Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
لقوم؛ لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم، بل أهل المقصورة منه لو أخبروا عن سقوط الخطيب عن المنبر فيما بين الخلق لأفاد خبرهم العلم.
المسألة الثامنة
لا يشترط فيهم أن يكونوا مختلفي الأديان، والأنساب، والأوطان ، خلافا لليهود، فإنهم اشترطوا [أن لا يكونوا على دين واحد، وخلافا لقوم، فإنهم اشترطوا] أن لا يكون نسبهم واحدا، وأن لا يكون مسكنهم واحدا، والدليل على فساد اشتراط هذه الأمور أن قبيلة من القبائل التي اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأوطانهم، لو أخبروا بواقعة وقعت من ناحيتهم، فإنه قد يحصل العلم بخبرهم، والعلم بذلك ضروري، فلو كان ما ذكروه من الأمور شرطا لامتنع حصول العلم بخبرهم.
المسألة التاسعة
لا يشترط أن يكون فيهم معصوم خلافا للشيعة ولابن الراوندي ، فإنهم زعموا أنه يشترط أن يكون فيهم معصوم، لئلا يتفقوا على الكذب وهو باطل.
стр. 2522
وأما ثانيا: فلأن المفيد للعلم حينئذ خبر المعصوم لا خبر أهل التواتر.
ولا يشترط فيهم العدالة، ولا الإسلام، خلافا لقوم زعما منهم أنه لا يحصل العلم بما نقلته اليهود والنصارى على التواتر من الأمور الباطلة قطعا، وما ذلك إلا لأنهم كفرة فجرة، ولأن الكفر والفسق مظنة التحريف والكذب والافتراء، والإسلام والعدالة مظنة الصدق والتحقيق.
وهو أيضا باطل؛ بما أنا نجد أنفسنا جازمة ببعض ما يخبر به جمع من الكفار والفساق من الوقائع التي تقع لهم، ولأن التواتر حاصل قبل الإسلام وأما ضعف دلالتهم فلا يخفى عليك.
ولا يشترط فيهم أن لا يكونوا محمولين على الإخبار بالسيف خلافا لقوم فإنهم زعموا أنه يشترط ذلك فيهم دفعا للتهمة؛ إذ قد يكونوا حينئذ محمولين على الكذب.
وهو باطل؛ لأنه إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بخبرهم [كما إذا لم يحملوا عليه، وإن حملوا على الكذب لم يحصل العلم بخبرهم] قطعا لفوات شركه، وهو إخبارهم عن أمر مخصوص معلوم قطعا.
ولا يشترط أيضا أن يكون فيهم أهل الذلة والمسكنة خلافا لليهود، فإنهم
стр. 2523
ذهبوا إلى اشتراطه، لزعمهم أنه لو لم يكن فيهم منهم لم يؤمن تواطؤهم على الكذب لغرض من الأغراض، بخلاف ما إذا كان فيهم منهم فإن خوف / (٦٢/أ) مؤاخذتهم بالكذب يمنعهم عنه ويؤمن التواطؤ.
وإنما ذهبوا إلى اشتراطه كيلا يثبت بالتواتر نقل معجزات نبينا وعيسى ﵉؛ إذ ليس في ناقليها أهل الذلة والمسكنة؛ ضرورة أنه ليس في ناقليها أحد من اليهود، وهم أهل الذلة والمسكنة للآية، وهو باطل.
أما أولا: فلأنهم إن عنوا بأهل الذلة والمسكنة أنفسهم فكأنهم قالوا: لا يحصل التواتر ما لم يكن في الناقلين أحد من اليهود، وبطلان هذا القول [من حيث] خلوه عن وجه مخيل وتحكمه لا يخفى على أحد.
وإن عنوا به الفقراء والأخساء، والمساكين الضعفاء، الذين لا مطمع لهم في حصول الشرف والغنى فهذا لو سلم لكن لا يلزم منه حصول غرضهم؛ لأنه وجد في ناقلي معجزاتهما منهم كثير.
وأما ثانيا: فلأنا نعلم أن استنكاف الأكابر والأشراف لشرفهم [وعظم مرتبتهم فيما بين الناس عن الكذب أكثر من استنكاف] من لا يعرف.
ولا يذكر من الضعفاء والأخساء، فكان حصول العلم بخبرهم أولى وأجدر.
وأما ثالثا: فلأن ما ذكروه من العلة إنما يتأتى فيما إذا كان المنقول
стр. 2524
بالتواتر مما يناسب غرضهم بوجه ما، فأما الذي لا يناسب ذلك فلا.
وعند هذا نقول: إن حصل العلم بخبرهم علم عدم التواطؤ وانتفاء التهمة وإلا فيدل على اختلال شرط من شروطه.
المسألة العاشرة
لا يشترط في السامعين أن لا يكونوا على اعتقاد نفي موجب الخبر لشبهة، أو تقليد ، خلافا للشريف المرتضى من الشيعة، وإنما شرط ذلك؛ لأن عنده الخبر على النص على إمامة علي ﵁ متواتر، ثم لم يحصل العلم لبعض السامعين؛ لأنهم اعتقدوا نفي النص لشبهة أو تقليد.
ثم استدل على اشتراطه: بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة لا بطريق التوليد، فإنه ربما يتوهم حينئذ أنه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فعله بحسب اختلافه، فجاز أن يختلف ذلك باختلاف أحوال السامعين، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل له ذلك إذا اعتقد نقيضه.
ثم أورد على نفسه بأنه يلزمكم على هذا أن تجوزوا صدق من أخبركم: بأنه لم يعلم وجود البلدان الكثيرة، والحوادث العظام بالأخبار المتواترة، لأجل تقليد، أو شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء.
وأجاب عنه: بأنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور، ولا شبهة في نفي تلك الأشياء أصلا، والتقليد لا بد وأن ينتهي إلى ما ليس عن تقليد دفعا للتسلسل والدور فلا يتصور فيه اعتقاد نفي موجب الخبر، فلا جرم لا يجوز صدقه.
وهو باطل بما أنا قد نجد أنفسنا جازمة بما أخبر به أهل التواتر وإن سبق لنا
стр. 2525
اعتقاد نفي موجبه فهذا هو القول في تمام شرائطه المتفق عليها والمختلف فيها.
المسألة الحادية عشرة
في أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالنسبة إلى سائر الأشخاص بإخبار عدد التواتر الذي حصل العلم بخبرهم عن واقعة بالنسبة إلى شخص أم لا ؟
اختلفوا فيه:
فذهب بعضهم كالقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري إلى وجوب الاطراد.
وذهب الآخرون إلى عدم جوابه.
واحتج الأولون: بأنه لو حصل العلم بخبرهم عن واقعة لشخص ولم يحصل بخبرهم الآخر، أو بذلك الخبر بعينه لشخص آخر لزم الترجيح من غير مرجح وإنه ممتنع، ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن لا يفيد العلم خبرهم الآخر بالنسبة إلى ذلك الشخص بعينه وأنه ممتنع.
واحتج الآخرون: بأن الأخبار تختلف في إفادة العلم وعدم إفادته، بسبب ما تحتف به من القرائن الحالية، والمقالية سواء كانت تلك الأخبار أخبار
стр. 2526
آحاد أو لم تكن، وبسبب قوة فهم السامعين وسماعهم، وإذا كان كذلك لم يجب من حصول العلم لشخص بخبر عدد حصوله لسائر الأشخاص بسائر أخبارهم.
وعند هذا ظهر أن الحق في ذلك أن يقال: إن كان حصول العلم في الصورة التي حصل العلم فيها بمجرد الخبر من غير احتفاف قرينة به لا من جهة المخبرين، ولا من جهة السامعين حالية كانت أو مقالية، كان الاطراد واجبا، وإن لم يكن بمجرده بل لانضمام أمر آخر إليه فلا يجب الاطراد.
