلافه لما نقضه. وجوابه: أنا لا نسلم أن المراد من قولهم: أنه ﵁ نقض ما حكم به، بل المراد منه: أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض كما يقول: نقض كتاب فلان وكلامه إذا اعترض عليه بقادح، وهذا إن لم يكن خلاف ظاهر اللفظ فصحة الحمل عليه ظاهرة، وإن كان خلافه فيحمل عليه أيضًا جمعًا بين الدليلين. سلمنا أنه نقض حكمه، لكن لا نسلم أن ذلك، لأنه لا عبرة بقوله وإلا لنقض غيره من الأحكام، كما فيما حكم عليه على خلاف رأيه في مخاصمة له مع آخر، بل لأنه كان على وجه ينقض فيه حكم الحاكم، / (٣٧/ أ) وحينئذ لا يكون فيه دلالة على أنه لا عبرة مخالفة التابعي. وأما المعقول: فهو أن الصحابة أعرف بالدليل لصحبة الرسول وشهادة التنزيل. وأعرف بما هو المراد من ظاهر الدليل أو التأويل، وإذا كان كذلك كان قوله أقرب إلى الصواب، وموافقة الدليل. هذا إذا فرض مخالفة واحد منهم لواحد من غيرهم، فكيف إذا اتفق جميعهم على شيء وشذ واحد من غيرهم من موافقتهم. وجوابه، أن ما ذكرتم يقتضي ترجيح - مذهب الصحابي على مذهب غيره وهذا قد يسلم لكم، لكنه لا يقتضي أن ما اتفقوا عليه مع مخالفة غيرهم لهم في حالة الاتفاق يكون إجماعًا، فإنه ليس كل ما هو أقرب إلى الصواب وموافقة الدليل يكون إجماعًا.

стр. 2401

" المسألة الحادية العاشرة" المجتهد إذا اعتقد في الأصول ما يوجب تكفيره لا يعتبر قوله في انعقاد الإجماع وفاقًا لا نعرف في ذلك خلافًا ، لكن لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره بسبب ذلك الاعتقاد، لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره أن لو ثبت كفره، فإثبات كفره بإجماعنا وحده دور. وأما إذا وافقنا هو على أن ما ذهب إليه كفر فحينئذ يثبت كفره لا لأن قوله معتبر في الإجماع؛ لأنه حينئذ يكون كافرًا، وقول الكافر غير معتبر في الإجماع، ولا لإجماعنا وحده لما سبق. بل لأنه لو لم يكن ما ذهب إليه كفرًا إذ ذاك لزم أن يكون مجموع الأمة على الخطأ، وعلى الاعتقاد الغير المطابق وأدلة الإجماع تنفيه. وأما إذا اعتقد ما لم يوجب التكفير، بل يوجب التبديع والتضليل، فها هنا اختلفوا في اعتبار قوله في الإجماع: فمنهم من اعتبره وهو الصحيح؛ لأنه من جملة المؤمنين والأمة، وهو متصف بأهلية الاجتهاد، غايته أنه مبتدع نضلله في ذلك الاعتقاد، لكن ذلك لا يخل بأهلية اجتهاده، ولا يبطل الثقة عن أخباره مطلقًا، إذا كان من مذهبه أنه لا يجوز الكذب لا سيما فيما يخبر عما أدى إليه اجتهاده، فإن

