Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
إنها لم تنقل / (٧٠/أ) متواترا.
لا يقال: إن ذلك إنما [كان] كذلك لحصول الاستغناء [عن نقلها على وجه التواتر بنقل القرآن متواترا؛ لأنا لا نسلم حصول هذا الاستغناء] وهذا لأن كون القرآن معجزا أ/ر لا يعرف إلا بدقيق النظر، وأما العلم بكون ما تقدم من الأمور معجزا فعلم ضروري فكيف يحصل الاستغناء به عن نقلها؟
ولو جاز أن يجعل حصول المطلوب منه وإن كان مبنيا على نظر دقيق وفكر غامض سببا لفتور الدواعي عن نقل تلك الأمور جاز مثله فيما نحن فيه بأن يجعل دلالة قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ الآية، ودلالة خبر الغدير والمنزلة على إمامة علي ﵁ سببا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي على إمامته ﵁.
стр. 2557
وثالثها: أن إفراد الإقامة وتثنيتها، والجهر بالتسمية، ودخوله ﵇ مكة عنوة أو صلحا، من أظهر الأمور وأجلاها ثم أنه لم ينقل نقلا
стр. 2558
متواترا.
ورابعها: أن كلام المسيح ﵇ في المهد من أعظم الأمور التي تتوفر الدواعي على نقلها، والنصارى مع كثرتهم في شرق البلاد وغربها، ومع محبتهم فيه ﵇، ورغبتهم في إظهار معجزاته ومناقبه لم ينقلوا ذلك نقلا متواترا، وكذا معجزات أكثر الأنبياء المتقدمين، والوقائع العجيبة التي اتفقت لهم تتوفر الدواعي على نقلها مع أنها لم تنقل نقلا متواترا.
الجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن ما ذكرتم هو مظنة الرغبة والرهبة وأما حديث البلدان وما يجري مجراها فليس كذلك، لكن نقول: إنه ما يستحيل عادة من الجماعة العظيمة كتمان ما لا رغبة في كتمانه، ولا رهبة في إظهاره، فكذا يستحيل عادة أن يعمهم رغبة ورهبة على كتمان ما يعلمونه لا سيما إذا علموا أن في إظهاره الثواب، وفي كتمانه العقاب، والناقلون هم السلف الصالح وهذا لا يصلح أن يكون جائزا أصلا.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن ذلك العلم ضروري، بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى حصول واسطة مؤدية إليه؛ وهذا فإن الناس إذا سئلوا عنه يعللونه بأنه لو كان لنقل كغيره من البلاد، ولو كان حاصلا من غير واسطة لما علل كما في سائر القضايا التي تحصل من غير واسطة، وإن كان ضرورياً
стр. 2559
بمعنى أنه لا يحتاج في العلم به إلى اكتساب الواسطة وشكلها.
وعن الثالث: أنا لا نثبت الحكم بالأمثلة المذكورة، بل نثبت ذلك بما ركب الله تعالى في الطباع من العلم العادي بذلك، وإنما ذكرنا تلك الأمثلة للتنبيه على ذلك.
وعن المعارضة الأولى: أن الذين شاهدوا ذلك كانوا قليلين، لأنه من الآيات الليلية حدث حين الناس نيام، أو غافلون عنه لا سيما - حدث في لحظة كلمح بالبصر؛ ولهذا كثيرا ما يتفق الخسوف ولم ينتبه الناس له إذا لم يحدثوا به قبل وقوعه. والنبي ﵇ ما دعاهم إلى ذلك حتى كانوا يترقبونه، ولا تمادى زمانه حتى ينبههم صياح المشاهدين وضجتهم كما في الخسوفات، فإن من لم يسمع بذلك قبل وقوعه فإنه ربما ينتبه له بسبب تسبيح المشاهدين وصياحهم، بل هو شديد الشبه بوقوع الصواعق في الليل فإنه قل من ينتبه له، وبه خرج الجواب عن المعارضة الثانية: فإن تلك الأمور وإن وقعت في النهار لكن بعضها في السفر الذي قل ما يتفق اجتماع الرفاق الكثير فيه في مكان واحد، لاشتغالهم بأشغال المسافرين وبعضها وإن كان في الحضر لكن ما كان في معرض التحدي مع المنكرين حتى كان يجتمع له الناس فلعل المشاهدين لتلك الأمور كانوا قليلين فلذلك لم يتواتر.
وعن الثالث: أما حديث إفراد الإقامة وتثنيتها فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن المؤذن ربما كان يفرد مرة، ويثني أخرى فنقل بعضهم الإفراد
стр. 2560
وأهمل التثنية، ونقل الآخرون التثنية وأهملوا الإفراد، لعلمهم أن التساهل في هذا هين لكونه لا يتعلق به أصل من أصول الدين لا نفيا ولا إثباتا، مع أن كلا من الفريقين سمع الإفراد والتثنية معا؛ إذ يبعد عادة احتمال اختصاص أحد الفريقين بسماع أحد الأمرين بعينه دائما، والآخر بسماع الأمر الآخر بعينه دائما حتى يقال أن كون كل واحد من الفريقين نقل ما سمع.
وثانيهما: أنهم إنما لم يهتموا بنقلها، لما عرفوا أن [هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرا ولا بدعة ولما لم] يهتموا به وتساهلوا الأمر فيه نسوا ما سمعوه في زمن الرسول ﵇ لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة ثم الذين سمعوا ذلك انقرضوا فصارت الرواية من باب الآحاد.
وأما الجهر بالتسمية فعنه أيضا جوابان:
أحدهما: نحو ما سبق وهو أن فعله ﵇ فيه كان مختلفا.
وثانيهما: أنه ﵇ ربما كان يخفي صوته في ابتداء القراءة، ثم يعلو صوته على التدريج فالقريب منه كان يسمع الجهر بالتسمية دون البعيد فنقل بعضهم الجهر دون الباقين.
وأما دخوله ﵇ مكة عنوة أو صلحا فالجواب عنه: أن / (٧١/أ) دخوله عنوة نقله الجمع الكثير والجم الغفير، وهو مستفاض مشهور، وإنما خالف بعضهم فيه لشبهة، وهي أنه ﵇ أمر بأداء دية من قتله خالد بن الوليد، ولا يبعد ذلك من الآحاد، فإن الضروريات قد تنكرها
стр. 2561
الشرذمة القليلة من الناس ولا يقدح ذلك في ضرورتها، وأيضا فإنهم لما رأوا في أنفسهم الضعف وفي النبي ﵇ وأصحابه القوة وإشرافهم على الفتح سلموا له الأمر وجاؤا إليه قبل دخوله مكة، وخيلوا وأرجفوا بأنهم سلموا له الأمر صلحا، ولم يطلع كل أحد على ما جرى بينه ﵇ وبينهم عند دخولهم عليه فربما أثر ذلك في أذهان بعضهم فنقلوا أنه دخلها صلحا، وإلا فأمارة دخوله قهرا ظاهرة، فإنه ﵇ دخلها متسلحا بالألوية والأعلام مع بذل الأمان لمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان، ولو كان الدخول صلحا لم يكن لإعطاء الأمان بهذه الأمور معنى.
