← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

تنبهوا لمتنه، أو وإن تنبهوا لوجه دلالته أيضًا لكن ربما لم تقع تلك الواقعة إذ ذاك فلم يتعرضوا لحكمها، وعادتهم ما كانت جارية بالتفريع وتقرير حكم الوقائع قبل وقوعها، كما هي عادة الأئمة الأربعة، ومن يجري مجراهم حتى يوجب ذلك التعرض للحكم وإن لم تقع الواقعة. سلمنا استحالته مطلقًا لكن جاز أن عمل به بعضهم دون الآخرين ثم أن التابعين اتفقوا على قول أولئك البعض الذين قالوا به، فإن منعوا مثل هذا في الإجماع فقد تقدم تقريره، وليس الواجب اتفاق كلهم على الحكم بمقتضى تلك الدلالة، فإن الدلالة الظنية لا يجب اتفاق كلهم على الحكم بمقتضى تلك الدلالة، فإن الدلالة الظنية لا يجب اتفاق الكل عليها. وخامسها: المسألة التي أجمع التابعون عليها إن كان مجمعًا عليها للصحابة كانت الحجة في إجماع الصحابة لا في إجماعهم، وإن لم يكن كذلك فإما أن تكون مختلفًا فيها، أو لم ينقل عنهم فيها قول. فإن كان الأول لم ينعقد إجماع التابعين على أحد ذينك القولين، لما تقدم من أنه لا ينعقد إجماع مع تقدم الخلاف، وإن كان الثاني وجب أيضًا [أن] لا ينعقد إجماعهم في تلك المسألة؛ لأنه يحتمل أن يكون لبعضهم فيها قول يخالف قول التابعين وإن لم ينقل إلينا، وشرط انعقاد الإجماع أن لا يتقدمه خلاف لما تقدم، وحينئذ لم ينعقد إجماعهم إذ الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا ينعقد الإجماع مع تقدم الخلاف، وهذا لأنا بينا انعقاده وحجته. سلمناه لكنه منقوض بإجماع الصحابة بعد موت بعضهم فإنه يحتمل أن

стр. 2452

يكون للميت فيها قول وإن لم ينقل قوله إلى الباقين، ولا يقال: أن عدم النقل مع قرب العهد احتمال بعيد؛ لأن قرب العهد يعارضه عدم الحاجة إليه فإنه لا حاجة للباقين منهم إلى قول الماضين منهم حتى ينقل إليهم بخلاف النقل إلى التابعين فإنه وإن بعد العهد، لكن الحاجة ماسة إلى النقل إليهم، لأنه بالنسبة إليهم حجة أو هو مرجح لمأخذهم. وسادسها: الميت كالغائب، فإذا لم ينعقد إجماع مع الغائب وإن لم يكن [له] في المسألة قول، فكذا في صورة الميت وإن لم يكن له فيها قول. وجوابه: منع أنه كالغائب؛ وهذا لأن الغائب له أهلية القول والحكم موافقة ومخالفة ويمكن الرجوع إليه بخلاف الميت. سلمناه لكنه منقوض بإجماع الباقين منهم بعد موت واحد منهم فإنه بالاتفاق حجة مع أن الاحتمال المذكور قائم بعينه.

стр. 2453

الفصل الخامس في بقية مسائل الإجماع وفيه مسائل:

стр. 2454

الفصل الخامس في بقية مسائل الإجماع وفيه مسائل: المسألة الأولى الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة عند بعض أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة والحنابلة، وهو المختار . وذهب الباقون إلى أنه ليس بحجة، وهو اختيار الشيخ الغزالي. اعلم أن كل من قال: إن خبر الواحد يقبل في القطعيات، وأن أصل الإجماع حجة ظنية، أو أن أصله وإن لم يكن حجة ظنية، لكنه منقسم إلى قطعي وظني، وأن الظني منه مقبول حجة، فإنه يلزمه أن يقول بحجية هذا الإجماع. وأما من لم يقل بشيء من ذلك بل يقول: هو حجة قطعية وليس منه شيء ظني، فإنه يلزمه أن يرده ولا يقبله. وإذا عرف المأخذ سهل الاستدلال على القولين. فمن قبله يستدل عليه من النصوص بقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر

стр. 2455

بالظاهر والله يتولى السرائر"، وقوله: "أقضى بالظاهر". ووجه الاستدلال به ظاهر: فإنه ذكر الظاهر معرفًا باللام، وأنه يتناول جميع الظواهر من مدارك الشرع. أما إن قيل: إن المفرد المعرف يفيد/ (٤٧/ أ) العموم فظاهر. وأما إن لم نقل به، فلأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فيعم الحكم لعموم علته. ومن المعقول: بأن الإجماع نوع من أنواع الحجج الشرعية فيجوز التمسك بمظنونه، كما يجوز بمعلومه قياسًا على خبر الرسول والقياس.

стр. 2456

وبأنه يفيد ظن ثبوته لظن صدق الراوي، فكان العمل به واجبًا دفعًا للضرر المظنون. ومن رده يستدل عليه: بأنه لا قاطع يدل على حجية هذا الإجماع كما في خبر الواحد والقياس، فإن القواطع دلت على قبولهما [وحجيتهما] على ما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى، وما ذكرتم من الأدلة لا يفيد إلا الظن فلا يثبت بها أصل من أصول الفقه؛ لأن كل واحد من أصل أصول الفقه إنما ثبتت حجيته بقاطع. وجوابه: بمنع أن أصلاً من أصول الفقه إنما يثبت بالقاطع، وقد عرفت سنده فيما سلف. سلمناه لكن لا نسلم أنه لا قاطع على حجيته؛ لأن الإجماع القطعي منعقد على وجود العمل بمقتضى الظاهر، والتمسك به فيكون القاطع دالاً على وجوب التمسك به والعمل بمقتضاه. ولا يقال: إنه وإن دل على ما ذكرتم، لكنه لم يدل على وجوب التمسك بهذا الظاهر على سبيل الخصوصية، لأنه لو اعتبر ذلك لخرجت القواطع التي تدل على حجية القياس مثلاً أن تكون قواطع بالنسبة إلى كل واحد من الأقية فإنها لا تدل عليه على الخصوصية.

