← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

شيء أعظم منه، وهو أعظم من كل ما عداه، ولو لم يرد هذا بل ما صدق عليه أنه أعظم من غيره لدخل تحته النصف الزائد بواحد على النصف الآخر وبه خرج الجواب عن الثالث والرابع، فإن الجماعة على الإطلاق إنما هو مجموع الأمة لما سبق. وأيضًا: فإن الألف واللام في الجماعة إما للعهد، أو للجنس، لأن الاشتراك والمجاز على خلاف الأصل فكان تقليله أوفق للأصل، ودلالتهما عليهما وعلى غيرهما لا يخلوا عن هذين الوجهين، إذ لا يمكن جعلهما [متواطئًا في جميع موارد استعمالهما ولو أمكن لكن كون اللفظ] متواطئًا بين المعنيين أولى من أن يكون متواطئًا بين الأكثر من ذلك، ثم هما ليسا للجنس؛ لأن كل جماعة ليس يد الله عليها، ولا كل جماعة أمر الشارع باتباعها، وإلا لكان ذلك أمرًا لكلا الخصمين لمتابعة الآخر، ضرورة أن كل واحد منهما جماعة فيتعين أن يكون للعهد، والمعهود بحسب الشرع إنما هو مجموع الأمة دون الأكثر لعدم ما يدل عليه وضبطه. وأما قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فليس تلك الجماعة المعهودة مرادة هنا بالإجماع، بل المراد منها جماعة الصلاة، أو جماعة السفر.

стр. 2417

وأما الخامس، فالمراد منه: الانفراد عن الجماعة بعد الموافقة، فإن كان هذا ظاهرًا للفظ فذاك، وإلا فلا شك أنه من محتملاته، فيجب الحمل عليه جميعًا بين الدليلين. وعن السادس من وجهين: أحدهما: أنه ليس بعام، لأن المفرد المعرف لا يعم فيحمل على ما سيأتي ذكره. سلمناه لكن مخصوص بالإجماع، فإن الشيطان ليس مع كل واحد وإلا لم يكن قول النبي حجة فيحمل على الواحد الذي خالف بعد الإجماع والواحد الذي دليله مرجوح. وثانيهما: أنه ﵇ أراد به التحذير عن السفر وحده والحث على طلب الرفيق فيه، ولهذا قال: "والثلاثة ركب". سلمنا دلالة هذه الأخبار على ما ذكرتم لكنه معارض بما يدل على قلة أهل الحق نحو قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، ﴿بل أكثرهم لا يعقلون﴾، ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾. ونحو قوله ﵇ حيث قال: "وهم يومئذ الأقلون".

стр. 2418

ونحو/ (٤٠/ أ) قوله ﵇: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ". وثالثها: أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر ﵁ على الإجماع مع أنه لم يحصل اتفاق الكل عليه، فإن عليًا وسعد بن عبادة مقدم الأنصار لم يوافقا في ذلك بل؛ لأنه حصل اتفاق الأكثر عليه. وجوابه: منع اعتماد الأمة عليه، بل على البيعة؛ وهذا لأن انعقاد الإمامة لا يتوقف على الإجماع بل على البيعة، وهي لا تتوقف على الإجماع. وأجيب أيضًا بمنع عدم حصول الإجماع في ذلك وفيه نظر. ورابعها: [أن الإجماع حجة على المخالف فيستدعي تحقق المخالف ليتحقق كونه حجة على المخالف وإلا لم يتحقق هذا المعنى]. وجوابه: [أن الإجماع حجة على المخالف الذي يوجد بعد انعقاد الإجماع في العصر أو في غيره على تقدير عدم اعتبار انقراض العصر، وعلى تقدير اعتباره فهو حجة على المخالف الذي يوجد بعد انقراض العصر].

стр. 2419

سلمنا أنه لا بد وأن يكون المخالف موجودًا معه حتى يكون حجة، لكنه منقوض بالإجماع الذي ليس فيه مخالف فإنه بالإجماع حجة مع أنه ليس له مخالف. وخامسها: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه للباقين في ربا الفضل والعول، ونكاح المتعة ولولا أن اتفاقهم حجة لما أنكروا عليه. وجوابه: أنا لا نسلم أن الإنكار للمخالفة، بل لأنه خالف صريح الحديثين أعنى الذي ورد في ربا الفضل، ونكاح المتعة على زعمهم، وأما في مسألة العول فلما أنه لما أظهر ذلك في زمن عمر ﵁ وأظهره بعد ذلك مع أن دليل صحته ظاهر جدًا. وسادسها: أن ما اتفق عليه الأكثرون يعلم أنه طريقة المؤمنين قطعًا، ضرورة أنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم مؤمنون، ويستحيل أن يكون إخبار الجمع الكثير كلها كذبًا سواء كان مخبر خبرهم واحدًا أو أكثر. وما ذهب إليه الواحد والاثنان لا يعلم قطعًا أنه سبيل المؤمنين لجواز اتفاقهم

стр. 2420

على الكذب فيما أخبروا عن أنفسهم أنهم مؤمنون، وإذا كان كذلك [وجب أن يكون إجماعهم حجة؛ لأن مخالفه مخالف لسبيل المؤمنين. وجوابه:] هب أن إخبارهم عن أنفسهم أنهم مؤمنون صادقة لكن لا يلزم منه المقصود، فإنه ليس مخالفة سبيل كل من يقطع بأنه من المؤمنين محظورة، ألا ترى أنا لو قطعنا بإيمان شخص بأخبار نبي، أو ولي أو بقرائن، فإنه لا يحرم علينا مخالفته، بل الذي يحرم إنما هو مخالفة سبيل المؤمنين [لا مخالفة سبيل المؤمنين] كيفما كان أعنى أن يكون بعضًا أو كلاً. وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد فكذا أقوال المجتهدين. وجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس، فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر، لعدم تحقق المناط. وثامنها: أن خبر الواحد عن شيء لا يفيد العلم بل يفيد الظن، وخبر جماعة بلغ عددهم عدد أهل التواتر يفيد العلم، وكذا قول المجتهد الواحد يفيد الظن، فليكن قول جماعة منهم بلغ عددهم عدد أهل التواتر يفيد العلم.