المسألة الثانية عشرة
في التواتر المعنوي ، اعلم أن الأخبار المختلفة الكثيرة الصادرة من عدد التواتر إذا اشتركت في معنى كلي بين تلك الأخبار الكثيرة، فإنه يصير ذلك المعنى الكلي متواترا من جهة المعنى.
مثاله: الأخبار المروية عن سخاوة حاتم، وشجاعة علي ﵁ فإنه روي في ذلك أخبار كثيرة وكل واحد منها وإن كان غير متواتر، لكن القدر المشترك بينهما وهو مطلق سخاوته، ومطلق شجاعته متواتر؛ لأن كل واحد من تلك الأخبار يدل بالمطابقة على جزئي من جزئيات سخاوته وشجاعته نحو هبته الخمسة من الدراهم، والعشرة من الدنانير، والعبيد، والإبل وقتله هذا وذاك، وشقه الصف، وقتل جماعة منهم، وكسر عساكر عديدة، وما يدل على الجزئي بالمطابقة يدل على الكلي المشترك فيه بالتضمن، فيصير ذلك المعنى المشترك فيه مرويا بالتواتر على وجه التضمن فهذا هو التواتر المعنوي
стр. 2527
وأما ما يقال في تقرير هذا النوع: أنا نعلم قطعا أن كل تلك الأخبار ليس بأسرها كذبا بل لا بد وان يكون / (٦٣/أ) واحد منها صدقا، ومتى ثبت صدق واحد منها ثبت كونه سخيا وشجاعا فضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون الشخص أعطى مرة، وقتل شخصا أن يكون سخيا وشجاعا، ولو سلم ذلك لكن غاية ما يلزم منه أنه صدق، ولا يلزم من صدقه أن يكون متواترا فإنه لم يتفق عليه عدد لم يكن تواطؤهم على الكذب لا بحسب الكلية، ولا بحسب الجزئية؛ إذ في هذه الطريقة لا ينظر إلى القدر المشترك بين تلك الأخبار، بل إلى خصوصية خبر واحد منها لكن لا بعينه بل هذا من جملة طرق صدق الخبر الغير المتواتر.
والعجب من الإمام أنه عد هذه الطريقة من طرق صدق الخبر الغير المتواتر، ثم أنه ذكره طريقا في إثبات التواتر المعنوي.
القسم الثاني من هذا الفصل
في الأخبار التي سبيل صدقها غير التواتر وهو ينقسم إلى صنفين:
متفق عليه، ومختلف فيه.
أما الصنف الأول فأنواع:
أحدها: الخبر الذي عرف مخبره بالضرورة.
وثانيها: الخبر الذي عرف مخبره بالنظر والاستدلال.
стр. 2528
وثالثها: خبر الله تعالى، وصدقه متفق عليه بين المليين وأرباب الديانات، لكنهم اختلفوا في الدلالة عليه فنفاة التحسين والتقبيح اختصوا بمسلك، ومثبتوهما اختصوا بمسلك آخر، ومسلكان آخران غير مختصين بأحد الفريقين بل لكل واحد منهما الاحتجاج بهما.
فالمسلك الأول من مسلكي الفريقين وهو الأقوى وهو: أن الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، وهو معلوم بالضرورة متفق عليه بين العقلاء والله تعالى منزه عن جميع النقائص باتفاق العقلاء، فوجب أن يكون منزها عن الكذب.
ولأن النقص طبيعته طبيعة عدمية، ولا تطرق للعدمي إلى واجب الوجود، ولأنه لو لم يكن منزها عن الكذب لكان الواحد من الممكنات حال كونه صادقا أكمل [منه] تعالى وذلك معلوم البطلان بالضرورة.
وثانيها: وهو إخبار الرسول ﵇ عن امتناع الكذب عليه تعالى.
واعترض على هذا المسلك بأن صدق الرسول ﵇ مستفاد من صدق الله؛ ضرورة أن صدقه مستفاد من دلالة المعجزة على صدقه، ودلالة المعجزة على الصدق قائم مقام التصديق بالقول والتصديق بالقول إنما يفيد صدق المصدق أن لو كان المصدق صادقا، فلو استفيد صدق الله تعالى من صدق الرسول لزم الدور.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن دلالة المعجزة على [التصديق يتوقف على
стр. 2529
صدقه تعالى، وهذا لأن دلالة المعجزة على] تصديقه فيما يدعيه من الرسالة نازلة منزلة قوله: "أنت رسولي" ومعلوم أن دلالة هذا على كونه رسولا حين قصد به الإنشاء كما في قول القائل "أنت وكيلي" لا يتوقف على الصدق؛ لأن الإنشاء لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب.
وحينئذ يندفع ما ذكرتم من الدور.
فإن قلت: فعلى هذا لا يلزم صدق الرسول في كل ما يخبر عنه بل إنما يلزم منه صدقه فيما يدعيه من الرسالة؛ لأن قوله: "أنت رسولي" لا يدل إلا عليه؛ لأن كونه صادقا في جميع الأمور أمر حقيقي، والإنشاء لا مدخل له في الأمور الحقيقية بل تأثيره في الأمور الوضعية؛ فإذن لا طريق إلى معرفة كون الرسول صادقا في كل الأمور إلا من قبل كون الله تعالى صادقا، وحينئذ يلزم الدور المذكور.
قلت: هذا الإلزام مشترك فإنا بتقدير أن نجعل دلالة المعجزة نازلة منزلة التصديق بالقول الخبري، فإنما نجعلها نازلة منزلته فيما يقترن به التحدي، والذي يقترن به التحدي إنا هو دعوى الرسالة وكونه مبعوثا من جهته تعالى، لا دعوى الصدق في كل الأمور فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذاك، وليس ذاك إلا أن الصدق في كل الأمور ضرورة الصدق في الرسالة، فإنه لو لم يثبت الصدق في كل الأمور إذا ذاك لم يحصل مقصود الرسالة، فإن المقصود منها إنما هو الدعوى إلى الله تعالى، وهي إنما تتحقق بالترغيب على ما به الدعوة، والترهيب على تركه الموقوفين على التبليغ منه
стр. 2530
ومعلوم أنه لا يحصل هذا المقصود إلا إذا حصلت الثقة بما يبلغه منه تعالى، وذلك بالعصمة عن الكذب في جميع ما يقوله عنه تعالى فيثبت أنه لو لم يثبت الصدق في جميع الأمور لم يحصل مقصود الرسالة، وإذا لم يثبت مقصود الرسالة فكأنه لم تثبت الرسالة فثبت أن الصدق في جميع الأمور من ضرورة الصدق في الرسالة وحينئذ يندفع الدور.
وثانيهما: وهو الأقوى أن التصديق بالمعجزة تصديق بالفعل والقرينة وذلك لا يتوقف على الصدق في المقال. ألا ترى أن المكذب في ادعاء الرسالة عن ملك إذا استدعى منه تصديقه فدام المكذبين وقال له: أيها الملك، إن كنت صادقا فيما أدعيه من الرسالة عنك وفيما بلغتهم عنك وكان الملك قد علم ذلك فخالف عادتك وقم من مقامك هذا ثلاثا واقعد، فإنه إذا فعل الملك ذلك اضطر الحاضرون إلى العلم بصدق ذلك المكذب في تلك الدعوى، وإن كان الملك ممن عهد منه الكذب، فثبت أن التصديق بالفعل والقرينة لا يتوقف على الصدق في المقال.