стр. 2457

المسألة الثانية الإجماع الصادر عن الاجتهاد حجة عند الأكثرين خلافًا لبعضهم . لنا: ما تقدم من أدلة الإجماع؛ فإنه لا إشعار لها بالفرق بين الإجماع الصادر عن الاجتهاد، وبين غيره، بل هي على الإطلاق تدل على حجيته فوجب الجري على موجب الإطلاق. واحتجوا بوجهين: أحدهما: أنه لو كان هذا الإجماع حجة متبعة لزم جواز الاجتهاد في المسألة، وعدم جوازه فيها، من حيث أنهم اتفقوا على إثبات الحكم فيها بطريق الاجتهاد فيجب إثباته بطريق الاجتهاد اتباعًا لهم، وأنه يقتضي رفع الحرج عن الاجتهاد فيها، ومن حيث إنهم أجمعوا على الحكم فيها أنه لا يجوز الاجتهاد فيها وأنه تناقض بين. وجوابه: أنا لا نسلم أنه يجب إثباته بطريق الاجتهاد، وهذا لأنه إنما يجب ذلك أن لو وجب اتباعهم في كل الأمور وهو ممنوع، بل يجب اتباعهم في كل الأمور إلا ما خصه الدليل، وهذا ما خصه الدليل وهو دفع التناقض

стр. 2458

وقد تقدم هذا فيما سلف. وثانيهما: أنهم حين كانوا مجتهدين فيها كانوا مجمعين على تسويغ القول فيها بمقتضى الاجتهاد وإن كان مخالفًا لقولهم، فلو جاز حصول الإجماع عن اجتهاد لزم تعارض الإجماعين وأنه باطل. وجوابه: ما سبق غير مرة من أن ذلك الإجماع كان مشروطًا بعدم حصول الإجماع على قول واحد.

стр. 2459

المسألة الثالثة ذهب الجماهير إلى أنه لا يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماع أثبت على خلافه، لأنه يستلزم تعارض دليلين قاطعين وأنه ممتنع . وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن ذلك غير ممتنع؛ لأنه لا امتناع في أن يجعل الإجماع على قول حجة قاطعة ما لم يطرأ عليه إجماع آخر، كما في الإجماع على تجويز الأخذ بكلا القولين وتجويز الاجتهاد، لكن لما أجمعوا على أن كل ما أجمعوا عليه على وجه البت، فإنه حق واجب العمل به في جميع الأعصار أمنًا من وقوع هذا الحائز. فعدم الجواز عنده مستفاد من الإجماع الثاني لا من الإجماع الأول. وعند الجماهير هو مستفاد من الإجماع الأول من غير حاجة إلى الإجماع الثاني. فالحاصل: أن نفس كون الإجماع حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له بعده عند الجماهير. وعند أبي عبد الله البصري لا يقتضي ذلك، لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية إمكان حصول إجماع آخر. وعند هذا ظهر أن مأخذ أبي عبد الله البصري قوي.

стр. 2460

المسألة الرابعة الإجماع لا يعارضه دليل؛ لأن ذلك إن كان ظنيًا نحو القياس وخبر الواحد فظاهر، لأن الظني لا يعارض القطعي . وإن كان قطعيًا فمحال، لأن تعارض دليلين قاطعين محال؛ لأنه يقتضي خطأ أحدهما. نعم لو تعارض ظاهر قول الرسول ﵇ مثلاً، وظاهر قول أهل الإجماع، وعلم أن مراد أحدهما هو ظاهر كلامه، ولم يعلم ذلك من الآخر فإن أمكن تخصيصه به فعل وعمل بهما، وإلا قدم ما علم مراده، لاحتمال أن يكون المراد من الآخر غير ظاهره، ويجب المصير إليه دفعًا للتعارض. وأما إذا لم يعلم المراد من كل واحد منهما. فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر خصص به جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان، وقول أهل الإجماع لا يزيد على قول الشارع حتى لا يقلب التخصيص. وإن لم يمكن ذلك تعارضًا، لأنا نقطع أن المراد من أحدهما غير ظاهره، لكنا لا نعلم أنهما كذلك فلا جرم يتساقطان.

стр. 2461

المسألة الخامسة الإجماع حجة في كل شيء لا تتوقف صحته عليه ، سواء كان من الأمور الدينية الأصلية العقلية، أعني بها: ما يستقل العقل بمعرفته كنفي الشريك، وكونه في غير جهة، وحدوث العالم؛ لأنه يمكن إثبات العلم بالصانع بحدوث الأعراض فهو غير متوقف على/ (٤٨/ أ) حدوث العالم. أو السمعية أعني بها: ما لا يثبت إلا بالسمع، كرؤية الباري، على رأي من لا يرى دليل العقل عليه، وجميع الصفات السمعية، أو الفرعية كوجوب الصلاة، وواجباتها. ومن الأمور الدنيوية كالآراء في الحروب، وترتيب أمور الرعية، وتدبير الجيوش، وفيه خلاف جماعة من الأصوليين. واختلف فيه قول القاضي عبد الجبار: فتارة يختار حجيته، بناء على إطلاق أدلة الإجماع وهو متمسك الجماهير. وتارة يختار عدم حجيته، بناء على أن ذلك يختلف باختلاف المصالح المختلفة بحسب الأزمان، فلو قيل بحجيته فربما تختلف تلك المصلحة في بعض الأزمنة، وتصير المصلحة في غيره، فيلزم ترك المصلحة، وإثبات ما لا مصلحة فيه وهو محذور.