стр. 2421

وجوابه: أن شرط إفادة اليقين في خبر جماعة بلغ عددهم عدد أهل التواتر الإحساس بالمخبر عنه، وهو ممتنع الثبوت في المجتهدات، وبتقدير صحته فهو منقوض بما إذا كان المجمعون عدد أهل التواتر بدون وصف الأكثرية. وتاسعها: لو اعتبرنا مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد إجماع على سبيل القطع لأنه ما من إجماع إلا ويمكن أن يوجد فيه مخالف أو مخالفان. وجوابه: منعه؛ وهذا لأنه يمكن أن ينعقد مع العلم بعدم المخالف حيث يكون المجتهدون منحصرين كما في زمان الصحابة، وحيث يتعذر العلم به بتعذر العلم بإجماع الأكثر أيضًا، إذ هو مشروط بالعلم بكلهم وهو متعذر. وعاشرها: أن ظن حقيقة ما ذهب إليه الأكثر أغلب، فوجب العمل به بالأدلة الدالة على أن العمل واجب بالظن الغالب. وجوابه: أنا لا نسلم أن ظن حقيقته أغلب بالنسبة إلى الكل، فإن الذي خالفه لم يغلب على ظنه ذلك، بل يغلب فساده على ظنه فلم يكن حجة في حقه. سلمنا ذلك، لكن مثل هذا الظن الغالب لا يوجب العمل على المجتهد بل على العوام. سلمناه لكنه منقوض بما إذا كان المجمعون أكثر من المخالفين بعدد يحصل به غلبة الظن مع كثرة المخالفين، فإنه ليس بإجماع بالاتفاق مع حصول غلبة الظن به.

стр. 2422

" المسألة الثالثة عشرة" المجتهد الخامل يعتبر قوله في الإجماع عند الجماهير خلافًا لبعض الشاذين . لنا: أن ما عداه ليسوا جميع الأمة من أهل الحل والعقد الذين يعتبر اتفاقهم في الإجماع بل بعضهم فلا يكون إجماعهم بدون موافقته حجة. احتجوا: بأن اعتباره يوجب القول بامتناع حصول الإجماع، إذ الاطلاع على قول من لا يعرف أنه من أهل الاجتهاد والعلم متعذر. وجوابه: ما سبق من أنه لا تعذر مع الانحصار، وأما حيث لم يكونوا منحصرين فبالنقض بغير الخامل.

стр. 2423

الفصل الثالث فيما يصدر عنه الإجماع وفيه مسائل:

стр. 2424

الفصل الثالث فيما يصدر عنه الإجماع وفيه مسائل: المسألة الأولى مذهب الجماهير أنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن مستند شرعي نحو الأدلة، والأمارة. وقول قوم يجوز أن يحصل بالبخت والمصادفة. وقد تترجم المسألة بأنه لا يجوز حصول الإجماع إلا عن توقيف. وقال قوم يجوز أن يحصل عن توفيق. لنا وجوه: أحدها: أن القول في الدين بغير دلالة/ (٤١/ أ) وأمارة خطأ، فلو اتفقت الأمة عليه لكانوا قد اتفقوا على الخطأ، وأدلة الإجماع تنفيه. فإن قلت: متى يكون ذلك خطأ، إذا لم تتفق الأمة عليه، أم مطلقًا سواء اتفقت عليه أم لم تتفق؟

стр. 2425

والأول مسلم والثاني ممنوع؛ وهذا لأن من يجوز ذلك مع القول بأن الأمة معصومة عن الخطأ يمنع أن يكون ذلك خطأ عند الاتفاق فتكون دعواه دعوى محل النزاع. قلت: القول في الدين بغير دليل وأمارة باطل قطعًا في الأصل ولذلك لو لم يحصل الإجماع عليه كان ذلك باطلاً وفاقًا، والإجماع لا يصير الباطل حقًا بل غاية تأثيره أن يصير المظنون مقطوعًا به. وأيضًا: إما أن يقال: كل مجتهد مصيب، أو يقال المصيب واحد فعلى الأول الحكم يتبع الاجتهاد، فحيث لا اجتهاد لا حكم يعتبر، فما حكموا به من غير اجتهاد غير معتبر، فيكونون مخطئين فيه، إذ لا نعني به إلا أنهم أثبتوا حكمًا غير معتبر، وعلى الثاني المصيب هو الذي صادف ذلك الحكم بناء على طريق، بدليل أنه لو أصاب ذلك الحكم بطريق الاتفاق فإنه غير مصيب وفاقًا، والمجموع ينتفي بانتفاء أحد جزئيه، فتنتفي الإصابة حيث لا طريق فيكون خطأ، ولا يمكن جعل الإجماع طريقًا إليه، لأنه متأخر عن التأدية، التي هي متأخرة عن الاجتهاد، الذي هو متأخر عن الطريق، فلو كان طريقًا إليه لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب وهو محال. وثانيها: أن الأمة ليسوا بآكد حالاً من النبي المعصوم، لأن عصمتهم مستفادة من عصمته، فإذا لم يجز للنبي ﵇ أن يحكم من غير دليل لم يجز للأمة ذلك أيضًا بل أولى. لا يقال: أن ذلك لدليل آخر [نحو] قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن

стр. 2426

الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. ولم يدل مثله في حقهم، وإلا فمقتضى العصمة أن كل حكم يحكم به المعصوم ولو بغير دليل كان صوابًا، لأنا نقول: القياس عليه أو ما يدل على وجوب التأسي به يدل على ثبوت هذا الحكم في حقهم. وثالثها: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن الاجتهاد شرطًا في القول بالحكم؛ لأن الإصابة حينئذ لا تتوقف على الاجتهاد وما هذا شأنه لا يكون شرطًا، لكن الأمة قبل ظهور المخالف مجمعة على اشتراطه مطلقًا من غير تفصيل بين حالة الإجماع، وغير حالة الإجماع فلا يجوز انعقاده بدونه. وقد استدل في المسألة بوجوه أخر ضعيفة. أحدها: أن عند فقد الدليل والاجتهاد الوصول إلى الحق غير لازم وحينئذ لم يمكن القطع بالإصابة. ووجه ضعفه: أن دعواه عند الإجماع دعوى حل النزاع، وعند عدمه لا يصير. سلمناه لكنه منقوض بما إذا وجد الدليل والاجتهاد، فإن الإصابة أيضًا غير لازم، لجواز الخطأ مع هذا فإنه عند الإجماع نقطع بالإصابة. وثانيها: أنه لو جاز أن يحكم الجميع من غير دليل وأمارة لجاز ذلك لكل واحد منهم، لأنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد منهم به، لكن اللازم باطل بالإجماع فكذا الملزوم. وجوابه: مع أنه إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد منهم به

