Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
والأول ممنوع؛ وهذا فإن اللفظ وإن أن ظاهرا فيه من حيث الوضع لكن سياق الآية يدل على أن المراد منه الإنذار المرتب على التفقه؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، والإنذار المرتب على التفقه إنما هو الفتوى لا الرواية؛ لأن رواية غير الفقيه مقبولة بالاتفاق.
والثاني مسلم ونحن نحمله على الإنذار الحاصل من الفتوى، وقول الواحد فيه مقبول بالاتفاق فإن قلت: الحمل على الفتوى يوجب تخصيص القوم بالعوام؛ إذ ليس لغيرهم العمل بفتوى الغير، والتخصيص خلاف الأصل فلا يصار إليه من غير دليل.
قلت: الحمل على الرواية يوجب تخصيص القوم بالمجتهدين أيضا فلا يجوز لغيرهم العمل بالحديث المروي عنه ﵇ فإن وظيفتهم التقليد فالتخصيص إن لزم فهو لازم على المذهبين، فلم قلتم أن تخصيصكم أولى وعليكم الترجيح؟ ثم أنه معنا؛ لأن التخصيص كلما كان أقل كان أولى وأوفق للأصل ولا شك أن المجتهد أقل من غيره، فإخراجه من إرادة اللفظ أولى من إخراج غيره.
سلمنا أن المراد منه مطلق الإنذار، لكن لا شك أن مطلق الإنذار قدر مشترك بين الإنذار بالفتوى، وبين الإنذار بالرواية بدليل صحة تقسيمه إليهما، ولأن من أتى بفعل محرم، فروى له إنسان خبرا بأن فاعله في النار فقد يقال أنذره؛ لأنه أتاه بخبر مخوف، والأمر بالماهية الكلية المشتركة بين جزئيات كثيرة ليس أمرا بتلك الجزئيات بأسرها، ولا بشيء من جزئياتها عينا بل هو أمر بإدخال الماهية في الوجود، ويكفي في ذلك الإتيان بجزئي واحد من جزئياتها؛ لأنه إذا كان المطلوب إدخال القدر المشترك في الوجود، والقدر المشترك حاصل في كل جزئي من جزئياته، فإذا أدخله في الوجود فقد حصل المطلوب ونحن إذا قلنا بكون الفتوى حجة كان ذلك كاف في العمل بمقتضى النص فلا يبقى للنص دلالة على وجوب العمل بالرواية.
سلمنا أن المراد من الإنذار: الرواية إما وحدها فقط، أو مع الفتوى لكن
стр. 2592
لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإنذار من فعل شيء، أو تركه بناء على ما علم فيه من المصلحة والمفسدة العقليتين، أو الشرعيتين بناء على دليل آخر لا على هذا الخبر؟
سلمنا امتناعه، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه رواية أخبار الأولين، وما فعل الله تعالى بالمكذبين لأنبيائهم، ولأهل المعاصي للاتعاظ بها على ما قال الله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.
سلمنا أن المراد منه رواية الأخبار الشرعية، لكن لا نسلم أن وجوب الحذر بسبب رواية تلك الأخبار يوجب / (٧٨/أ) العمل بها؛ وهذا لأنه لا يجوز أن يحذر عن ذلك الفعل إذ ذاك للاحتياط حتى إن كان عاميا وجب عليه الرجوع إلى المفتي، وإن كان غيره نظر في سائر الأدلة فإن وجد فيها ما يقتضي المنع من ذلك الفعل امتنع منه وإلا عاد إليه.
قلت: الجواب عن الأول: أما كون الآية تقتضي وجوب الحذر فلما سبق.
قوله: ذلك مبني على عدم مجاز آخر أولى منه وهو ممنوع.
قلنا: الأصل عدم مجاز آخر، ولو سلم أن هناك مجازا آخر لكن ما ذكرناه أولى؛ إذ الأصل عدم ملازم آخر له.
سلمنا أنها لا تقتضي وجوب الحذر، لكن لا يستراتب في أن قوله: ﴿لعلهم
стр. 2593
يحذرون﴾ يقتضي حسن الحذر، وذلك يقتضي جواز العمل بخبر الواحد، وإذا لزم ذلك لزم وجوب العمل به، لئلا يلزم قول ثالث خلاف الإجماع، فإن منهم من يقول بوجوب العمل به، ومنهم من يقول بعدم جواز العمل به، فأما الجواز بلا وجوب فقول لم يقل به أحد.
وأيضا: إن قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ يقتضي إمكان تحقق الحذر.
والحذر هو: التوقي عن المضرة، والمضرة إما عاجلية، أو آجلية. وليس المراد من الحذر: الحضر عن المرة العاجلية، لأن الفعل الذي يمنع خبر الواحد عنه قد لا يكون مضرا في الدنيا، فيتعين أن يكون المراد منه الحذر عن المضرة الآجلية، وإلا لزم أن لا يكون الحذر ممكنا، لأنه يلزم من انتفاد تحقق المضرة: انتفاء تحقق الحذر، والمضرة الآجلية هي العقاب، وإذا كان الفعل بحال يحذر عنه، فلا بد وأن يكون بحال يترتب العقاب على فعله ولا نعني بقولنا: "خير الواحد حجة" إلا أن الفعل الذي يمنع عنه خبر الواحد يكون فعله سببا للعقاب في الآخرة.
وعن الثاني: أما المنع فمندفع لما تقدم من الدلالة.
قوله: الوجه الأول: منه مبني على أن كل ثلاثة فرقة.
قلنا: نعم.
قوله: الوجه الأول من وجهي الدلالة على أن كل ثلاثة فرقة ليس فيه دلالة، لأنا لا نسلم أن الطائقة من الناس تصدق على الثلاثة.
قلنا: الدليل عليه النقل والاستعمال: أما النقل فقال أئمة اللغة: "الطائفة من الشيء قطعة منه".
стр. 2594
ومعلوم أن الثلاثة بل الواحد قطعة من الناس.
وأما الاستعمال فقال الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾.
قال ابن عباس ﵁ "الواحد فما فوقه طائفة".