стр. 2462

ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي وبين ما يكون قبله، فقال بحجية الأول دون الثاني. فأما ما تتوقف صحة الإجماع على صحته كصحة النبوة، وما يتوقف صحتها عليه كوجود الصانع، وكونه غير موجب بالذات، وكونه عالمًا بكل المعلومات، فلا يمكن إثباته به لأنه يلزم الدور وهو ممتنع. فإن قلت: ما ذكرتم من أنه يمكن إثبات نفي الشريك بالإجماع [بناء على أن صحة النبوة لا تتوقف عليه فلا تتوقف صحة الإجماع] عليه ممنوع؛ وهذا لأن القائلين بالشريك منهم من يثبت إلاهًا هاديًا خيرًا، وإلاهًا مضلاً شريرًا، وحينئذ يحتمل أن يكون الإله المضل خلق المعجزة على يد المتنبئ ليضل الناس، فلا تدل المعجزة على صدق مدعي النبوة إلا بعد نفي هذا الاحتمال، فحينئذ تتوقف صحة الإجماع على نفي [هذا] الاحتمال فلا يمكن إثباته به لما ذكرتم. قلت: احتمال خلق المعجزة على يد المتنبي للتضليل بعينه قائم على تقدير أن يكون الإله واحدًا؛ لأنه لا يتطرق إلى أفعاله التحسين والتقبيح فجاز أن يخلق المعجزة على يد المتنبئ للتضليل، فما هو جواب المعترض في هذه الصورة فهو بعينه جوابنا في صورة الشريك، وليس ذاك إلا أن هذا وإن كان جائزًا لكنا نقطع بانتفاء هذا الاحتمال، ونضطر إلى العلم بتصديقه وهو بعينه قائم في صورة الشريك. فلا تتوقف دلالة المعجزة على التصديق على نفي احتمال الشريك المضل فيمكن إثباته بالإجماع، وفيه نظر.

стр. 2463

المسألة السادسة مذهب الجماهير امتناع ارتداد كل الأمة . وقال قوم يجوز ذلك. احتج الجماهير بوجهين: أحدهما: أن الله تعالى أوجب على المكلفين اتباع سبيل المؤمنين مطلقًا، لآية المشاقة، ووجوب اتباع سبيلهم مشروط بوجود سبيلهم، لامتناع الأمر باتباع المعدوم، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، فوجود سبيلهم واجب بمعنى أنه لا بد من وجوده، وإلا لم يكن الأمر باتباع سبيلهم مطلقًا بل مقيد بحالة وجوده وهو خلاف آية المشاقة، فيمتنع ارتداد كل الأمة في زمن من الأزمان. وثانيهما: التمسك بنحو قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" و"لا تجتع أمتي على الضلالة" و"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". ووجه التمسك به ظاهر؛ فإن هذه الأحاديث ونحوها تقتضي عصمة مجموع الأمة عن الخطأ والضلالة وذلك يقتضي امتناع ارتدادهم.

стр. 2464

واحتج المجوزون: بأن الأمة إذا ارتدت لم يكن سبيلهم إذ ذاك سبيل المؤمنين، ولا إجماعهم على الضلالة إجماع الأمة على الضلالة بخروجهم عن أن يكونوا أمة الرسول ﵇ إذ ذاك لما تقدم من أن أمته في عرف الشرع من آمن به وصدقه، وإذا كان كذلك لم تكن هذه الأحاديث ونحوها متناولة لهم حتى تدل على عصمتهم. وأما بقية أدلة الإجماع فإنما تدل على عصمة المؤمنين ولم يكونوا إذ ذاك مؤمنين، فلا تدل على عصمتهم فتبقى على الجواز الأصلي العقلي، إذ لا نزاع في أن ذلك جائز عليهم عقلاً، وإنما النزاع في جوازه بحسب الشرع فإن من منع فإنما منع لأدلة شرعية، وقد بينا أنه لا دليل على امتناعه شرعًا فوجب أن يبقى على الجواز العقلي. وجوابه: أنهم كانوا قبل الارتداد مؤمنين، وأمة الرسول، فلو اتفقوا على الارتداد لصدق عليهم أن أمة محمد كلهم اتفقوا على الكفر والضلالة وكذا يصدق أن المؤمنين كلهم اتفقوا على الباطل والكفر وأدلة الإجماع تنفيه.

стр. 2465

المسألة السابعة في أنه هل يجوز أن تنقسم الأمة إلى قسمين، وكل واحد منهما مخطئ في مسألة أخرى غير مسألة صاحبه ؟ مثل: اتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب، وفي الصلوات الفائتة غير واجب، واتفاق الشطر الآخر على أن الترتيب في الصلوات الفائتة واجب، وفي الوضوء غير واجب. اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز؛ لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم من أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، وهو منفي عنهم. وذهب الأقلون إلى تجويزه محتجين بأن الخطأ إنما يمتنع على كل الأمة لا على بعضهم، والمخطئ في كل واحد من المسألتين إنما هو بعض الأمة لا كلهم. [وجوابه: أنا لا نسلم أن المخطئ في كل واحد من المسألتين إنما هو بعض الأمة لا كلهم] لكن المخطئ في المسألتين جميعًا إنما هو كل الأمة وليس لأدلة الإجماع إشعار في تقييد نفي الخطأ عنهم بالنسبة إلى مسألة واحدة فقط، بل تقتضي نفيه عنهم مطلقًا سواء كان بالنسبة إلى مسألة واحدة، أو بالنسبة إلى مسألتين فينتفي عنهم مطلقًا عملاً بالأدلة.

стр. 2466

المسألة الثامنة هل يجوز أن تشترك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به ؟ اختلفوا/ (٤٩/ أ) فيه: فذهب بعضهم إلى تجويزه محتجين: بأن عدم العلم بذلك الشيء لم يكن خطأ، إذ الخطأ في الشرعيات عبارة عن عدم مصادفة الحكم، أو عدم مصادفة طريقه. وهذا على رأي من يقول المصيب واحد، وأما على رأي المصوبة فبالثاني فقط، وعلى التقديرين لا يتصور الخطأ فيما نحن فيه، ضرورة أنه لا حكم فيه، فلا يلزم من إجماعهم على عدم العلم به إجماعهم على الخطأ فلا تكون أدلة الإجماع نافية له. وذهب البعض الآخرون إلى عدم تجويزه محتجين: بأنهم لو اجتمعوا عليه لكان عدم العلم به سبيلاً لهم فكان يجب اتباعهم فيه، فيحرم تحصيل العلم به، ضرورة أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، وهو ضعيف، إذ لمانع أن يمنع أن يكون عدم العلم به حينئذ سبيلاً لهم؛ وهذا لأن سبيل القوم ما كان من الأفعال الاختيارية لهم المتداولة فيما بينهم بالاتفاق بدليل أنه المتبادر إلى الفهم، وعدم العلم به ليس سبيلاً لهم على ما ذكرنا من التفسير، ضرورة أنه ليس عدم العلم به من أفعالهم الاختيارية ولو سلم أنه يصدق عليه حينئذ أنه سبيلهم، لكن نقول: أنه غير مراد من الآية كبعض ما هو من سبيلهم على ما تقدم في مسألة أن الإجماع حجة بدليل ما يعلم أن المقصود من وجوب اتباع سبيلهم إنما هو الحث على اتباع سبيلهم والجهل بما لا يحث عليه الشارع فلا يكون ذلك مرادًا من وجوب اتباع سبيلهم.