стр. 2427

على الانفراد، بل جاز أن يحصل معًا كما فيما إذا كان المجتهدون منحصرين يشاهدون بعضهم البعض. سلمناه، لكن لا يلزم منه أن يجوز لكل واحد منهم ذلك وإن لم ينضم إليه الباقون، لجواز أن يكون جوازه له مشروطًا بضم الباقين إليه، فإنه يجوز أن يكون حكم المجموع الحاصل من الأفراد مخالفًا لها، كالخبر المتواتر، والإجماع الحاصل عن مستند فإنه إنما يحصل بأن يقول كل واحد منهم به، ومع ذلك لا يلزم أن يكون قول كل واحد منهم صحيحًا مقطوعًا به مع أن قول الكل كذلك. وثالثها: أن الحكم إذا لم يستند إلى دليل لا ينسب إلى الشارع وما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به. ووجه ضعفه: أنه إن عنى بقوله: لا ينسب إلى الشارع أنه غير مستفاد من دليل من أدلته فهذا مسلم، لكن لا نسلم أن ما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به، فإن عندنا ينقسم ذلك إلى ما يكون مجمعًا عليه فيجوز أخذه، وإلى ما لا يكون مجمعًا فلا يجوز أخذه، وإن عنى به أنه لا يصاب الحكم، فهذا غير مسلم بل دعواه دعوى محل النزاع. واحتجوا بوجهين: أحدهما: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن دليل - أعنى به القطعي والظني - لكان ذلك الدليل هو الحجة، وحينئذ لا تبقى فائدة في جعل الإجماع حجة شرعية. وجوابه: أنه يقتضي منع انعقاد الإجماع عن دليل وهو خلاف الإجماع. سلمنا سلامته عن النقض لكن لا نسلم أنه لا فائدة فيه، بل فيه فائدتان

стр. 2428

وهما: جواز الأخذ بالحكم المجمع عليه من غير بحث عن وجود ذلك الدليل، وعن كيفية دلالته عليه، وحرمة المخالفة الجائزة قبله. وثانيهما: أنه وقع ذلك كإجماعهم على بيع المراضاة، وأجرة الحمام والحلاق والدلاك. وجوابه: منع أنه انعقد الإجماع على ذلك من غير دليل، وغاية ما يستدل عليه إنما هو بعدم الوجدان، لكنه لا يدل عليه، لجواز أن كان أنه دليل لكنه لم ينقل إلينا استغناء بالإجماع.

стр. 2429

" المسألة الثانية" القائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند اتفقوا على جواز وقوعه عن دلالة . واختلفوا في جواز وقوعه عن أمارة: فجوزه الجماهير لكن اختلفوا في وقوعه: فمنهم من قال بوقوعه أيضًا وهم الجماهير. ومنهم من لم يقل به. والقائلون بالوقوع، اختلفوا في أنه هل تحرم مخالفته أم لا؟ مع إطباقهم على أنه حجة: فذهب الجماهير/ (٤٢/ أ) إلى أنه تحرم مخالفته، ومنهم من نفى ذلك. وذهب الشيعة، وداود الظاهري، ومحمد بن جرير الطبري إلى امتناعه.

стр. 2430

ومنهم من فصل فجوز بالجلية، دون الخفية. والمختار أنه وقع، وأنه تحرم مخالفته. أما الأول فهو أن الصحابة أجمعت في زمان عمر ﵁ على أن حد الشارب ثمانون وهو بطريق الاجتهاد، إذ روي أن عمر ﵁ شاور الصحابة في ذلك فقال علي ﵁: (أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترى ثمانون" وهذا تصريح منهم بأنهم إنما أثبتوا ذلك الحكم بالاجتهاد، وضرب من القياس، إذ مع وجود النص لا يتشبث بمثله، وحينئذ يعرف اندفاع ما يقال عليه: لعلهم أجمعوا عليه لنص لكنه لم ينقل استغناء بالإجماع. وأجمعوا أيضًا على إمامة أبي بكر ﵁ بالأمارة، إذ ليس ذلك لا عن دليل لما تقدم، ولا عن دليل هو نص، وإلا لأظهروه كما أظهروا قوله ﵇: "الأئمة من قريش" بل ذلك أولى بصراحة دلالته على التعيين، كيف وقد صرح في بعض ما نقل بالقياس والاجتهاد

стр. 2431

بعضهم: "رضيه رسول الله ﵇ لديننا" يعني به تقديمه إياه في الصلاة "أفلا نرضاه لدنيانا؟ " وقال الآخر: إن تولوها أبا بكر - تجدوه قويًا في أمر الله ضعيفًا في بدنه" وإذا لم يكن بهاتين الطريقتين تعين أن يكون لأمارة وهو المطلوب. وأجمعوا أيضًا على جزاء الصيد بالاجتهاد وضرب من القياس، فإنهم إنما عينوه للتشبه إما في الصورة، أو في المعنى وكل ذلك قياس، بل أضعف من القياس الذي وقع النزاع فيه وهو قياس المعنى. وأما التمسك بمثل أن الأمة مجمعة على تحريم شحم الخنزير قياسًا على تحريمه، وأجمعت على إراقة الأدهان والسيالة إذا ماتت فيها فأرة قياسًا على السمن ففيه نظر، لأنه ليس بقياس ظني الذي وقع فيه النزاع، بل هو قياس قطعي وليس فيه النزاع. واحتجوا بوجوه: أحدها: أن الأمة مع كثرتها، واختلاف دواعيها - لا يجوز أن تجمعها الأمارة مع خفائها، كما لا يجوز أن تجمعهم شهوة طعام واحد في الساعة الواحدة على أكله، وكذا التكلم بالكلمة الواحدة على تكلمها، وهذا بخلاف إجماعهم على مقتضى الدليل والشبهة، لأن الدليل قوي لا تختلف دلالته لغاية ظهورها، فلا تختلف فيها الأذهان فجاز أن تجمع، وهذا بخلاف الأمارة، فإنها تضطرب فيها الأذهان، والشبهة، وإن كانت دلالته ليست حقيقة لكنها شبيهة بالدلالة فلذلك اعتقدت دليلاً فكانت جارية مجراها. وجوابه: أن ذلك إنما يمتنع فيما يتساوى فيه الاحتمال، فأما فيما ظهر