وعن الرابع: أما كلام عيسى ﵇ في المهد فإنما لم ينقل نقلا متواترا؛ لأنه [لم] يتكلم بحضرة عدد يحصل بنقله التواتر بل كان ذلك بحضرة نفر قليل، فلا جرم لم يحصل التواتر بخلاف سائر معجزاته نحو إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، فإنه كان عند دعوى الرسالة في
стр. 2562
معرض التحدي بحضرة جمع عظيم، وقد تكرر ذلك منه مرارا وشاهد ذلك المصدق والمكذب فلذلك صار متواترا.
وهو الجواب أيضا عن معجزات أكثر الأنبياء؛ فإن الذي شاهدوا تلك المعجزات ربما كانوا قليلين، فإنهم ما كانوا يظهرونها مستدلين بها على نبوتهم؛ إذ لم يدعوا إلى أنفسهم وإلى شريعتهم بل إلى شرائع من كان قبلهم من الأنبياء فهم كالخلفاء والأئمة لهم فذلك ما كان يجتمع لها الناس؛ فلذلك لم يتواتر نقله، ولو سلم أن المشاهدين كانوا عددا يحصل بنقلهم التواتر، وأنهم كانوا يظهرونها في معرض التحدي، لكنهم انقرضوا ولم يبق من أممهم بقية [حتى كان يبقى متواترا فلعله ما دام بقي من أممهم بقية] ثم صار من باب الآحاد؛ لانقراضهم وعدم الاعتناء من جاء بعدهم بنقله. فإن قلتم بمثل هذا الاحتمال في النص الجلي على إمامته ﵁[سقطت الحجة به لأنه يصير من باب الآحاد فلا يمكن الإثبات به] وهو الجواب بعينه عن الوقائع العجيبة التي اتفقت لهم وللأمم الماضية بل عدم نقلها وتواترها أولى؛ لأنه لم يتعلق به غرض من أغراض الدين، وهذا بخلاف النص الجلي على إمامة علي ﵁ فإنه يتعلق به غرض أصلي من أغراض أصول الدين.
المسألة الثالثة
الخبر الذي يروى في وقت قد استقرت فيه الأخبار، فلم يوجد بعد الفحص والتفتيش في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة ولا يعرفه أحد من النقلة بوجه من الوجوه: علم قطعا أنه كذب ، إذ لا طريق إلى حصوله إلى الخلف إلا من النقلة أو من الكتب، فإذا لم يوجد فيهما علم كذبه قطعاً.
стр. 2563
فأما قبل استقرار الأخبار كما هو في زمن الصحابة فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لم يعرفه الباقون.
المسألة الرابعة
في أن الأخبار المروية عنه ﵇ بالآحاد قد وقع فيها ما يقطع بكذبه .
ويدل عليه وجوه:
أحدها: ما روي عنه ﵇ أنه قال: "سيكذب علي" فهذا الخبر إن لم يكن قاله ﵇[فقد حصل الكذب فيما روي عنه آحادا؛ ضرورة أن الخبر مما روي عنه آحادا.
وإن كان قاله ﵇] فلا بد وأن يقع مدلوله، وإلا لزم الكذب في كلامه وأنه ممتنع.
стр. 2564
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: أن يقال فيه من الصفات ما ليس فيه، لا أنه ينقل عنه ما لم يقله؟
سلمنا أن المراد منه العموم، أو ما ذكرتم فقط، لكنه خبر واحد فلا يدل على وقوع مدلوله على سبيل القطع وإنما نحن في الخبر المقطوع بكذبه.
قلت: الجواب عن الأول: أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لم يكن لتعليقه بالاستقبال معنى، فإنه كذب عليه في حال حياته بالمعنى الذي ذكرتم قيل: إنه ساحر، إنه كذاب، إنه مفتري، إنه مجنون ونحوه بل الكذب عليه بهذا المعنى كان في حال حياته ﵇ أكثر، فإنه بعد وفاته قل المعاندون وكثر المصدقون له.
وأيضا: الأمة فهمت منه ما ذكرنا فلو كان المراد ما ذكرتم لزم اتفاقهم على فهم ما ليس هو المراد منه وأنه خطأ ممتنع عليهم.
وعن الثاني: أن وقوع الكذب عليه على التقديرين لازم، أعني تقدير كونه من كلامه ﵇، وتقدير أن لا يكون ذلك من كلامه، ومعلوم أنه لا خروج عن التقديرين فلا خروج عن أن يكذب عليه بالمعنى الذي ذكرناه.
وثانيها: أنه حصل في الأخبار ما لا يمكن نسبته إليه ﵇ للقطع بفساد مدلوله [ولعدم قبوله التأويل، وإذا كان كذلك لزم القطع بكونه كذبا. وثالثها:] ما روي عن بعضهم أنه قال: "نصف الحديث كذب" وهذا لا
стр. 2565
يفيد القطع بالكذب عليه بل الظن الغالب به.
ثم اعلم أن الكذب على الرسول ﵇ ليس / (٧٢/أ) واقعا من السلف على وجه التعدي، بل لو وقع ذلك منهم فإنما وقع على وجوه أخر:
أحدها: أن أكثرهم كانوا يرون رواية الخبر بالمعنى، فربما كانوا يبدلون لفظا مكان لفظ آخر يرويه مرادفا له وهو في النفس الأمر ليس كذلك.
وثانيها: أنهم ما كانوا يكتبون الأحاديث في الغالب، فإذا قدم العهد وطالت المدة، فربما نسي الراوي لفظ الرسول وفي خاطره لفظ آخر وهو يرى أن لفظ الرسول الذي سمعه منه مع أنه ليس كذلك.
وثالثها: أنه ربما يروي بعض الحديث، لاعتقاده أنه تمام الحديث ويكون قد نسي الزيادة التي بها يصح الحديث.
ورابعها: أنه ربما أدرك الرسول في أثناء الحديث، وهو يظن أنه تمام الحديث، فيرويه كذلك وهو بدون ما سبق لم يصح، أو ربما ظنه من كلامه
стр. 2566
- ﵇ وهو ليس كذلك بل الرسول كان يحكي ذلك عن غيره ولهذا كان الرسول ﵇ يستأنف الحديث إذا حس بداخل ليكمل له ما قيل ومن ذلك ما روي أنه ﵇ قال: "الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" فقالت عائشة: إنما قال رسول الله ﷺ ذلك حكاية عن غيره.
وخامسها: أنه ربما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه، ويصح معناه به، دونه وما هذا سبيله ينبغي أن يروى مع سببه، فإذا لم يرو مع أوهم الخطأ والكذب، كما روى عنه ﵇ أنه قال: "التاجر فاجر"
стр. 2567
قالت عائشة ﵂: "إنما قال ذلك في تاجر دلس".