стр. 2467

فرع هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به. اختلفوا فيه. والحق أن الخلاف فيه مرتب على الخلاف السابق، فمن لم يجوز أن تشترك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به لم يجوز هذا بالطريق الأولى. وأما من جوز ذلك فقد اختلفوا فيه: فمنهم من جوز ذلك أيضًا، ومنهم من لم يجوزه، ومنهم من فصل: فجوز فيما إذا كان عملهم موافقًا لمقتضاه دون ما ليس كذلك وهو الأولى لأنه لا يجوز ذهولهم عما كلفوا به وإلا لزم جواز إجماعهم على الخطأ وهو ممتنع. ووجه كون الخلاف فيه مرتبًا على الخلاف السابق: أن عدم التكليف ها هنا لأمر عارض، وهو عدم علمهم به، فأما في السابقة فبالأصالة.

стр. 2468

المسألة التاسعة جاحد الحكم المجمع عليه من حيث أنه مجمع عليه بإجماع قطعي لا يكفر عند الجماهير خلافًا لبعض الفقهاء . وإنما قيدنا بقولنا "من حيث أنه مجمع عليه" لأن من أنكر وجوب الصلوات الخمس وما يجري مجراها يكفر وهو مجمع عليه، لكن لا لأنه مجمع عليه، بل لأنه معلوم بالضرورة أنه من دين محمد ﵇ وإنما قيدنا الإجماع بالقطع؛ لأن جاحد حكم الإجماع الظني لا يكفر وفاقًا. احتج الجماهير: بأن إنكار حكم المجمع عليه لا ينافي ماهية الإيمان والإسلام؛ لأن الإيمان عبارة عن تصديق الرسول فيما علم مجيئه به بالضرورة [فيكون الكفر عبارة عن عدم تصديقه فيما علم مجيئه به بالضرورة] وأصل الإجماع ليس مما علم مجيئه به ضرورة وإلا ارتفع الخلاف فيه واستغنى عن الاستدلال عليه، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ليس كذلك.

стр. 2469

ثم الذي يؤكد أن العلم يكون الإجماع حجة ليس معتبرًا في ماهية الإسلام: أن الرسول ﵇ كان يحكم بصحة إسلام المتلفظ بكلمتي الشهادة من غير أن يعرف منه بأن يعرف أن الإجماع حجة أو يعرفه ذلك صريحًا إما في الحال، أو في المآل كغيره من الأمور المعتبرة في صحة الإيمان، بل لم يذكر هذه المسألة صريحًا طول عمره لأحد منهم وإلا لنقل ذلك آحادًا، أو تواترًا، ولو كان ذلك معتبرًا في الإيمان لما حكم بصحة ما لم يعرف منه ذلك أنه يعرف ذلك. وإذا لم يعلم مجيء الرسول ﵇ بأصل الإجماع بالضرورة لم يكفر منكره، وإذا لم يكفر منكر أصل الإجماع فمنكر تفاريعه أولى أن لا يكفر، وهذا آخر الكلام في الإجماع.

стр. 2470

نهاية الوصول في دراية الأصول المجلد السابع

стр. 2471

النوع الثالث عشر الكلام في الأخبار وهو مرتب على مقدمة وفصول: أما المقدمة ففيها مسائل:

стр. 2472

المسألة الأولى في حقيقة الخبر وحده الخبر حقيقة في القول المخصوص فقط عند نفاة الكلام النفساني. وحقيقة فيهما بالاشتراك اللفظي عند الأكثرين من مثبتيه. وحقيقة في الثاني فقط مجاز في الأول عند بعضهم كإمام الحرمين. والكلام فيه نفيًا وإثباتًا على نهج ما تقدم من الكلام في الكلام فليقاس عليه. واتفق الكل على أن إطلاقه على ما ينبئ عن شيء من الإشارات الآلية والقرائن الحالية، والدلائل المعنوية، كما في قول الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب

стр. 2473

وكما في قول الآخر: تخبرني العينان ما القلب كاتم. وكما في قولهم: "الغراب يخبر بكذا" مجاز، لأنه لا يفهم عند الإطلاق، بل إنما يفهم عند تقييد الاستعمال بها والقرائن، وهو دليل التجوز. وأما حده: فاختلفوا فيه: فزعم الإمام أنه غنى عن التحديد لضرورته. واستدل على ضرورته بوجهين: أحدهما: أم كل أحد يعلم - بالضرورة - معنى قول القائل: أنا موجود، أنا لست بمعدوم، وأن الشيء الواحد لا يكون موجودًا ومعدومًا، ومطلق الخبر جزءٌ من الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء، فلو كان تصور ما هية مطلق الخبر موقوفًا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك، فكان يجب أن لا يكون فهم هذه الأخبار ضروريًا، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ضروري. وثانيهما:/ (٥٠/ أ): أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر ويميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر، ولولا أن هذه الحقائق متصوة تصورًا ضروريًا، وإلا لم يكن الأمر كذلك. ثم سأل نفسه وقال: "الخبر نوع من أنواع الألفاظ، وأنواع الألفاظ كيف