وأيضا فإن الإنسان إذا أخبر عن غيره بأنه عطشان فلو صدقه ذلك الشخص بالقول لا يحصل القطع / (٦٤/أ) بعطشه بل لا يحصل الظن إذا كان كذوبا، فأما إذا صدقه بالفعل والقرينة بأن يكون لسانه خارجا، والعرق يسيل منه، ووقع في ماء وشرب منه فإنه يحصل منه التصديق ولا يلزم من جعل التصديق بخلق المعجزة نازلا منزلة التصديق بالقول في إفادة الصدق، وجعله نازلا منزلته في اعتبار جميع الأمور المعتبرة فيه.
وأما المسلك الذي اختص به أصحابنا في ذلك فهو: أن كلامه تعالى معنى قائم بذاته تعالى، ويستحيل الكذب في الكلام النفساني على
стр. 2531
من يستحيل عليه الجهل؛ لأن الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل على الله محال فيستحيل عليه الكذب أيضا، وإذا استحال الكذب في الكلام النفساني استحال في هذا المسموع أيضا؛ ضرورة أنه معبر عنه ومطابق له.
بقي أن يقال: فبماذا تعرف المطابقة؟ قلنا: بقول الرسول ﵇ وصدق قول الرسول ﵇ لا يتوقف على هذه المطابقة حتى يتوهم الدور؛ لأنه ليس معجزا بهذا الاعتبار وإلا لزم أن تكون سائر الكتب المنزلة معجزات وليس كذلك بل هو معجز باعتبارات أخر على ما عرف ذلك في موضعه وحينئذ لا يلزم الدور. فظهر أن هذه الحجة ليست مغالطة كما زعمه الإمام ﵀.
فإن قلت: ما الدليل على أنه يستحيل الكذب في الكلام النفساني على من يستحيل عليه الجهل فإن هذا ليس بديهيا حتى لا تطلب بينته؟
قلت: لأن الكذب في الكلام النفساني هو أن يكون خبر غير مطابق قائما بنفس المتكلم ولا معنى للجهل إلا هذا.
وأما المسلك الذي اختص به القائلون بالتحسين والتقبيح فهو: أن الكذب قبيح - والله تعالى - لا يفعل القبيح، لعلمه بقبحه واستغنائه عنه.
واعترض عليه الإمام: بأنه ليس المراد من الكذب المحكوم عليه بالقبح
стр. 2532
الخبر الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه - في الظاهر - وإن كان بحيث لو أضمر في زيادة أو قدر فيه نقصان أو تغيير صح، لأنه حينئذ يلزم كذب نحو قوله تعالى: ﴿وأتيت من كل شيء﴾، وقوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ بل المراد منه الخبر الذي لا يكون مطابقا في الظاهر، ولا يمكن أن يصير مطابقا بسبب إضمار أو نقصان، أو تغيير، وحينئذ يصير الكذب المحكوم عليه بالقبح غير ممكن الوجود؛ لأنه لا خبر يفرض كونه كذبا إلا وهو محال متى أضمر فيه زيادة، أو قدر فيه نقصان، أو تغيير صار صدقا وحينئذ يرتفع الأمان عن جميع ظواهر الكتاب والسنة.
ثم أورد على نفسه سؤالا وقال: لو كان المراد منه غير ظواهرها - لوجب أن يبينها الله تعالى -، وإلا لكان تلبيسا، وهو غير جائز وبتقدير أن يكون ذلك جائزا لم يكن في كلام الله تعالى فائدة فيكون عبثا وهو على الحكيم محال.
وأجاب عن الأول: بأنه إن عنى بالتلبيس: الفعل الذي لا يحتمل إلا التجهيل فهو غير لازم؛ ضرورة احتمال الكلام لغير ظاهره، وإن عنى به الفعل الذي ظاهره التجهيل وإن كان محتملا لغيره فمثله لا نسلم أنه لا يجوز منه تعالى؛ وهذا لأن إنزال المتشابهات جائز منه بالاتفاق مع أن ظاهره التجهيل، وعن الثاني بأن العبث إنما يلزم لو لم يكن له تعالى فيه غرض ما وهو ممنوع؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون غرضه تعالى غير الظاهر كما في إنزال المتشابهات.
فإن قلت: ذلك عندنا مشروط بقيام الدلالة على امتناع ما أشعر به ظاهر الكلام، وإلا لم يكن ذلك جائزا.
стр. 2533
قلت: هب أنه كذلك، لكن لا يشترط علم سامع المتشابه بذلك الدليل وفاقا، فكذا ها هنا يجب أن يشترط علم سامع الظاهر الذي أريد منه غير الظاهر بذلك الدليل الذي يدل على امتناع إرادة ظاهرة، وحينئذ يرتفع الوثوق عن جميع ظواهر الكتاب والسنة؛ إذ لا سبيل إلى العلم بعدم ذلك الدليل الذي يدل على امتناع إرادة الظاهر منها، بل غايته أنه لم يوجد بعد الاستقراء والطلب لكن ذلك لا يدل على العدم. وهذا تمام كلامه في ضعف هذه الطريقة.
ولقائل أن يقول: هذا الإشكال غير مختص بالقائلين بالتحسين والتقبيح بل هو وارد على المذهبين، فإن بتقدير أن يكون قبح الكذب شرعيا أمكن أن يقال: الكذب المحكوم عليه بالقبح شرعا، أما أن يكون هذا أو ذاك إلى آخر ما ذكر، ولم يدع القوم أن قبح الكذب إذا كان عقليا أمكن إجراء خطاب الله تعالى على ظاهره على القطع حتى يكون ما ذكروه واردا عليهم، ثم لم لا يجوز أن يقال: الكذب المحكوم عليه بالقبح هو الخبر الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه ظاهرا مع عدم إرادة المتكلم لذلك الغير الظاهر منه على وجه التجوز وهو غير ما ذكروه من القسمين وهو ممكن الوجود؟
ورابعها: خبر الرسول ﵇، وصدقه أيضا متفق عليه بين أرباب الملل والديانات، ودليل صدقه في كل الأخبار ظهور المعجزة على يده وهو ظاهر إن اقترن التحدي به وإلا فبالعرض، أي بواسطة ثبوت الرسالة كما تقدم.
وقال الشيخ الغزالي ﵀: (دليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه مع استحالة ظهور المعجزة على يد الكذابين؛ لأن ذلك لو كان ممكنا لعجز الله عن تصديق رسوله) وهو [غير] مرضي؛ لأنه لا يلزم من إمكانه
стр. 2534
عجزه عن تصديق رسله؛ وهذا لأن اللبس إنما يحصل من وقوعه على يد الكاذب، لا من إمكانه، فجاز أن يكون ممكنا لكنه يقطع بانتفائه فيحصل تصديق رسله مع إمكانه، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن مقطوعا بالانتفاء.
واعترض عليه بوجه آخر وهو: أنه إن كان يلزم من اقتداره تعالى على إظهار المعجزة على يد الكاذب عجزه [عن تصديق رسوله فكذا يلزم من عدم اقتداره على إظهار المعجز على يد الكاذب عجزه] عنه فلم كان نفى أحد العجزين عنه أولى من الآخر؟
وأيضا إذا فرض: أن / (٦٥/أ) الله تعالى قادر على إظهار المعجز على يد الكاذب - فمع هذا الفرض - إن كان تصديق الرسول ممكنا لم يصح قوله: "أنه يلزم من إمكان ظهور المعجز على يد الكاذب عجزه عن تصديق رسله، وإن لم يكن ممكنا لم يلزم العجز؛ لأن العجز إنما يتحقق بالنسبة إلى الممكنات، فأما بالنسبة إلى المستحيلات فلا؛ وهذا لأنه لا يوصف الله تعالى بالعجز عن خلق نفسه.