وسادسها: أنه ربما كان يشتبه على الراوي كلام الرسول بكلام غيره، فيظن كلام الغير كلام الرسول ﵇، وهو نحو ما يروى أن الناس كانوا يحضرون عند أبي هريرة وهو يروي أخبار الرسول وهم بأعيانهم كانوا أيضا يحضرون عند كعب، وهو كان يروي أخبار اليهود فربما يلتبس عليهم ما سمعوا عن أبي هريرة بما سمعوا من كعب.
وأما من الخلف فما ذكرناه مع زيادة وجوه أخر:
أحدها: تعمد الكذب عليه تنفيرا للعقلاء عنه، وطعنا في دينه ﵇ كما فعلته الملاحدة والزنادقة.
وثانيها: تعمد الكذب للرغبة وطلب حطام الدنيا، كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارا تدل على إمامة العباس وبنيه.
стр. 2568
وثالثها: تعمد الكذب عليه لترويج المذهب، فإن من مذهب الكرامية أنه إذا صح المذهب وظهر حقيقته جاز وضع الأخبار لتصحيحه؛ لأن فيه ترويج الحق، وقريب من هذا ما يحكى أن جمعا من الزهاد يرون وضع الأخبار في فضائل العبادات والأوقات، ويزعمون أن غرضهم من ذلك حمل الناس على العبادات، وحثهم على فعل الطاعات، فهو كالكذب المفضي إلى مصلحة الإصلاح بين الإثنين وهو جائز للحديث.
ورابعها: تعمد الكذب عليه بناء على أن المسموع من غيره كالمسموع منه، نحو ما قيل: أن الإمامية يسندون إلى الرسول ﵇ كلما صح عندهم عن بعض أئمتهم؛ لأنهم زعموا أن جعفر بن محمد الباقر قال:
стр. 2569
"حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله ﷺ فلا حرج عليكم إذا سمعتم مني حديثا أن تقولوا قال رسول الله ﷺ ".
стр. 2570
الفصل الثالث
في الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد وهو مرتب على أقسام:
стр. 2571
الفصل الثالث
في الخبر الذي لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد وهو مرتب على أقسام:
القسم الأول
في حقيقته وما يتعلق به من المسائل وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في حقيقة خبر الواحد:
أعلم أنه ليس المراد من خبر الواحد ما يرويه فقط، بل المراد منه: الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر سواء انتهى إلى حد الاستفاضة والشهرة، أو لم ينته إليه.
فعلى هذا ينقسم خبر الواحد إلى مستفاض مشهور مفيد للظن الغالب المؤكد، وإلى ما ليس كذلك.
وهو ينقسم إلى ما لا يفيد أصلا كخبر الفاسق والصبي الذي لا ثقة به، وإلى ما يفيد الظن كخبر العدل.
وعند هذا نعرف فساد تعريف من عرف خبر الواحد بأنه: الذي يفيد الظن؛ فإنه غير منعكس لما تقدم، وغير مطرد أيضا، لأن القياس وغيره
стр. 2572
من أمارة الشيء يفيد ظن الشيء مع أنه ليس بخبر واحد.
وذكر بعض المؤلفين من أصحابنا: أنه الذي لم ينته ناقلوه إلى حد الاستفاضة والشهرة، وهو ضعيف على رأي أصحابنا، وإنما هو يستقيم على رأي - أصحاب أبي حنيفة ﵏ لأنهم يفردون له أحكاما أصولية قريبا من أحكام الخبر المتواتر، أما أصحابنا فلا، ولأن خلاف الأصوليين في خبر الواحد غير مختص بغير المستفاض والمشهور من الأخبار بل هو مطرد فيه وفي غيره، وذلك يفيد أنه من جملة أقسام خبر المتواتر عندهم.
المسألة/ الثانية: (٧٣/أ)
خبر الواحد العدل المتجرد عن القرائن لا يفيد العلم عند جماهير العلماء خلافا لبعض أصحاب الحديث .
فهم إن أرادوا بقولهم: أنه يفيد العلم: أنه يفيد العلم بوجوب العمل
стр. 2573
به، أو أنه يفيد العلم بمعنى الظن فلا نزاع فيه بيننا وبينهم وبه أشعر كلام بعضهم، إذ قال: يورث العلم الظاهر، ومعلوم أن المعلوم ليس له ظاهر فالمراد منه الظن.
وإن أرادوا به: أنه يفيد الجزم بصدق مدلوله سواء كان على وجه الإطراد [كما نقل بعضهم عن الإمام أحمد، وبعض أهل الظاهر، أو لا على وجه الإطراد] بل في بعض أخبار الآحاد دون الكل كما نقل عن بعضهم فهذا باطل لوجوه:
أحدها: أنه لو أفاد العلم، فإما أن يفيده بالنسبة إلى أشخاص معينين أو بالنسبة إلى كل الأشخاص، والقسمان باطلان فبطل أن يفيد العلم.
أما الأول فلوجوه:
أما أولا: فبالاتفاق.
وأما ثانيا: فلأنه ترجيح من غير مرجح.
وأما ثالثا: فبالقياس على خبر التواتر وسائر ما يفيد العلم من الأخبار والأدلة؛ فإنها لا تختص ببعض دون البعض الآخر.
وأما الثاني: فلأنا مع كثرتنا وتفرقنا في شرق البلاد وغربها مطبقين على
стр. 2574
أنا لا نجد ذلك من أنفسنا، ولو سمعنا ذلك الخبر من المنتهى إلى الغاية في العدالة، فإن كذبتمونا في ذلك حلفنا لكم بأيمان لا مخارج عنها، فإن كذبتمونا في ذلك أيضا فعلتم ما لا يليق مع أنكم لم تسلموا عن معارضة مثله في ادعاء وجدان العلم على أن تواطؤ مثل هؤلاء على الكذب يمتنع عادة.
وثانيها: أنه لو أفاد العلم، فأما أن يجوزوا معه أن يخبر ثقتان بخبرين متنافيين، أولا يجوزوا ذلك، فإن كان الأول فعند حصولهما إن حصل العلم بخبريهما لزم اجتماع المتنافيين، وإن حصل بأحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح وأنه ممتنع، ولو جوز ذلك لزم أن لا يكون كل خبر ثقة مفيدا للعمل، وإن لم يحصل بقول كل أحد منهما فهو المطلوب.
وإن كان الثاني فهو أيضا باطل؛ لأن الاستقراء يفيد القطع بالوقوع وهو دليل الجواز وزيادة، وإذا بطل القسمان بطل أن يقال: أنه يفيده.
وثالثها: أنه لو أفاد العلم لما احتاج الحاكم إلى تزكية الشهود لما تقدم لكنه يحتاج فلا يفيده.
ورابعها: لو أفاد خبر الواحد العلم لم يكن لاشتراط الشاهدين في البينة معنى، ضرورة أنه حصل العلم بقول الواحد، وليس فوق العلم مرتبة حتى يطلب تحصيله بضم شاهد آخر إليه، ولكان يقع الفناء عن المعجزة؛ إذا حصل العلم بنبوة يخبر عن نبوة نفسه لا سيما ممن لم يعهد منه قط كذب ولا فسق يخل الثقة به، والثاني باطل بالإجماع فالمقدم مثله.
