← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

يعذر في كذبه، وعدم التأثيم. وعدم استحقاق الذم على ذلك لا يدل على عدم كذبه، لأن الإثم والذم ليسا على مجرد الكذب بل على الكذب بشرط القصد، ولما لم يحصل الكذب في تلك الصورة لا جرم لم يستحق الإثم والذم. ومنه يعرف الجواب أيضا عما يقال: إن من أخبر بأن زيدا في الدار مع اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولذلك لا يستحق المدح والثواب على ذلك، فإنما نمنع الأول، ونسلم الثاني لكن لما سبق لا لأنه ليس بصدق. وثانيها: أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة، فلو كان الكذب عبارة عن الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه لزم تطرق الكذب إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله وهو ممتنع وفاقا. وجوابه: أنه إنما يلزم ما ذكرتم لو أريد منه مدلولاته الحقيقية فأما إذا لم يرد منه تلك المدلولات بل أريد منه المدلولات المجازية لم يلزم ذلك؛ ضرورة أنه مطابق بهذا المعنى، وإرادة المعنى المجازي من اللفظ ليس بكذب. وثالثها: أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل فكما أن بين العلم والجهل واسطة وهو اعتقاد المقلد وجب أن يكون بين الصدق والكذب واسطة وهو ما ليس عن اعتقاد. وجوابه: أنا لا نسلم أن الصدق جار مجرى العلم، والكذب جار مجرى الجهل، وسنده ظاهر لا يخفى عليك.

стр. 2487

سلمناه، لكن لا نزاع في أن الخبر الصادر لا عن اعتقاد مطابقا كان أو غير مطابق، واسطة بين الخير الصادر عن اعتقاد أنه مطابق للمخبر عنه مع أنه كذلك [وبين الخبر الصادر عن اعتقاد أنه غير مطابق المخبر عنه مع أنه كذلك]، كما أن الاعتقاد الجازم المطابق لا لموجب واسطة بين الاعتقاد المطابق الجازم لموجب، وبين الاعتقاد الجازم الغير المطابق فلا حاجة إلى إثباته بالقياس على ما ذكرتم لو أمكن إثباته به، وإنما النزاع في أن الصدق والكذب في الخبر هل هما بهذين المعنيين حتى يلزم حصول الواسطة بينهما، أو هما لمجرد المطابقة واللا مطابقة مع عدم اعتبار الاعتقاد حتى يلزم أن لا يكون بينهما واسطة؟ ومعلوم أن ذلك لا يمكن إثباته بالقياس على ما ذكرتم، فإن حاصله يرجع إلى أنه لما وضع العلم والجهل لمعنيين بحيث حصل الواسطة بينهما وجب أن يكون الأمر في الصدق والكذب كذلك. خاتمة: اعلم أن الخبر ينقسم إلى ما يقطع بصدقه، وإلى ما يقطع بكذبه، وإلى ما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه - فلا جرم رتبنا الكلام في هذا النوع على ثلاثة فصول.

стр. 2488

الفصل الأول "في الخبر الذي يقطع بصدقه " وهو ينقسم إلى ما سبيله التواتر، أو غيره فلا جرم رتبنا هذا الفصل على قسمين:

стр. 2489

القسم الأول في التواتر وفيه مسائل: المسألة الأولى في معنى التواتر لغة واصطلاحا: أما - لغة - فهو عبارة عن تعاقب أشياء واحدا بعد واحد بفترة بينهما، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ أي: رسولا بعد رسول بفترة بينهما. وأما - اصطلاحا - فهو عبارة عن تعاقب الخبر من جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب. وليس ذكر التعاقب لكونه شرطا في الخبر المتواتر؛ فإن الذي يصل دفعة واحدة من جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب أيضا متواتر، وإنما هو بناء على الغالب، فإن الغالب إنما هو تواتره على التوالي والتعاقب. وأما اصطلاحا: فهو عبارة عن خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.

стр. 2490

المسألة الثانية الأكثرون على أن الخبر المتواتر بفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية والبراهمة . ومنهم من فصل بين التواتر الذي يكون عن الأمور الموجودة حال تواترها كالإخبار عن البلدان النائية والحوادث الموجودة في زماننا، وبين التواتر عن الأمور الماضية المنقضية كالإخبار عن القرون السالفة فقال بإفادة النوع الأول، دون الثاني. لنا: أنا نجد أنفسنا جازمة مطمئنة بوجود البلاد النائية، والأشخاص الماضية من السلوك والعلماء والحكماء كوجود بختنصر، ووجود الشافعي.

стр. 2491

وأبي حنيفة - رحمهما الله - ووجود بقراط، وسقراط جزما خاليا عن التردد والتشكك، كجزمنا بالمشاهدات، فيكون المنكر له كالمنكر للمشاهدات، فلا تباحث ولا تناظر إلا ما يناظر به منكر المشاهد من الحرق بالنار وما يجري مجراه. فإن قلت: تدعون جزم الأنفس وطمأنينتها بالمتوترات بالنسبة إلى من يعتقد أن التواتر يفيد العلم اليقيني، أو بالنسبة إلى الكل سواء اعتقد ذلك أو لم يعتقد؟ والأول مسلم، لكنه لا يفيد؛ لأن وجد أن الخصم من نفسه حكم ما يعتقد سببيته له لا يكون حجة على خصمه / (٥٤/أ)، ولأنه معارض بمثله أبدا. والثاني ممنوع؛ وهذا فإنا لا نجد من أنفسنا وعند هذا نقول ليس الاستدلال بوجدان البعض على كونه ضروريا أولى من الاستدلال بعدم وجدان البعض الآخر على عدم كونه ضروريا، بل هذا أولى، لأنه لا يجوز أن يختلف العقلاء في الضروريات بعد الاشتراك في إثباتها.

стр. 2492

سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن الجزم به كالجزم بالمشاهد، وهذا لأن القائلين بأنه يفيد العلم اختلفوا في أنه ضروري، أو نظري: ولو كان الجزم فيه كالجزم في المشاهد لما وقع هذا الاختلاف كما في المشاهد. سلمنا دلالة على ما ذكرتم على ما ذكرتم لكنه معارض بوجوه: أحدها: أنه لو أفاد العلم، فأما أن يفيد العلم الضروري أو النظري، والقسمان باطلان فبطل أن يفيد العلم، أما الملازمة فبينة، إذ لا يخلو العلم عن هذين النوعين، لأنه إن احتاج في حصوله إلى وسط يستلزمه فهو النظري، وإلا فهو الضروري، ومعلوم أنه لا واسطة بين النفي والإثبات. وأما بطلان اللازم فسيعرف من أدلة الفريقين الذين اختلفوا في أن العلم الحاصل عقيب التواتر نظري أو ضروري. [وثانيها: أنا إذا عرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الاثنين] وعرضنا على عقولنا وجود جالينوس وجدنا [الجزم] الأول أقوى وأكمل من الجزم الثاني، وذلك يدل على تطرق احتمال في نقيضه وهو قادح في يقينيته.