стр. 2402

احتراز الإنسان عن الكذب في ذلك أكثر، لما فيه من الكذب ونسبة الباطل إلى نفسه فإن عندما أدى اجتهاده إلى شيء يعتقد أن ما وراءه باطل، وإذا كان كذلك وجب اعتبار قوله في انعقاد الإجماع سواء كان بالنسبة إليه، أو بالنسبة إلى غيره. نعم لو كان من مذهبه جواز الكذب ولم يقترن من القرائن ما يدل على صحة ما يخبر عن اجتهاده لم يعتبر إخبارهما أدى إليه اجتهاده؛ لأنه لم تحصل الثقة بقوله، لكن ذلك لا يخل بأهلية الاجتهاد، فلا ينعقد إجماع قبل معرفة وفاقه، فإذا أخبر عن نفسه بأنه أدى اجتهاده على خلاف ما ذهب إليه الباقون لم ينعقد الإجماع، لا لأنه تحقق الخلاف بل لأنه لم يتحقق الاتفاق. ومنهم من لم يعتبر قوله مطلقًا مصيرًا منه بأنه فاسق، والفاسق غير مقبول القول، لآية التبين، فكان كالكافر في عدم اعتبار وفاقه، غايته أنه جاهل بفسقه وهو ضم جهل إلى فسق، وهو غير موجب لاعتبار وفاقه كالكافر الذي لا يعلم أن ما ذهب إليه كفر بل يعتقد أنه الدين الحق. وهو ضعيف، لأنا لا نسلم أن كل فاسق غير مقبول القول، بل الفاسق الذي هو غير متأول وهو عالم بفسقه، وأما الذي لا يكون كذلك فلا نسلم عدم قبول قوله. وأما آية التبين فمخصوصة على ما ستعرف ذلك في الأخبار إن شاء الله تعالى. ولئن سلمنا أنه غير مقبول القول لكن لماذا لا يعتبر وفاقه؟ والقياس على الكافر غير صحيح، لوجود الفرق فإن ما يدل على حجية

стр. 2403

الإجماع يدل على اعتبار قول المبتدع، ضرورة أنه من المؤمنين والأمة، ولا يدل على اعتبار قول الكافر بل يدل على عدم اعتباره بطريق المفهوم، وإذا كان كذلك لم يلزم من عدم اعتبار قولهما في الأخبار عدم اعتبار وفاقهما في الإجماع. ومنهم من فرق، وقال باعتبار قوله في عدم انعقاد الإجماع بالنسبة إليه دون غيره فقال: لا ينعقد الإجماع عليه مع مخالفته، وينعقد في حق غيره حتى لا يجوز لغيره مخالفته ويجوز له ذلك، ولا يخفى عليك مأخذه وجوابه مما سبق.

стр. 2404

"فرعان" أحدهما: إذا ثبت كفر المخالف في الأصول، فلا يعتبر خلافه بعد ذلك، فلو اتفق كل من عداه بعد ذلك على شيء يكون إجماعهم حجة وإن خالفهم هو وهو ظاهر مما سبق، لكن لو خالف الباقين في حالة الكفر في السائل التي أجمعوا عليها في حال كفره ثم تاب وأصر على ذلك الخلاف فهل يعتبر خلافه الآن أم لا؟ قلنا: من لم يعتبر انقراض العصر في انعقاد الإجماع لم يعتبر خلافه الآن أيضًا؛ لأنه خالف بعد انعقاد الإجماع، فكان كمخالفة الكافر والصبي للإجماع الذي حصل قبل إسلامه وبلوغه. وأما من اعتبره فإنه يعتبر خلافه بعد التوبة كما لو كان مخالفًا ثم أظهر الخلاف. وثانيهما: أن بعض الفقهاء لو خالف الإجماع الذي خالف فيه المبتدع أما بناء على أنه لا يعلم بدعته، أو وإن علم بدعته لكنه لا يعلم أن بدعته توجب التكفير، ويعتقد أنه لا ينعقد الإجماع بدون وفاقه، فهل يكون معذورًا أم لا؟ قلنا: إذا لم يعلم بدعته فهو معذور وإن كان مخطئًا فيه حيث تكون البدعة موجبة للتكفير؛ لأنه غير مقصر إذ لم يوجب عليه الشارع التفتيش عن عقائد الناس حتى يقال: إنه بترك التفتيش عن ذلك مقصر ولو سلم وجوب ذلك، لكنا نفرض الكلام فيما إذا فتش وبحث وما أطلع على اعتقاده فيكون معذورًا كالمجتهد إذا بحث عن الناسخ، والمخصص ولم يجدهما. وأما إذا علم ببدعته لكنه غير عالم بكونها موجبة للتكفير فهو غير معذور، بل/ (٣٨/ أ) كان يازمه مراجعة علماء الأصول والمسألة عنهم أن مثل هذا

стр. 2405

الاعتقاد هل يكفر أم لا؟ فإذا أفتوه بالتكفير وجب عليه أن يقلدهم إن لم يكن له استعداد فهم تلك الأدلة، وإلا فعليه السؤال عن الدليل أيضًا، وإن ذكر له الدليل ولم يفهمه فقال: لم يظهر لي وجه دلالة على التكفير على أن أخالف الإجماع. قلنا: ليس لك ذلك بل يجب عليك أن تقلدهم؛ لأنه ظهر أنه ليس لك استعداد فهمه إذا كنت صادقًا فيما تخبر عن نفسك من عدم ظهور دلالة الدليل لك وإلا فأنت معاند غير معذور - والله أعلم -.