стр. 2432

فلا نسلم امتناعه فيه. سلمناه لكنه منقوض بالخبر الواحد، فإنه أيضًا غير مقطوع به مع أنه يجوز حصول الإجماع على مقتضاه. وثانيها: أن في الأمة من لا يعتقد جواز الحكم بالأمارة، فهو لا يستحيل أن لا يجمعوا على الحكم بسببها. وجوابه: أن الخلاف في جواز الحكم بالأمارة حادث لم يكن في العصر [الأول] لما سيأتي في القياس إن شاء الله تعالى أن العمل به كان مجمعًا عليه فيما بين الصحابة ﵃. سلمناه لكنه يجوز أن لا يوجد واحد منهم في بعض الأعصار فيتصور انعقاد الإجماع به. سلمنا عدم خلو الزمان عنهم لكنه يجوز أن تشتبه الأمارة بالدلالة فيثبت بها بناء على أنه أثبته بالدلالة. سلمنا عدم جواز اشتباه الأمارة بالدلالة، لكنه منقوص بخبر الواحد فإنه أيضًا مختلف فيه مع أنه يجوز أن يحصل الإجماع به وفاقًا: سلمنا سلامته عن هذا النقض لكنه منقوض بعموم المقطوع به فإنه أيضًا مختلف فيه مع أنه يجوز حصول الإجماع على مقتضاه وفاقًا. وثالثها: أن تجويزه يقتضي الجمع بين أحكام متنافية، لأن الحكم من حيث أنه صدر عن الاجتهاد يجوز مخالفته، ولا يفسق مخالفه، ولا يبدع ويحكم

стр. 2433

عليه بأنه غير مقطوع به. ومن حيث أنه مجمع عليه بالضد من هذه الأحكام، فلو جاز حصول الإجماع عنه لزم حصول هذه الأحكام فيه، وأنه جمع بين الأحكام المتنافية فلا يجوز. وجوابه: أن الأحكام المترتبة على الاجتهاد مشروطة بأن لا تصير المسألة إجماعية، فإذا صارت إجماعية زالت تلك الأحكام لزوال شرطها. سلمنا أنها غير مشروطة به، لكنه منقوض بالإجماع الصادر عن خبر الواحد، فإن جميع ما ذكروه ثابت فيه بعينه مع أنه يجوز ذلك وفاقًا. ورابعها: أن الإجماع أصل من أصول الأدلة، وهو معصوم عن الخطأ، والغلط والقياس فرع وعرضة للخطأ والغلط، فلا يجوز إسناده إليه. وجوابه: أنه إن عنى بقوله: أنه أصل من أصول الأدلة، أي هو دليل بنفسه من غير إسناد إلى شيء آخر فهذا باطل، بل حجيته مستفادة من الكتاب والسنة كالقياس، وهو محتاج إلى دليل في انعقاده في آحاد الصور لما تقدم أنه لا يجوز أن ينعقد عن تبخيت. وإن عنى به أنه أصل بالنسبة إلى الأحكام الفرعية فهذا مسلم، لكن القياس أيضًا أصل بهذا المعنى، وإنما هو فرع الكتاب والسنة، والإجماع أيضًا كذلك. وأما قوله: القياس عرضة للخطأ والغلط. قلنا: إن عنيتم به: أنه كذلك قبل الإجماع على القول بمقتضاه فهذا مسلم، لكن لم قلتم أنه لا يجوز إسناد الإجماع إليه فإن هذا أول المسألة.

стр. 2434

ثم ليس هو إسناد للمعصوم إلى المعرض للخطأ، لأنا إذا ذاك تبينا أنه أسند الحكم إلى قياس صحيح مقطوع بصحته لا يجوز أن يكون خطأ فيكون ذلك إسناد لما لا يحتمل أن يكون خطأ/ (٤٣/ أ) إلى ما لا يحتمل أن يكون خطأ. وإن عنيتم به: أنه كذلك مطلقًا سواء كان قبل الإجماع أو بعده فهذا ممنوع، وهذا لأنه عندنا غير محتمل للخطأ بعد الإجماع.

стр. 2435

" المسألة الثالثة" الإجماع الموافق لدليل إذا لم يعلم له دليل آخر لا يجب أن يكون مستندًا إلى ذلك الدليل عند الجماهير ، لاحتمال أن يكون له دليل آخر وهو مستند إليه، لكنه لم ينقل إلينا استغناء بالإجماع. وقال أبو عبد الله البصري: "أنه يكون مستندًا إليه". فإن أراد به أنه كذلك [على سبيل الوجوب فهذا باطل، لما تقدم. وإن أراد به أنه كذلك] على سبيل غلبة الظن فهذا حق، إذ الأصل عدم دليل آخر سواه، وهذا إنما يتم لو قيل بحجية استصحاب الحال، وقد تقدم له نظير.

стр. 2436

الفصل الرابع في المجمعين وفيه مسائل:

стр. 2437

الفصل الرابع في المجمعين وفيه مسائل: المسألة الأولى القائلون بأن الإجماع حجة اتفقوا على أنه لا يعتبر في الإجماع اتفاق جميع الأمة من وقت الرسول ﵇ إلى يوم القيامة ، وسببه ظاهر، فإنه لو اعتبر ذلك لسقطت فائدة شرعية كون الإجماع حجة، فإنه لو كان حجة حينئذ، فإنما يكون حجة إلى ما بعد يوم القيامة لاستحالة حصوله قبل يوم القيامة، وما بعده لا حاجة إليه لعدم الاحتياج إلى الاستدلال بل لا يتصور أن يكون حجة، لأن التكاليف بأسرها مرتفعة فيه. وأجمعوا أيضًا على أنه لا يعتبر فيه قول الخارج عن الملة؛ لأن الأدلة دالة على اعتبار قول المؤمنين والأمة لا غير، والأمة في عرف الشرع الذين قبلوا دين الرسول ﵇ فمن كان خارجًا عن الملة لا يكون مؤمنًا، ولا من الأمة فلا يعتبر قوله، لعدم ما يدل على اعتباره. واتفقوا على اعتبار قول المجتهدين؛ لأن أدلة الأجماع متناولة لهم، ولم يدل دليل آخر على عدم إرادتهم، فوجب اعتبار قولهم وإن كان في بعضهم كالعاصي والمبتدع خلاف على ما تقدم. واختلفوا في اعتبار قول العوام:

стр. 2438

فذهب الأكثرون إلى أنه لا عبرة به، لأن أدلة الإجماع وإن كانت متناولة لهم، لأنهم من المؤمنين والأمة، لكن أدلة أخر تدل على عدم إرادتهم منها كما سيأتي ذكرها. وذهب الأقلون إلى اعتباره، وهو مختار القاضي أبي بكر ﵀. احتج الأولون بوجوه: أحدها: أنه لو اعتبر قولهم، فإنما بعتبر، لاحتمال أن يكون قولهم صوابًا، فإن بتقدير أن يقطع بانتفاء احتمال الصواب عنه، فإنه لا يعتبر قولهم إذ لا معنى لاعتبار قول من يقطع بخطأ قوله، لكن لا يحتمل أن يكون قولهم صوابًا، لأن قولهم غير مستند إلى دليل وأمارة، إذ المعنى من استناد القول إلى الدليل أن يكون مستفادًا منه، واستفادة الأحكام من أدلتها تستدعي حصول شرائط الاجتهاد والاستدلال، والعامي عار عن ذلك، فيكون قولهم غير مستند إلى دليل، وكل قول غير مستند إلى دليل فإنه باطل فيكون قول

стр. 2439

العامي باطلاً فلا يعتبر. وثانيها: أن العلماء إذا اتفقوا على شيء وخالفهم العوام في ذلك فلا شك أن خلافهم وقولهم بخلاف ذلك الحكم باطل، لما سبق، فلو كان قول العلماء أيضًا باطلاً: لزم أن يكون قول مجموع الأمة باطلاً بالنسبة إلى مسألة واحدة، ولكن غايته أنه باعتبارين مختلفين، فإن بطلان قول العوام باعتبار الطريق وبطلان قول العلماء باعتبار عدم مصادفة الحكم، وهذا على قولنا: المصيب واحد، وأما على قولنا: كل مجتهد مصيب [فإنه لا يتصور البطلان بهذا المعنى بل يتعين أن يكون البطلان في القولين] على الوجه الأول وبطلان قول مجموع الأمة بالنسبة إلى مسألة واحدة باطل، وإن كان ذلك باعتبارين، لأن أدلة الإجماع تنفي ذلك مطلقًا من غير فصل. وثالثها: أن العوام ليسوا من أهل الاجتهاد فلا عبرة بقولهم كالصبي والمجنون. وما يذكر من الفرق بين المقيس والمقيس عليه فغير قادح، لأنه في عير محل الجمع. ورابعها: أن العامي يلزمه موافقة العلماء، ويحرم عليه مخالفتهم، فلا تكون مخالفته معتبرة، كالمجتهد إذا خالف بعد انعقاد الإجماع، أو بعد انقراض عصره على اختلاف القولين، فإنه لما وجب عليه موافقتهم لم تعتبر مخالفته لهم. وفي هذا الوجه نظر، فإن المجتهد إذا خالف خبر الواحد بناء على أنه لا يرى العمل به، وأجمع الباقون على مقتضاه، فإن ها هنا يحرم عليه مخالفته ونعصيه بسبب المخالفة مع أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفته، فليس يلزم من حرمة المخالفة عدم اعتبارها، وأما في الصورة التي ذكروها فليس تعتبر المخالفة لعموم حرمة المخالفة، بل لخصوص مخالفة الإجماع.

стр. 2440

وخامسها: لو اعتبر اتفاق العوام لم يتصور العلم بحصول الإجماع [حتى] في زمان الصحابة أيضًا؛ لأنهم متفرقون في الأقطار والنواحي بحيث يتعذر العلم باتفاقهم، لكثرتهم وعدم العلم بأعيانهم، بخلاف العلماء لا سيما في زمن الصحابة فإنهم كانوا منحصرين معلومين فيه. وسادسها: أن عوام الصحابة وخواصهم أجمعوا: على أنه لا عبرة بقول العوام في هذا الباب لا بالنسبة إلى الموافقة، ولا بالنسبة إلى المخالفة، واعتبار قولهم خلاف لإجماعهم فيكون باطلاً. وفي هذا الوجه أيضًا نظر؛ وهذا لأن المؤمنين من أهل البادية قد لا يعرفون أن الإجماع حجة، فضلاً من أنه لا يعتبر فيه قول العوام أو يعتبر، فكيف يمكن ادعاء إجماعهم على أنه لا يعتبر قول العوام؟ وسابعها: أن قول المجتهد بالنسبة إلى العوام كالنص بالنسبة إلى المجتهدين [فكما أن حجية النص مطلقًا لا يتوقف على رضا المجتهدين] فكذا حجية قولهم مطلقًا لا يتوقف على رضا العوام به. وما يقال على أكثر هذه الحجج المتقدمة: بأن قول العوام وإن كان باطلاً إذا لم يكن على/ (٤٤/ أ) موافقة العلماء [إذ] هو غير مستند إلى دليل فيكون قولاً في الدين بالتشهي وهو باطل، لكن لم لا يجوز أن تكون موافقتهم للعلماء شرطًا في حجية قولهم على من يحدث بعدهم من العلماء فإن ما تقدم من الدلالة لا ينفي هذا الاحتمال؟ فهو ضعيف، أما أولاً: فلأنه مجرد احتمال دل الأصل على عدمه. وأما ثانيًا: فلأن الأصل عدم توقيف المقتضى على شيء، لأن على هذا

стр. 2441

التقدير اتفاق العلماء هو الحجة لكن حجيته تتوقف على موافقة العوام لهم، وأما دلالة لفظ المؤمنين والأمة عليهم فإنما هي على وجه الجزئية كما تقدم، كان اعتبار موافقتهم على وجه الشرطية مجرد احتمال من غير دليل فيكون منفيًا لما تقدم من الوجهين. واحتجوا: بأن الأدلة التي تدل على أن الإجماع حجة متناولة للعوام حسب تناولها للمجتهد فوجب أن تكون مرادة، إذ الأصل في المتناول أن يكون مرادًا، وإذا كان العوام مرادًا منها وجب أن لا ينعقد إجماع بدون موافقتهم للعلماء، لأن ما يدل على ثبوت الحكم في الكل لا يدل على ثبوته في البعض بدونه، والأصل عدم دليل آخر. وجوابه: أن الأصل في المتناول وإن كان هو الإرادة، لكن قد يترك الأصل، لقيام الدلالة على عدم إرادته، وما ذكرنا من الأدلة دالة على أنهم غير مرادين من لفظ المؤمنين والأمة فوجب تخصيصهما بالمجتهدين. ثم اعلم أن المجتهد الذي اعتبرنا قوله ليس هو المجتهد كيف كان حتى لو كان مجتهدًا في فن يعتبر قوله في فن آخر أو في جميع الفنون، بل هو المجتهد مطلقًا، أو المجتهد في ذلك الفن الذي يحصل الإجماع على مسألة من مسائله. فأما لو كان مجتهدًا في فن فإنه لا يعتبر قوله في فن آخر؛ لأنه عامي بالنسبة إليه فعلى هذا المعتبر في مسائل الكلام إنما هو قول المتكلمين لا غير، وفي مسائل الفقه قول المتمكنين من الاجتهاد في مسائل الفقه لا قول المتكلمين، ومن يجري مجراهم. واختلفوا في الأصولي الذي ليس بفقيه، والفقيه الذي ليس بأصولي على أربعة أقوال:

стр. 2442

أحدها: اعتبار قوليهما، نظرًا إلى ما لهما من الأهلية المناسبة بالنسبة إلى المسائل الفرعية التي لا توجد في العوام ولا في المتكلمين واللغويين والنحويين. وثانيها: عدم اعتبار قوليهما، لعدم أهلية الاجتهاد والتمكن التام الثابت لأهل الحل والعقد من المجتهدين. وثالثها: اعتبار قول الأصولي دون الفقيه الحافظ للأحكام، وهو الأولى، لأنه متمكن من الاجتهاد، واستباط الأحكام عن مداركها، إذ ليس من شرائط الاجتهاد حفظ الأحكام كما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى. وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله معتبرًا كغيره من المجتهدين. نعم التمكن التام كما هو حاصل للأصولي الحافظ للأحكام فإنه غير حاصل له لكن ذلك لا يخل برتبة الاجتهاد. ورابعها: اعتبار قول الفقيه الحافظ للأحكام دون الأصولي. ولا يتخيل فيه أنه إنما اعتبر قوله، لكونه أعرف بمواقع الاتفاق، والاختلاف، فعدم اتفاقه يدل على تقدم خلاف فيه إذ لو كان متفقًا عليه لما خالف وذلك يمنع من انعقاد الإجماع على رأي. لأنا لا نسلم أنه يدل عليه لجواز أن تكون المسألة غير واقعة في العصر الأول، أو وإن وقعت فيه لكن ربما لم تصل إليه مذاهب الناس فيه، وإنما

стр. 2443

خالف بناء على دليل: إما في نفس الأمر، أو في ظنه أو لم يوافق، لعدم الظفر على الدليل، أو لعدم اهتدائه إلى وجه دلالة الدليل، فلا يدل عدم موافقته على تقدم من الخلاف، ثم عدم موافقته إنما يقدح في الإجماع أن لو كانت موافقته معتبرة، فإن بتقدير أن لا تكون موافقته معتبرة لا يكون عدم موافقته قادحًا في الإجماع وحينئذ يكون الاستدلال باعتبار عدم الموافقة دوران.

стр. 2444

المسألة الثانية ذهب الأكثرون إلى أنه لا يشترط في المجمعين أن يكونوا بالغين حد التواتر ؛ لأن أدلة الإجماع تدل على عصمة المؤمنين والأمة مطلقًا، من غير فصل بين أن يكونوا بالغين حد التواتر، أو ولم يكونوا بالغين إلى حده فوجب أن يثبت ذلك مطلقًا عملاً بإطلاق الأدلة. وذهب الأقلون إلى أنه يشترط ذلك: لكن منهم من زعم أن ذلك؛ لأنه لا يتصور أن ينقص عدد المسلمين عن عدد التواتر مادام التكليف بالشريعة باقيًا. ومنهم من زعم أن ذلك وإن كان متصورًا لكن لا يقطع أن ما ذهب إليه دون عدد التواتر سبيل المؤمنين، لأن إخبارهم عن عن إيمانهم لا يفيد القطع بإيمانهم ولا بإيمان واحد منهم فلا تحرم مخالفته. ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن، ولا يشترط فيه ذلك بل يكفي فيه الظهور، لكن الإجماع إنما يكون حجة، لكونه كاشفًا عن دليل قاطع على ما تقدم تقريره في المسلك العقلي، والقاطع النقلي يجب أن يكون نقله متواترًا، وإلا لم يكن قاطعًا، فما يقوم مقام نقله متواترًا وهو الحكم بمقتضاه يجب أن يكون صادرًا عن عدد التواتر وإلا لم يقطع بوجوده

стр. 2445

كما إذا نقله صريحًا دون عدد التواتر، وهؤلاء لا يخصصون حجية الإجماع بشرعنا، ولا يشترطون أن يكون المجمعون مجتهدين، بل يزعمون أن اتفاق الخلق الكثير الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب حجة من أي ملة كانوا وكيف كانوا، لكنك قد عرفت ضعف دليلهم على الأصل الذي بنوا عليه اشتراط عدد التواتر في المجمعين. فإن قلت: فعلى رأي الأكثرين هل يشترط أن يكون المجمعون جمعًا أو لا يشترط ذلك حتى لو كان الباقي واحدًا من الأمة والمؤمنين أو من المجتهدين كان قوله حجة؟ قلت: اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون منهم إلى أنه حجة وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق ﵀ لأنه إذ ذاك سبيله/ (٤٥/ أ) سبيل المؤمنين وسبيل الأمة فخالفه مخالف لسبيل المؤمنين فيدخل تحت الوعيد ولا نعني بكونه حجة سوى هذا، ولأن المقصود إنما هو عصمة الزمة والمؤمنين لا عصمة عدد مخصوص فإذا لم يبق منهم إلا واحد كان معصومًا عن الخطأ غير ذاهل عن الحق فكان قوله حجة. ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكون حجة؛ لأن لفظ المؤمنين والأمة وإن لم يشعر باعتبار عدد التواتر لكنهما يشعران إشعارًا ظاهرًا باعتبار عدد الجمع، فإذا لم يبق عدد الجمع لم تكن الأدلة الواردة فيهما دالة على حجيته إلا على وجه التجوز، وأنه خلاف الأصل، لا سيما في هذا المقام؛ لأنه أريد منهما الحقيقة، فلو أريد منهما التجوز أيضًا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وأنه غير