وهذا يصلح أن يكون دليلا ابتداء على أن الطائفة من الناس تصدق على ما دون عدد التواتر كصدقها على عدد التواتر من غير رد إلى بيان أن كل ثلاثة فرقة.
قوله: سلمناه لكن لعل مرادهم: طائفة مخصوصة من الناس، لا كل ما تصدق عليه الطائفة.
قلنا: الأصل في الإطلاق هو الحقيقة، والتخصيص والتقييد خلاف الأصل فلا يصار إليه بمجرد الاحتمال.
قوله: الوجه الثاني معارض بما يقال: إن الشافعية الحنفية فرقة واحدة قلنا: ذاك باعتبار المذهب الذي به امتازوا عن غيرهم، كما ورد في الحديث "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" فجعل صاحب مذهب واحد فرقة واحدة باعتبار المذهب، وأما بحسب الأشخاص فهم فرق عديدة.
قوله على الوجه الثاني: أن المجاز وإن كان خلاف الأصل، لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، والجمع بين الدليلين مما يوجب المصير إليه.
قلنا سنجيب عما تزعمون دليلا على أن قول الواحد أو الإثنين غير مقبول فلا يتحقق الجمع بين الدليلين.
стр. 2595
قوله على الوجه الثالث: إنه معارض بما ذكرتم.
قلنا: ترك العمل به في حق ما ذكرتم من الحكم فيبقى معمولا به في الباقي.
فإن قلت: هذا يتأتى لنا أيضا بالنسبة إلى دلالتكم.
قلنا: لا نسلم، وهذا لأنه إنما يتأتى لكم هذا أن لو دللتم على أن الطائفة لا تصدق على ما دون عدد التواتر، وسلم لكم ذلك الدليل حتى يمكنكم أن تقولوا: ترك العمل بمقتضاه بالنسبة إلى هذا الحكم فوجب أن يبقى معمولا به في الباقي.
قوله: الطائقة وإن كان في أصل الوضع تصدق على ما دون عدد التواتر، لكن ليس ذاك هو المراد.
قلنا: الأصل إرادة الحقيقة، وهو ما صدق عليه الطائفة، والتخصيص بعدد التواتر بخلاف الأصل.
قوله: تعذر الحمل عليه، لأن قوله: ﴿لينذروا﴾ ضمير جمع.
قلنا: لا نسلم أن ذلك مما يوجب امتناع الحمل عليه؛ وهذا لأن الضمير في قوله: ﴿لينذروا﴾ إنما يرجع إلى مجموع الطوائف وإذا قوبل مجموع الطوائف بمجموع الأقوام يقتضي [مقابلة كل واحد من الطائفة لكل واحد من الأقوام، لأن مقابلة الجمع بالجمع] يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فكون مجموع الطوائف عدد التواتر لا يضرنا، لأن الطائفة المنذرة لقومها إنما هي الطائفة [التي خرج منها، وهي دون عدد التواتر لما سبق لا مجموع الطوائف] التي تبلغ عدد التواتر بدليل قوله: ﴿لينذروا قومهم إذا رجعوا
стр. 2596
إليهم﴾، فإنه لا يقال حقيقة: فلان رجع إلى قومه إلا إذا كان فيهم أولا وهم منهم، فلا يكون مجموع الطوائف هو المنذر لكل قوم قوم من تلك الأقوام.
وعن الثالث: أن التفقه في الزمان الأول ليس إلا سماع القرآن والأخبار وروايتها، ولهذا كان أكثرهم حفظا أكثرهم فقها، ولأنه ليس في ذلك العصر فروع مدونة حتى يكون طلبها وتعلمها تفقها، بل ليس إلا نصوص الكتاب والسنة.
سلمنا أن التفقه ليس منحصرا فيه لكن لا شك أنه من التفقه. / (٧٩/أ) سلمنا أنه ليس منه لكن الحمل على الفتوى متعذر للتخصيص المذكور.
قوله: التخصيص لازم على المذهبين.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن الخبر كما يروى للمجتهد، فقد يروى لغيره، وإن كان لا يجوز له العمل بمقتضاه، لكن ليست فائدة الرواية منحصرة في العمل حتى يلزم من امتناعه امتناع الرواية له، فإنه قد يروى له لينزجر عن الفعل في الحال، ويصير ذلك داعيا له إلى الرجوع إلى المفتي في ثاني الحال، ولتقوية ظنه بحقية ما أفتاه، ولكونه يروي لغيره وهذا الأخير وإن كان ليس فيه إنذار لكنه من جملة فوائد الرواية لغير المجتهد.
وعن الرابع من وجوه:
أحدها: أن الأمر إذا كان بالقدر المشترك، والقدر المشترك في كل واحد من الجزئيات الداخلة تحته حاصل على السواء كان الإتيان بكل واحد منها جائزا نظرا إلى ذلك الدليل، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح فيكون العمل بخبر الواحد جائزا، ومتى لزم ذلك لزم أن يجب العمل به عينا؛ ضرورة أنه لا قائل بالفصل كما تقدم.
стр. 2597
وثانيها: أن قبل ورود هذه الآية، إن كان الأمر بالفتوى واردا لم يجز حمل هذه الآية عليه؛ لأنه تكرار من غير فائدة. ولو جاز لفائدة التأكيد على بعد فإن تأكيد الخاص بالعام بعيد، لكن الحمل على غيره أولى؛ ضرورة أن الفائدة على هذا التقدير فائدة تأسيسية، وعلى التقدير الأول تأكيدية وإن لم يكن واردا وجب حمل الأمر على الصورتين، دفعا للإجمال وتكثيرا للفائدة.
وثالثها: أنه رتب وجوب الحذر أو حسنه أو تجويزه على مسمى الإنذار الذي هو قدر مشترك بين الفتوى والإخبار فوجب أن يكون علة له لما ستعرف، وإذا كان علة له وجب أن يثبت الحكم أينما ثبتت العلة، وبهذا خرج الجواب عن الخامس والسادس.