стр. 2493

وثالثها: أن جزمنا بالمتواترات ليس أقوى من جزمنا بأن ما نشاهده اليوم من الأولاد والعبيد والزوجات هم الذين شاهدناهم بالأمس، ثم إنه ليس بيقيني، لاحتمال أن يوجد أشخاص مساوية لأولئك في الشكل والصورة من كل الوجوه: إما للقادر المختار على ما هو مذهب المليين، أو للأشكال الفلكية الغريبة على ما هو رأي من ينكر القادر المختار، فثبت أن هذا الجزم ليس بيقيني، وإذا لم يكن هذا الجزم يقينيا فما هو مثله أو أضعف منه يجب أن لا يكون يقينيا أيضا أو ضروري. أولى أن لا يكون يقينيا. ورابعها: أن خبر كل واحد منهم لا يفيد العلم بل يحتمل أن يكون كاذبا فكذا خبر الكل، لأن كل واحد من الزنج لما كان أسوك كان الكل أيضا كذلك. وخامسها: لو جاز أن يخبر جماعة بما يفيد العلم، فلو أخبر جماعة أخرى مثلهم بنقيضه، فإن لم يفد العلم قولهم مع أنهم مثل الأولين لزم الترجيح من غير مرجح، وإن أفاد قولهم العلم كقول الأولين لزم اجتماع النقيضين. وسادسها: أنا نرى جمعا كثيرا متفرقين في شرق البلاد وغربها كاليهود، والنصارى، والمجوس، ينقلون أمروا على وجه التواتر يقطع ببطلانها، فلو كان خبر التواتر مفيدا للعلم لاستحال القطع ببطلانها بل وجب القطع بصحتها. لا يقال: إن ذلك لفقد شرط التواتر فيها نحو استواء الطرفين والواسطة؛ فإن اليهود لم يوجد فيهم استواء الواسطة، والنصارى لم يوجد فيهم استواء الطرفين؛ فإنهم كانوا قليلين في الابتداء وكذا المجوس؛ لأنا نقول: القوم يدعون صحة التواتر فيها، كادعاء غيرهم في أخبارهم المتواترة؛ لأن

стр. 2494

الطريق إلى تصحيح التواتر للفرق ليس إلا أن أهل التواتر في كل زمان يخبرون عن الذين ينقلون منهم الخبر أنهم متصفون بصفات أهل التواتر، وأن كل ما ظهر بعد خفاء، وقوي بعد ضعف فلا بد وأن يشتهر فيما بين الناس حدوثه ووقت حدوثه كسائر المذاهب المحدثة فلو كان ذلك الخبر كذبا موضوعا لاشتهر وضعه، ووقت وضعه ولما لم يظهر شيء من ذلك علمنا صحته، والقوم يدعون صحة تواترهم في تلك الأمور بهذين الطريقتين وتطرق الطعن والكذب إلى أحدهما يوجب تطرقه إلى الآخر. وما يقال: من أن اليهود قد قلوا في زمان بختنصر إلى أن لم يبق منهم عدد التواتر فضعيف؛ لأن فناء الأمم المتفرقة في شرق البلاد وغربها إلى هذا الحد بعيد جدا، ولأن شرع موسى ﵇ كان منقولا بالتواتر إلى زمان عيسى ﵇ ولهذا كان الناس مكلفين به، فلو لم يبق عددهم إلى عدد التواتر لما كان الأمر كذلك، وكذلك ما يقال في النصارى: أنهم كانوا قليلين في ابتداء الأمر لأن الناس أجمعوا على أن الناس كانوا مكلفين بشرع عيسى ﵇ إلى زمان محمد ﵇ فلو لم يكن شرعه منقولا ابتداء لما قام به الحجة فيما لا يقبل فيه غير المفيد لليقين كأصول الديانات، ولما كان الناس مخاطبين بأصوله وفروعه إلى زمان نبينا ﵇ علمنا فساد ما ذكروه. وسابعها: لو حصل العلم عقيب التواتر المستجمع لشرائطه، فإما أن يكون الحصول بصفة الإمكان أو بصفة الوجوب، القسمان باطلان فبطل القول بالحصول وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن يحصل بصفة الإمكان لوجهين:

стр. 2495

أحدهما: أن ترجح حصوله حيث حصل على لا حصوله حينئذ ترجح لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو محال. وثانيهما: أنه حينئذ لا يمكن القطع بأن التواتر يفيد العلم لا محالة بل يجري حصوله عقيبه مجرى الأمور الاتفاقية، وما يكون كذلك امتنع الحكم عليه بكونه مفيدا، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحصل بصفة الوجوب؛ لأن المستلزم له حينئذ إما: قول كل واحد منهم أو قول المجموع، والأول باطل. أما أولا: فبالاتفاق، لأن قول الواحد لا يفيد العلم عند الخصم أيضا من الأفراد المتعاقبة لزم ما تقدم من المحذور وزيادة وهي قيام الصفة الموجودة. وأما ثانيا: فلأنا نعلم بالضرورة أن قول الواحد الغير المعصوم الذي لم تحتف به قرينة لا يفيد العلم. وأما ثالثا: فلأن تلك الإخبارات إن وجدت دفعة واحدة لزم اجتماع المؤثرات الكبيرة على الأثر الواحد / (٥٥/أ) وهو ممتنع، وإن وجدت على التعاقب لزم نقض العلة العقلية وهو محال؛ لأنه إذا حصل العلم بالسابق استحال حصول ذلك العلم بعينه باللاحق لاستحالة إيجاد الموجود، واستحال أيضا وجود مثله به؛ لاستحالة الجمع بين المثلين، وحينئذ يلزم أن يبقى اللاحق خاليا عن الاستلزام وهو المطلوب، والثاني أيضا باطل؛ أما أولا: فلأنه إن اشترط في ذلك حصول تلك الإخبارات دفعة واحدة لزم خلاف الإجماع؛ لأن كل من يقول الخبر المتواتر يفيد العلم لا يفرق بين أن يوجد دفعة واحدة أو على التعاقب بل الغالب فيه التعاقب، فالقول بأنه يفيد العلم ويشترط في إفادته العلم حصوله دفعة واحدة قول لم يقل به أحد، وإن لم يشترط فيه ذلك لزم جواز إسناد الأثر الوجودي إلى المعدوم؛ إذ ليس للمجموع وجود عند حصول الأثر على تقدير حصوله على وجه التعاقب لكن ذلك محال. وأما ثانيا: فلأن المستلزمية نقيض اللا مستلزمية التي هي عدمية فكانت

стр. 2496

ثبوتية فالموصوف بها إن كان المجموع الموجود دفعة واحدة لزم قيام الصفة الواحدة بالأشياء الكثيرة وهو محال، وإن كان الموصوف بها المجموع الحاصل من الأفراد المتعاقبة لزم ما تقدم من المحصول وزيادة وهي قيام الصفة الموجودة بالمعدوم. وأما ثالثا: فلأنه إن لم يحصل عند الاجتماع أمر زائد على حالة الإنفراد وجب أن لا يفيد كما كان في حالة الانفراد وإن حصل فالمقتضى له ليس هو كل واحد من تلك الأفراد وإلا لوجب حصوله حالة الانفراد وحينئذ يلزم حصول العلم بخبر كل واحد منهم وهو ممتنع بل المجموع والكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم إما التسلسل، أو ينتهى إلى أن يكون المستلزم لذلك كل واحد من تلك الأفراد وهما ممتنعان. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المستلزم لذلك الهيئة الاجتماعية وما ذكرتم من الدليل لا يلتفت إليه بالنسبة إليها لو سلم تأتيه بالنسبة إليها لأنها معلومة الحصول [بالضرورة] لكل واحد فلا يلتفت إليه؟ قلت: فالهيئة الاجتماعية المستلزمة له إن كانت هي الهيئة الاجتماعية الخارجية وجب أن لا يحصل العلم بما يحصل من التواتر على التعاقب؛ ضرورة عدم حصولها في الخارج؛ لأن الهيئة الاجتماعية الخارجية تستدعي تحقق الأجزاء بأسرها في الخارج، وإن كانت هي الهيئة الاجتماعية الذهنية فهي أيضا باطلة؛ لأنها أمر عدمي والأمر العدمي لا يسلتزم الأمر الوجودي. وثامنها: أنه لو حصل العلم بخبر التواتر فالمستلزم له ليس آحاد الحروف وهو ظاهر جدا، ولا مجموعها؛ لأنه لا وجود للمجموع في الخارج ومستلزم الأمر الوجودي يجب أن يكون وجوديا، ولا الحرف الأخير بشرط