وخامسها: أن كل عاقل يجد من نفسه زيادة الظنون عند تعاقب الأخبار إليه إلى أن ينتهي إلى حد التواتر، ولو كان العلم حاصلا بقول الأول والثاني لما كان كذلك، إذ العلم لم يقبل التفاوت بحسب الزيادة والنقصان، وإن كان يقبل التفاوت بحسب الجلاء والخفاء؛ إذ لا فرق عندنا بين وجود بغداد وبين الصين مع أن الواصلين إلينا من بغداد والمخبرين عنها أكثر من الواصلين منه والمخبرين عنه.
стр. 2575
وسادسها: أنه لو أفاد العلم، فإما أن يفيد علما ضروريا كما في التواتر وهو باطل بالاتفاق، أو علما نظريا وهو أيضا باطل، إذ لا قاطع يوجبه، أما أولا: فبالأصل.
وأما ثانيا: فلأنا فتشنا وبحثنا ولم نجد في ذلك قاطعا ولا القائلون به؛ إذ لو وجدوه لأظهروه، إذ يمتنع عادة إخفاء الحجة من أحد الخصمين في معرض المناظرة، وما يذكرونه من الأدلة عليه لا يفيد الظن بذلك لما سنجيب عنه فضلا عن أن يفيد العلم، وهذه الطريقة وإن لم تفد العلم بعدم ذلك في نفس الأمر لما عرفت غير مرة لكنها تفيد العلم بعدم العلم بذلك من جهة العادة وهو كاف من أن لا يكون العلم به نظريا، إذ العلم بالشيء إذا كان نظريا وجب حصول العلم بموجبه، وإذا بطل أن يفيد العلم الضروري، أو النظري بطل أن يفيد العلم ضرورة أن العلم لا ينفك عن أحد هذين القسمين.
وسابعها: أنه لو أفاد العلم لوجب تخطئة مخالفة وتفسيقه وتضليله إن كان مما يفسق فيه المخالف ويضلل ولو بالاجتهاد كما في أصول الدين، وكما في من خالف النص المقطوع به في الفروع بالاجتهاد، ولما حسن اختلاف العلماء في أن كل مجتهد مصيب أم لا في الحكم الشرعي الذي ورد فيه خير الواحد ولا قاطع فيه، ولجاز معارضة الخبر المتواتر به لكن اللوازم باطلة بالإجماع فالملازم مثله.
واحتجوا بوجوه:
أحدها: أن النصوص نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ يدل على أن اتباع
стр. 2576
الظن والقول بما لا يعلم منهي عنه، ثم أنتم ساعدتمونا، والأدلة أيضا على أنه يجب إتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، فلو لم يكن خبرا لواحد مفيدا للعلم لما جاز اتباعه فضلا عن أن يجب ذلك.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه إن عنى بوجوب / (٧٤/أ) إتباع خبر الواحد أنه يجب التصديق والقطع بصدق مدلوله فهو باطل، فأنا لا نقول به ولا الأدلة تدل عليه وإن عنى به أنه يجب العمل بمقتضاه فهذا مسلم لكن ما يدل عليه ليس بظني حتى يكون ذلك اتباعا للظن، بل هو قاطع عندنا فلا يكون اتباعه اتباعا للظن.
وثانيهما: أن المراد مما ذكرتم من النصوص المنع من إتباع الظن فيما سبيله العلم لا غير نحو أصول الدين، وهذا وإن أوجب تخصيصا للعام، أو تقييدا للمطلق وهو خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة.
وثانيها: ما روي عن علي ﵁ أنه كان يستحلف الرواة سوى أبي بكر ﵁، وإنما لم يحلفه؛ لأن قوله كان يفيد العلم وبهذا يتمسك من فرق بين خبر وخبر.
وجوابه: منعه بل إنما لم يحلفه؛ لأن ظنه بصدقه أكد من ظنه بصدق غيره ولا يلزم من تقوية أصل الظن تقوية الظن المؤكد.
وثالثها: أنه لو لم يفد العلم لما أبيح قتل من أقر بالقتل، أو الزنا بعد الإحصان على نفسه، ولا بشهادة الإثنين بذلك، لاحتمال أن يكون كاذبا في إقراره، وأنهما كذبا في شهادتهما ولما وجبت الحدود [بأخبار الاحاد؛ لأن هذه الأمور يحتاط فيها، ونفيها متأيد بالبراءة الأصلية].
стр. 2577
وجوابه: أنا لا نسلم أن كونها يحتاط فيها ومتأيدة بالبراءة الأصلية يقتضي عدم جواز إثباتها بالظنى؛ وهذا لأنه ليس معنى قولنا يحتاط فيها لأنه لا تثبت إلا بالعلم، بل إنه يراعى فيها ما لا يراعى في غيره فيحتاج فيه إلى مزيد ظن بالنسبة إلى غيره.
ورابعها: لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم لما كان الخبر الواحد المتواتر مفيدا له؛ لأنه إذا لم يحصل العلم بقول الأول منهم لم يحصل بقول الثاني والثالث وهكذا جميع أعداده واللازم باطل فالملزوم مثله.
وجوابه: منع اللازم وما ذكره دلالة عليه فغير لازم؛ لأنه جاز أن لا يحصل بقول الأول والثاني، ولكن يحصل بقول المجموع، فإن حكم المجموع لا يجب أن يكون متساويا لحكم آحاده من كل الوجوه والعلم بذلك ضروري.
المسألة الثالثة
ذهب الأكثرون في أنه يجوز ورود التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا لجماعة من المتكلمين .
стр. 2578
لنا وجوه:
أحدها: أنه لو استحال فإما أن يستحيل لذاته، وهو باطل؛ لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال نظرا إلى ذاته وهو ظاهر، أو لغيره وهو أيضا باطل.
أما أولا: فلأنه لو فرضنا تصريح الشارع بذلك بأن يقول: مهما ظننتم صدق الخبر المروي عنه فاعلموا أني أوجبت عليكم العمل بمقتضاه لم يلزم منه لا لذاته، ولا لأمر خارجي محال.
وأما ثانيا: فلأنه لو استحال لذلك فإنما هو لحصول المفسدة على تقدير كونه كذبا؛ لأن القول باستحالته لغيره بغير هذا المعنى باطل بالإجماع، لكن ذلك باطل أيضا.
أما أولا: فلأن القول بالتحسين والتقبيح باطل، والتعليل بحصول المصالح والمفاسد العقلية في الشرع بدونه محال.