стр. 2406

" المسألة الثانية عشرة" الاتفاق الحاصل من الأكثر ليس بإجماع ولا حجة عند الأكثرين، وهو المختار . وقال قوم منهم محمد بن جرير الطبري، وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵏: أنه إجماع وحجة. ومنهم من قال: إنه حجة وليس بإجماع.

стр. 2407

ومنهم من قال: إنه ليس بحجة ولا بإجماع لكن الأولى اتباع الأكثر وإن كان لا يحرم مخالفتهم. ومنهم من فصل وذكر فيه وجهين: أحدهما: أن الجماعة إن سوغت اجتهاد الأقل وخلافه كان خلافه معتدًا به، وهو كخلاف ابن عباس في مسألة العول. وإن أنكرت الجماعة اجتهاده وخلافه لم يكن معتدًا به، وهو كخلاف ابن عباس في تحريم ربا الفضل وتحريم نكاح المتعة، وهو اختيار

стр. 2408

أبي عبد الله الجرجاني. وثانيهما: أنه إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر لم يكن إجماعًا وإلا فهو إجماع. [ثم من الظاهر أن كل من يقول بأنه إجماع، فإنما يقول أنه إجماع ظني لا قطعي، وبه يشعر إيراد بعضهم]. لنا وجوه: أحدها: أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة إنما هي واردة بلفظ الأمة والمؤمنين، وهما متناولان لكل الأمة والمؤمنين وظاهران فيه وحيث استعملا في الأكثر فإنما هو بطريق التجوز، وهو متفق عليه على القول بتعميمهما، وإذا كان كذلك لم يكن لتلك الأدلة دلالة على أن إجماع الأكثر حجة؛ لأن الأصل عدم التجوز وعدم دليل آخر.

стр. 2409

وثانيها: أن المسألة غير متفق عليها بل مختلف عليها ومنازع فيها فيجب رده إلى الله والرسول لقوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾. وقوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ فلم يكن مجمعًا عليه، وليس الرد إلى قول الأكثر ردًا إلى الكتاب والسنة، إذ ليس فيهما ما يدل على حجيته حتى يكون ذلك ردًا إلى الكتاب والسنة، بخلاف الرد إلى الإجماع لما تقدم في بعض المسائل ضرورة أن الكتاب والسنة دلان على حجيته. وثالثها: أن الصحابة لم ينكروا على المخالف للأكثر في الحكم والاجتهاد، ولم ينسبوه إلى مخالفة جماعة المسلمين، كما عهد منهم فيمن يخالف ما أجمع عليه مجموع الأمة، بل سوغوا اجتهادهم، بل ربما رجعوا إلى اجتهاده كما في قتال مانعي الزكاة، فإن الصحابة كلهم غير أبي بكر ﵁ كانوا متفقين على ترك قتال مانعي الزكاة وهو كان مخالفهم فيه، ولم ينكروا عليه بل رجعوا كلهم في الأخير إلى قوله، وبقى ذلك الحكم إلى الآن معمولاً به. وكذلك خالف ابن عباس وابن مسعود سائر الصحابة في بعض مسائل

стр. 2410

الفرائض ولم ينكروا عليهما ذلك، بل بقى مذهبهما إلى الآن معمولاً به، ولو كان ذلك إجماعًا لأنكروا على المخالف، وشددوا النكير عليه كما في الإجماع المتفق عليه. فإن قلت: لعلهم إنما لم ينكروا عليه؛ لأنه وإن كان إجماعًا لكنه ظني غير مقطوع به بخلاف الإجماع المتفق عليه فإنه قطعي، ثم لا نسلم أنهم ما أنكروا عليه بل أنكروا: ألا ترى أنهم أنكروا على ابن عباس إنكار ربا الفضل، وتجويز نكاح المتعة. وأنكرت عائشة على زيد بن أرقم في مسألة العينة.

стр. 2411

أنكروا على أبي موسى الأشعري خلافه للجماعة في أن النوم لا ينقض الوضوء.