стр. 2497

أن يكون مسبوقا بعيره من الحروف المعتبرة في الإفادة؛ لأن المسبوقية عدمية فيستحيل أن يكون جزء العلة أو شرطها، ولا هو بشرط وجود سائر الحروف [قبله؛ لأنه لا وجود لسائر الحروف عند وجود الحرف الأخير والشرط] يجب أن يكون مقارنا للمشروط. وتاسعها: أنه لو كان أعلم الضروري حاصلا من الخبر المتواتر لما خالفناكم مع كثرتنا وتفرقنا في الأطراف والنواحي مع إنصافنا حتى لا يتوهم التواطؤ على الإنكار وحتى لا يحمل ذلك على المكابرة والعناد. الجواب: عما ذكرتم من جهة الإجمال والتفصيل: أما من جهة الإجمال فهو أن ما ذكرتم تشكيك في الضروريات فلا يستحق الجواب. أما من جهة الإجمال فهو أن ما ذكرتم تشكيك في الضروريات فلا يستحق الجواب. وأما من جهة التفصيل فالجواب عن الأول: أنا ندعي ذلك بالنسبة إلى كل واحد من العقلاء سواء اعتقد ذلك أو لم يعتقده بدليل أن [من] لم يمارس شيئا من العلوم ولم يعرف قواعدها فإنه إذا سمع الخبر المتواتر اضطر إلى العلم بمدلوله، ولم يجد إلى التشكك فيه سبيلا، ولذلك لم يجد العامي من نفسه شكا بين وجود دمشق إلى شاهدها وبين بغداد التي ما شاهدها ولكن سمع بالتواتر وجودها. وأما أنكم لم تجدوا ذلك من أنفسكم [فلو صح هذا منكم فإنما هو بناء على ما تعتقدون في أنفسكم] من عدم إفادته العلم، وفرق بين عدم اعتقاد

стр. 2498

إفادته العلم، وبين اعتقاد عدم إفادته العلم، ونحن إنما ادعينا ذلك بالنسبة إلى الأولين دون الآخرين. وعن الثاني ما تقدم من أن العاقل الذي لم يعتقد شيئا من الآراء والمذاهب فإنه لا يجد من نفسه تفاوتا بين ما شاهده، وبين ما سمع وجوده بالتواتر كما تقدم تمثيله في العامي، وأما كون ضرورته مختلفا فيها فذلك لا يدل على أن الجزم به ليس كالجزم في المشاهدات؛ لجواز أن يكون أصل الشيء معلوما بالضرورة بحيث يكون الجزم به مساويا لضروريات أخر ولا يكون وصفه كذلك. وكون ذلك العلم ضروريا أو نظريا كيفية من كيفيات ذلك العلم فجاز أن يكون الجزم به دونه. وعن الثالث: إنا نختار أنه يفيد العلم الضروري، وسنجيب عن أدلة القائلين بأنه نظري. وعن الرابع: أنا لو سلمنا أنه أقوى، فإنما كان أقوى، لأنه بديهي والعلوم البديهية لا تقبل احتمالا ما لا بحسب العادة، ولا بحسب العقل، بخلاف العلوم العادية فإنه وإن لم تحتمل احتمالا ما بحسب العادة، لكنها تحتمل بحسب العقل، والعلم الحاصل عقيب التواتر إنما هو بحسب العادة فإن الله تعالى أجرى عادته بخلقه عقيبه وبه خرج الجواب عن / (٥٦/أ). الخامس: فإن احتماله النقيض بحسب العقل لا يقدح في يقينيته العادة فحينئذ يمنع أنه ليس بيقيني فما هو مثله يكون أيضا كذلك. وعن السادس: أن حكم المجموع المركب من الأفراد قد يكون مخالفا لحكم تلك الأفراد والعلم بذلك ضروري بعد الاستقراء.

стр. 2499

وعن السابع: أنه فرض محال، فإنه مهما حصل في شيء يحصل التواتر بشرائطه فيه، وحينئذ يستحيل حصوله في نقيضه عندنا وحينئذ لا يمتنع أن يكون فرضه مستلزما لما ذكروه من المحال فإن المحال جاز أن يستلزم المحال. وعن الثامن: أن ذلك لفقد شرط صحة التواتر، وأما دعواهم صحة التواتر فيها كما فيما ينقلونه عن موسى ﵇ أنه قال: "تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض" فبهت صريح؛ فإن اليهود الذين كانوا في زمن الرسول ﵇ مع شدة حرصهم على الطعن في نبوته لم يذكروا ذلك مع تشبثهم بمطاعن لا أصل لها، ولو كان ذلك منقولا بالتواتر عن موسى ﵇ لكان ذلك من أعظم المطاعن لهم وكيف لا؟ وقد نقل أنه وضع ذلك ابن الراوندي وعلمهم بأن يدعو التواتر فيه، ثم هذا يشكل على الخصم أيضا؛ لأنه وإن نازعنا في أن التواتر يفيد العلم لكنه لا ينازع في أنه يفيد الظن الغالب بل يساعد عليه، وما يدعون التواتر فيه ليس هو مظنون الصحة؛ بل هو مقطوع البطلان، فما هو جوابه بالنسبة إلى الظن فهو جوابنا بالنسبة إلى العلم وليس ذلك إلا أنه لم يوجد شروط صحة

стр. 2500

التواتر فيها. وعن التاسع: أن نقول لم لا يجوز أن يحصل بصفة الإمكان؟ قوله في الوجه الأول: "لزم ترجيح احد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو محال". قلنا: العلم الحاصل عقيب التواتر إنما هو بخلق الله تعالى عندنا فجاز أن يخلقه عقيب تواتر دون تواتر، ولا نسلم امتناع ترجيح أحد الجائزين على الآخر بالنسبة إلى القادر المختار. قوله في الوجه الثاني: أن حصوله عقيبة حينئذ يجري مجرى الأمور الاتفاقية. قلنا: لا نسلم بل يجري مجرى ترتب المسبب على السبب الأثيري. سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون بصفة الوجوب؟ قوله: "والمستلزم له أن كان قول المجموع لزم كذا وكذا". قلنا: إنما يلزم ما ذكرتم من المحذور أن لو كانت الإخبارات مستلزمة للعمل بذواتها، لكن ذلك باطل بل بخلق الله تعالى العلم عقيب تلك الإخبارات، ومعلوم أن على هذا التقدير لا يلزم ما ذكرتم من المحذور وبه خرج الجواب عن العاشر أيضا. وعن الحادي عشر: أن مخالفتكم فيه لو كان يمنع من كونه ضروريا لكانت مخالفة السوفسطائية المنكرين للمحسوسات تمنع أيضا أن يكون العلم

стр. 2501

بالمحسوسات ضروريا ولا جواب لكم [عنه] إلا أن مخالفة الشرذمة القليلة لا يقدح في الضروريات فهو بعينه جوابنا بالنسبة إلى المتواترات. وأما إنصافكم فبتقدير صحته لا يمنع من خطئكم، بل إنما يمنع من العناد والمكابرة ولسنا نحمل خلافكم عليه إن صح ما ادعيتم من إنصافكم. المسألة الثالثة القائلون بأن التواتر يفيد العلم، اختلفوا في أن ذلك العلم ضروري أو نظري [ فذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الفريقين إلى أنه ضروري وهو الحق]. وذهب الكعبي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، والدقاق منا إلى أنه نظري، وهو قول إمام الحرمين، لأنه جعل العلم الحاصل عقيبه من باب العلم المستند إلى القرائن.