стр. 2446

جائز، وحيث أطلق الزمة على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله﴾ فإنما هو على وجه التجوز بدليل عدم الاطراد. فإن قلت: كيف يعقل إمكان وقوع ما ذهب إليه الجماهير من أنه نقص عدد المجمعين عن عدد التواتر بل عن عدد الجمع يكون إجماعهم حجة مع بقاء التكليف بالشريعة، فإن صحة التكليف بالشريعة تنبني على صحة النبوة، وصحة النبوة تتوقف على النقل المتواتر عن وجوده ﵇ وادعائه النبوة، وظهور المعجزة على يده وهو القرآن العظيم، فإذا لم يبق من المسلمين عدد التواتر والعياذ بالله - انقطع النقل المتواتر عما ذكر من الأمور، فيمتنع بقاء التكليف بالشريعة؟ قلت: إن قلنا: أنه لا يعتبر في الإجماع إلى أقوال المجتهدين فيعقل إمكان وقوع المسألة مع بقاء النقل المتواتر بالأمور المذكورة بالعوام ظاهر. وإن قلنا: أنه يعتبر فيه قول الجميع من العوام والمجتهدين فيعقل أيضًا إمكان وقوع المسألة مع العلم بتلك الأمور المذكورة إما بنقل من بقى من المسلمين وإن كانوا أقل من عدد التواتر بقرائن تحتف بخبرهم أو بنقل الكفار ذلك بأن ينقلوا بالتواتر وجوده ودعواه النبوة، وظهور القرآن على يده وإن كانوا ينقلون معه أنه كان كاذبًا في دعواه، وأن ما ظهر على يده ليس بمعجز بل كان أساطير الأولين.

стр. 2447

المسألة الثالثة إجماع غير الصحابة حجة خلافًا لأهل الظاهر ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين. لنا: أدلة الإجماع، فإنها تدل على أن الإجماع حجة من غير فصل بين إجماع الصحابة وغيرهم، فوجب أن يكون الإجماع حجة مطلقًا من غير تقييد بإجماع مخصوص جريًا على إطلاق الأدلة. فإن قلت: لا نسلم أن أدلة الإجماع تتناول إجماع الصحابة وغير الصحابة حتى تكون دالة على حجيته مطلقًا؛ وهذا لأن أدلة الإجماع وارده بلفظ المؤمنين والأمة، وهما إنما يتناولان الموجودين فقط لما عرفت غير مرة، ولما لم يكن التابعون ومن بعدهم موجودين في ذلك الوقت لم تكن تلك الأدلة متناولة لهم فلا تكون دالة على أن إجماعهم حجة.

стр. 2448

لا يقال: ما ذكرتم يقتضي أن لا يكون إجماع الصحابة بعد موتهم حجة؛ لأن لفز المؤمنين والأمة لا يصدقان عليهم بعد موتهم كما لا يصدقان على من سيوجد بعد ورودهما، فإذا لزم من عدم صدقهما على من سيوجد بعد ورودهما عدم حجية إجماعهم، لزم من عدم صدقهما عليهم بعد موتهم أن لا يكون إجماعهم حجة وهو خلاف الإجماع. لأنَّا نقول: إن أدلة الإجماع دلت على أن إجماع الصحابة حجة في حال حياتهم، ولا يستفاد من تلك الأدلة سوى هذا، فأما حجية إجماعهم بعد موتهم فمستفاد من إجماعهم على أن ما أجمعوا عليه حين يصدق عليهم لفظ المؤمنين والأمة وهو حال حياتهم فإنه حق واجب الاتباع في ذلك الزمان وفي سائر الأزمنة فوجب أن يكون ذلك كذلك، وإلا لزم أن لا يكون إجماعهم حال حياتهم واجب الاتباع وهو خلاف أدلة الإجماع، ولا نعني بكون إجماعهم حجة بعد موتهم سوى أنه واجب الاتباع بعد موتهم. قلت: المراد من المؤمنين والأمة الواردين في أدلة الإجماع الموجودين في كل عصر لا الموجودين وقت ورودهما فقط، بدليل أنه لا يشترط في المجمعين أن يكونوا جميع أولئك الذين كانوا موجودين عند ورود أدلة الإجماع وفاقًا، ولو كان المراد منه الموجودين وقت ورودهما فقط وجب أن يشترط ذلك، وحينئذ يلزم أن لا يقطع بحجيته إجماع من بقى من الصحابة بعد وفاة الرسول ﵇ لأنه لم يعرف بقاء أولئك بأعيانهم إلى ما بعد وفاته ﵇، بل الذي يعلم موت بعضهم قبل وفاته ﵇ فإن لم يكن هذا فلا أقل من الشك في ذلك، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، وهذا يقتضي أن لا يكون إجماع الصحابة حجة أيضًا وهو خلاف الإجماع.

стр. 2449

واحتج الخصم بوجوه: أحدها: أن أدلة الإجماع منحصرة في الأدلة النقلية نحو قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ وقوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ وغيرهما من الآيات التي تلوناها، والأخبار التي رويناها، وهي بأسرها لا تتناول إلا الصحابة، لأنهم هم المخاطبون وهم المؤمنون والأمة إذ ذاك وحينئذ يلزم أن لا يكون إجماع غيرهم حجة، وإلا لكان ذلك قولاً في الدين من غير حجة ودليل وهو باطل. وجوابه ما سبق من قبل. وثانيها: أن العلم بإجماع غير الصحابة متعذر، لتفرق المجتهدين في الأطراف بعد عصرهم، هذا إن قيل: أنه لا يعتبر في الإجماع إلا قول المجتهدين، وأما إن قيل المعتبر فيه قول الجميع من المجتهدين والعوام فالعلم به أظهر وما يتعذر/ (٤٦/ أ) العلم به يستحيل أن يجعل حجة لعدم الفائدة فيه. وجوابه: أن النزاع في حجيته أن لو حصل، وحصل العلم به، وما ذكرتم لا ينفيه. وثالثها: أن الصحابة أجمعوا: على أن كل مسألة لا يكون مجمعًا عليها فيما بينهم - فإنه يجوز الاجتهاد فيها، فلو كان إجماع غيرهم حجة أيضًا لزم جواز الاجتهاد، وعدم جوازه في المسألة التي لم يكن مجمعًا عليها فيما بينهم، ويكون مجمعًا عليها فيما بين غيرهم وأنه باطل، لأنه جمع بين النقيضين.