وعن السابع: أن العامي لا يجوز له الإقدام على الفعل إلا بعد أن يعلم جواز ذلك الفعل؛ إما بتطابق المسلمين على فعله، وإما بالاستغناء من جهة المفتي، وحينئذ لم يجب عليه الرجوع إلى المفتي ثانيا، وأما المجتهد فإنه لا يجب عليه التوقف عما يظنه جائزا بدليل حتى بالبراءة الأصلية عند سماع ما ليس بدليل بالإجماع، فلو وجب التوقف عند سماع خبر الواحد فإنما يكون لكونه دليلا وهو المطلوب.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾.
ووجه الاستدلال به من وجوه:
أحدها: أن كون خبر الواحد خبر واحد وصف لازم له لا يمكن انفكاكه عنه، فلو اقتضى ذلك أن لا يكون مقبولا لم يجز تعليل عدم قبوله بكون راويه فاسقا؛ لأن كون راويه فاسقا وصف غير لازم له بل عرضي مفارق،
стр. 2598
والوصف اللازم للشيء، إذا كان مستقلا باقتضاء الحكم له لم يجز تعليله بوصف عارض مفارق له شرعا، وعقلا، وعرفا:
أما الأول؛ فلأنه لما لم يثبت القرآن بنقل الآحاد لم يجز تعليل ذلك بكون ناقله فاسقا.
وأما الثاني، فلأنه لو علل به، فإما أن يعلل عين الحاصل باللام أو مثله، والأول تحصيل الحاصل، والثاني جمع بين المثلين.
وأما الثالث؛ فلأنه يقبح أن يقال في العرف: "الميت لا يكتب، لعدم الدواة والقرطاس عنده" لكنه معلل به للآية، فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية لا سيما إذا كان مناسبا، ولأنه لو لم يكن علة لعدم القبول بل إنما لم يقبل رواية غير الواحد لكان الحكم الثابت في رواية الفاسق كالحكم في رواية غيره فإن من لا يقبل رواية الواحد الفاسق، ورواية غيره مجزوم بالرد فرواية الفاسق أيضا كذلك. وذلك خلاف صريح قوله تعالى: ﴿فتبينوا﴾ فدل على أنه علة له.
وثانيها: أنا بينا أن مفهوم الشرط والصفة حجة، وذلك يدل على [أن] رواية العدل لا يجب فيها التبيين، ثم عدم التبيين إما أن يكون بالجزم برده أو بقبوله والأول باطل، وإلا لكان خبر العدل أسوأ حالا من خبر الفاسق وهو خلاف الإجماع، وإذا بطل الأول تعين الثاني وهو المطلوب.
واعترض على هذا وعلى أكثر هذا النوع من الاستدلال: بأن دلالته ظنية، والمسألة علمية فلا يجوز الاستدلال عليها بما لا يفيد القطع.
وجوابه: أنه [إن] قيل: المسألة ظنية على ما هو رأي بعض الأصوليين في هذه المسألة وأمثالها فقد سقط هذا السؤال بالكلية.
стр. 2599
وإن قيل: بأنها علمية على ما هو رأي أكثر المتقدمين فجوابه: أن المطلوب إفادة القطع من مجموع الأدلة الظنية التي نذكرها، لا القطع بكل واحد منها ولا امتناع في ذلك.
واعترض عليه أيضا: بأن ما ذكرتم وإن دل على أن عدم القبول معلل يكون الراوي فاسقا لكن قوله تعالى: ﴿أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ يدل على أنه معلل بعدم إفادته العلم؛ إذ الجهالة هنا عبارة عن عدم القطع بالشيء لا القطع بالشيء مع أنه ليس كذلك، فإن خبر الفاسق لا يفيد ذلك حتى يحسن أن يقال: أن تصيبوا قوما بجهالة، بل إنما يفيد النوع الأول، وخبر الواحد العدل يشاركه في ذلك فوجب أن لا يقبل.
وجوابه: أن الظن كثيرا ما يطلق على العلم، والعلم على الظن.
قال الله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ أي علموا.
وقال: ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾ ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾.
وقال: ﴿فإن علمتوهن مؤمنات﴾ / (٨٠/أ) أي ظننتموهن.
стр. 2600
فالجهالة والجهل يستعمل فيما يقابل هذين المعنيين.
فالمعنى من الجهالة هنا: ضد العلم الذي بمعنى الظن، فيكون عبارة عن عدم الظن، فالمعمل بخبر الفاسق عمل بجهالة؛ لأنه ليس فيه علم أي ظن.
أما العلم بخبر الواحد العدل ليس عملا بجهالة؛ ضرورة أنه يفيد الظن فليس فيه جهالة بمعنى عدم الظن.
وثالثها: وهو ما روي في نزول هذه الآية، وهو أن النبي ﵇ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط مصدقا فرجع إليه، وأخبر أن الذين بعثه إليهم ارتدوا، وأرادوا قتله، فعزم ﵇ على قتالهم وغزوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبره أنه ليس بعدل، فلو لم يجز العمل بناء على أخبار الآحاد لما جاز للنبي ﵇ أن يعزم على قتالهم بناء على خبر.
وما يقال: بأنا لا نسلم أنه ﵇ عزم على قتالهم، فإنه قد روي أنه بعث خالد بن الولي إليهم، وأمره بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى آتاهم ليلا فبعث عيونه، فعادوا إليه وأخبروه بأنهم على الإسلام، وأنهم سمعوا أذانهم فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى منهم ما يعجبه، فرجع إلى النبي ﵇ وأخبره بذلك فليس بقادح.
стр. 2601
يوضحه: بأنه ما بعثه إلا ليبني على أخباره ما ينبغي أن يعمل، وبإخباره وبإخبار من معه من الاثنين أو الثلاثة ليس يصير ذلك الخبر متواترا، فلو لم يجز العمل بناء على أخبار الآحاد لم يكن في بعثه فائدة، وبالجملة كون النبي ﵇ يعمل في الغزوات والأسفار بناء على أخبار الآحاد كالمعلوم بالضرورة بعد استقراء سيره وأحوال أسفاره.
وبهذا يعرف اندفاع ما يقال عليه: أن بتقدير أن يصح ذلك فإنه من باب أخبار الآحاد، فإثبات حجبيته بناء عليه إثبات للشيء بنفسه.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ الآية.