стр. 2474

تكون ضرورية؟ لأنها تختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص، والضروري لا يكون كذلك". أجاب عنه: بأنه إن عنى بالخبر: الحكم الذهني فلا استبعاد في ادعاء بداهته، [وهو ظاهر] فإن ذلك لا يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة والأشخاص. وإن عنى به: اللفظ الدال على هذا المعنى فالإشكال زائل أيضًا، لأن هذا المعنى لما كان بدهىّ التصور كان مطلق اللفظ الدال عليه أيضًا بدهىّ التصور. والدليلان ضعيفان، والسؤال قوي، والجواب ضغيف، أما الأول، فلأنا لا نسلم بداهته من حيث خصوص الخبرية، بل من حيث الحصول والانتفاء لا غير، ولا يلزم منه تصوره، فإنه لا يلزم من حصول أمر تصوره. سلمناه لكن من حيث عموم يشبه الحصول والانتفاء، لا من حيث خصوص الخبرية وهو غيره، بدليل أنه يمكننا تعقله مع الذهول عن خصوص ماهية الخبرية. ثم الذي يؤكد هذا: أن العقلاء اختلفوا في أن الوجود هل هو عين الماهية أم لا؟ فلو كان تعقل تلك القضية بديهيًا من حيث لوجب أن يعلم بالبديهة كونه غير الماهية، ضرورة أن تعقل الخبرية يتوقف على تعقل المخبر عنه، والمخبر به، والنسبة بينهما. سلمنا ذلك لكن لا يلزم من بداهته من حيث خصوصية خبريته بداهة مطلق الخبرية، لأن أجزاء البديهية لا يجب أن تكون بدهية، لاحتمال أن تكون بداهة تلك بعد تعقل ذلك الجزء ولو بالكسب، وهو غير قادح في بداهتها كما تقدم في التصور.

стр. 2475

وبهذا عرف ضعف الوجه الثاني؛ فإن ذلك التمييز الضروري إنما هو بعد معرفتهما لا مطلقًا، فلا يدل ذلك على أن معرفته بديهية، وإلا لزم أن تكون معرفة الأمر أيضًا بديهية، وهو خلاف الإجماع، فإن الإمام ﵀ ساعدنا على أن الأمر يحد ولهذا حده هو أيضًا. وأما قوة السؤال فلا يخفى. وأما ضعف الجواب: فهو أنه إنما يستقيم أن لو علم بالبديهية أن لكل معنى، أو لكل معنى تمس الحاجة إلى التعبير عنه لفظ موضوع له دال عليه، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإن القسم الثاني لو صح أن يكون له لفظ دال عليه لا محالة فإنما يعلم صحته بالنظر لا بالبديهة. ومنهم من زعم أنه وأن لم يكن ضروريًا لكنه لا يحد لعسره. والأكثرون على أنه يحد، وهؤلاء اختلفوا في حده، وذكروا في حده عبارات: الأولى: وهي التي ذكرها أكثر المعتزلة نحو الجبائيين، والقاضي عبد الجبار وأستاذه: الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. وقريب منه ما قيل فيه أيضًا هو: ما يدخله التصديق والتكذيب. وأورد عليه من وجوه:

стр. 2476

أحدها: وهو المنقدح جدا وهو: أن الصدق والكذب نوعا الخبر؛ لأن مطلق الخبر ينقسم إليهما فقط كما هو رأي الأكثرية، أو إليهما وإلى غيرهما كما هو رأي الجاحظ. وعلى التقديرين فهما نوعا الخبر فلا يمكن معرفتهما إلا بعد معرفة مطلق الخبر، ضرورة أنه لا يمكن معرفة النوع إلا بعد معرفة الجنس فلو عرف مطلق الخبر بهما لزم الدور. وهو بعينه وارد على العبارة الثانية أيضا، ويختص بزائد؛ لأن التصديق والتكذيب عبارة: عن الإخبار عن كون الخبر صدقا وكذبا، فقولنا: الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب جار مجرى قولنا: الخبر هو الذي يجوز الإخبار عنه بأنه صدق أو كذب فيكون ذلك تعريفا للخبر بالإخبار الذي لا يعرف إلا بعد موافقة الخبر وبالصدق والكذب. وثانيهما: أنه مشعر بحصول الصدق والكذب معا في خبر واحد وهو محال. وأجيب عنه: أن المراد من الواو: أو وهو التردد بين الأمرين، فاعترض عليه بأنه للإبهام، والحد للإيضاح، والجمع بينهما متناقض. وبأن خبر الله وخبر رسوله غير متردد بينهما بل هو متعين للصدق. فأجيب عن الأول: بأن المراد منه: أن ما يدخله أحدهما فهو خير جزما، وهذا لا تردد فيه، وإنما التردد في إتصافه بأحدهما عينا، وهو غير مأخوذ في الحد، وإنما المأخوذ هو الاعتبار الأول، لا غير فلا منافاة بينهما.

стр. 2477

وأجيب عن الثاني: أن عدم التردد وتعين الصدق لأمر خارج عن الخبرية ومتقضى وضعه، وإلا فهو من حيث الخبرية متردد بينهما؛ ولهذا فإن من لا يعرف ذلك الدليل الخارجي جوز تردده بينهما. وثالثها: أن من قال: محمد ومسيلمة صادقان في ادعاء النبوة، فهذا خبر مع أنه ليس بصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، وليس بكذب وإلا لكان محمد ﵇ كاذبا. ومثله قول من كذب في جميع أخباره: كل أخباري كذب، فإن هذا ليس بصدق، وإلا لكان هذا الخبر كذبا، ضرورة أنه من جملة أخباره، وحينئذ يلزم اجتماع الصدق والكذب في خبر واحد وهو محال وليس بكذب وإلا كان جميع أخباره وهذا الخبر كذبا، أما الأول للفرض، وأما الثاني فللتقدير وحينئذ يلزم أن يكون صادقا في هذا الخبر، لأن جميع أخباره حينئذ تكون كذبا. وأجيب عن الأول: بأنه خبران في المعنى أحدهما صدق، والآخر كذب، وهو اختيار أبي هاشم. وقال الجبائي: إنا وإن سلمنا أنه خبر واحد لكنه كذب، لأنه مثبت للصدق لهما / (٥١/أ) وهو كذب وهو منقدح جدا.