стр. 2412

وأنكروا على أبي طلحة قوله بأن أكل البرد لا يفطر، وغير ذلك من الاجتهادات لانفرادهم وشذوذهم. قلت: لو قيل: إن الإجماع المتفق عليه حجة ظنية اندفع الفرق، وأما إن لم نقل به فإن قيل بقطعية هذا فكذلك، وأما إن قيل بظنيته وهو الظاهر من مذهبهم فهذا وإن اقتضى أن لا يكون النكير عليه، فما يكون النكير في مخالفة المقطوع به، لكن نعلم من مذهبهم أنهم كانوا ينكرون أيضًا مخالفة الدليل الظني إذا كان ظاهرًا جليًا كخبر الواحد والقياس الجلي ولذلك قال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد بن ثابت جعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل

стр. 2413

أب الأب أبًا" وأنكروا على ابن عباس مخالفة خبر ربا الفضل، وأنكروا على أبي موسى الأشعري في أن النوم لا ينقض الوضوء، لمخالفة دليله وغيره من الصور التي ذكرها الخصم، فلو كان إجماع الأكثر حجة لكان حجة ظاهرة لا شك فيها، فكان يجب تحقق النكير على مخالفه جريًا على العادة، ولما لم ينكروا المخالفة، بل جوزوها وبحثوا عن مأخذها، فإن كان ظاهرًا جليًا تبعوه كما في قتال مانعي الزكاة، وإلا فإن كان مرجوحًا جدًا أنكروا عليه المخالفة، وإلا تركوه علمنا أنه ليس بإجماع، وبه خرج الجواب عن الثاني؛ لأنا لا نسلم أن الإنكار فيما ذكروه من الصور إنما كان لمخالفة الأكثر وإلا لا طرد، بل لمخالفة الدليل الظاهر الذي كان متمسك الأكثر وهو صريح في بعضها، وليس في بعضها إشعار ورمز إلى أن الإنكار إنما كان لمخالفة الأكثر. ورابعها: لو انعقد إجماع مع مخالفة الواحد والاثنين، فأما أن يكون ذلك لخصوصية كون المخالف واحدًا أو اثنين، أو لعموم كونه أقل، والقسمان باطلان فبطل القول بالانعقاد. أما الأول: فبالإجماع، إذ لم/ (٣٩/ أ) يجعل الخصم الحكم مقصورًا على ما إذا خالف الواحد والاثنان فقط هكذا أشعر إيراد البعض، ولأن قصر الحكم على خصوصية الواحد والاثنين تحكم محض. وأما الثاني: فلأنه حينئذ يلزم أن ينعقد الإجماع إذا زاد المجمعون على النصف بواحد ولا قائل به، ولو جعل ذلك لعموم كونه أقل من عدد التواتر فهذا مع كونه باطلاً يساعده أكثر الخصوم فهو أيضًا باطل لكونه قولاً من غير دليل.

стр. 2414

وخامسها: أنه لو انعقد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل فإما أن ينعقد إجماعًا قطعيًا، أو ظنيًا، والأول باطل؛ لأنه مختلف فيه، والأكثرون على عدم حجيته، ولا يبدع المخالف فيه ولا يضلل، فكيف يكون مقطوعًا به. وأصل الإجماع وإن خالف في حجيته شذوذ من الناس لكنه يبدع المخالف فيه ويضلل وهو حادث مسبوق بإجماع الصحابة والتابعين، ولذلك أول النظام الإجماع وقال: "هو كل قول قامت حجيته" فالخصم معترف بذلك وهذا الإجماع ليس كذلك، ودعوى إجماع الصحابة والتابعين عليه بهت صريح والخصوم ربما يساعدون عليه على ما يشعر به إيراد البعض فيتعين أن يكون ظنيًا، وهو أيضًا باطل؛ لأنه حينئذ إما أن ينعقد على المخالف وغيره، أو ينعقد على الغير فقط. والأول باطل، لأن فيه أمر المجتهد بالتقليد وترك العمل، والاعتقاد بما أدى إليه اجتهاده في المسألة الاجتهادية، وهو باطل في حق المجتهد، وأنه لا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر، وبقولنا في المسألة الاجتهادية خرج عنه: ما إذا اتفق عليه مجموع الأمة [ثم خالف فيه مجتهد آخر فأنا نأمره بترك اجتهاده، والرجوع إلى ما اتفق عليه المجموع] لأن المسألة لم تكن اجتهادية إذ ذاك. والثاني باطل أيضًا، أما أولاً فلمساعدة الخصم عليه، إذ لا يعرف أن من يسبق من المخالفين قال بذلك، بل كل من قال بحجيته قال بحجيته على المخالف وغيره. وأما ثانيًا فلإلحاق الفرد بالأعم والأغلب وإذا بطل القسمان بطل أن يكون إجماعًا. واحتجوا بأمور: أحدها: أن الأدلة التي تدل على أن إجماع مجموع الأمة حجة بعينها تدل