وأيضا: إذا استحال أن يقدر الله تعالى على تصديق رسله إلا إذا استحال منه إظهار المعجز على يد الكاذب: وجب أن ينظر - أولا - أن ذلك هل هو محال، أم لا؟ وأن [لا] يستدل باقتداره على تصديق الرسل على عدم قدرته على إظهار المعجز على يد الكاذب؛ لأن ذلك تصحيح الأصل بالفرع وهو دور.
سلمنا سلامته عن الدور، لكن لا نسلم أنه يستحيل ظهور المعجز على يد الكاذب، وما ذكرتم من الدلالة فهو معارض بما أنه ممكن في نفسه ومقدور الله تعالى في جميع الأوقات، ولم يقبح عليه فعله نظرا إلى ذاته فوجب أن يكون
стр. 2535
كذلك عند ادعاء الكاذب، وإلا لزم أن ينقلب الممكن ممتنعا، والمقدور معجوزا.
وفي هذه الاعتراضات نظر: أما الأول؛ فلأنا لا نسلم أنه يلزم من الحكم بعدم اقتداره على إظهار المعجز على يد الكاذب العجز حتى يقال: فلم كان نفي أحد العجزين عنه أولى من الآخر؟؛ وهذا لأن عد اقتداره عليه إنما هو على تقدير استحالته؛ إذ المستدل نفي إمكانه بما بين من الملازمة ونفي اللازم، ولا يتحقق العجز بالنسبة إلى المستحيل على ما اعترف به المعترض وإنما يلزم ذلك أن لو أثبت عدم اقتداره عليه على تقدير إمكانه وليس كذلك، ولا يمكن إيراده بالنسبة إلى الاستحالة بأن يقال: ليس الاستدلال بلزوم عدم اقتدار الله تعالى على تصديق رسله على استحالة ظهور المعجز على يد الكاذب على استحالة تصديق رسله؛ لأن إمكانه متفق عليه بين المليين القائلين بكونه تعالى قادرا، والكلام في خلق المعجز فرع أصل القدرة بخلاف [إمكان] إظهار المعجز على يد الكاذب، ولأنه وقع وهو دليل الإمكان بخلاف إظهار المعجز على يد الكاذب.
سلمنا لزوم العجز على التقديرين لكن لزوم العجز عن إظهار المعجز على يد الكاذب أولى من لزوم العجز عن تصديق رسله؛ لأن عجز الحكيم عن مراده، أو ما هو من لوازمه أخل بكمال قدرته من عجزه عما لا يريده، ولهذا يعبر الإنسان بالأول دون الثاني.
وأما الثاني؛ فلأنا لا نسلم أنه لا يلزم العجز على تقدير مجموع الأمرين وهو أن يكون الله تعالى قادرا على إظهار المعجز على يد الكاذب، وعدم
стр. 2536
إمكان تصديق الرسل حينئذ؛ وهذا لأن لزوم العجز بالنسبة إلى المحال وإن كان محالا لكن هذا المجموع أيضا محال عندنا والمحال جاز أن يستلزم المحال.
وأما الثالث فضعيف جدا؛ لأنه لا دور في الاستدلال بنقيض اللازم على نقيض الملزوم وإلا لبطل أحد شقي قياس التلازم حيث يكون الملزوم فرعا.
وأما الرابع، فهو أن انقلاب الممكن إلى الامتناع الذاتي محال، فأما الامتناع العارضي فلا نسلم استحالته ألا ترى أن الشيء قد يكون ممكن الوجود ثم أنه يصير ممتنع الوجود عند وجود ما ينافيه.
وخامسها: خبر مجموع الأمة عن الشيء إذ قد ثبت أن الإجماع حجة وذلك إنما يكون بعصمتهم عن الخطأ.
وسادسها: خبر من صدقه الله تعالى أو صدقه رسوله أو مجموع الأمة.
وسابعها: الجمع العظيم البالغ إلى حد التواتر إذا أخبر كل واحد منهم عن شيء غير ما أخبر به صاحبه - سواء كان الإخبار عن أمر وجداني أو غير فإنه لا بد وأن يقع فيها ما يكون صدقا، ولا يجوز أن يكون الكل كاذبا والعلم بذلك ضروري يجده الإنسان من نفسه والاستقراء أيضا يشهده ولذلك نقطع بأن في الأخبار المروية عن النبي ﵇ على سبيل الآحاد ما هو قوله وهو صدق قطعا، وإن كنا لا نعرف ذلك بعينه.
وثامنها: خبر من لم يصدق قط: "أنا كاذب" فإن هذا الخبر صادق قطعا؛ إذ لا يجوز أن يكون المخبر عنه لهذا الخبر هو نفسه وإلا لزم تأخر الشيء عن نفسه؛ ضرورة أن الخبر متأخر بالرتبة عن المخبر عنه بل ما قبله
стр. 2537
وهو كاذب فيه فصدق في هذا وفيه بحث يأتي.
الثاني فيما اختلف في صدقه من طرق صدق الخبر بالغير المتواتر وفيه مسائل.
المسألة الأولى
اختلفوا في أن القرائن إذا احتفت بخبر الواحد، هل تدل على صدقه أم لا ؟
فذهب النظام، وإمام الحرمين، والغزالي، والإمام إلى أنه يفيد وهو المختار.
وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد.
احتج القائلون بأن احتفاف القرائن بالخبر يفيد العلم: بأن الإنسان إذا سمع أن السلطان تغير اليوم على وزيره، واغتاض منه وأهانه، ثم إنه رأى الوزير خارجا من باب داره ماشيا وعليه من الذل والمسكنة وأثر الخوف والخجل ما يناسب لما سمع، وحواليه أعوان السلطنة كالمرتمين عليه وهم ذاهبون به إلى صوب حبس السلطان، ورأى عدوه نزل في بيته، وتصرف في ماله وخدمه، ورآه يباشر شغله فإنه يقطع بصدق / (٦٦/أ) ما سمع، ولا يجد من نفسه في ذلك شكا وارتيابا وإن شكك فيه، وكذلك إذا سمع من شخص أنه عطشان، ثم رأى منه العطش نحو يبس اللسان، وخروجه عن الفم،
стр. 2538
وقصده الماء وشربه منه شيئا كثيرا ورجوعه بعد ذلك إلى الحالة الطبيعية، فإنه يقطع بصدق خبره، وأمثاله كثيرة لا تعد ولا تحصى والحال في ذلك تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والقرائن، ولا يمكن الجزم في قرائن معينة بأنها تفيد كذا بالنسبة إلى جميع الأشخاص وفي جميع الأزمان، بل قد لا تفي العبارة عن وصف القرائن التي تفيد العلم بالشيء، والأمر فيه أيضا موكول إلى الوجدان كما في الخبر المتواتر.
واحتج المنكرون بوجوه:
أحدها: أن الخبر المحتف بالقرائن لو أفاد العلم: فإما أن يفيده باعتبار نفس الخبر، وهو باطل.
أما أولا: فلأن خبر الواحد لا يفيد العلم بوفاق بيننا وبين خصومنا.
وأما ثانيا: فلما سيأتي من الأدلة على أن خبر الواحد لا يفيد العلم.
أو يفيده باعتبار نفس القرائن، وحينئذ يلزم أن لا يكون للخبر فيه مدخل فيرجع حاصل النزاع إلى القرائن هل تفيد العلم، أم لا؟ وهو غير ما نحن فيه.
أو يفيد مجموع الأمرين، أو أحدهما بشرط الآخر وهما باطلان أيضا؛ لأن القرائن وحدها تفيد العلم فإنه لو لم يوجد الخبر فيما ذكرتم من الصورتين، وفرض إنسان شاهد تلك الأحوال والقرائن فإنه يجزم في الأول بتغير السلطان على الوزير وغصبه عليه، وبعطش ذلك الشخص في الثانية، فلا يكون الخبر مع تلك القرائن مفيدا.