стр. 2478

وعن الثاني: أنا لا نسلم أنه ليس بصدق بل هو صدق، وأما قوله: فيلزم أنه كذب، لأنه من جملة أخباره ممنوع، وهذا إنما يلزم ذلك أن لو كان هذا الخبر من جملة المخبر عنه بهذا الخبر وهو ممنوع، وهذا لأنه حينئذ يلزم اتحاد الخبر والمخبر عنه وهو محال، بل المخبر عنه بهذا الخبر كل ما عدا هذا الخبر من أخباره وهو كذب فيصدق هذا. سلمنا لزوم اجتماع الصدق والكذب فيه لكن لا نسلم امتناعه، وهذا لأن اتصافه بالصدق والكذب حينئذ باعتبارين مختلفين، لأن صدقه من حيث إنه خبر، وكذبه من حيث إنه مخبر عنه ولا امتناع في عود الصدق والكذب إلى خبر واحد باعتبارين مختلفين. سلمنا امتناع كونه صدقا فلم لا يجوز أن يكون كذبا؟. قوله: يلزم أن يكون صدقا أيضا حينئذ. قلنا: نعم لكن باعتبارين مختلفين كما سبق. العبارة الثانية، وهي ما ذكره بعضهم فرارا من بعض ما يرد على الأولى: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب. وقريب منه ما يقال: ما دخله التصديق أو التكذيب. ولا يخفى عليك ما يرد عليه ويندفع عنه مما سبق من الإشكالات. العبارة الثالثة: وهي ما ذكره أبو الحسين البصري: "أنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور، إلى أمر من الأمور نفياً أو إثباتا".

стр. 2479

واحترز بقوله: "بنفسه" عن الأمر، فإنه وإن أفاد وجوب الفعل لكن لا بنفسه، بل بواسطة استدعاء الأمر الفعل، لأن ماهية الأمر: استدعاء الفعل لا غير والصيغة لا تدل إلا على هذا القدر. ثم إنها تفيد وجوب الفعل بواسطة ذلك الاستدعاء تحصيلا لمقصود الحكم كما سبق تقريره في بعض مسالك أن الأمر للوجوب، وكذا القول في دلالة النهي على قبح المنهي عنه. ويمكن أن يقال: إنه احترز بقوله "بنفسه" عن مثل قائم؛ فإنه وإن أفاد نسبة أمر إلى أمر لكن لا بنفسه بل بواسطة الموضوع له، ولا يدفع هذا بأنه خرج بقوله "كلام" ضرورة أنه ليس بكلام فلا حاجة إلى قيد آخر يخرجه، لأن مثل هذه الكلمة عنده كلام فلا يخرج به. واعترض عليه بوجوه: أحدها: بالنسبة التقييدية نحو قولك: "الحيوان الناطق" حين لم يجعل الناطق خبرا، فإنه يفيد نسبة أمر إلى أمر مع أنه ليس بخبر، وإن أريد به أنه بحث يحسن معه السكوت، فهو إضمار في الحد وهو غير جائز، وإن صرح به كان الحد صحيحا، والإشكال مندفع. وثانيها: أنه غير جامع، لأن قولك "السواد. موجود" خبر مع أنه ليس فيه نسبة أمر إلى أمر آخى، إذ الوجود عند أبي الحسين عين الماهية. لا يقال: إنه لم يقل "نسبة أمر إلى أمر آخر" حتى يرد ذلك بل قال "نسبة أمر إلى أمر"، وأنه أعم مما ذكرتم، لانقسامه إليه، والى نسبة أمر إلى أمر وهو نفسه، لأن نسبة الشيء إلى نفسه غير معقولة فهي تدل على المغايرة لا محالة، وهذا الإشكال مختص بأبي الحسين غير داخل على من لم يقل إن الوجود عين الماهية.

стр. 2480

ويمكن أن يجاب عنه على رأيه: بأن النسبة وإن دلت على المغايرة، لكنها حاصلة هنا، فإن التغاير اللفظي حاصل فيما أورده من الإشكال، ومطلق التغاير أعم من التغاير في اللفظ أو في المعنى. وثالثها: أن قوله: "نفيا أو إثباتا" يقتضي الدور، لأن النفي هو الإخبار عن عدم الشيء، والإثبات هو الإخبار عن وجوده، فتتوقف معرفتها على معرفة الإخبار المتوقف على معرفة الخبر فتعريف الخبر بهما دور. ويمكن أن يجاب عنه: بأن قوله: "نفيا أو إثباتا"، يقتضي تحقق إضافة أمر إلى أمر أو نفيها لا الإخبار عن ثبوتها، أو نفيها، وحينئذ يندفع الدور المذكور، فإن ذلك إنما يلزم أن توقف معرفة النفي أو الإثبات على معرفة الإخبار، وأما إذا لم تتوقف عليه، وفرق بين معرفة الإخبار عن عدم الشيء، وبين معرفة عدم الشيء والدور إنما يلزم أن لو توقف معرفة النفي مثلا على الأول فأما إذا توقف على الثاني فقط فلا. والأولى في ذلك أن يقال: الخبر هو الكلام الذي يفيد نسبة معلوم إلى معلوم آخر محكوم عليه نفيا أو إثباتا مع قصد المتكلم الدلالة عليها. والمراد من الكلام: ما هو المعنى منه عند النحاة دون الأصوليين. وإنما قلنا: "نسبة معلوم إلى معلوم"، ليتناول النسب التي بين الموجودات والمعدومات. وإنما وصفنا المعلوم الثاني بآخر، تحقيقا لمعنى النسبة، فإن النسبة لا تعقل إلا بين اثنين. وإنما قلنا: "محكوم عليه" احترازا عن مثل قم، فإنه وإن أفاد نسبة معلوم إلى معلوم آخر لكنه لم يفد تحققها بالنسبة إلى محكوم آخر.