стр. 2415

على أن إجماعهم مع مخالفة الواحد والاثنين حجة أيضًا لأنها تتناولهم كتناوله لهم، بدليل ما يقال: بنو تميم يحبون الجار، ويكرمون الضيف، وإن كان فيهم من لا يفعل ذلك على الندور. وكذلك البقرة التي فيها شعيرات بيض تسمى بالسوداء كتسميتها به إذا لم يكن فيها تلك الشعيرات، وإذا كان كذلك وجب أن يكون إجماع الأكثر مع مخالفة الواحد والاثنين حجة كإجماع الكل تسوية بين متناول الدليل. وجوابه: أنها تتناولهم بطريق التجوز، لما ثبت أن لفظ الأمة والمؤمنين حقيقة في العموم، وإرادة المجاز على خلاف الأص لا يثبت إلا بقرينة والأصل عدمها، كيف وقد وجد ما يدل على عدم إرادته، وهو إرادة الحقيقة منها وفاقًا، فلو أريد منها المجاز أيضًا إذ ذاك لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو غير جائز. وثانيها: قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم". "عليكم بالجماعة" "يد الله على الجماعة" "إياكم والشذوذ" "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" فهذه الأخبار ونحوها كما تدل على أن إجماع الكل حجة، فكذا تدل على أن إجماع الأكثر مع مخالفة الواحد والاثنين شاذ، وكون الشيطان مع الواحد قرينة دالة على عدم إصابته الحق. وجواب الأول: أن السواد الأعظم على الإطلاق هو كل الأمة، لأنه ليس

стр. 2416

شيء أعظم منه، وهو أعظم من كل ما عداه، ولو لم يرد هذا بل ما صدق عليه أنه أعظم من غيره لدخل تحته النصف الزائد بواحد على النصف الآخر وبه خرج الجواب عن الثالث والرابع، فإن الجماعة على الإطلاق إنما هو مجموع الأمة لما سبق. وأيضًا: فإن الألف واللام في الجماعة إما للعهد، أو للجنس، لأن الاشتراك والمجاز على خلاف الأصل فكان تقليله أوفق للأصل، ودلالتهما عليهما وعلى غيرهما لا يخلوا عن هذين الوجهين، إذ لا يمكن جعلهما [متواطئًا في جميع موارد استعمالهما ولو أمكن لكن كون اللفظ] متواطئًا بين المعنيين أولى من أن يكون متواطئًا بين الأكثر من ذلك، ثم هما ليسا للجنس؛ لأن كل جماعة ليس يد الله عليها، ولا كل جماعة أمر الشارع باتباعها، وإلا لكان ذلك أمرًا لكلا الخصمين لمتابعة الآخر، ضرورة أن كل واحد منهما جماعة فيتعين أن يكون للعهد، والمعهود بحسب الشرع إنما هو مجموع الأمة دون الأكثر لعدم ما يدل عليه وضبطه. وأما قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فليس تلك الجماعة المعهودة مرادة هنا بالإجماع، بل المراد منها جماعة الصلاة، أو جماعة السفر.