واما ثانيا: فلأنه ورد الشرع بوجوب العمل على مقتضى الظن من غير اعتبار مطابقته لما هو الواقع في نفس الأمر كما فيما إذا ظن صدق الشاهد والمفتي، وظن جهة القبلة وظن الأسير دخول شهر رمضان، وظن دخول وقت الصلاة في يوم الغيم، ووجوب ركوب البحر، ودخول البراري، إذا ظن السلامة، والمداواة إذا ظن أنه لم يفض إلى الهلاك فلو كان احتمال الخطأ على تقدير كذبه مانعا من الوجوب والجواز لما ثبت الوجوب والجواز فيما ذكرنا من الصور، وحيث ورد دل على أنه غير مانع منه.
стр. 2579
وثانيها: أنه إذا رتب وجوب العمل على ظن صدق خبر الواحد، فها هنا مدرك الوجوب هو ظن صدقه لا صدقه، وظن صدقه معلوم قطعا فكان مدرك الوجوب معلوم قطعا فلا يحتمل الغلط والخطأ فكان جائزا، كما إذا رتب وجوب العمل على العلم بصدق الخبر في المتواتر وغيره، وهذا هو المعنى من قول الأصوليين: "إن الحكم معلوم قطعا، والظن وقع في طريقه".
وثالثها: أنا سنبين أنه وقع التكليف بالعمل بمقتضى خبر الواحد وذلك يدل على الجواز وزيادة.
احتجوا بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، وقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، وقوله: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾.
وجوابه ما سبق من الوجهين، ويخصه وجهان آخران:
أحدهما: أنها لا تدل على عدم جواز ورود التعبد بالظن وهو الذي فيه النزاع بل لو دلت فإنما تدل على عدم الوقوع، ولا يلزم من عدم الوقوع عدم الجواز.
وثانيهما: أنه لازم عليكم أيضا، فإن حكمكم بعدم جواز ورود التكليف بخبر الواحد اتباع للظن أيضا، إذ ليس عليه دليل قاطع فكان يجب أن لا يجوز وأما ادعاء أن عليه دليلا قاطعا مع أن ما يذكرونه لا يفيد الظن فضلا عن العلم مكابرة محضة.
стр. 2580
وثانيها: أن التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، وإلا لزم العبث وهو منفي عن الحكيم، وتجويز الأمر باتباع خبر الواحد مع احتمال كونه كذبا مفضيا إلى سفك دم معصوم، واستحلال بضع محرم تجويز للأمر باتباع المفاسد وأنه ينفي البناء على المصالح ودفع المفاسد؛ ولهذا لم يجز ورود التكليف بالعلم بخبر الفاسق والصبي في الأحكام الشرعية وفاقا.
ولا ينقض هذا بالشهادة، فإنه أيضا محتملة للكذب مع ورود التكليف / (٧٥/أ) باتباعها؛ لأن الفرق بينهما حاصل من وجهين:
أحدهما: أن الخبر يثبت شرعا عاما في حق الكل بخلاف الشهادة فإنها لا تثبت، بل هي شرط للإثبات لا في حق كل بل في أشخاص جزئية.
وثانيهما: أن اتباع الشهادة من قبيل الضرورات التي لا يمكن الانفكاك عنها في الدين؛ إذ لا سبيل إلى إثبات الحقوق الجزئية المتعلقة بالأشخاص الجزئية إلى طريق قاطع، إذ التنصيص على ذلك من الشارع متعذر حتى يمكن أن يقال أنه كان يجب على الشارع تبليغ تلك النصوص إلى عدد التواتر، وكذا إشهاد الجمع العظيم الذي يحصل التواتر بقولهم؛ لأن ذلك لا يتهيأ في كل وقت وفي كل شخص وفي كل واقعة، ولأن اجتماعهم على تحمل الشهادة وأدائها مما يوهم بالتواطؤ على الكذب فربما لا يحصل العلم بقولهم فيفضي إلى ضياع الحقوق، بخلاف اتباع خبر الواحد فإنه ليس من الضرورات؛ إذ يمكن للشارع أن يبلغه إلى عدد التواتر، وبتقدير أن لا يجب عليه ذلك فلم يبلغه إليهم، أو وإن بلغه لكن ربما لم يبق متواترا فيما بعد كان يوجب علينا العمل بالبراءة الأصلية اليقينية وبالأقيسة اليقينية فلم يلزم من جواز ورود التعبد بالشهادة جواز ورود التعبد بخبر الواحد.
ولا ينقض أيضا بورود التكليف باتباع قول المفتي مع أنه لا يفيد إلا الظن؛ لأن ذلك أيضا من قبيل الضرورات؛ إذ لا يمكن تكليف الخلق كلهم بتحصيل رتبة الاجتهاد لما فيه من اختلال مصالح العالم، ولعدم صلاحية الكل لذلك.
стр. 2581
وجوابه: [أنه] عنى بقوله: إن التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد أنها مبنية عليها عقلا فممنوع؛ وهذا لأنه قد تقدم القول ببطلان التحسين والتقبيح العقلي.
وإن عنى بها: أنها مبنية عليها شرعا فمسلم، لكنه لا يفيد لكون النزاع في جوازه واستحالته إنما هو من جهة العقل لا من جهة الشرع.
سلمنا لكن لما أوجب علينا العمل بما يغلب على الظن صدقه وإن كذب الخبر في نفسه لم يكن ذلك أمرا باتباع ما يجوز أن يكون مفسدة؛ لأن المأمور به هو اتباع ظن الصدق وهو معلوم قطعا يجده المجتهد من نفسه وعند وجوده من نفسه يوجب عليه العمل بمقتضاه وإلا لم يلزمه ذلك لاتباع صدق الخبر الذي هو محتمل فلم يلزم منه تجويز الأمر بالمفسدة.
لا يقال: إن الفعل إذا لم يكن منشأ للمصلحة لم يصر بسبب كونه مظنونا منشأ للمصلحة؛ لأن الظن لا يصير ما ليس بمصلحة؛ لأنا نمنع ذلك، وكيف لا ومدارك الأحكام معرفات ولا امتناع في أن يجعل الظن معرفا لذلك.
أما تجويز الأمر بالعمل بخبر الفاسق والصبي فلا نسلم امتناعه عقلا بل يجوز.
سلمنا أنه لا يجوز، لكن لا نسلم لأجل احتمال كونه كذبا، بل لأنه لم يغلب على الظن صدقه.
وثالثها: لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الأحكام الشرعية الفرعية، لجاز في الأصول بجامع حصول غلبة الظن بصدقه، واللازم باطل فالملزوم مثله.
стр. 2582
وجوابه: منع الملازمة؛ وهذا لأن المطلوب في الأصول هو العلم واليقين وخبر الواحد لا يفيده كما تقدم، بخلاف الفروع فإنه يكفي فيها الظن وخبر الواحد يفيده، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس.
ورابعها: أن أخبار الآحاد قد تتعارض بحيث يمتنع ترجيح أحدها على الآخر، فلو جاز ورود التكليف بها لجاز ورود التكليف بما لا يمكن العمل به، ضرورة أنه لا يمكن العمل بها عند التعارض وعدم الترجيح.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يمكن العمل بها عند التعارض وعدم الترجيح وهذا لأنه يتخير المجتهد فيه فيعمل بأيهما شاء.