وجوابه من وجوه:
أحدها: أن المفيد للعم حيث اجتمع الخبر والقرائن إن كان مجموع
стр. 2539
الأمرين أو أحدهما بشرط الآخر فقد حصل الفرض، وإن كان القرائن وحدها فذلك لا يجوز؛ لأن القرائن بدون الخبر إن لم تكن مستقلة بالإفادة فظاهر، وإن كانت مستقلة فكذلك؛ لأن الأثر إذا وجد عقيب مجموع يكون لكل واحد من أجزائه مدخل فيه لم يجز إحالته إلى بعضه، وإن كان بحيث يكون مستقلا بذلك لو وجد وجد منفردا عن الباقي، كما إذا حصل العلم عقيب مجموع قرائن عدة، فإنه لم يجز إحالته على بعض تلك القرائن، وإن كان بحيث لو وجد جد منفردا عن البقية لكان مستقلا بإفادة ذلك العلم.
وثانيها: أن القرائن قل ما تعين نوعا من جني، وجزئيا من نوع، فإذا انضم إليه الخبر أفاد جزئيا معينا وهو غير مستفاد من القرائن.
وثالثها: أن العلم الحاصل من القرائن والخبر آكد من العلم الحاصل بالقرائن وحدها، والعلم بذلك ضروري، وهذا العلم المؤكد يستحيل حصوله من تلك القرائن وحدها.
وثانيها: أن الخبر مع القرائن التي يذكرها المخالف لو أفاد العلم لما جاز انكشافه عن الباطل، لكن اللازم باطل، لأنا إذا سمعنا الخبر عن موت إنسان، وشاهدنا القرائن التي يذكرها المخالف معه من البكاء عليه والصراح وشق الجيوب، وضرب الخدود، وإحضار الجنازة والأكفان والغسال فإنه ربما قد ينكشف أنه لم يمت وكان ذلك بناء على أنه أغمي عليه، أو لحقه سكتة، أو أظهر ذلك خوفا ممن أراد قتله في ذلك الوقت ولم يتمكن منه بعده.
وجوابه: أن المخالف لم يعين مع الخبر قرائن معينة لإفادة العلم حتى يرد عليه ذلك، ولا يلزم من عدم حصول العلم في بعض صور القرائن في بعض الأحوال أن لا يحصل في شيء من صور القرائن في كل الأحوال بل الأمر فيه مختلف بحسب الوقائع والأحوال والأشخاص والعبرة في ذلك بحال سامع الخبر المحتف بالقرائن، فإن حصل له العلم علم أنه مفيد له وإلا فلا.
стр. 2540
ولو ذكر بعضهم ما تقدم ذكره من القرائن لذلك فإنما هو بناء على أنه قد يفيد ذلك لبعض الأشخاص في بعض الأحوال، فعدم إفادة ذلك المجموع للعلم في عموم الأحوال لا يقدح في ذلك.
وثالثها: أن الخبر مع القرائن لو أفاد العلم لوجب أن يحصل العلم بصدق مدعي النبوة إذا احتف بخبره القرائن، وحينئذ يجب الاستغناء عن المعجز وهو باطل.
وجوابه: أنا نلتزم أن خبره المحتف بالقرائن يفيد العلم بصدقه؛ إذ المعجز من جملة القرائن عندنا، وحينئذ لا يلزم الاستغناء عنه، وليس كل قرينة تصلح لإفادة العلم مع كل خبر بل يختص بعض الأخبار ببعض القرائن، والإخبار عن النبوة كذلك فإنه اختص بقرينة المعجز.
ورابعها: لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم لما حصل العلم بخبر التواتر عند فقد القرائن، واللازم [باطل] إذ لا يشترط في خبر التواتر وجود القرائن وفاقا.
وجوابه: أنه لا يلزم من قولنا: القرائن مع الخبر [قد تفيد العلم إنما هو المفيد لا غير سلمناه لكن لا نسلم أنه يمكن] انفكاك خبر التواتر عن القرائن؛ وهذا لأن من شرط خبر التواتر أن ينقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب لرغبة أو رهبة جامعة لهم أو التباس يعمهم وهو قرينة.
سلمنا الانفكاك لكن لا نسلم أنه يفيد إذ ذاك.
وخامسها: أنه لو أفاد خبر محتف بالقرائن العلم لأفاد كل خبر محتف بالقرائن كالخبر المتواتر، لكن اللازم باطل لما سبق أن / (٦٧/أ) بعض الأخبار المحتف بالقرائن لا يفيده والملزوم مثله.
стр. 2541
وجوابه: أنه إن عنى بقوله: "كل خبر محتف بالقرائن" كل خبر من أنواع الأخبار المحتف بالقرائن من كل نوع من أنواع القرائن، فالملازمة ممنوعة، والقياس على الخبر المتواتر غير مفيد؛ لأنه إن عنى بالخبر المتواتر ما يرويه أهل التواتر فالحكم فيه ممنوع، إذ ليس كل خبر يرويه أهل التواتر يفيد العلم، وإن عنى به ما يفيد العلم فليس هو على وزان ما نحن فيه.
وسادسها: أن الخبر المحتف بالقرائن لو أفاد العلم فلو فرض خبر آخر مضاد له محتف بالقرائن فإن أفاد لزم اجتماع الضدين، وإن أفاد أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.
وجوابه: أنه فرض محال، فإنه مهما أفاد خبر محتف بالقرائن العلم استحال أن يوجد خبر آخر محتف بالقرائن التي تفيد العلم مضاد له كما سبق في التواتر.
المسألة الثانية
إذا أخبر واحد بحضرة جماعة كثيرة عن شيء محسوس بحيث لا يخفى عن مثلهم، وسكتوا عن تكذيبه كان ذلك دليلا على صدقه عند قوم، وخالف فيه آخرون .
احتج الأولون بأن سكوت الجماعة عن التكذيب لو لم يكن دليلا على الصدق لكان سكوتهم عنه لا يخلو إما أن يكون مع علمهم بكذبه، أو لا مع علمهم بكذبه والقسمان باطلان، فبطل أن لا يكون دليلا على الصدق.
стр. 2542
أما بطلان القسم الأول، فلأن الداعي إلى التكذيب حاصل؛ لأن من سمع كذبا ظاهرا، وبهتا صريحا، وأراد الصبر عن تكذيبه فإنه يجد من نفسه مشقة على ذلك الصبر، لا سيما حيث يكون السكوت مغلبا لظن الصدق، وجاريا مجرى الشهادة عليه، والمانع منه زائل؛ لأن ذلك المانع إما رغبة أو رهبة، والجمع العظيم لا يعمهم من الرغبة والرهبة ما يحملهم على كتمان ما يعلمونه، لا من غير السلطان وهو ظاهر ولا منه لما سبق في الاستدلال على صدق خبر التواتر، وبتقدير أن يتصور ذلك منه لكن ليس النزاع محصورا في خبره بل لا فرق عند الخصم بين خبره وخبر غيره في أنه لا يفيد، فإذا ثبت ذلك بالنسبة إلى خبر غيره وجب أن يثبت بالنسبة إلى خبره؛ إذ لا قائل بالفصل بل بالطريق الأولى؛ لأن احتراز الأكابر عن الكذب أولى لما أنه يزرى بهم، ولأننا نفرض الكلام فيما ليس المانع من التكذيب موجودا، أو إذا كان الداعي إلى التكذيب حاصلا والمانع منه زائلا وجب أن يحصل التكذيب وإلا لزم تخلف المسبب عن السبب التام وهو ممتنع.
وأما بطلان القسم الثاني؛ فلأنه يمتنع عادة، أن لا يطلع واحد منهم على كذبه. وإذا بطل القسمان وجب أن يكون دليلا على الصدق.