ووجه الاستدلال بها: أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى فيكون كتمان الهدى محرما، فيكون الإظهار واجبا، ولا شك أن ما سمعه الواحد من النبي ﵇ من أحكام الدين من جملة الهدي فيكون إظهاره واجبا، وإنما يكون إظهاره واجبا أن لو وجب علينا قبوله، وإلا لم يكن في إظهاره فائدة؛ فإن وجوده كعدمه حينئذ فلا يجب.
فإن قيل: لعل المراد منه: التواعد للعدد الذين يفيد قولهم القطع، وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على المطلوب.
سلمناه لكن المراد منه: ما أنزل من البينات والهدي مما يتلى من كتاب دون ما يوحى إليه من غير المتلو؛ لأنه المتبادر إلى الفهم من قوله: ﴿ما أنزلنا﴾ وحينئذ لا يكون فيه دلالة على المطلوب.
стр. 2602
سلمنا أن المراد منه عموم ما أنزل إليه سواء كان متلوا أو لم يكن، لكن لا نسلم أنه يلزم من وجوب الإظهار وجوب القبول، ولا نسلم أنه لا فائدة سوى القبول بل إنما أوجب ذلك لكي يشتهر ويتواتر نقله فتقوم به الحجة فإنه لو لم يوجب إظهاره ربما يتوانى في فعله، فيؤدي إلى أن لا ينقل نقلا متواترا فتبطل حجيته، ثم الذي يدل على أنه لا يجب من وجوب الإظهار وجوب القبول، أنه يجب على الفاسق وجوب إظهار ما سمعه من الرسول ومن غيره، مع أنه لا يجب على السامع قبوله.
قلنا: الجواب عن الأول: أنه خلاف الأصل؛ لأنه تقييد بما لا إشعار للفظ به؛ فإن اللفظ ظاهر في التوعد للجمع، ولا إشعار له بعدد التواتر فيكون تقييده بعدد التواتر خلاف الأصل، وبه خرج الجواب عن الثاني، فإنه تخصيص وتقييد.
وأما قوله: لأنه وجد ما يوجب المصير إليه وهو التبادر فممنوع؛ وهذا لأنا وإن سلمنا أن الكتاب العزيز هو المتبادر من مطلق الإنزال والمنزل، لكن لا نسلم تبادره من قوله: ﴿ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ ثم الذي يؤكد على أنه غير مختص بالكتاب العزيز، أن العلماء في كل الأعصار يستدلون بهذه الآية على حرمة كتمان العلم، ولو كان ذلك مختصا بالكتاب لما صح ذلك، ولأن حمل كلام الشارع على ما هو أعم أولى؛ لأنه أكثر فائدة.
وعن الثالث: أنه إن لم يكن فيه فائدة سوى وجوب القبول فقد حصل الغرض، وإن كان فيه فائدة أخرى فلا شك أن ما ذكرناه فائدة أيضا بل هو المقصود بالذات والاشتهار والتواتر بالغرض، وحينئذ نقول: إنه يجب حمله على الفوائد بأسرها دفعا للإجمال، وتكثيراً للفوائد.
стр. 2603
وأما قوله: يجب على الفاسق الإظهار مع أنه لا يجب القبول ففيه نظر؛ لأنه يمكن أن يقال: إن كان عند غيره علم منه لم يجب أيضا الإظهار لأنه إذا لم تقم الحجة بقوله فلا فائدة في وجوب الإظهار عليه.
سلمناه: لكن ذلك لمانع من وجوب القبول، وتخلف الحكم عن المقتضى لمانع لا يقدح فيه.
وأما السنة المتواترة: فهي ما روي أنه ﵇ كان يبعث رسله آحادا إلى البلاد والنواحي الشاسعة لتعليم الأحكام وتبليغ الأخبار، والناسخ والمنسوخ والمخصص والمخصوص، مثل ما بعث عليا ومعاذا، وعمر بن حزم إلى اليمن وبعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وكان يبعث سعاته في جباية الصدقات، وإعلام أرباب الأموال
стр. 2604
بما يجب عليهم من الزكاة، مع علمنا بأنهم كانوا مكلفين بالطاعة والانقياد / (٨١/أ) لقبول قول المبعوث إليهم آحادا والعمل بمقتضى قوله، ولو كان خبر الواحد غير مقبول لما بعث إليهم آحادا، ولما أوجب عليهم قبول قولهم، ولما بطل اللازم بطل الملزوم.
واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه كان يبعثهم لذلك، لكن للقضاء والفتوى، فأما لرواية الأخبار فممنوع، أو في غاية القلة، فلا تمس الحاجة إلى بعث من يروي الأخبار للاحتجاج والاستنباط، بخلاف العوام المحتاجين إلى الفتيا والقضاء فإنهم الجم الغفير، فكانت الحاجة ماسة إلى بعث المفتي والقاضي كيف وقد جاء ذلك مصرحا به في بعض الروايات كما في بعث علي ومعاذ إلى اليمن.
سلمناه، لكنه إنما كان يبعث لكي يتواتر ما بعث به ذلك الواحد بإبلاغه وإبلاغ الآخرين بعده واحدا بعد واحد، فإن بعث عدد التواتر دفعة واحدة متعذر، أو متعسر، وبعد تواتره يكونون مكلفين به فأما قبله فلا.
سلمنا دلالته على ما ذكرتم لكنه منقوض، بأنه ﵇ كان يبعث رسله آحادا إلى الكفار أيضا، يدعوهم إلى الإيمان والإسلام، مثل ما روي أنه بعث إلى كسرى عبد الله بن حذاقة السهمي. والى الحبشة عمرو بن
стр. 2605
أمية الضمري، وغيرهما إلى الشام ومصر، ولا يمكن أن يكون ذلك ذلك لتعريف الأحكام والأخبار المتضمنة لفروع الإسلام والإيمان فقط؛ لأنه لا يمكنهم الإتيان بها إلا بعد الإتيان بالإيمان، فتكليفهم بها دون إتيان الإيمان والإسلام تكليف بالمحال، فيكون لأصول الدين كالتوحيد وإثبات النبوة، وقد أجمعنا على أن خبر الواحد غير مقبول في أصول الدين، فما هو جوابكم في هذه الصورة فهو جوابنا في المتنازع فيه.