سلمنا امتناعه لكن امتناع العمل بالشيء في بعض موارده لعلة تخصه لا يقتضي امتناع ورود التكليف بالعمل به حيث لا يمتنع العمل به.
وخامسها: لو جاز أن يقول الله تعالى: (مهما غلب على ظنكم صدق راوي الخبر الواحد فاعلموا أني أوجبت عليكم العمل بمقتضاه) لجاز أن يقول: "مهما غلب ظنكم صدق مدعي النبوة فاعلموا أني أوجبت عليكم قبول قوله وشرعه"؛ لأنا في كلتا الصورتين نكون عاملين بدليل قاطع وهو إيجاب الله تعالى علينا العمل بالظن الذي هو أمر وجداني يجده كل عاقل من نفسه، واللازم باطل فالملزوم مثله.
وجوابه: منع امتناع اللازم إذ ذاك، سلمناه لكن إنما كان كذلك؛ لأنه يعتبر أن يكون الدال على النبوة قاطعا بالإجماع، وفيما ذكرتم من الصورة وإن وجد القطع في الدال على وجوب الأخذ بقوله، لكنه لم يوجد في الدال على
стр. 2583
نبوته إذ خبر الواحد لا يفيد القطع فلا جرم لم يجز ورود التكليف به؛ لعدم تحقق شرطه إذ ذاك بخلاف الفرعيات، فإنه لا يعتب في الدال عليها القطع لا في متنه ولا في دلالته عندنا، فإن قال الخصم أيضا به ظهر الفرق إجماعا وإلا فيصلح دفعا لنا.
وسادسها: لو جاز ورود التعبد بمظنون كلام الرسول لجاز ورود التعبد بمظنون كلام الله تعالى والجامع دفع ضرر مظنون، وفيه تجويز إثبات كلام الله تعالى بنقل الآحاد وهو ممتنع.
وجوابه: لا نسلم امتناع ذلك؛ وهذا لأن لام الله تعالى من حيث هو كلامه يجوز أن يثبت بنقل الآحاد، وإنما يمتنع إثبات القرآن بنقل الآحاد لخصوص كونه معجزا، فإن المعجز يجب أن ينقل متواترا لا لعموم كونه كلام الله تعالى.
المسألة / (٧٦/أ) الرابعة
القائلون بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في ورود التعبد به .
فمنهم من قال: لم يرد التعبد به، لكن منهم من قال بذلك؛ لأنه لم يوجد في السمع ما يدل على ورود التعبد به فوجب نفيه؛ إذ لا يجوز إثبات الحكم الشرعي إلا بدليل شرعي، وليس هو من قبيل أن ما لا يوجد عليه دليل فإنه لا يجب نفيه، ومنهم من قال بذلك؛ لأنه وجد في السمع ما يدل على المنع من اتباعه، وهؤلاء قالوا بتحريم اتباعه كالقاشاني، وجماعة
стр. 2584
من القدرية وجماعة من أهل الظاهر.
ومنهم من قال بورود التعبد به، وهؤلاء اتفقوا على أن الدليل السمعي دل عليه.
واختلفوا في أن الدليل العقلي هل دل عليه أم لا؟
فذهب الأكثرون منا، ومن المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار إلى نفيه، وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية.
وذهب الأقلون من الفريقين كابن سريج.
стр. 2585
والقفال منا وأبي الحسين البصري من المعتزلة إلى أن الدليل العقلي دل عليه أيضا، وهو قول الإمام احمد بن حنبل.
هذا كله في في أخبار الآحاد التي يثبت بها شرع عام، فأما ما ليس كذلك.
كالإخبار عن الأمور الدنيوية، نحو الإخبار عن الأرباح، والأغذية، والأدوية، وفي الفتوى والشهادات فاتفق الكل على جواز العمل بها فيها.
لنا: النص، والسنة المتواترة، والإجماع، والقياس، والمعقول.
أما النص فآيات:
стр. 2586
أحدها: قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعو إليهم لعلهم يحذرون﴾.
ووجه الاحتجاج بها: إنه تعالى أوجب الحذر على القوم بإنذار الطائفة لهم، والطائفة هنا: عدد لا يفيد قولهم العلم، والإنذار هو: الإخبار المخوف، ومتى كان كذلك لزم أن يكون خبر الواحد حجة.
وإنما قلنا: أنه تعالى أوجب الحذر على القوم بإنذار الطائفة لهم لوجهين:
أحدهما: أن المفسرين أطبقوا على أن كلمة "لعل" من الله للتحقيق؛ لأن الترجي في حقه محال.
ثم إنه إن دخل على ما هو مضاف إلى الله تعالى حمل على التحقيق كما
стр. 2587
في قوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾.
وإن دخل على ما هو مضاف إلى المكلفين حمل على سبب التحقيق وهو الوجوب؛ ضرورة أنه لا يمكن حمله على نفس التحقيق، إذ قد لا يتحقق ذلك الشيء منهم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لعلهم يتقون﴾ و ﴿لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾.
وثانيهما: أن قوله: ﴿لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ يدل على طلب الحذر؛ لأن كلمة "لعل" للترجي، وهي في حق الله تعالى محال، والطلب لازم له؛ لأن من ترجى شيئا طلبه لا محالة، وإذا تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على المجاز الملازم له، وذلك الطلب إما يكون بمعنى ميل النفس وهو في حقه محال، فيكون بمعنى الطلب الذي هو الاستدعاء، وهو إما مع المنع من تركه، أولا مع المنع منه، والثاني باطل؛ لأن أحدا من الأمة لم يذهب إليه؛ لأنه لم يقل أحد من الأمة أن العمل بخبر الواحد مندوب، وليس بواجب بل القائل فيه قائلان: أحدهما بالوجوب، والآخر بعدم الجواز، وإذا بطل الثاني تعين الأول وهو المطلوب.
وإنما قلنا: أن الطائفة هنا: عدد لا يفيد قولهم العلم لوجوه:
стр. 2588
أحدها: أن الله تعالى طلب أن ينفر [من] كل فرقة طائفة، والثلاثة فرقة لوجهين:
أحدهما: النقل عن أئمة اللغة، فإنهم قالوا: الفرقة: طائفة من الناس، ومعلوم أن الطائفة من الناس يصدق على الثلاثة.
وثانيهما: أن الفرقة من فرق أو من فرق كالقطعة من قطع أو من قطع والكسرة من كسر أو كسر فكل شيء حصلت الفرقة أو التفريق فيه كان فرقة كما أن كل ما حصل القطع أو التقطيع فيه كان قطعة، وكل ما حصل الكسر أو التكسير فيه كان كسرة، مقتضى هذا أن يكون الواحد والاثنان فرقة؛ لأنه يمكن أن يحصل فيه الفرقة حين يكون مع الآخر، ترك مقتضى هذا في هذه الآية أو مطلقا إن ثبت عنهم أنهم لا يطلقون على الواحد والإثنين فرقة للضرورة، فوجب أن يبقى فيما عداه معمولا به على الأصل، والطائفة من الثلاثة إما واحد أو الإثنان، وقد سبق أن قول الواحد والإثنين لا يفيد العلم فثبت أن المراد من الطائفة هنا قول من لا يفيد قوله العلم.