стр. 2481

وإنما قلنا: مع قصد المتكلم الدلالة عليها، ليخرج عنه صيغة الخبر الصادرة عن النائم، والساهي، والحاكي، والخبر الوارد بمعنى الأمر نحو قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ فإن كل ذلك لا يسمى خبرا حقيقة لعدم قصد الدلالة على النسبة المذكورة. المسألة الثانية قيل: لا بد في الخبر من الإرادة، فإن أريد به إرادة إصدار الصيغة للإخبار بمدلولها فهي ما قلناه واعتبرناه في الحد. وإن أريد به غيرها نحو إرادة المخبر عنه فهو باطل قطعا، أما في الماضي والحال فظاهر؛ لأن الإرادة لا تتعلق بما وقع، وأما في المستقبل فما عرفت في الأمر وهو هنا أظهر؛ إذ لا طلب حتى يتوهم تطابقه أو استلزامه للإرادة بخلاف الأمر. وأما أن الخبرية صفة معللة بالإرادة أم لا؟ فهي على خلاف السابق في الأمر. وأما أن مدلوله النسبة الخارجية، أو النسبة الذهنية فما / (٥٢/أ) تقدم في اللغات. وعلى تقدير أن يكون مدلوله هو النسبة الذهنية فمن الظاهر أنه ليس نفس الاعتقاد، ولا ما هو مستلزما له، لأن الإنسان قد يخبر عما لا يعتقد فيه أصلا.

стр. 2482

المسألة الثالثة ذهب الجماهير إلى أن الخبر لا يخلو عن كونه صدقا، أو كذبا ؛ لأنه إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، أو لا، الأول صدق، والثاني كذب والعلم باستحالة حصول الواسطة بين الصدق والكذب بهذا التفسير ضروري. وقال الجاحظ: قد يخلو عنهما. والحق أن الخلاف في المسألة لفظي؛ لأنه إن عنى بالخبر الصدق، ما كان مطابقا للمخبر عنه - كيف ما كان - وبالكذب، ما لا يكون مطابقا - كيف ما كان - فالعلم باستحالة حصول الواسطة بينهما ضروري. وإن عنى بهما: ما يكون مطابق وغير مطابق لكن مع العلم بها، فإمكان حصول الواسطة بينهما معلوم أيضا بالضروري وهو ما لا يكون معلوما مطابقته وعدم مطابقته، فثبت أن الخلاف لفظي فعلى هذا الاحتجاج في المسألة بالحجج اللفظية:

стр. 2483

احتج الجماهير: بأن الأمة مجمعة على تكذيب اليهود والنصارى وسائر الملل الباطلة، فما يخبرونه عن مذاهبهم الباطلة، مع قطعهم بأن فيهم من لا يعلم بطلانه بل هم الأكثر، فلو كان الكذب هو الخبر الغير المطابق مع العلم بأنه غير مطابق لما كان ذلك الإجماع صحيحا. فإن قلت: لا نسلم انعقاد الإجماع على تكذيبهم على وجه الحقيقة بل على وجه التجوز. ووجه التجوز هو: أنه لما كانت أدلة الإسلام وما يتبعه من الحق قوية جلية في غاية الجلاء كان حالهم في الإخبار عن ضد مدلولاتها شبيها بحال من أخبر عن الشيء مع العلم بفساده. قلت: ما ذكرتم وإن كان محتملا لكن الأصل في الإطلاق الحقيقة سواء كان الإطلاق من أهل الإجماع أو من غيره، فلما أجمعوا على تكذيبهم مع عدم علمهم به دل ظاهرا على أن الكذب هو الخبر الغير المطابق سواء كان مع العلم به أولا مع العلم به. واحتج الجاحظ بالنص والمعقول: أما النص فآيتان - أحدهما: قوله تعالى: حكاية عن الكفار: ﴿أفترى على الله "كذبا" أم به جنة﴾. ووجه الاستدلال به: [هو أنهم] جعلوا إخباره عن نبوته إما كذبا، وإما جنونا، وإخباره عن نبوته حالة الجنون ليس كذبا؛ لأنه جعل قسيما للكذب، فقسيم الكذب لا يكون كذبا، وليس هو صدقا أيضا، لأنهم لم يعتقدوا مطابقته على التقديرين، فإخباره عن نبوته ﵇ حالة

стр. 2484

الجنون ليس بكذب ولا صدق وهو المطلوب. وجوابه: أن ما جعل في مقابلة الكذب يقتضي أن لا يكون كذبا، وذلك قد يكون بانتفاء أصل الخبرية مع بقاء صورة الخبرية، وقد يكون بانتفاء الكذبية مع بقاء أصل الخبرية، لأن المجموع المركب من أمرين ينتفي بانتفاء كل واحد من أجزائه، وبانتفاء أحد أجزائه، واستدلالكم إنما يتم أن لو كان الإخبار حالة الجنون ليس بكذب مع بقاء أصل الخبرية، فأما إذا لم يكن كذبا لانتفاء أصل الخبرية فلا، فلم قلتم: أن الأمر هنا ليس كذلك؟ فإن عندنا يعتبر ذلك في التحديد، ومعلوم أن الإخبار حالة الجنون لا يوجد فيه القصد المعتبر فلا يكون كذبا، لانتفاء أصل الخبرية، فلا يكون في الآية دلالة على أن الخبر قد ينفك عن كونه صدقا وكذبا، فإن ذلك مشروط ببقاء أصل الخبرية وهو فيما ذكروه ممنوع. وثانيهما: قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾. ووجه الاستدلال به هو: أنه تعالى كذبهم من أن خبرهم كان مطابقا للمخبر عنه فلو كان الخبر الصدق عبارة عن الخبر المطابق للمخبر عنه كيف كان لما حسن تكذيبهم، ضرورة أنهم صادقون فيه، أما إذا جعل الصدق عبارة عن الخبر المطابق مع اعتقاد أنه مطابق حسن تكذيبهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون مطابقة بل كانوا يعتقدون عدم مطابقته.