ويمكن أن يجاب عن الأول: بأن الإفتاء في الزمان الأول في الأغلب إنما هو برواية الأخبار، لاشتراكهم في العلم بما يتوقف عليه استبناط الأحكام من النصوص كالعلم باللغات، والنحو، والتصريف؛ ولهذا كانوا يسألون عند وقوع الواقعة من سمع منكم في هذه الواقعة من النبي ﵇ شيئا، ويفزعون إلى رواية الخبر عند ذكر الحكم، ولو كان ذلك بطريق الإفتاء لما كان ذلك.
وعن الثاني: أنه لو كان كما ذكرتم لكان ينبغي أن ينكر عليهم عدم الامتثال ما لم يتواتر، لكن ذلك خلاف المعلوم منه ﵇ ومن المبعوث.
وعن الثالث: أن دعوته المكلفين إلى التصديق بوجود الصانع ووحدانيته
стр. 2606
وتصديق نفسه، وقد انتشر وتواتر من الواردين على المبعوث إليهم، بحيث كلهم علموا أنه ظهر بالحجاز من يدعي الرسالة لنفسه، ويدعو إلى الاعتراف بوجود الصانع، ووحدانيته، وبالبعث والنشور وتصديق نفسه، فهذا القدر كان معلوما لهم، وما كان الغرض من بعض الرسول إليهم آحادا تبليغ هذا القدر، ولا إثبات ما أمكن إثباته من هذا بالنقل كالبعث والنشور بقوله، لأن المطلوب فيه القطع والعلم، وقول الواحد غير مفيد وفاقا. وإنما كان يبعث إليهم المنبه على الأدلة العقلية على المطالب التي يستفاد منها، ويطلب المصير منهم إلى ذلك، وإعلامهم بما يلحقهم من الخزي والنكال في الدنيا والآخرة على تقدير استمرارهم على الكفر، وإنكارهم لما جاء به، ثم ليعلمهم أحكام ما جاء به إن اعترفوا به وليكون على بصيرة من حالهم أنهم آمنوا، أو لم يؤمنوا، ولا يمكن هذا الجواب فيما بعث لتعليم الأحكام برواية الأخبار؛ إذ لا يمكن ادعاء التواتر فيها، وليس فيها أدلة عقلية لينبههم عليها.
وأما الإجماع: فهو أن أكثر الصحابة عملوا بخبر الواحد، ولم يصدر من الباقين في ذلك إنكار فكان إجماعا.
أما الأول: فيدل عليه ما نقل عنهم بروايات مختلفة في الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والإحصاء أنهم عملوا بخبر الواحد، وكانوا يفزعون إليه في الوقائع، ويتركون لأجله البراءة الأصلية، والقياس، ويرون العمل به، فمن ذلك:
стр. 2607
ما روي عن الصديق ﵁ أنه احتج على الأنصار يوم السقيفة لما قالوا: منا أمير، ومنكم أمير بقوله: الأئمة من قريش مع أنه كان في واقعة عظيمة وربما يعتقد أنه لا يقبل في مثله إلا المتواتر أو المشهور، وهذه الرواية تكاد أن تكون متواترة.
ومنه ما روي أنهم رجعوا في دفنه ﵇ إلى ما رواه الصديق عنه وهو قوله: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون".
ومنه ما روي عنه ﵁ أنه رد فاطمة ﵂ عما كان تطلب من الميراث، بما روي عن النبي ﵇ أنه [قال: نحن] معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، مع أنه مخصص لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾.
ومنه ما روي أنهم رجعوا في معرفة نصب الزكوات ومقاديرها، ومقادير الديات إلى كتابه ﵇ حتى روي أن عمر ﵁ كان يجعل في الأصابع نصف الدية، ويفصل بينها، ويجعل في الإبهام خمسة عشر، وفي
стр. 2608
السبابة والوسطى عشرة عشرة، وفي البنصر تسعة، وفي الخنصر ستة، فلما / (٨/أ) روي له في كتاب عمرو بن حزم "أن في كل إصبع عشرة" رجع عن رأيه.
ومنه ما روي: أن أبا بكر قبل خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في توريث الجدة السدس.
стр. 2609
وعنه أيضاً أنه قضى بقضية بين اثنين، فأخبره بلال: أنه ﵇ قضى فيها بخلاف قضائه فنقضه.
ومنها: ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: ما أدري ما الذي أصنع في أمر المجوس، فإنهم ما أهل الكتاب، ولا هم عبدة الأصنام والأوثان، حتى روى له عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﵇ قضى فيه بغرة، فقال عمر ﵁: "لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغيره".
стр. 2610
وروي عنه رواية أخرى أنه قال: "لو لم نسمع هذا كدنا نقضي فيه برأينا".
وعنه أيضا: أنه كان يرى أن الدية للعاقلة، ولا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن سفيان: أن رسول الله ﷺ كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عن رأيه إليه.
وعنه أيضا: أنه ترك رأيه في بلاد الطاعون لخبر عبد الرحمن بن عوف.
ومنه ما روي عن عثمان وعلي أنهما عملا بخبر فريعة بنت مالك حين روت لهما.
стр. 2611
فقالت: جئت إلى رسول الله ﷺ بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال ﵇: "امكثي في بيتك حتى تنقضي عدتك" ولم ينكر عليها الخروج للاستفتاء، فقالا: المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الزوج ولا تخرج ليلا، وتخرج نهارا إنه لم يكن لها من يقوم بأحوالها.
ومنه رجوع جماهير الصحابة إلى قول عائشة ﵂ في وجوب الغسل التقاء الختانين.
ومنه رجوع ابن عباس عن قوله: إن الربا منحصر في النسيئة إلى خبر أبي سعيد الخدري حين عابه أسامة بن زيد.
стр. 2612
ومنه ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى فيه بأسا حتى روى لنا رافع بن خديج نهيه ﵇ عن المخابرة فانتهينا عنها.