وثانيها: أن الطائقة قد استعملت فيمن لا يفيد قولهم العلم كالثلاثة والأربعة، وفيمن يفيد قولهم العلم، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك والتجوز، وهو إما أقل العدد، أو ما هو جزء منه.
وثالثها: أنه لو كان المراد من الطائفة في الآية: العدد الذي يفيد قولهم العلم لوجب على الفرقة التي هم عدد التواتر، أو أزيد منه أن يخرجوا بأسرهم، أو العدد الذي يفيد قولهم العلم، لكن ذلك باطل بالإجماع؛ فإن أحدا من الأمة لم يقل بوجوب خروج أهل القرية بأسرهم للتفقه إذا كان بدونهم لم يحصل عدد التواتر، ولا بوجوب خروج أهل التواتر من بلد كبير إذا كان يكفيهم أن يتفقه لهم واحد أو اثنان.
стр. 2589
وإنما قلنا: أن الإنذار هو الخبر المخوف فبالنقل والاستعمال، وكلاهما ظاهران.
وإنما قلنا: أنه متى كان كذل لزم أن يكون خبر الواحد حجة؛ لأنه إذا روى الراوي خبرا مخوفا مقرونا بالوعيد، إما على فعل الشيء أو على تركه. فإن لم يجب الحذر عنه كان ذلك مخالفة للآية.
وإن وجب لزم وجوب العمل بالخبر / (٧٧/أ) في سائر الصور سواء كان مخوفا، أو لم يكن مخوفا؛ لئلا يلزم قول ثالث خلاف الإجماع، فإن الفرق بين الخبر المخوف، وبين الخبر الغير المخوف في وجوب العمل، وعدم وجود العمل قول لم يقل به أحد من الأمة، وإذا ثبت وجوب العمل بالخبر في سائر الصور لزم أن يكون خبر الواحد حجة؛ إذ لا نعني بكونه حجة سوى هذا.
ولا يحتاج في تقدير دلالة هذا المسلك على المطلوب إلى إثبات وجوب الإنذار على المتفقه كما زعمه بعضهم إذ ذكره وهو مشعر باعتقاده وجوب ذكره وإلا لكان مستدركا، فإن المطلوب حاصل على تقدير وجوب الحذر عند الإنذار سواء وجب الإنذار أو لم يجب.
فإن قلت: لا نسلم أن الآية تقتضي وجوب الحذر.
وأما قولكم: لما تعذر حمل قوله تعالى: ﴿لعلهم يحذرون﴾ على حقيقته حمل على التحقيق، أو على سبب التحقيق، أو على الطلب الملازم للترجي فمبني على عدم مجاز آخر أولى مما ذكرتم وهو ممنوع.
стр. 2590
سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد من الطائفة هنا: عدد لا يفيد قولهم العلم.
أما ما ذكرتم من الوجه الأول من الدلالة عليه فمبني على أن كل ثلاثة فرقة وهو ممنوع، وما ذكرتم من الدلالة عليه فالوجه الأول منه ليس فيه دلالة؛ وهذا لأنا لا نسلم أن الطائفة من الناس يصدق على الثلاثة، ولو سلمنا لكم ذلك لسلمنا لكم المطلوب من غير حاجة إلى الاستدلال بأن كل ثلاثة فرقة.
سلمناه لكن لعل مرادهم طائفة مخصوصة من الناس، ولا كل ما صدق عليه اسم الطائفة.
وأما الثاني، فمعارض بما يقال: أن الشافعية فرقة واحدة، والحنفية فرقة واحدة لا فرق، ولو كان كل ثلاثة فرقة لما صح هذا النفي والإثبات.
وأما الوجه الثاني فهو: أن المجاز وإن كان على خلاف الأصل، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الدليلين، فإن ما يدل على أن قول الواحد والإثنين لا يجوز العمل به، يدل على أن الطائفة ليست حقيقة في الواحد والإثنين.
وأما الثالث، فمعارض أيضا: بأنه لو كان كل ثلاثة فرقة لوجب أن يخرج من كل ثلاثة واحد للتفقه وهو خلاف الإجماع.
سلمنا أن الطائفة [تصدق في أصل الوضع على] عدد لا يفيد قولهم العلم، لكن ليس هو المراد منها هنا؛ لأن قوله: ﴿لينذروا﴾ ضمير جمع وأقله ثلاثة، والطائفة من الفرقة واحد أو اثنان على ما ذكرتم، فيمتنع عود الضمير إليه فيجب حمله على مجموع الطوائف ولعلهم يبلغوا عدد التواتر.
سلمناه لكن ما المراد من الإنذار في الآية؟ مطلق الإنذار، أو الإنذار المرتب على التفقه.
стр. 2591
والأول ممنوع؛ وهذا فإن اللفظ وإن أن ظاهرا فيه من حيث الوضع لكن سياق الآية يدل على أن المراد منه الإنذار المرتب على التفقه؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، والإنذار المرتب على التفقه إنما هو الفتوى لا الرواية؛ لأن رواية غير الفقيه مقبولة بالاتفاق.
والثاني مسلم ونحن نحمله على الإنذار الحاصل من الفتوى، وقول الواحد فيه مقبول بالاتفاق فإن قلت: الحمل على الفتوى يوجب تخصيص القوم بالعوام؛ إذ ليس لغيرهم العمل بفتوى الغير، والتخصيص خلاف الأصل فلا يصار إليه من غير دليل.
قلت: الحمل على الرواية يوجب تخصيص القوم بالمجتهدين أيضا فلا يجوز لغيرهم العمل بالحديث المروي عنه ﵇ فإن وظيفتهم التقليد فالتخصيص إن لزم فهو لازم على المذهبين، فلم قلتم أن تخصيصكم أولى وعليكم الترجيح؟ ثم أنه معنا؛ لأن التخصيص كلما كان أقل كان أولى وأوفق للأصل ولا شك أن المجتهد أقل من غيره، فإخراجه من إرادة اللفظ أولى من إخراج غيره.
سلمنا أن المراد منه مطلق الإنذار، لكن لا شك أن مطلق الإنذار قدر مشترك بين الإنذار بالفتوى، وبين الإنذار بالرواية بدليل صحة تقسيمه إليهما، ولأن من أتى بفعل محرم، فروى له إنسان خبرا بأن فاعله في النار فقد يقال أنذره؛ لأنه أتاه بخبر مخوف، والأمر بالماهية الكلية المشتركة بين جزئيات كثيرة ليس أمرا بتلك الجزئيات بأسرها، ولا بشيء من جزئياتها عينا بل هو أمر بإدخال الماهية في الوجود، ويكفي في ذلك الإتيان بجزئي واحد من جزئياتها؛ لأنه إذا كان المطلوب إدخال القدر المشترك في الوجود، والقدر المشترك حاصل في كل جزئي من جزئياته، فإذا أدخله في الوجود فقد حصل المطلوب ونحن إذا قلنا بكون الفتوى حجة كان ذلك كاف في العمل بمقتضى النص فلا يبقى للنص دلالة على وجوب العمل بالرواية.