стр. 2450

وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك الإجماع كان مطلقًا بل هو مشروط بعدم حصول الإجماع عليها، ويجب المصير إلى ذلك جمعًا بين الدليلين. ورابعها: أن إجماع التابعين على مسألة لا بد وأن يكون لدليل لما سبق أن الإجماع من غير دليل غير متصور، وذلك الدليل ليس هو الإجماع وإلا لكانت تلك المسألة ثابتة بإجماع الصحابة لا التابعين، وليس هو القياس أيضًا، لأنه مختلف فيه فيما بينهم فيستحيل أن يكون متمسك الكل في إثبات الحكم وليس هو النص؛ لأنه لا يصل إليهم إلا من جهة الصحابة فلو كان ذلك نصًا معمولاً به لاستحال أن يتركه الصحابة بأسرهم ولا يعمل واحد منهم به. وجوابه: أن نقول: لم لا يجوز أن يكون دليلهم على ذلك الحكم هو القياس؟ قوله القياس مختلف فيه. قلنا لا نسلم ذلك في العصر الأول من التابعين بل ذلك الخلاف حصل فيما بعد فجاز أن يكون متمسك الكل إذ ذاك. سلمناه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك لنص؟ قوله: لو كان ذلك للنص لاستحال أن لا يعمل واحد منهم به. قلنا: متى يستحيل ذلك، عند تنبههم لذلك النص ووجه دلالته ووقوع الواقعة أم مطلقًا؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع فلعلهم لم ينتبهوا لوجه دلالة النص، لعدم احتفائهم لاستنباط تلك الدلالة، لعدم وقوع تلك الواقعة في زمانهم وإن

стр. 2451

تنبهوا لمتنه، أو وإن تنبهوا لوجه دلالته أيضًا لكن ربما لم تقع تلك الواقعة إذ ذاك فلم يتعرضوا لحكمها، وعادتهم ما كانت جارية بالتفريع وتقرير حكم الوقائع قبل وقوعها، كما هي عادة الأئمة الأربعة، ومن يجري مجراهم حتى يوجب ذلك التعرض للحكم وإن لم تقع الواقعة. سلمنا استحالته مطلقًا لكن جاز أن عمل به بعضهم دون الآخرين ثم أن التابعين اتفقوا على قول أولئك البعض الذين قالوا به، فإن منعوا مثل هذا في الإجماع فقد تقدم تقريره، وليس الواجب اتفاق كلهم على الحكم بمقتضى تلك الدلالة، فإن الدلالة الظنية لا يجب اتفاق كلهم على الحكم بمقتضى تلك الدلالة، فإن الدلالة الظنية لا يجب اتفاق الكل عليها. وخامسها: المسألة التي أجمع التابعون عليها إن كان مجمعًا عليها للصحابة كانت الحجة في إجماع الصحابة لا في إجماعهم، وإن لم يكن كذلك فإما أن تكون مختلفًا فيها، أو لم ينقل عنهم فيها قول. فإن كان الأول لم ينعقد إجماع التابعين على أحد ذينك القولين، لما تقدم من أنه لا ينعقد إجماع مع تقدم الخلاف، وإن كان الثاني وجب أيضًا [أن] لا ينعقد إجماعهم في تلك المسألة؛ لأنه يحتمل أن يكون لبعضهم فيها قول يخالف قول التابعين وإن لم ينقل إلينا، وشرط انعقاد الإجماع أن لا يتقدمه خلاف لما تقدم، وحينئذ لم ينعقد إجماعهم إذ الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا ينعقد الإجماع مع تقدم الخلاف، وهذا لأنا بينا انعقاده وحجته. سلمناه لكنه منقوض بإجماع الصحابة بعد موت بعضهم فإنه يحتمل أن

стр. 2452

يكون للميت فيها قول وإن لم ينقل قوله إلى الباقين، ولا يقال: أن عدم النقل مع قرب العهد احتمال بعيد؛ لأن قرب العهد يعارضه عدم الحاجة إليه فإنه لا حاجة للباقين منهم إلى قول الماضين منهم حتى ينقل إليهم بخلاف النقل إلى التابعين فإنه وإن بعد العهد، لكن الحاجة ماسة إلى النقل إليهم، لأنه بالنسبة إليهم حجة أو هو مرجح لمأخذهم. وسادسها: الميت كالغائب، فإذا لم ينعقد إجماع مع الغائب وإن لم يكن [له] في المسألة قول، فكذا في صورة الميت وإن لم يكن له فيها قول. وجوابه: منع أنه كالغائب؛ وهذا لأن الغائب له أهلية القول والحكم موافقة ومخالفة ويمكن الرجوع إليه بخلاف الميت. سلمناه لكنه منقوض بإجماع الباقين منهم بعد موت واحد منهم فإنه بالاتفاق حجة مع أن الاحتمال المذكور قائم بعينه.

стр. 2453

الفصل الخامس في بقية مسائل الإجماع وفيه مسائل:

стр. 2454

الفصل الخامس في بقية مسائل الإجماع وفيه مسائل: المسألة الأولى الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة عند بعض أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة والحنابلة، وهو المختار . وذهب الباقون إلى أنه ليس بحجة، وهو اختيار الشيخ الغزالي. اعلم أن كل من قال: إن خبر الواحد يقبل في القطعيات، وأن أصل الإجماع حجة ظنية، أو أن أصله وإن لم يكن حجة ظنية، لكنه منقسم إلى قطعي وظني، وأن الظني منه مقبول حجة، فإنه يلزمه أن يقول بحجية هذا الإجماع. وأما من لم يقل بشيء من ذلك بل يقول: هو حجة قطعية وليس منه شيء ظني، فإنه يلزمه أن يرده ولا يقبله. وإذا عرف المأخذ سهل الاستدلال على القولين. فمن قبله يستدل عليه من النصوص بقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر

стр. 2455

بالظاهر والله يتولى السرائر"، وقوله: "أقضى بالظاهر". ووجه الاستدلال به ظاهر: فإنه ذكر الظاهر معرفًا باللام، وأنه يتناول جميع الظواهر من مدارك الشرع. أما إن قيل: إن المفرد المعرف يفيد/ (٤٧/ أ) العموم فظاهر. وأما إن لم نقل به، فلأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فيعم الحكم لعموم علته. ومن المعقول: بأن الإجماع نوع من أنواع الحجج الشرعية فيجوز التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه قياسًا على خبر الرسول والقياس.
следующие страницы →