ومنه ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئا نفعني الله تعالى بما شاء أن ينفعني منه، فإذا حدثني غيره عنه حلفته فإذا حلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر فصدقته من غير حلف".
ومنه ما روي عنه ﵁: أنه قبل رواية المقداد في حكم المذي.
стр. 2613
ومنه ما روي: أنه عمل زيد بن ثابت بحديث امرأة من الأنصار أن النبي ﵇ قال: "الحائض تنفر بلا وداع".
ومنه ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة،
стр. 2614
وأبا طلحة، وأبي بن كعب، شرابا إذ أتانا آت فقال: حرمت الخمر، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقتمت فكسرتها.
ومنه عمل أهل قباء في التحويل عن القبلة بخبر الواحد الذي قال لهم: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة.
стр. 2615
ومنه ما روي عن ابن عباس لما قيل له: "إن فلانا يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل أنه قال: "كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب فقال: خطبنا رسول الله ﷺ ثم ذكر موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر" فعمل بخبر أبي حتى كذب الرجل، وسماه عدو الله، وفيه نظر، فإن المسألة علمية لا يقبل فيها خبر الواحد، فلعل ذلك لقرائن احتفت به.
ومنه ما روي عن أبي الدرداء أنه قال لمعاوية لما باع شيئا من أواني الذهب والفضة بأكثر من وزنه: سمعت النبي ﷺ ينهى عن ذلك، فقال له معاوية: لا أرى به بأسا، فقال له الدرداء: من يعذرني بمعاوية أخبره عن الرسول ﵇، وهو يخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أبدا، فهذه الأخبار وأمثالها.
стр. 2616
مما لا تعد ولا تحصى تدل على أنهم عملوا بأخبار الآحاد، وكما أن الصحابة انقرضوا على ذلك، فكذا التابعون ومن بعدهم.
قال الشافعي ﵁: وجدنا علي بن الحسين يعول على أخبار الآحاد وكذلك محمد بن علي، وجبير بن مطعم، ونافع بن جبير، وخارجة بن زيد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن
стр. 2617
يسار، وعطاء بن يسار، وكذلك كان حال طاوس، ومجاهد، وسعيد ابن المسيب، وفقهاء الأمصار في جميع الأعصار إلى زمان ظهور المخالف.
стр. 2618
وأما الثاني، وهو: أنه لم يصدر عن الباقين في ذلك إنكار، فلأنه لو صدر لنقل، ولو نقل لاشتهر وتواتر، فما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يصدر، وأما أنه حينئذ يكون إجماعا فلما تقدم.
فإن قيل: إن ادعيتم العلم الضروري بسبب هذه الروايات فممنوعة.
قال المرتضى: "إن الضرورة لا يختص بها البعض دون البعض، مع المشاركة في طريقها، والمخالفون نحو الإمامية، وشيوخ المعتزلة كالنظام وغيره، منكرون حصول هذا العلم الضروري مع اختلاطهم بأهل الأخبار، ومطالعة كتبهم، ويحلفون على ذلك، بل على عدم الظن بذلك أيضا، فإن كذبتموهم فعلتم ما لا يحسن وعورضتم بمثله، وإن ادعيتم العلم النظري، بالاستدلال بها، فلا نسلم أن الاستدلال بها يفيد ذلك، فإنكم ما بينتم وجه الاستدلال بها حتى / (٨٣/أ) نعلم أنه هل تفيد ذلك أم لا؟
وإن ادعيتم الظن فهذا لو سلم يلزم منه الدور؛ لأن تلك الإخبارات حينئذ تكون أخبار آحاد، فالاستدلال بها على كون أخبار الآحاد حجة، يتوقف على كون أخبار الآحاد حجة، فلو أثبتت حجية أخبار الآحاد بها لزم الدور.
سلمناه، لكن لا نسلم أنهم عملوا بها وهي أخبار آحاد مفيدة للظن فلعلهم عملوا بغيرها من الأدلة نحو النصوص المتواترة، والأقيسة الموافقة لها، يذكرونها عند سماع تلك الإخبارات أو بها وهي متواترة عندهم، ثم فتر نقلها فصارت آحادا عندنا، أو وإن كانت آحادا لكنها كانت تفيد القطع بسبب القرائن المحتفة بها من الحالية، أو المقالية.
سلمناه لكن عمل بها بعضهم أو كلهم.
والأول مسلم، ولا حجة فيه، والثاني ممنوع ولا يمكن دعواه.
قوله: "عمل بها بعضهم وسكت الباقون عن الإنكار فكان حجة".
قلنا: لا نسلم سكوت الباقين عنه.
стр. 2619
قوله: لو وجد لنقل واشتهر.
قلنا: لا نسلم أنه أنه لم ينقل ولم يشتهر؛ وهذا لأنه نقل عن بعضهم رده: روي عن أبي بكر ﵁ أنه رد خبر المغيرة في توريث الجدة حتى أخبره بذلك أيضا محمد بن مسلمة.
ورد هو وعمر ﵄ خبر عثمان فيما رواه من إذن رسول الله ﷺ في رد الحكم بن العاص حتى طالباه بمن يشهد له به.
стр. 2620
ورد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، وقال له: هات من يشهد لك به، وإلا أوجعت ظهرك حتى أتى بأبي سعيد الخدري وشهد له به.
ورد هو أيضا خبر فاطمة بنت قيس وقال: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت" وهذا الاحتمال يثبت في جميع أخبار الآحاد.
ورد على خبر أبي سنان الأشجعي في بروع بنت واشق وهي كانت
стр. 2621
مفوضة وهو أنه قضى لها رسول الله ﷺ بمهر المثل حين مات عنها زوجها قبل الدخول وقبل المفرض.
وأيضا اشتهر منه أنه كان لا يقبل رواية أحد حتى يحلفه سوى أبي بكر لما ثبت عنده من القرائن الحالية صدقه فيما يخبره لا لمجرد كونه واحدا عدلا، وإلا لقبل قول غيره من العدول كما قبل قوله، وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله.
стр. 2622
فهذا الرد منهم يدل على أنهم لم يروا العمل بخبر الواحد وإلا لما ردوه.