أجاب الآخرون عنه: بأن مقصودهم من هذا الكلام إن كان إثبات غلبة الظن بصدقه فهو حق، وإن كان المقصود منه القطع فهو باطل؛ لأنه لا امتناع في أن لا يكون لهم اطلاع على تلك القضية، ولا نسلم أن العادة تحيل هذا بالنسبة إلى كل جمع، وكل قضية؛ وهذا لأنه لا امتناع في أن يغفل سكان أحد شقي المدينة عما وقع في شق الآخر من الأمور التي لا يحتفل به فكيف الجمع العظيم الحاضرون في مجلس واحد.
سلمنا امتناع ذهول الكل، لكن العادة لا توجب علم الكل فلعل البعض منهم نحو الواحد والاثنين يعلم ذلك، وسكوت مثل هذا البعض عن
стр. 2543
التكذيب لرغبة أو رهبة غير ممتنع عادة، وأما قولكم: نفرض الكلام حيث لا مانع من التكذيب فلا نسلم إمكانه على وجه القطع بل على وجه غلبة الظن وذلك لا يفيد القطع بالصدق.
سلمنا وجوب علم الكل لكن لا نسلم امتناع سكوتهم لمانع، ولا نسلم أنه لا يعمهم من الرغبة والرهبة لما يحلمهم على الكتمان على وجه القطع، إذ لا امتناع في أن يكون المخبر ممن يخاف شره لسعاية، أو تقول، وافتراء فيسكتوا عن تذيبه.
المسألة الثالثة
إذا أخبر واحد بين يدي الرسول ﵇، وسكت الرسول ﵇ عن تكذيبه، وعلم عدم ذهوله ﵇ عما يقوله فهل يدل ذلك على صدقه أو لا ؟
اختلفوا فيه:
فذهب جمع إلى أنه يدل على صدقه مطلقا؛ لأنه لو كان كذبا لأنكره الرسول ﵇ وإلا كان مقرا له على الكذب، وموهما لتصديقه وهو غير جائز منه ﵇.
وأنكره بعضهم مطلقا، والحق فيه التفصيل وهو: أن ذلك الخبر إما أن يكون خبرا عن أمر ديني، أو دنيوي:
فإن كان خبرا عن أمر ديني فهو يدل على صدقه لكن بشروط:
أحدها: أن لا يكون قد تقدم بيان ذلك الحكم؛ فإن بتقدير أن تقدم بيانه لا يكون السكوت دليل الصدق؛ لاحتمال أن يكون السكوت إنما كان
стр. 2544
استغناء على ما تقدم من البيان؛ إذ لا يجب عليه ﵇ بيان الشرائع في كل حين، وبالنسبة إلى كل أحد، وإلا لما بقي في الشريعة المحتملات، والمظنونات بل كان الكل متواترا.
وثانيها: أن يجوز تغير ذلك الحكم عما بينه فيما قبل؛ فإن بتقدير أن يكون ذلك الحكم مما لا يجوز تغيره اندفع احتمال النسخ فلم يكن المسكوت / (٦٨/أ) موهما للتصديق.
وثالثها: أن يكون ذلك المخبر ممن لم يعرف عناده للنبي ﵇ وكفره به، فإن بتقدير أن يكون كذلك لم ينفع فيه الإنكار فلم يجب عليه [عليه] السلام إنكاره وبيانه بالنسبة إليه، ولا كان السكوت موهما للتصديق، وأما بالنسبة إلى غيره فلم يجب بيانه أيضا؛ لاحتمال أن يكون ذلك الوقت لم يكن وقت الحاجة إليه بالنسبة إلى الغير.
وهذا تفريع على أنه لا يجوز منه تعمد صغيرة ولا كبيرة فإن جوز منه الصغائر فلينظر أن السكوت فيه وعدم الإنكار إن كان من باب الصغائر فلا يدل ذلك على صدقه على القطع، وإن غلب على الظن صدقه، وإن كان من باب الكبائر فيدل ذلك على صدقه.
وإن كان خبرا عن أمر دنيوي فيدل أيضا على صدقه بشروط.
أحدها: أن يستشهد بالنبي ﵇ ويدعي عليه علمه بالمخبر عنه فإن بتقدير أن لا يستشهد به ﵇ لا يكون السكوت دليل الصدق، أو لم يجيب عليه ﵇ بيان الأمور الدنيوية وفيه نظر؛ لأنه وإن لم يجب عليه ذلك لكن يجب عليه الإنكار من حيث تعاطي الكذب وذلك يكفي فيه
стр. 2545
علمه [بالقضية ولا حاجة إلى اشتراط الاستشهاد.
وثانيها: أن يعلم علمه]﵇ بالقضية؛ فإن بتعدير أن لا يعلم ذلك لا يكون السكوت دليل الصدق؛ لاحتمال أن يكون ﵇ إنما سكت لكونه لم يعلم حقيقة الحال فيها.
وثالثها: أن يكون المخبر ممن لا يعلم أنه لا ينفع فيه الإنكار، فإن بتقدير أن يعلم أنه لا ينفع فيه الإنكار سقط الأمر عن الإنكار عليه ثم هو تفريع على ما تقدم بيانه.
المسألة الرابعة
اجماع الأمة على موجب خبر لا يدل على القطع بصدقه خلافا للكرخي وأبي هاشم وأبي عبد الله البصري؛ لأنه يحتمل أن يكون عملهم لدليل آخر غايته أنه لم ينقل إلينا، لكن ذلك لا يدل على عدمه؛
стр. 2546
لاحتمال أنه كان منقولا إليهم ولم ينقل إلينا اكتفاء بالإجماع، وهذا الاحتمال وإن أن ثابتا بالنسبة إلى الخبر الذي نقل إلينا، لكن الاحتمال لا يجب اطراده في جميع المحال الذي هو محتمل فيه.
سلمنا عدم احتمال عمل كلهم بذلك الدليل الآخر لكن جاز أن يكون عمل بعضهم بهذا، وعمل البعض الآخر بذلك، وعمل بعض الأمة بخبر لا يوجب القطع بصحته.
سلمنا أن كلهم عملوا به لكن لا نسلم أن ذلك يدل على صدقه؛ لأنه يجوز أن عملوا به وهو مظنون الصدق، فإن العمل بمظنون الصدق واجب وحينئذ لا يكون ذلك دليل الصدق.
لا يقال: أنهم لما اتفقوا على العمل به دل ذلك على أنه لا يكون كذبا قطعا وإن كان قبله مظنون الصدق وإلا احتمل أن يكون إجماعهم خطأ؛ لأنا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأنهم لما كلفوا بالعمل بموجب الظن كان العمل بما غلب على الظن صدقه صوابا سواء كان في نفسه كذلك أو لم يكن.
احتج الخصم: بأن المعلوم من عادة أئمتنا فيما لم يقطعوا بصحته: أن لا يتفقوا على مدلوله بل يقبله البعض، ويرده البعض الآخر فلما اتفقوا عليه دل ذلك على أنه كان مقطوع الصحة عندهم.
وجوابه: منع العلم بهذه العادة، وكيف يقال ذلك وقد علم أنهم قد يتفقون على مظنون الصدق كاتفاقهم على أخذ الجزية من المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف؟ وكاتفاقهم على ما روى الصديق: "الأنبياء يدفهون حيث يموتون" و"الأئمة من قريش" وما يجري مجراها.
стр. 2547
المسألة الخامسة
قال بعض الشيعة:
بقاء النقل، مع توافر الدواعي على إبطاله يدل على صحته قطعا كخبر الغدير، المنزلة، فإنه سلم نقلهما في زمان بني أمية مع توفر
стр. 2548
دواعيهم على إبطالهما.