стр. 2417

وأما الخامس، فالمراد منه: الانفراد عن الجماعة بعد الموافقة، فإن كان هذا ظاهرًا للفظ فذاك، وإلا فلا شك أنه من محتملاته، فيجب الحمل عليه جميعًا بين الدليلين. وعن السادس من وجهين: أحدهما: أنه ليس بعام، لأن المفرد المعرف لا يعم فيحمل على ما سيأتي ذكره. سلمناه لكن مخصوص بالإجماع، فإن الشيطان ليس مع كل واحد وإلا لم يكن قول النبي حجة فيحمل على الواحد الذي خالف بعد الإجماع والواحد الذي دليله مرجوح. وثانيهما: أنه ﵇ أراد به التحذير عن السفر وحده والحث على طلب الرفيق فيه، ولهذا قال: "والثلاثة ركب". سلمنا دلالة هذه الأخبار على ما ذكرتم لكنه معارض بما يدل على قلة أهل الحق نحو قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، ﴿بل أكثرهم لا يعقلون﴾، ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾. ونحو قوله ﵇ حيث قال: "وهم يومئذ الأقلون".

стр. 2418

ونحو/ (٤٠/ أ) قوله ﵇: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ". وثالثها: أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر ﵁ على الإجماع مع أنه لم يحصل اتفاق الكل عليه، فإن عليًا وسعد بن عبادة مقدم الأنصار لم يوافقا في ذلك بل؛ لأنه حصل اتفاق الأكثر عليه. وجوابه: منع اعتماد الأمة عليه، بل على البيعة؛ وهذا لأن انعقاد الإمامة لا يتوقف على الإجماع بل على البيعة، وهي لا تتوقف على الإجماع. وأجيب أيضًا بمنع عدم حصول الإجماع في ذلك وفيه نظر. ورابعها: [أن الإجماع حجة على المخالف فيستدعي تحقق المخالف ليتحقق كونه حجة على المخالف وإلا لم يتحقق هذا المعنى]. وجوابه: [أن الإجماع حجة على المخالف الذي يوجد بعد انعقاد الإجماع في العصر أو في غيره على تقدير عدم اعتبار انقراض العصر، وعلى تقدير اعتباره فهو حجة على المخالف الذي يوجد بعد انقراض العصر].

стр. 2419

سلمنا أنه لا بد وأن يكون المخالف موجودًا معه حتى يكون حجة، لكنه منقوض بالإجماع الذي ليس فيه مخالف فإنه بالإجماع حجة مع أنه ليس له مخالف. وخامسها: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه للباقين في ربا الفضل والعول، ونكاح المتعة ولولا أن اتفاقهم حجة لما أنكروا عليه. وجوابه: أنا لا نسلم أن الإنكار للمخالفة، بل لأنه خالف صريح الحديثين أعنى الذي ورد في ربا الفضل، ونكاح المتعة على زعمهم، وأما في مسألة العول فلما أنه لما أظهر ذلك في زمن عمر ﵁ وأظهره بعد ذلك مع أن دليل صحته ظاهر جدًا. وسادسها: أن ما اتفق عليه الأكثرون يعلم أنه طريقة المؤمنين قطعًا، ضرورة أنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم مؤمنون، ويستحيل أن يكون إخبار الجمع الكثير كلها كذبًا سواء كان مخبر خبرهم واحدًا أو أكثر. وما ذهب إليه الواحد والاثنان لا يعلم قطعًا أنه سبيل المؤمنين لجواز اتفاقهم

стр. 2420

على الكذب فيما أخبروا عن أنفسهم أنهم مؤمنون، وإذا كان كذلك [وجب أن يكون إجماعهم حجة؛ لأن مخالفه مخالف لسبيل المؤمنين. وجوابه:] هب أن إخبارهم عن أنفسهم أنهم مؤمنون صادقة لكن لا يلزم منه المقصود، فإنه ليس مخالفة سبيل كل من يقطع بأنه من المؤمنين محظورة، ألا ترى أنا لو قطعنا بإيمان شخص بأخبار نبي، أو ولي أو بقرائن، فإنه لا يحرم علينا مخالفته، بل الذي يحرم إنما هو مخالفة سبيل المؤمنين [لا مخالفة سبيل المؤمنين] كيفما كان أعنى أن يكون بعضًا أو كلاً. وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد فكذا أقوال المجتهدين. وجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس، فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر، لعدم تحقق المناط. وثامنها: أن خبر الواحد عن شيء لا يفيد العلم بل يفيد الظن، وخبر جماعة بلغ عددهم عدد أهل التواتر يفيد العلم، وكذا قول المجتهد الواحد يفيد الظن، فليكن قول جماعة منهم بلغ عددهم عدد أهل التواتر يفيد العلم.
следующие страницы →