سلمنا أنهم سكتوا عن الإنكار، لكن لا نسلم أن السكوت يدل على الرضا وهذا لأن السكوت يحتمل وجوها أخر غير الرضا كما تقدم ذكره.
سلمنا أنه يدل على الرضا، وهو يدل على انعقاد الإجماع، لكن على النوع الذي قبلوه وعملوا به، أو على سائر أنواعه.
والأول مسلم، لكن لا يلزم منه حجية سائر أنواعه؛ لاحتمال أن يأمر الشارع بالعمل بذلك النوع دون سائر الأنواع، أو لأن اتفاقهم على قبوله يدل على صحته نفيا للخطأ عنهم، وهذا المعنى غير حاصل في سائر أنواعه فلم يلزم منه حجية سائر أنواعه.
والثاني ممنوع، ولا يمكن دعواه؛ لأن من المعلوم بالضرورة أنهم لم يعلموا بجميع أنواع الخبر، وحينئذ نقول: ذلك النوع غير معلوم لنا بعينه، فإذن لا نوع من أنواع الخبر الواحد إلا ويحتمل أن يكون ذلك النوع، ويحتمل أن لا يكون وحينئذ يلزم أن لا يكون شيء من أنواعه حجة لوقوع التردد في حجيته.
سلمنا أن النوع الذي عملوا به، وأجمعوا عليه معلوم لنا، لكن لا يلزم من جواز العمل لهم بذلك النوع، جواز العمل به لنا؛ وهذا لأنهم شاهدوا الرسول ﵇، وعرفوا مجاري كلماته، ومناهج رموزه وإشاراته، وعرفوا أحوال أولئك الرواة في العدالة وعدمها، وعرفوا قرائن صدقهم
стр. 2623
فيما رووه من الأخبار، وإذا كان كذلك كان عملهم بذلك الأخبار إما بناء على القطع بصدقهم وإما بناء على الظن الأقوى بصدقهم، وعلى التقديرين لا يلزم منه وجوب العمل به أو جوازه لنا.
لا يقال: من قال بحجية نوع منها في زمان ما قال بحجية كل أنواعه في كل الزمان، ومن لم يقل به لم يقل بذلك، فالقول بالفصل قول لم يقل به أحد.
لأنا نقول: لا نسلم أنه قول لم يقل به أحد، ومن أين لنا طريق إلى حصول العلم أو الظن به؟
وهذا لأن العلماء تفرقوا في مشارق الأرض ومغاربها، فمن أين يحصل العلم بأنه قول لم يقل به أحد؟ وإنما يمكن حصول العلم بمثل هذا في زمان الصحابة ﵃، فأما بعدهم فلا.
سلمناه لكنه إجماع ظني، والمسلك على ما تزعمونه قطعي، فلا يجوز إثبات مقدماته به.
الجواب عن الأول: أنا ندعي العلم الضروري به؛ وهذا فإن من خالط أهل الأخبار، وطالع كتبها اضطر إلى العلم به، كما سمع الأخبار الواردة في شجاعة علي، وسخاوة حاتم، فإنه يضطر إلى العلم به، وإن كان كل واحد من تلك الأخبار أحادا لا تفيد القطع، إلا أن القدر المشترك بينها متواتر من جهة المعنى فكذا ها هنا، فإنا نسلم أن كل واحد مما رويناه وغيره من هذا الباب، وإن كان آحادا لكن القدر المشترك بينها متواتر من جهة المعنى.
قوله: "الضرورة لا يختص بها قوم دون قوم مع المشاركة في طريقها.
قلنا: نعم، لكن لا نسلم أن الخصوم بأسرهم أنكروا ذلك، فإن منهم من اعترف بذلك، لكن زعم أن الإجماع ليس بحجة كالنظام، [وأما] الإمامية فليسوا بأسرهم مخالفين في هذه المسألة، فإن أبا جعفر الطوسي من الأصوليين،
стр. 2624
وأتباعه / (٨٤/أ) منهم وافقونا في ذلك، وأما الأخباريون منهم مع أن كثرة الشيعة منهم، يعولون في أصولهم على الأخبار المروية بالآحاد عن أئمتهم، فضلا عن الفروع، فلم يبق منكر لهذا العلم الضروري إلا شرذمة قليلة منهم نحو المرتضى وأتباعه، ولا يقدح في الضروريات إنكار الجمع القليل لها، كما في البديهيات والمحسوسات، فإن جحد المخالفين لا يقدح فيها.
سلمنا أنه ليس بضروري، لكنه استدلال قطعي، فإنا وإن لم نقطع بصدق كل واحد من هذه الأخبار، لكن نعلم قطعا أن كلها ليس بكذب، بل نقطع أن فيها ما هو صحيح، وأي واحد منها صح، ثبت جواز عمل بعضهم به، والتقدير حينئذ كما سبق على تقدير صحة الكل.
وعن الثاني: أن كون العمل إنما كان بتلك الأخبار لا بغيرها مصرح به في بعضها، كما في دية الجنين، فإنه قال: "لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغيره".
وكما في دية الأصابع فإنه نقل أنه ترك رأيه لما سمع ما في كتاب عمرو بن حزم، وكما في حديث المخابرة، وفي حديث التقاء الختانين، ومستدل عليه بأمر يختص في بعضها، كما في حديث المغيرة فإن أبا بكر ﵁ طلب منه من يشهد له، ولو كان ذلك بناء على دليل يذكر إذ ذاك، لما كان لذلك الطلب معنى، وكما في حديث الاستئذان، وبأمر عام في كلها، وهو: أنه لو كان ذلك بناء على دليل آخر لوجب ظهور ذلك الدليل، فإن الدين والعادة يوجبان ذلك.
أما الدين: فلأن سكوتهم عن ذكر ذلك الدليل عند سماع الخبر والعمل بموجبه يوهم إيهاما ظاهرا بل ظنا ظاهرا أنهم عملوا لأجله، كما هو في المقطوع، ولا شك أن ذلك غير جائز شرعا.