وهو أيضا ضعيف؛ لأن المروي بالآحاد قد يشتهر بحيث يعجز العدو عن إخفائه، هذا إن تمسك بشهرة النقل، وإن تمسك بتسليم الخصم فهذا أيضا لا يدل على الصحة؛ لاحتمال أنه سلمه على وجه غلبة الظن بصدقه، لا على وجه القطع، ومن هذا نعرف أن مجموع الأمرين أيضا لا يفيد ذلك أيضا.
سلمنا أنه يفيد ذلك لكن متى، عندما خلا عن المعارض لإشاعته واشتهاره، أو مطلقا؟.
والأول مسلم، لكن لا يفيد؛ لأنه لم يوجد هذا الشرط فيما نحن فيه؛ لأن دواعي الشيعة على إشاعته وإفشائه قد حصلت وصارت صوارف بني أمية معارض بها، وكيف والترجيح للمعارض؛ لأن الناس إذا منعوا من إفشاء فضيلة شخص كانت محبتهم له، وحرصهم على إشاعة مناقبه ومآثره أشد مما إذا لم يمنعوا.
ويؤكده ما قيل: (الإنسان حريص على ما منع) والثاني ممنوع؛ وهذا لأن الشيء مع وجود المعارض له لا يوجب أثره إلا بصفة الرجحان، وهو ممنوع بل هو من جهتنا كما تقدم.
стр. 2549
المسألة السادسة
اختلفوا في أن شطر الأمة إذا قبل الحديث وعمل بمقتضاه، أو احتج به في مسألة علمية، والشطر الآخر اشتغل بتأويله هل يدل ذلك على صحته على وجه القطع ؟
الأكثرون على أن ذلك لا يدل عليه وهو الحق؛ لأن من قبله وعمل بمقتضاه لعله قبله لكونه مظنون الصدق، ولو فرض الحديث في المسألة العلمية فنقول: من أوله ولم يحتج به طعن فيه بأنه من باب الآحاد، إذ لا يجوز أن [يكون] مقطوعا به ويؤوله ولا معارض له.
سلمنا أنه لم يطعن فيه، لكن عدم الطعن لا يفيد القطع بالصحة.
وذهب الأقلون إلى أنه يدل عليه؛ لأنهم تلقوه بالقبول وذلك يفيد القطع بصحته، غاية ما في الباب أنه لم يعمل بمقتضاه بعضهم أو لم يحتج به، وذلك لا يقدح في متنه.
[وجوابه: أنا لا نسلم أن تلقيهم بالقبول يفيد القطع بالصحة؛ لاحتمال أن يكون ذلك على وجه غلبة الظن بصدقه].
стр. 2550
الفصل / (٦٩/أ) الثاني
من كتاب الأخبار
في الخبر الذي يقطع بكذبه وفيه مسائل:
стр. 2551
الفصل / (٦٩/أ) الثاني
من كتاب الأخبار
في الخبر الذي يقطع بكذبه وفيه مسائل:
المسألة الأولى
الخبر الذي يكون على خلاف ما علم وجوده بالضرورة سواء كان المعلوم بالضرورة بديهيا، أو وجدانيا، أو حسيا، أو على خلاف ما علم وجوده بنظر العقل أو على خلاف ما علم وجوده بخبر الله تعالى، أو خبر رسوله، أو خبر مجموع الأمة وبالجملة كل خبر يكون على خلاف ما علم صدقه قطعا فهو كذب قطعا.
والمعنى من كونه على خلافه هنا هو أن لا يمكن الجمع بينهما بوجه ما.
ومن هذا الباب خبر من لم يكذب قط: "أنا كاذب" فإن هذا الخبر كذب قطعا؛ لأنه لا يجوز أن يكون المخبر عنه لهذا الخبر هو نفسه لما تقدم، فيكون ما تقدم من الأخبار وهو صادق فيه فيكذب هذا.
واعترض عليه: بأن هذا وما تقدم في فصل خبر الصدق مبني على أنه لا يجوز اتحاد الخبر والمخبر عنه بكذبه وهو ممنوع، فإن قول من لم يتكلم في يوم قط: "أنا كاذب في هذا اليوم" خبر اتحد مع المخبر عنه بكذبه.
وجوابه: أنه لا يجوز اتحادهما بكذبه، لأن رتبة المخبر عنه متقدمة على الخبر؛ بدليل أنه يصح أن يقال: وجد هذا فأخبر عنه، وإذا كان كذلك فلو جاز اتحادهما لزم تأخر المتقدم، أو تقدم المتأخر وهو محال، أو ما قاله في سند منعه: من أن قول من لم يتكلم في يوم قط: "أنا كاذب في هذا اليوم"
стр. 2552
خبر اتحد مع المخبر عنه بكذبه فممنوع؛ وهذا لأن كذبه عندنا إنما هو من جهة أن صدقه يتوقف على أن يكون قد صدر منه في ذلك اليوم خبر كذب متقدم على هذا الخبر، وليس كذل إذا لم يصدر منه في ذلك اليوم قبل هذا الخبر خبر كذب، وانتفاء هذا المجموع تارة يكون بانتفاء الكذب، وتارة بانتفاء أصل الخبر فيكون كذبا بهذا الاعتبار لا باعتبار نفسه.
ومن هذا القبيل قول القائل: "كل أخباراتي كذب"، فإن هذا الخبر مقطوع بكذبه؛ لأنه إن صدق خبر من أخباره كذب هذا، وإن كذب الكل كذب هذا أيضا، وهو بمني على أن هذا الخبر من جملة المخبر عنه بهذا الخبر فإن لم يجوز هذا لم يلزم كذبه قطعا؛ لأنه يحتمل أن يكون كاذبا في كل ما تقدم من أخباره فيكون صادقا في هذا نعم لو فرض صدوره عمن لم تكن جميع أخباره المتقدمة كذبا كان كذبه مقطوعا به.
المسألة الثانية
الواحد إذا انفرد بنقل ما لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله؛ إما لتعلق الدين به: كأصول الشرع، أو لغرابته: كسقوط المؤذن من المنارة بمشهد الجمع العظيم والجم الغفير، أولهما جميعا: كالمعجزات، ولم ينقله الباقون فهو أيضا مما يقطع بكذبه عند الج ماهير وهو الحق، خلافا للشيعة فإنهم جوزوا في مثل هذا أن لا يظهر لخوف وتقية زعما منهم أن النص على إمامة علي ﵁ صحيح وإن لم ينقل نقلا متواترا لمانع.
احتج الجماهير: بأنه لو جاز أن لا ينقل مثل هذا - لجاز أن يكون بين
стр. 2553
بغداد والبصرة مدينة أكبر منهما مع أنه لم ينقل إلينا.
ولجاز أن يقال: إن القرآن عورض لكنه لم ينقل إلينا بالتواتر.
وأن الرسول أوجب زيارته كما أوجب الحج لكنه لم ينقل إلينا، ولما كانت هذه اللوازم باطلة: فكذا ملزومها.
فإن قيل: نحن إنما جوزنا ذلك فيما نقله خوف وتقية، وفي كتمانه رغبة ورجاء عوض كما في النص على إمامته ﵁ فإنه لم يزل منازعوه فيها متسولين على الناس وهم راجون منهم، وخائفون منهم، فجاز أن تحملهم الرغبة والرهبة على كتمان ذلك، فأما ما ذكرتم من الأمور فليس في كتمانه رغبة، ولا في إظهاره رهبة، فلا جرم لم يجز أن يتطابقوا على كتمانه.