стр. 2502

وقال الغزالي ﵀:"إن عنى بالضروري ما يكون حاصلا من غير توسط مقدمتين كقولنا الموجود لا يكون معدوما، والقديم لا يكون محدثا فهو غير ضروري؛ لأنه لا بد في حصوله من مقدمتين. إحداهما: أن هؤلاء المخبرين مع كثرتهم واختلاف أحوالهم، لا يجمعهم على الكذب جامع ولا يتفقون إلا على الصدق. وثانيهما: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة لكن غاية ما في الباب أنه لا يفقتر إلى ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه. وإن عنى به ما يكون حاصلا من غير تشكل الواسطة المفضية إليه وإن كانت الواسطة حاضرة في الذهن فهو ضروري. وذهب المرتضى من الشيعة إلى التوقف. حجة الجماهير من وجوه: أحدها: أنه لو كان العلم الحاصل عقيب التواتر نظريا - لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر: كالصبيان، والبله، والعوام، ولما حصل لهم ذلك علمنا أنه ليس بنظري. واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه حاصل لمن ليس له أهلية النظر؛ وهذا لأن النظر في ذلك ليس إلا ترتيب العلوم بأحوال المخبرين وهو سهل حاصل للعوام والصبيان المميزين الذين يحصل لهم العلم بالمتوترات؛ ولذلك فإنهم يستنتجون علوما كثيرة من تركيب علوم قد حصل في عقولهم من البديهيات، والمحسوسات، والعرفيات المشهورات، وإنما هم ليسوا أهلا للنظر الذي مقدماته نظرية خفية. فأما النظر الذي ليس كذلك فلا نسلم أنهم ليسوا أهلا.

стр. 2503

وجوابه: أنك ستعرف أن النظر في ذلك ليس بسهل، وأن مقدماته ليست بديهية ولا بمحسوسة، بل هو غامض يحتاج في تحصيله إلى مقدمات كثيرة نظرية خفية. وثانيها: أن العلم النظري يتشكك فيه الإنسان إذا شك بشبهة، [والعلم بخبر التواتر لا يتشكك فيه الإنسان وإن شكك بشبهة] فلا يكون نظريا. واعترض عليه بأن القابل للتشكيك / (٥٧/أ) إنما هو العلم النظري المستفاد من المقدمات النظرية، فأما العلم النظري المستفاد من المقدمات الضرورية فلا نسلم أنه قابل للتشكيك. وجوابه: أنا سنبين أن المقدمات التي يتوقف عليها العلم الحاصل بخبر التواتر على رأي القائلين بأنه نظري ليست بضرورية. سلمناه لكنه يقتضي أن لا يكون شيء من العلوم النظرية لا يقبل التشكيك، ضرورة أن كل واحد منها مستفاد مما لا يقبل التشكيك؛ فإن المرتبة الأولى من مراتبها التي استفيدت من المقدمات الضرورية [لا تقبل التشكيك؛ لأنها مستفادة من المقدمات الضرورية] والمرتبة الثانية منها مستفادة من الذي لا يقبل التشكيك على الوجه الذي لا يقبل التشكيك؛ ضرورة أنه الوجه الذي استفيدت المرتبة الأولى به، والمستفاد من الذي لا يقبل التشكيك على الوجه الذي لا يقبل التشكيك. [لا يقبل التشكيك].

стр. 2504

وثالثها: أن كل واحد يعلم بالضرورة أن علمه بوجود مكة وبغداد أقوى وأجلى من علمه بالمقدمات التي يستفاد منها هذا العلم على رأي القائلين بأنه نظري، وبناء القول الجلي على الضعيف غير معقول. ورابعها: لو كان نظريا لوجب أن لا يحصل عند الإضراب عن تحصيله والاعتراض عن النظر في مقدماته، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ضروري. واعترض عليه بما سبق، وهو ها هنا أضعف؛ لأن النظري الذي يستفاد من المقدمات الضرورية لا بد فيه من توجيه الذهن إلى وجه استنتاجه عنها؛ لأن وجه الاستنتاج غير حاصل بالضرورة. وخامسها: لو كان نظريا لما اتفق العقلاء عليه؛ لأنه كما يستحيل اختلاف العقلاء في الضروريات يستحيل اتفاقهم في النظريات عادة ولما اتفق العقلاء عيه سوى شذوذ من الناس إما عنادا، وإما خطأ كما في المحسوسات علمنا أنه ليس بنظري. واحتج القائلون بأنه نظري بوجوه: أحدها: وهو ما ذكره أبو الحسين البصري وهو: أن الاستدلال عبارة عن ترتيب علوم أو ظنون يتوصل بها إلى علوم أو ظنون أخر فكل اعتقاد توقف وجوده على ترتيب اعتقادات أخر، فهو استدلالي، والعلم الواقع بخبر التواتر هذا سبيله؛ لأنا لا نعلم وجود ما أخبرنا أهل التواتر عنه إلا إذا علمنا

стр. 2505

أنه لا داعي للمخبرين إلى الكذب، وأنهم لا يخبرون عن ظن وتخمين بل عن أمر محسوس لا لبس فيه، وأنه متى كان ذلك - استحال أن يكون الخبر كذبا، وإذا بطل يكون كذبا: تعين أن يكون صدقا فكان العلم بما أخبر به أهل التواتر نظريا. وجوابه: أنا لا نسلم أنه يتوقف على ما ذكرتم من الاستدلال؛ وهذا لأن العلم به حاصل للصبيان والبله مع أنهم لا يقدرون على ترتيب ما ذكرتم من المقدمات على الوجه الذي ذكرتموه، بل قل لا يحصل لهم الشعور بتلك المقدمات أصلا حالة العلم به، ولا بما به تصح تلك المقدمات فلو كان حصوله يتوقف على ما ذكرتم لاستحال حصوله لهم. فإن قلت: إنها حاصلة لهم على الترتيب وإن لم يشعروا بذلك. قلت: ما يكون حاصلا ولا يكون مشعورا به يكون بحيث لو نبه عليه لحصل الشعور به، ومن المعلوم أن الصبيان والبله لو نبهوا على تلك المقدمات، وعلى ما به تصح تلك المقدمات، وعلى ترتيبها لما حصل لهم [الشعور] بجمع ذلك، فلا يجوز أن يكون مستفادا منه. ولا يظن أنه لا يعتبر الشعور بما تصح به تلك المقدمات، فإن عند التنبيه على ما يقدح في تلك المقدمات مع عدم الشعور بما يزيل ذلك لم تبق تلك المقدمات يقينية، فلو كان العلم الحاصل بالتواتر مستفادا منها وجب أن لا يبقى ذلك العلم إذ ذاك يقينيا ولما بقي يقينيا غير مشكك فيه علمنا أنه غير مستفاد منها، نعم ربما يتعرضون لكثرة المخبرين وعدم كذبهم عندما يسألون عن كمية