سلمنا أن المراد من الإنذار: الرواية إما وحدها فقط، أو مع الفتوى لكن
стр. 2592
لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإنذار من فعل شيء، أو تركه بناء على ما علم فيه من المصلحة والمفسدة العقليتين، أو الشرعيتين بناء على دليل آخر لا على هذا الخبر؟
سلمنا امتناعه، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه رواية أخبار الأولين، وما فعل الله تعالى بالمكذبين لأنبيائهم، ولأهل المعاصي للاتعاظ بها على ما قال الله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.
سلمنا أن المراد منه رواية الأخبار الشرعية، لكن لا نسلم أن وجوب الحذر بسبب رواية تلك الأخبار يوجب / (٧٨/أ) العمل بها؛ وهذا لأنه لا يجوز أن يحذر عن ذلك الفعل إذ ذاك للاحتياط حتى إن كان عاميا وجب عليه الرجوع إلى المفتي، وإن كان غيره نظر في سائر الأدلة فإن وجد فيها ما يقتضي المنع من ذلك الفعل امتنع منه وإلا عاد إليه.
قلت: الجواب عن الأول: أما كون الآية تقتضي وجوب الحذر فلما سبق.
قوله: ذلك مبني على عدم مجاز آخر أولى منه وهو ممنوع.
قلنا: الأصل عدم مجاز آخر، ولو سلم أن هناك مجازا آخر لكن ما ذكرناه أولى؛ إذ الأصل عدم ملازم آخر له.
سلمنا أنها لا تقتضي وجوب الحذر، لكن لا يستراتب في أن قوله: ﴿لعلهم
стр. 2593
يحذرون﴾ يقتضي حسن الحذر، وذلك يقتضي جواز العمل بخبر الواحد، وإذا لزم ذلك لزم وجوب العمل به، لئلا يلزم قول ثالث خلاف الإجماع، فإن منهم من يقول بوجوب العمل به، ومنهم من يقول بعدم جواز العمل به، فأما الجواز بلا وجوب فقول لم يقل به أحد.
وأيضا: إن قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ يقتضي إمكان تحقق الحذر.
والحذر هو: التوقي عن المضرة، والمضرة إما عاجلية، أو آجلية. وليس المراد من الحذر: الحضر عن المرة العاجلية، لأن الفعل الذي يمنع خبر الواحد عنه قد لا يكون مضرا في الدنيا، فيتعين أن يكون المراد منه الحذر عن المضرة الآجلية، وإلا لزم أن لا يكون الحذر ممكنا، لأنه يلزم من انتفاد تحقق المضرة: انتفاء تحقق الحذر، والمضرة الآجلية هي العقاب، وإذا كان الفعل بحال يحذر عنه، فلا بد وأن يكون بحال يترتب العقاب على فعله ولا نعني بقولنا: "خير الواحد حجة" إلا أن الفعل الذي يمنع عنه خبر الواحد يكون فعله سببا للعقاب في الآخرة.
وعن الثاني: أما المنع فمندفع لما تقدم من الدلالة.
قوله: الوجه الأول: منه مبني على أن كل ثلاثة فرقة.
قلنا: نعم.
قوله: الوجه الأول من وجهي الدلالة على أن كل ثلاثة فرقة ليس فيه دلالة، لأنا لا نسلم أن الطائقة من الناس تصدق على الثلاثة.
قلنا: الدليل عليه النقل والاستعمال: أما النقل فقال أئمة اللغة: "الطائفة من الشيء قطعة منه".
стр. 2594
ومعلوم أن الثلاثة بل الواحد قطعة من الناس.
وأما الاستعمال فقال الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾.
قال ابن عباس ﵁ "الواحد فما فوقه طائفة".
وهذا يصلح أن يكون دليلا ابتداء على أن الطائفة من الناس تصدق على ما دون عدد التواتر كصدقها على عدد التواتر من غير رد إلى بيان أن كل ثلاثة فرقة.
قوله: سلمناه لكن لعل مرادهم: طائفة مخصوصة من الناس، لا كل ما تصدق عليه الطائفة.
قلنا: الأصل في الإطلاق هو الحقيقة، والتخصيص والتقييد خلاف الأصل فلا يصار إليه بمجرد الاحتمال.
قوله: الوجه الثاني معارض بما يقال: إن الشافعية الحنفية فرقة واحدة قلنا: ذاك باعتبار المذهب الذي به امتازوا عن غيرهم، كما ورد في الحديث "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" فجعل صاحب مذهب واحد فرقة واحدة باعتبار المذهب، وأما بحسب الأشخاص فهم فرق عديدة.
قوله على الوجه الثاني: أن المجاز وإن كان خلاف الأصل، لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، والجمع بين الدليلين مما يوجب المصير إليه.
قلنا سنجيب عما تزعمون دليلا على أن قول الواحد أو الإثنين غير مقبول فلا يتحقق الجمع بين الدليلين.
стр. 2595
قوله على الوجه الثالث: إنه معارض بما ذكرتم.
قلنا: ترك العمل به في حق ما ذكرتم من الحكم فيبقى معمولا به في الباقي.
فإن قلت: هذا يتأتى لنا أيضا بالنسبة إلى دلالتكم.
قلنا: لا نسلم، وهذا لأنه إنما يتأتى لكم هذا أن لو دللتم على أن الطائفة لا تصدق على ما دون عدد التواتر، وسلم لكم ذلك الدليل حتى يمكنكم أن تقولوا: ترك العمل بمقتضاه بالنسبة إلى هذا الحكم فوجب أن يبقى معمولا به في الباقي.
قوله: الطائقة وإن كان في أصل الوضع تصدق على ما دون عدد التواتر، لكن ليس ذاك هو المراد.
قلنا: الأصل إرادة الحقيقة، وهو ما صدق عليه الطائفة، والتخصيص بعدد التواتر بخلاف الأصل.
قوله: تعذر الحمل عليه، لأن قوله: ﴿لينذروا﴾ ضمير جمع.
قلنا: لا نسلم أن ذلك مما يوجب امتناع الحمل عليه؛ وهذا لأن الضمير في قوله: ﴿لينذروا﴾ إنما يرجع إلى مجموع الطوائف وإذا قوبل مجموع الطوائف بمجموع الأقوام يقتضي [مقابلة كل واحد من الطائفة لكل واحد من الأقوام، لأن مقابلة الجمع بالجمع] يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فكون مجموع الطوائف عدد التواتر لا يضرنا، لأن الطائفة المنذرة لقومها إنما هي الطائفة [التي خرج منها، وهي دون عدد التواتر لما سبق لا مجموع الطوائف] التي تبلغ عدد التواتر بدليل قوله: ﴿لينذروا قومهم إذا رجعوا
следующие страницы →