سلمنا أنه لا فرق لكن العلم بعدم تلك الأمور، إن لم يتوقف على العلم بأنه لو كان لنقل فقد سقط هذا الكلام، وإن توقف لم يكن العلم بعدم تلك الأمور ضروريا بل نظريا؛ لأنه لا يجوز توقيف الضروري على النظري، لكن ذلك باطل؛ لأن الناس كما يعلمون بالضرورة وجود بغداد والبصرة فكذا يعلمون بالضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما.
سلمنا تجويز توقيفه عليه لكن ما ذكرتم أمثلة جزئية، والقاعدة الكلية لا تثبت بالأمثلة الجزئية، وإن قستم صورة المتنازع عليه فغير مفيد؛ لأنه قياس تمثيلي لا يفيد اليقين والمسألة علمية، وبتقدير أن يفيده، أو أن يكتفى فيها بالظن فهو أيضا غير مفيد بما تقدم من الفرق.
стр. 2554
ثم ما ذكرتم معارض بصور أحدها: أن انشقاق القمر معجزة فتتوفر الدواعي على نقله لغرابته ولتعلق الدين به بل هو أعظم المعجزات وأعجبها؛ لأن سائر معجزات الأنبياء ونبينا ﵈ إنما هو التصرف في الأجسام العنصرى السفلى، والمخالف ربما يجوز عليها ما لا يجوز على الأجسام العلوى، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أظهر معجزته فيما ثم أنه لم ينقل نقلا متواترا.
وثانيها: أن تسبيح الحصا، وإشباع الخلق الكثير من الطعام
стр. 2555
القليل، ونبوع الماء من بين الأصابع، وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها ثم
стр. 2556
إنها لم تنقل / (٧٠/أ) متواترا.
لا يقال: إن ذلك إنما [كان] كذلك لحصول الاستغناء [عن نقلها على وجه التواتر بنقل القرآن متواترا؛ لأنا لا نسلم حصول هذا الاستغناء] وهذا لأن كون القرآن معجزا أ/ر لا يعرف إلا بدقيق النظر، وأما العلم بكون ما تقدم من الأمور معجزا فعلم ضروري فكيف يحصل الاستغناء به عن نقلها؟
ولو جاز أن يجعل حصول المطلوب منه وإن كان مبنيا على نظر دقيق وفكر غامض سببا لفتور الدواعي عن نقل تلك الأمور جاز مثله فيما نحن فيه بأن يجعل دلالة قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ الآية، ودلالة خبر الغدير والمنزلة على إمامة علي ﵁ سببا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي على إمامته ﵁.
стр. 2557
وثالثها: أن إفراد الإقامة وتثنيتها، والجهر بالتسمية، ودخوله ﵇ مكة عنوة أو صلحا، من أظهر الأمور وأجلاها ثم أنه لم ينقل نقلا
стр. 2558
متواترا.
ورابعها: أن كلام المسيح ﵇ في المهد من أعظم الأمور التي تتوفر الدواعي على نقلها، والنصارى مع كثرتهم في شرق البلاد وغربها، ومع محبتهم فيه ﵇، ورغبتهم في إظهار معجزاته ومناقبه لم ينقلوا ذلك نقلا متواترا، وكذا معجزات أكثر الأنبياء المتقدمين، والوقائع العجيبة التي اتفقت لهم تتوفر الدواعي على نقلها مع أنها لم تنقل نقلا متواترا.
الجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن ما ذكرتم هو مظنة الرغبة والرهبة وأما حديث البلدان وما يجري مجراها فليس كذلك، لكن نقول: إنه ما يستحيل عادة من الجماعة العظيمة كتمان ما لا رغبة في كتمانه، ولا رهبة في إظهاره، فكذا يستحيل عادة أن يعمهم رغبة ورهبة على كتمان ما يعلمونه لا سيما إذا علموا أن في إظهاره الثواب، وفي كتمانه العقاب، والناقلون هم السلف الصالح وهذا لا يصلح أن يكون جائزا أصلا.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن ذلك العلم ضروري، بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى حصول واسطة مؤدية إليه؛ وهذا فإن الناس إذا سئلوا عنه يعللونه بأنه لو كان لنقل كغيره من البلاد، ولو كان حاصلا من غير واسطة لما علل كما في سائر القضايا التي تحصل من غير واسطة، وإن كان ضرورياً
стр. 2559
بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى اكتساب الواسطة وشكلها.
وعن الثالث: أنا لا نثبت الحكم بالأمثلة المذكورة، بل نثبت ذلك بما ركب الله تعالى في الطباع من العلم العادي بذلك، وإنما ذكرنا تلك الأمثلة للتنبيه على ذلك.
وعن المعارضة الأولى: أن الذين شاهدوا ذلك كانوا قليلين، لأنه من الآيات الليلية حدث حين الناس نيام، أو غافلون عنه لا سيما - حدث في لحظة كلمح بالبصر؛ ولهذا كثيرا ما يتفق الخسوف ولم ينتبه الناس له إذا لم يحدثوا به قبل وقوعه. والنبي ﵇ ما دعاهم إلى ذلك حتى كانوا يترقبونه، ولا تمادى زمانه حتى ينبههم صياح المشاهدين وضجتهم كما في الخسوفات، فإن من لم يسمع بذلك قبل وقوعه فإنه ربما ينتبه له بسبب تسبيح المشاهدين وصياحهم، بل هو شديد الشبه بوقوع الصواعق في الليل فإنه قل من ينتبه له، وبه خرج الجواب عن المعارضة الثانية: فإن تلك الأمور وإن وقعت في النهار لكن بعضها في السفر الذي قل ما يتفق اجتماع الرفاق الكثير فيه في مكان واحد، لاشتغالهم بأشغال المسافرين وبعضها وإن كان في الحضر لكن ما كان في معرض التحدي مع المنكرين حتى كان يجتمع له الناس فلعل المشاهدين لتلك الأمور كانوا قليلين فلذلك لم يتواتر.
وعن الثالث: أما حديث إفراد الإقامة وتثنيتها فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن المؤذن ربما كان يفرد مرة، ويثني أخرى فنقل بعضهم الإفراد
стр. 2560
وأهمل التثنية، ونقل الآخرون التثنية وأهملوا الإفراد، لعلمهم أن التساهل في هذا هين لكونه لا يتعلق به أصل من أصول الدين لا نفيا ولا إثباتا، مع أن كلا من الفريقين سمع الإفراد والتثنية معا؛ إذ يبعد عادة احتمال اختصاص أحد الفريقين بسماع أحد الأمرين بعينه دائما، والآخر بسماع الأمر الآخر بعينه دائما حتى يقال أن كون كل واحد من الفريقين نقل ما سمع.
وثانيهما: أنهم إنما لم يهتموا بنقلها، لما عرفوا أن [هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرا ولا بدعة ولما لم] يهتموا به وتساهلوا الأمر فيه نسوا ما سمعوه في زمن الرسول ﵇ لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة ثم الذين سمعوا ذلك انقرضوا فصارت الرواية من باب الآحاد.
وأما الجهر بالتسمية فعنه أيضا جوابان:
أحدهما: نحو ما سبق وهو أن فعله ﵇ فيه كان مختلفا.
وثانيهما: أنه ﵇ ربما كان يخفي صوته في ابتداء القراءة، ثم يعلو صوته على التدريج فالقريب منه كان يسمع الجهر بالتسمية دون البعيد فنقل بعضهم الجهر دون الباقين.
وأما دخوله ﵇ مكة عنوة أو صلحا فالجواب عنه: أن / (٧١/أ) دخوله عنوة نقله الجمع الكثير والجم الغفير، وهو مستفاض مشهور، وإنما خالف بعضهم فيه لشبهة، وهي أنه ﵇ أمر بأداء دية من قتله خالد بن الوليد، ولا يبعد ذلك من الآحاد، فإن الضروريات قد تنكرها
следующие страницы →