стр. 2506

العلم بما أخبروا به لكن ذلك لا يدل على ما ذكرتم؛ لجواز أن يكون ذلك إشارة إلى ما أجرى الله تعالى عادته من خلق العلم عقيب إخبار الخلق الكثير الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب عادة. وثانيها: لو كان العلم الحاصل عقيب خبر التواتر ضرورة - لكنا مضطرين إليه، بحيث لا يمكننا الخلو عنه؛ ضرورة أنه على مضادة العلم النظري الذي يمكن الخلو عنه، ولو كان كذلك لعلمنا بالضرورة كوننا عالمين به على سبيل الاضطرار كما في سائر العلوم الضرورية، ولو كان كذلك لزم أن يكون العلم بكون ذلك العلم ضروريا كما في سائر اللضروريات، فكان يجب أن لا يكون مختلفا فيه بين العقلاء، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه غير ضروري. وجوابه: منع الملازمة الثانية؛ وهذا لأن العلم بكون ذلك العلم ضروريا كيفية من كيفيات ذلك العلم، ولا يعد في أن يكون أصل الشيء معلوما بالضرورة دون وصفه، وأما القياس على سائر الضروريات فقياس تمثيلي خال عن الجامع المناسب فضلا عن اليقيني؛ فإن كونه ضروريا وصف طردي ولا يعارض بمثله بأن يقال: لو كان نظريا لكان العلم به نظريا كما في سائر النظريات، لأنه لا يمكن نفي اللازم، إذ الخصم يمنعه وليس له لازم يستدل بنفيه على نفيه بخلاف نفي ضرورته، فإن الخصم ربما يساعد على أن العلم يكون ذلك العلم ضروريا ليس بضروري، فإن لم يساعد عليه فإن من لوازم كونه / (٥٨/أ) ضروريا أن يكون متفقا عليه بين العقلاء، فيستدل بنفيه على نفي ضرورته وليس من لوازم كونه نظريا أن يكون متفقا عليه بين العقلاء حتى يمكن الاستدلال بنفيه على نفي كونه نظريا، ولو قيل: لو كان نظريا لعلم بالضرورة كونه نظريا كان أشد منه، لكنه غير لازم، لجواز أن يكون نظريا شبيها بالضرورة كالذي نحن فيه

стр. 2507

[على أنا نمنع أنه لا يعلم بالضرورة كونه نظريا] على رأي الخصم. وثالثها: وهو مختار الكعبي وهو: أنه لو جاز أن يعلم ما غاب عن الحس بالضرورة لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال، وبطلان اللازم [يدل] على بطلان الملزوم. وجوابه: منع الملازمة؛ فإنه لم يذكر عليها دليلا، وليست هي ضرورية حتى يسلم، ولئن قال: تسوية بين المتقابلين منعنا مطلق مطلوبيتها، ولو سلم لكن فيما فيه التقابل لا مطلقا، فلم قلتم وقوع التقابل بينهما من هذا الوجه؟ ورابعها: أنه لو كان ضروريا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء كما في الضروريات. وجوابه: ما سبق في المسألة المتقدمة. وخامسها: أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى ورسوله [بل هو إما مماثل لهما أو أدنى منهما، والعلم الحاصل عقيب خبر الله ورسوله] ليس علما ضروريا بالاتفاق فكذا ما هو مثله، أو أدنى منه. وجوابه: أنه إن عنى بقوله: ليس أقوى منه: أن كل واحد منهما لا

стр. 2508

يحتمل النقيض وليس خبر التواتر في هذا المعنى أقوى منهما فهذا مسلم، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون ضروريا؛ وهذا فإن سائر العلوم الضرورية مساوية للعلم الحاصل بخبر الله تعالى وخبر رسوله في هذا المعنى، ومع هذا لا يلزم منه نظرية تلك العلوم، أو ضرورته، هذا وإن عنى به غيره فليبينه حتى ننظر هل هو أقوى منهما في ذلك المعنى أم لا؟ وبتقدير أن لا يكون أقوى هل يلزم منه عدم ضرورته أم لا؟ المسألة الرابعة استدل على أن خبر أهل التواتر صدق: بأن أهل التواتر إذا أخبروا عن شيء، فإما أن يكونوا قد أخبروا به مع علمهم بكونه صدقا، أو مع علمهم بكونه كذبا، أو لا مع علمهم بالصدق ولا بالكذب بل أخبروا به رجما بالغيب، والقسمان الأخيران باطلان فيتعين الأول. وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن يكونوا قد أخبروا به مع علمهم بكونه كذبا، لأنهم حينئذ إما أن يكونوا قصدوا فعل ذلك الكذب لغرض أو لا لغرض، والثاني باطل، أما الأول: فلأن الفعل من غير غرض محال؛ لأنه ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح وهو محال. وأما ثانيا: فلأنه وإن جوز ذلك في الجملة، لكن حصوله من جمع كثير محال عادة بالاتفاق، فإنه وإن جوز صدوره من واحد أو اثنين لكن

стр. 2509

صدوره من جمع كثير محال عادة كاتفاق الجمع الكثير على أكل طعام واحد في ساعة معينة. وأما ثالثا: فلأنا وإن جوزنا ذلك لكن عندما لا يكون المانع من الفعل متحققا، وأما ها هنا فالمانع منه موجود وهو كونه كذبا فإن كونه كذبا جهة صرف اتفاقا سواء. قيل بالتحسين والتقبيح العقلي أولا، والفعل يستحيل وجوده مع المانع إلا لمعرض أقوى منه وهو معدوم هنا؛ إذ التقدير أنه لا غرض فيه والأول أيضا باطل؛ لأن ذلك الغرض إما نفس كونه كذبا وهو باطل؛ لأن نفس كونه كذبا جهة صرف وفاقا كما تقدم، ولا جهة دعاء. وأما غيره، وهو إما ديني، أو دنيوي وكل واحد منهما إما رغبة أو رهبة وكل واحد منهما إما أن يكون غرض الكل، أو البعض منها غرض البعض والبعض الآخر منها غرض البعض الآخر، وعلى التقديرات فإما أن تحصل تلك الدواعي بالتراسل أو لا بالتراسل، والأقسام بأسرها باطلة. أما أنه لا يجوز أن يكون الغرض دينيا رغبة كان أو رهبة، فلأن حرمة الكذب متفق عليه سواء كان بالشرع أو بالعقل، وهو صارف ديني، فيستحيل أن يكون داعيا دينيا رغبة كان أو رهبة وأما أنه لا يجوز أن يكون الغرض الرغبة الدنيوية فلأن ذلك الغرض إما رجاء عوض على الكذب، أو إسماع غريب وإن كان لا أصل له وهما باطلان؛ لأن كثيرا من الناس لا يرتضون الكذب ولا يقدمون عليه لهذين الغرضين. وأما أنه لا يجوز أن يكون الغرض الرهبة الدنيوية؛ فلأن الرهبة الدنيوية لا تكون إلا من السلطان ومن يجري مجراه، لكن السلطان لا يقدر على أن يجمع الجمع العظيم على الكذب، بل لا يقدر على جمعهم على أمر مباح والاستقراء يفيد العلم بذلك؛ ولهذا كثيرا ما يخوفهم على التحدث بكلام لا ينفعهم ولا يضرهم ثم إنهم يتحدثون به حتى يصير مشهورا فيما بينهم.