стр. 2485

وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يحسن تكذيبهم حينئذ، ولا سلم أنهم صادقون فيه، وهذا لأن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، أو مع العلم به، أو مع الظن به إن كان المشهود به مما يدخله الظن ويعتبر هو فيه، ولما لم يكن العلم بكونه رسولا حاصلا لهم لا جرم كذبهم الله تعالى فيما أخبروا عن أنفسهم بقوله: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ فهو إذن خبر غير مطابق للمخبر عنه إذ المخبر عنه لهذا الخبر ليس هو نفس كونه رسولا حتى يلزم صدقه لكونه مطابقا، بل حصول العلم بكونه رسولا، ولما لم يكن هذا حاصلا لهم لا جرم كذبهم الله تعالى. سلمنا عدم حسن تكذيبهم حينئذ، لكن لا نسلم أنه يحسن تكذيبهم على رأيكم أيضا بل الإشكال وارد على المذهبين؛ وهذا لأنكم إن جعلتم الخبر الصدق بارة عن الخبر المطابق للمخبر عنه مع اعتقاد أنه كذلك، لكن ما جعلتم الكذب عبارة عما لا يكون كذلك حتى لا يلزم من انتفاء ذلك المجموع الكذب، بل جعلتم الكذب عبارة عن الخبر الغير المطابق مع اعتقاد أنه غير مطابق، وهو غير حاصل فيما نحن فيه؛ ضرورة أنه مطابق إذ لا يشترط في الشهادة على هذا التقدير ما ذكرناه وإلا لحسن تكذيبهم / (٥٣/أ)، وحينئذ يلزم أن لا يحسن تكذيبهم أيضا فما هو جوابكم عن هذا الطرف فهو جوابنا عن طرف الصدق. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من أخبر عن الشيء بناء على غلبة ظنه به، ثم تبين خلافه لم يقل أحد أنه كذب في ذلك الخبر ولذلك لا يأثم به، ولا يستحق الذم على ذلك. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لم يقل أحد أنه كذب، بل يقال: إنه كذب لكنه

стр. 2486

يعذر في كذبه، وعدم التأثيم. وعدم استحقاق الذم على ذلك لا يدل على عدم كذبه، لأن الإثم والذم ليسا على مجرد الكذب بل على الكذب بشرط القصد، ولما لم يحصل الكذب في تلك الصورة لا جرم لم يستحق الإثم والذم. ومنه يعرف الجواب أيضا عما يقال: إن من أخبر بأن زيدا في الدار مع اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولذلك لا يستحق المدح والثواب على ذلك، فإنما نمنع الأول، ونسلم الثاني لكن لما سبق لا لأنه ليس بصدق. وثانيها: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة، فلو كان الكذب عبارة عن الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه لزم تطرق الكذب إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله وهو ممتنع وفاقا. وجوابه: أنه إنما يلزم ما ذكرتم لو أريد منه مدلولاته الحقيقية فأما إذا لم يرد منه تلك المدلولات بل أريد منه المدلولات المجازية لم يلزم ذلك؛ ضرورة أنه مطابق بهذا المعنى، وإرادة المعنى المجازي من اللفظ ليس بكذب. وثالثها: أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل فكما أن بين العلم والجهل واسطة وهو اعتقاد المقلد وجب أن يكون بين الصدق والكذب واسطة وهو ما ليس عن اعتقاد. وجوابه: أنا لا نسلم أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل، وسنده ظاهر لا يخفى عليك.

стр. 2487

سلمناه، لكن لا نزاع في أن الخبر الصادر لا عن اعتقاد مطابقا كان أو غير مطابق، واسطة بين الخير الصادر عن اعتقاد أنه مطابق للمخبر عنه مع أنه كذلك [وبين الخبر الصادر عن اعتقاد أنه غير مطابق المخبر عنه مع أنه كذلك]، كما أن الاعتقاد الجازم المطابق لا لموجب واسطة بين الاعتقاد المطابق الجازم لموجب، وبين الاعتقاد الجازم الغير المطابق فلا حاجة إلى إثباته بالقياس على ما ذكرتم لو أمكن إثباته به، وإنما النزاع في أن الصدق والكذب في الخبر هل هما بهذين المعنيين حتى يلزم حصول الواسطة بينهما، أو هما لمجرد المطابقة واللا مطابقة مع عدم اعتبار الاعتقاد حتى يلزم أن لا يكون بينهما واسطة؟ ومعلوم أن ذلك لا يمكن إثباته بالقياس على ما ذكرتم، فإن حاصله يرجع إلى أنه لما وضع العلم والجهل لمعنيين بحيث حصل الواسطة بينهما وجب أن يكون الأمر في الصدق والكذب كذلك. خاتمة: اعلم أن الخبر ينقسم إلى ما يقطع بصدقه، وإلى ما يقطع بكذبه، وإلى ما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه - فلا جرم رتبنا الكلام في هذا النوع على ثلاثة فصول.

стр. 2488

الفصل الأول "في الخبر الذي يقطع بصدقه " وهو ينقسم إلى ما سبيله التواتر، أو غيره فلا جرم رتبنا هذا الفصل على قسمين:

стр. 2489

القسم الأول في التواتر وفيه مسائل: المسألة الأولى في معنى التواتر لغة واصطلاحا: أما - لغة - فهو عبارة عن تعاقب أشياء واحدا بعد واحد بفترة بينهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ أي: رسولا بعد رسول بفترة بينهما. وأما - اصطلاحا - فهو عبارة عن تعاقب الخبر من جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب. وليس ذكر التعاقب لكونه شرطا في الخبر المتواتر؛ فإن الذي يصل دفعة واحدة من جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب أيضا متواتر، وإنما هو بناء على الغالب، فإن الغالب إنما هو تواتره على التوالي والتعاقب. وأما اصطلاحا: فهو عبارة عن خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.

стр. 2490

المسألة الثانية الأكثرون على أن الخبر المتواتر بفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية والبراهمة . ومنهم من فصل بين التواتر الذي يكون عن الأمور الموجودة حال تواترها كالإخبار عن البلدان النائية والحوادث الموجودة في زماننا، وبين التواتر عن الأمور الماضية المنقضية كالإخبار عن القرون السالفة فقال بإفادة النوع الأول، دون الثاني. لنا: أنا نجد أنفسنا جازمة مطمئنة بوجود البلاد النائية، والأشخاص الماضية من السلوك والعلماء والحكماء كوجود بختنصر، ووجود الشافعي.
следующие страницы →