стр. 2510

ولأنا نعلم أنه لا غرض للسلطان في كثير من الأمور المتواترة حتى يحملهم على التحدث عنه كذبا. وأما أنه لا يجوز أن يكون غرض بعضهم الديني رغبة كان أو رهبة، وغرض البعض الآخر الدنيوي رغبة كان أو رهبة سواء حصل بالتراسل، أو لا بالتراسل فلما تقدم من فساد القسمين البسيطين، فإن ذلك بعينه يدل على فساد المركب منهما؛ إذ الكلام في جماعة عظيمة أبعاضها جماعات عظيمة يمتنع تساوي أصولها في قوة هذا الدواعي. وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن يكونوا أخبروا به مع علمهم بصدقه، ولا مع علمهم بكذبه بل رجما بالغيب فلوجهين: أحدهما: أن ذلك إنما يتصور فيما لا يكون معلوما بالضرورة، فإن ما يكون معلوما بالضرورة فإن الإخبار عنه لا يتصور إلا عن علم بصدقه أو كذبه، وشرك خبر التواتر أن يكون المخبر عنه محسوسا معلوما بالضرورة فيستحيل الإخبار عنه لا مع العلم بصدقه ولا بكذبه. وثانيهما / (٥٩/أ): أنا وإن جوزنا صدور الإخبار عن الشيء كذلك من واحد واثنين، لكن نقطع باستحالة من الخلق الكثير عادة فيستحيل وقوعه في خبر التواتر هذا إذا أخبر المخبرون عن مشاهدة، فأما إذا توسط واسطة أو الوسائط بين المشاهدين للمخبر عنه، وبين من لم يشاهدهم فإنه لا يحصل العلم بخبرهم إلا إذا علم أن الوسائط متصفون بالصفات المعتبرة في أهل التواتر، وذلك إنما يعلم طريقين: أحدهما: أن كل مرتبة من مراتب الوسائط يخبرون أن الذين أخبرونا بهذا الخبر كانوا متصفين بالصفات المعتبرة في أهل التواتر.

стр. 2511

وثانيهما: أن كل ما ظهر بعد خفاء، وقوي بعد ضعف، فإنه لا بد وأن يشتهر فيما بين الناس حدوثه، ووقت حدوثه، كمقالة "الجهمية" و"الكرامية" فإنهما لما حدثتنا بعد أن لم يكونا: لا جزم اشتهر بين الناس حدوثهما، ووقت حدوثهما، ولما لم يظهر ذلك فيما نقل بالتواتر علمنا أن الأمر كان كذلك في كل الأزمة هذا تمام استدلال من يقول أنه نظري. واعلم أنا إنما عدلنا عن الوجه الذي أورده الإمام نقلا عن أبي الحسين في صدر التقسيم في هذا الدليل ليلزم صدق الخبر المتواتر على المذهبين أعني مذهب الجماهير، ومذهب الجاحظ، فإنا لو أوردناه كما أورده بأنه: لو كان كذبا لكان المخبرون أما أن يكون ذكروه مع علمهم بكونه كذبا أو لا مع علمهم بذلك إلى آخر ما ذكر لم يصح التقسيم ولم يلزم منه صدقه على رأي

стр. 2512

الجاحظ، ولا يخفى على منصف أن تقدير هذه المقدمات على وجه يلزم منه صدق الخبر المتواتر يقينا لو أمكن. فإن تقسيماته كلها غير مترددة بين النفي والإثبات، والدليل الدال على فساد الأقسام الغير مطلوبة غير يقيني لا يتأتى من الصبيان والبله ولا هو حاضر في ذهنهما مع أن العلم بخبر التواتر حاصل لهم، وهو دليل قاطع على أن العلم به غير مستفاد من هذه المقدمات، وكيف لا وكل واحد من الناس يقطع بأن علمه بما سمع من البلدان النائية والأشخاص الغائبة أظهر من علمه بصحة هذه المقدمات، وبناء الواضح الجلي على الخفي غير جائز في العقل. [تنبيه] ثم إن قيل: أن العلم الحاصل عقيب الخبر المتواتر نظري فهو بطريق التوليد والتولد عند القائلين بهما كما في سائر العلوم النظرية لا يتجه فيه خلاف على رأيهم كما في سائر العلوم النظرية. وأما إن قيل بأنه ضروري فهذا ينبغي أن يكون محل الخلاف فيما بينهم. فمن قائل نظر إلى أنه ضروري فهو كسائر البديهيات المخلوقة من جهة الله تعالى، ولأن كل ما لا ينسب إلى الجهة كالحركات، والاعتمادات، ولا له تأثير في النفس بالفعل والانفعال كالإغضاب، والإرعاب، والتهجين، والتخجيل، فإنه لا يولد في غير محله شيئا للاستقراء، والخبر المتواتر ليس من الأمور التي تنسب إلى الجهة، ولا يلازمه تأثر النفس به بالفعل والانفعال فوجب أن لا يولد علما. ومن قائل نظر إلى أنه مترتب على فعل اختياري للحيوان فوجب أن يكون بطريق التوليد والتولد كسائر المسببات المترتبة على أسبابها

стр. 2513

المسألة الخامسة في شروط الخبر المتواتر ، وهي شروط ترجع إلى المخبرين، وإلى السامعين وكل واحد منها إما متفق عليه، وإما مختلف فيه: فأما ما يرجع إلى المخبرين وهو متفق عليه فأمور: أحدها: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين به ولا ظانين. وثانيها: أن يكون ذلك العلم ضروريا مستفادا من الحس؛ لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلظ والالتباس فيه لا جرم لا يحصل العلم به. وقال إمام الحرمين: "لا وجه لاشتراط الحس بل يكفي فيه العلم الضروري، فقد يخبرون عن ما علموه بالقرائن، وإليه ميل الإمام، إذ لم يشترط في ذلك سوى أنهم يعلمونه على سبيل الاضطرار". وما ذكره راجع إلى الحس أيضا؛ لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندة إلى الحس؛ ضرورة أنها لا تخلو عن أن تكون حالية، أو مقالية، وهما محسوستان. وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة؛ إذ لا يتصور التواتر فيما علم بالقرائن البديهية والنظرية وهي لا تفيد إلا علماً نظرياً.

стр. 2514

وثالثها: أن يكونوا بالغين في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب. وهذه الأمور الثلاثة لا بد منها سواء أخبر المخبرون عن مشاهدة، أو لا عن مشاهدة بل عن سماع من آخرين. فأما إذا حصلت الوسائط فيعتبر شرط رابع وهو: استواء الطرفين والواسطة فيما ذكرنا من الأمور الثلاثة. وأما ما يرج إلى السامعين وهو متفق عليه فهو أن السامع غير عالم بما أخبر به اضطرارا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، وكذا تحصيل تقويته محال؛ لأن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان. ثم الطريق إلى العلم بتكامل هذه الشروط إنما هو حصول العلم بالمخبر عنه، فإن حصل العلم به علم وجود هذه الشرائط، وإن لم يحصل علم اختلالها وهذا على رأي الجماهير. فأما من يقول: أن العلم الحاصل عقيب التواتر نظري فلا يتجه هذا، بل يجب أن يكون العلم بحصول هذه الشرائط حاصلا عنده أولا حتى يحصل العلم بالمخبر عنه؛ ضرورة أنه مستفاد منها، وهذا أيضا يضعف القول بأنه نظري، ضرورة تعذر العلم بهذه الشرائط أولا في الأمور التي كثرت الوسائط فيها، فإن الواحد منا يعلم بوجود الوقائع المتقدمة / (٦٠/أ) من غير أن يسمع ممن سمع منه إن سمع من جميع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وأنه سمع من الآخرين شأنهم ما ذكرناه إلى أن ينتهي إلى الذين شاهدوا ذلك

стр. 2515

والاستدلال على العلم به بالطريقة الأخرى فضعيف جدا لا يخفى على كل ذي لب. وأما الشرائط المختلف فيها فلنذكرها في مسائل: المسألة السادسة قد ذكرنا أن من شروطه أن يكون المخبرون عددا لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فهذا القدر متفق عليه، لكن اختلفوا بعد ذلك في أنه هل له عدد معين أم لا ؟ فالجماهير على أنه ليس له عدد معين؛ لأنه لا عدد يفرض من ألف أو ألفين [إلا] وغير مستبعد في العقل صدور الكذب منهم، وأنه يتميز بزيادة واحد عن ناقصه في امتناع الكذب عنه، بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيره إلى الوجدان، فإن وجد السامع نفسه عالما بما أخبر به على التواتر علم وجود هذا الشرط وغيره، وإلا علم اختلاله، أو اختلال غيره من الشرائط. وعند هذا ظهر أنه يتعذب الاستدلال بالتواتر على من لم يعترف بحصول العلم له؛ ضرورة أنه لا مرجع في حصول شرائطه إلا حصول العلم به فمن لم يحصل له العلم لا يمن الاستدلال به عليه. لكن من هؤلاء الجماهير من قطع في جانب النفي، وإن لم يقطع في جانب الإثبات، وقال، بعدم إفادة عدد معين له وتوقف في بعضه. قال القاضي أبو بكر ﵀:"أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد العلم ألبتة وأتوقف في الخمسة".

стр. 2516

واحتج عليه: بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين ولم يحصل بخبر كل أربعة صادقين مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط لزم الترجيح من غير مرجح وأنه ممتنع، ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن يحصل العلم بأحد الخبرين الصادرين عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر، واللازم باطل فالملزوم مثله، ولو حصل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب أن يستغني القاضي عن التزكية في شهود الزنا؛ لأنه إن حصل له العلم بخبرهم عن الزنا الذي شاهدون وجب أن يستغني عن التزكية ضرورة حصول العلم الضروري بصدقهم، والتزكية إنما تراد لتقوية الظن بالصدق، وإن لم يحصل له ذلك وجب أيضا أن يستغني عن التزكية؛ لأنه حينئذ يقطع بكذبهم والذي قطع بكذبه لا يطلب تزكيته فكان يجب استغناؤه عن التزكية في الحالتين معا، لكن ليس الأمر كذلك بالإجماع؛ إذ الأمة أجمعت على أنه لا يجوز للقاضي أن يقطع بكذبهم ويردهم إن لم يضطر إلى صدقهم، بل يجب عليه أو يجوز عرضهم على المزكين، ثم إقامة الحد على المشهود عليه. ولا يخفى أن هذه الدلالة لا تتأتى في الخمسة؛ لأنه إن لم يضطر إلى العلم بصدقهم قطع بعدم صدقهم، ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدم صدق الأربعة منهم؛ لجواز أن يكون الأربعة منهم شاهدوا الزنا دون الخامس فجاز أن يطلب تزكيتهم لبقاء النصاب. وعند هذا نقول للقاضي: "إن عنيت بقولك: أتوقف في الخمسة، التوقف في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله، ولا يقطع بواحد منها فهذا صحيح لكن لا اختصاص لهذا التوقف في الخمسة، بل يتأتى في الألف والألفين؛ إذ لا نقطع نحن بحصول العلم بقولهم ولا بعد حصوله،

стр. 2517

فكان يجب أن يتوقف في الكل بهذا المعنى. وإن عنى به: التوقف في جواز حصول العلم بقولهم كما في سائر الأعداد وعدم جوازه كما في الأربعة فهذا غير صحيح؛ لأنه إذا لم يتأت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم يجب إلحاقهم بسائر الأعداد [التي] يجوز أن يحصل العلم بقولهم. واعترض على الدليل بمنع الملازمة: وأما قوله في الوجه الأول: أنه يلزم الترجيح من غير مرجح، فممنوع امتناعه بالنسبة إلى الفاعل المختار على ما عرف صحة ذلك من مذهبنا، والعلم الحاصل بخبر التواتر إنما هو بخلق الله تعالى لا بطريق التوليد حتى يكون الترجيح من غير مرجح ممتنعا. وأما قوله في الوجه الثاني: لجاز مثله في أحد الخبرين عن الجمع الكثير الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر فممنوع؛ وهذا لأنه يجوز أن تختلف في ذلك عادة الله تعالى فاطردت عادته بخلق العلم الضروري عقيب إخبار الجمع الكثير، ولم يطرد ذلك عقيب إخبار الجمع القليل؛ بل تختلف فيه عادته فتارة يخلق، وتارة لا يخلق، كما أن عادته مطردة بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد ألف مرة، ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرة أو مرتين. سلمنا تسوي المثلين في العادة، لكن لا يلزم من خلق الله تعالى العلم عقيب إخبار الأربعة خلقه عقيب شهادة الأربعة؛ وهذا لأن الشهادة - وإن

стр. 2518

كانت خبراً في المعنى - لكن لفظ الشهادة مخالف للفظ الخبر، وذلك يقدح في مماثلتها مطلقا فلم يجب تساويهما في الحكم، فجاز أن يجري الله تعالى عادته بخلق العلم الضروري عندما يخبر المخبرون بلفظ الخبر والرواية، دون لفظ الشهادة، ولو سلم أن ما بينهما من التفاوت غير قادح في المثلية لكن كون الشهود يجتمعون عند أداء الشهادة في الغالب مظنة للاتفاق على الكذب، فلا جرم لم يحصل العلم لتمكن / (٦١/أ) هذا الاتهام في النفوس، بخلاف ما إذا أخبر المخبرون بلفظ الخبر، فإنهم يخبرون في الغالب متفرقين فيكون الاتهام زائلا فلا جرم يحصل العلم به. سلمنا صحة ما ذكرتم لكنه منقوض بعدد "أهل القسامة" فإنه يجوز حصول العلم بقولهم من أن ما ذكروه من الدليل آت إذ أمكن أن يقال: لو أفاد قول خمسين صادقين العلم لأفاد قول كل خمسين صادقين، ولو أفاد قول كل خمسين ذلك لاستغنى القاضي عن تحليف عدد أهل القسامة لأنه حصل العلم بقولهم فلا حاجة إلى تحليفهم؛ إذ التحليف إنما هو لتقوية ظن الصدق وإن لم يحصل له العلم بقولهم قطع بكذبهم فلا حاجة إلى التحليف أيضا. واعلم أن الاعتراض الأول قوي جدا، وأما الثاني فيمكن أن يجاب عنه: بأن ذلك لو كان قادحا في مماثلتهما وتساويهما في أن يحصل العلم الضروري عقيبهما لوجب أن لا يحصل القطع بالتسوية في ذلك بينما إذا صدر خبر بلفظ الشهادة، وبينما إذا صدر خبر آخر بلفظ الإخبار من الجمع الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب بعينه بتقدير حصول العلم عقيب الخبر الصادر بلفظ الإخبار واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله.

стр. 2519

وأما الثالث فجوابه: أنا نفرض الكلام حيث تكون الأربعة الذين شهدوا على الزنا هم الذين أخبروا وحصل العلم بقولهم بعينهم مع التساوي في جميعا لأحوال من التفرق، وغيره إذ ليس من شرط الشهادة أن يكونوا مجتمعين لأدائها وأما الرابع فغير وارد؛ لأن المخبر عنه في قول كل واحد منهم غير المخبر عنه في قول الآخر سواء فرض ذلك من جهة المدعين أو من جهة المدعى عليهم، أما من جهة المدعين، فإن كل واحد منهم إنما يحلف بحسب ظنه وهو مدعاه ويخبر عنه خبره. وأما من جهة المدعى عليهم فإن كل واحد منهم إنما يحلف على أنه ما قتل ولا عرف قاتله فما أخبر عنه كل واحد منهم غير ما أخبر عنه الآخر. ومنهم من اعتبر في التواتر عددا معينا، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من قال ذلك اثنا عشر عدد نقباء موسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿وبعثنا منهم اثنى عشىر نقيبا﴾، وإنما خصهم بذلك؛ لأنه يحصل العلم بقولهم. ومنهم من قال: العشرون، وهو قول أبي الهذيل - لقوله تعالى:

стр. 2520

﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾، وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم. ومنهم من قال: الأربعون، لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ نزلت في الأربعين، وأيضا اعتبر هذا العدد في الجمعة، وإنما خصهم بذلك لأنه يحصل العلم بخبرهم. ومنهم من قال: السبعون، لقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم [ومنهم من قال ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بخبرهم] للمشركين. ومنهم من قال عدد بيعة الرضوان. ولا يخفى على الناظر أن كل ذلك لا تعلق له بالمسألة، وليس فيها وجه بخيل فضلا عن أن يغلب الظن. المسألة السابعة لا يعتبر في المخبرين أن لا يحصرهم عدد، ولا يحويهم بلد ، خلافاً

стр. 2521

لقوم؛ لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم، بل أهل المقصورة منه لو أخبروا عن سقوط الخطيب عن المنبر فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم. المسألة الثامنة لا يشترط فيهم أن يكونوا مختلفي الأديان، والأنساب، والأوطان ، خلافا لليهود، فإنهم اشترطوا [أن لا يكونوا على دين واحد، وخلافا لقوم، فإنهم اشترطوا] أن لا يكون نسبهم واحدا، وأن لا يكون مسكنهم واحدا، والدليل على فساد اشتراط هذه الأمور أن قبيلة من القبائل التي اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأوطانهم، لو أخبروا بواقعة وقعت من ناحيتهم، فإنه قد يحصل العلم بخبرهم، والعلم بذلك ضروري، فلو كان ما ذكروه من الأمور شرطا لامتنع حصول العلم بخبرهم. المسألة التاسعة لا يشترط أن يكون فيهم معصوم خلافا للشيعة ولابن الراوندي ، فإنهم زعموا أنه يشترط أن يكون فيهم معصوم، لئلا يتفقوا على الكذب وهو باطل.

стр. 2522

وأما ثانيا: فلأن المفيد للعلم حينئذ خبر المعصوم لا خبر أهل التواتر. ولا يشترط فيهم العدالة، ولا الإسلام، خلافا لقوم زعما منهم أنه لا يحصل العلم بما نقلته اليهود والنصارى على التواتر من الأمور الباطلة قطعا، وما ذلك إلا لأنهم كفرة فجرة، ولأن الكفر والفسق مظنة التحريف والكذب والافتراء، والإسلام والعدالة مظنة الصدق والتحقيق. وهو أيضا باطل؛ بما أنا نجد أنفسنا جازمة ببعض ما يخبر به جمع من الكفار والفساق من الوقائع التي تقع لهم، ولأن التواتر حاصل قبل الإسلام وأما ضعف دلالتهم فلا يخفى عليك. ولا يشترط فيهم أن لا يكونوا محمولين على الإخبار بالسيف خلافا لقوم فإنهم زعموا أنه يشترط ذلك فيهم دفعا للتهمة؛ إذ قد يكونوا حينئذ محمولين على الكذب. وهو باطل؛ لأنه إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بخبرهم [كما إذا لم يحملوا عليه، وإن حملوا على الكذب لم يحصل العلم بخبرهم] قطعا لفوات شركه، وهو إخبارهم عن أمر مخصوص معلوم قطعا. ولا يشترط أيضا أن يكون فيهم أهل الذلة والمسكنة خلافا لليهود، فإنهم

стр. 2523

ذهبوا إلى اشتراطه، لزعمهم أنه لو لم يكن فيهم منهم لم يؤمن تواطؤهم على الكذب لغرض من الأغراض، بخلاف ما إذا كان فيهم منهم فإن خوف / (٦٢/أ) مؤاخذتهم بالكذب يمنعهم عنه ويؤمن التواطؤ. وإنما ذهبوا إلى اشتراطه كيلا يثبت بالتواتر نقل معجزات نبينا وعيسى ﵉؛ إذ ليس في ناقليها أهل الذلة والمسكنة؛ ضرورة أنه ليس في ناقليها أحد من اليهود، وهم أهل الذلة والمسكنة للآية، وهو باطل. أما أولا: فلأنهم إن عنوا بأهل الذلة والمسكنة أنفسهم فكأنهم قالوا: لا يحصل التواتر ما لم يكن في الناقلين أحد من اليهود، وبطلان هذا القول [من حيث] خلوه عن وجه مخيل وتحكمه لا يخفى على أحد. وإن عنوا به الفقراء والأخساء، والمساكين الضعفاء، الذين لا مطمع لهم في حصول الشرف والغنى فهذا لو سلم لكن لا يلزم منه حصول غرضهم؛ لأنه وجد في ناقلي معجزاتهما منهم كثير. وأما ثانيا: فلأنا نعلم أن استنكاف الأكابر والأشراف لشرفهم [وعظم مرتبتهم فيما بين الناس عن الكذب أكثر من استنكاف] من لا يعرف. ولا يذكر من الضعفاء والأخساء، فكان حصول العلم بخبرهم أولى وأجدر. وأما ثالثا: فلأن ما ذكروه من العلة إنما يتأتى فيما إذا كان المنقول

стр. 2524

بالتواتر مما يناسب غرضهم بوجه ما، فأما الذي لا يناسب ذلك فلا. وعند هذا نقول: إن حصل العلم بخبرهم علم عدم التواطؤ وانتفاء التهمة وإلا فيدل على اختلال شرط من شروطه. المسألة العاشرة لا يشترط في السامعين أن لا يكونوا على اعتقاد نفي موجب الخبر لشبهة، أو تقليد ، خلافا للشريف المرتضى من الشيعة، وإنما شرط ذلك؛ لأن عنده الخبر على النص على إمامة علي ﵁ متواتر، ثم لم يحصل العلم لبعض السامعين؛ لأنهم اعتقدوا نفي النص لشبهة أو تقليد. ثم استدل على اشتراطه: بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة لا بطريق التوليد، فإنه ربما يتوهم حينئذ أنه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فعله بحسب اختلافه، فجاز أن يختلف ذلك باختلاف أحوال السامعين، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل له ذلك إذا اعتقد نقيضه. ثم أورد على نفسه بأنه يلزمكم على هذا أن تجوزوا صدق من أخبركم: بأنه لم يعلم وجود البلدان الكثيرة، والحوادث العظام بالأخبار المتواترة، لأجل تقليد، أو شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء. وأجاب عنه: بأنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور، ولا شبهة في نفي تلك الأشياء أصلا، والتقليد لا بد وأن ينتهي إلى ما ليس عن تقليد دفعا للتسلسل والدور فلا يتصور فيه اعتقاد نفي موجب الخبر، فلا جرم لا يجوز صدقه. وهو باطل بما أنا قد نجد أنفسنا جازمة بما أخبر به أهل التواتر وإن سبق لنا

стр. 2525

اعتقاد نفي موجبه فهذا هو القول في تمام شرائطه المتفق عليها والمختلف فيها. المسألة الحادية عشرة في أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالنسبة إلى سائر الأشخاص بإخبار عدد التواتر الذي حصل العلم بخبرهم عن واقعة بالنسبة إلى شخص أم لا ؟ اختلفوا فيه: فذهب بعضهم كالقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري إلى وجوب الاطراد. وذهب الآخرون إلى عدم جوابه. واحتج الأولون: بأنه لو حصل العلم بخبرهم عن واقعة لشخص ولم يحصل بخبرهم الآخر، أو بذلك الخبر بعينه لشخص آخر لزم الترجيح من غير مرجح وإنه ممتنع، ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن لا يفيد العلم خبرهم الآخر بالنسبة إلى ذلك الشخص بعينه وأنه ممتنع. واحتج الآخرون: بأن الأخبار تختلف في إفادة العلم وعدم إفادته، بسبب ما تحتف به من القرائن الحالية، والمقالية سواء كانت تلك الأخبار أخبار
следующие страницы →