وأما العادة: فلأن الجمع العظيم إذا اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس عليهم،
стр. 2625
لا سيما مدة طويلة، ثم زال عنهم ذلك اللبس لدليل يذكروه، أو لسماحة الخاطر برأي قادح فيه من إظهار ذلك الدليل والاستبشار بسبب الظفر به لا سيما عندما يكون عدم إظهاره موهما للباطل، ولا سيما من الجمع العظيم، والعلم به بعد الاستقراء ضروري، وأما كون العمل بها لقرائن احتفت بها، أو لكونها كانت متواترة عندهم والأصل ينفيه؛ إذ الأصل عدم القرينة، والأصل عدم التغيير.
وعن الثالث من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن ذلك رد لخبر الواحد من حيث أنه خبر واحد، فإنهم وإن لم يقبلوا في بعض الصور خبر الواحد، لكنهم قبلوا خبر الاثنين، وقبلوا الخبر مع الحلف، وبهذا لا يخرج ذلك عن كونه خبر واحد بالتعريف الذي تقدم ذكره، وحيث لم يقبلوا أصلا كما في خبر فاطمة بنت قيس، وخبر أبي سنان الأشجعي، فإنما لم يقبلوه للتهمة.
وأما قوله: الاحتمال المذكور في رد خبر فاطمة بنت قيس قائم في كل خبر واحد.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن مثل هذا لا يستعمل إلا فيما لا يغلب ظن الصدق، وأما الذي يغلب ظن الصدق لا يقال فيه ذلك، ونحن إنما نجوز العمل به إذا كان ظن صدقه راجحا على كونه كذبا، أو نقول: إن ذلك لخصوص كونه مخصصا لكتاب الله، أو ناسخا له، لا لعموم كونه خبر واحد ولعل عمر ﵁ لا يرى تخصيص كتاب الله بخبر الواحد، فأما النسخ به فغير جائز عند الأكثرين.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا أنهم لم يعملوا به، لكن نقول: إن الذين نقلتم عنهم أنهم لم يعملوا به، هم الذين نقلنا عنهم أنهم عملوا به، فلا بد
стр. 2626
من التوفيق بين النقلين صونا للتناقض، وما ذاك إلا أن القبول والعمل به محمول على ما وجد شرائط القبول والعمل به، والرد محمول على ما إذا لم يوجد ذلك.
وعن الرابع ما تقدم في الإجماع.
وعن الخامس: أنه يدل على قبول خبر الواحد العدل، وليس هناك شيء يمكن ضبط النوع المقبول به نحو كونه واردا في العبادات، أو في المعاملات، أو في الجنايات أو غيرها؛ لأنه وجد في كل نوع منها، ولا يمكن ضبطه بأنه النوع الذي قبلوه وعملوا به؛ لأن ذلك وصف يحصل له بعد القبول، فلا يجوز أن يكون ذلك ضابطا للقبول؛ ضرورة أن ضابط القبول يجب أن يكون متقدما على القبول. ومن هذا يعرف فساد قوله: أو لأن اتفاقهم على القبول يدل على صحته نفيا للخطأ عنهم؛ لأن ذلك إنما يعرف بعد القبول فلا يجوز أن يكون ذلك علة القبول.
وعن السادس: هو ما سبق أنه لا قائل بالفصل.
قوله: لا سبيل إلى العلم أو الظن به.
قلنا: لا نسلم، وهذا لأن العلم به حاصل ظاهرا بعد استقراء الكتب المصنفة في هذا الباب، وعدم السماع من النقلة، فإنه لو قال به أحد لدونه في الكتب أو لتحدث به لتلامذته وأصحابه.
وعن السابع: أنا لا نقول: إن المسلك قطعي، وكيف نقول ذلك مع قولنا: إن الإجماع السكوتي حجة ظنية وهو أحد مقدماته؟
وأما القياس: فهو أن الخبر الواحد - الذي لا يقطع بصحته بل يغلب على الظن صدقه - مقبول في الفتوى والشهادات والأمور الدنيوية، كالأرباح والأغذية، والأدوية، فوجب أن يكون مقبولا في الروايات. والجامع / (٨٥/أ) تحصيل
стр. 2627
المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة، بل الرواية أولى بالقبول من الفتوى والشهادة.
أما من الفتوى: فلأن كل ما يفرض من الاحتمالات الموجبة لعدم قبول خبر الواحد نحو كذب الراوي عمدا أو خطأ، وغلطه وعدم ضبطه، فهو بعينه حاصل في المفتى مع احتمالات أخر موجبة لعدم قبول الفتوى، نحو احتمال جهله بالأمور التي يتوقف عليها معرفة كيفية الاستدلال، وغلطه في وجه الاستدلال، فإن العارف بشرائط الاجتهاد قد يعرض له الغلط، ولا شك أن احتمال الخطأ في الفتوى بسبب الأمور التي يمتاز بها عن الرواية أكثر؛ لأنها صعبة الحصول يغلط فيها الأكثرون، فإذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد مع تطرق الخطأ إليه من وجوه عديدة فبأن تكون الرواية مقبولة مع أن تطرق الخطأ إليها أقل أولى.
وأما من الشهادة؛ فلأن الشهادة لكونها تتضمن إثبات الحق على معين يحتاط فيها ما لا يحتاط في الرواية على تقدير القبول؛ لأن الاختلاف في الحكمة يدل على الاختلاف في الحكم، وذلك يدل على أن الشهادة أضيق بابا من الرواية، فإذا قبل فيها خبر من لا يفيد خبره العلم، فبأن يقبل في الرواية خبر من لا يفيد خبره العلم أولى وأحرى.
فإن قلت الفرق بين الفتوى والشهادة، ورواية الواحد من وجهين:
أحدهما: أن العمل بالفتوى والشهادة ضروري؛ لأنه لا يمكن تكليف كل واحد من المكلفين بتحصيل رتبة الاجتهاد؛ لأنه يؤدي إلى اختلال نظام العالم ولا طريق إلى تمييز المحق عن المبطل إلا بالشهادة؛ إذ التنصيص فيه من الشارع ممتنع، فيتعين أن يكون بالشهادة، ويتعذر أو يتعسر إشهاد الجمع الكثير الذين يفيد
стр. 2628
خبرهم العلم في كل واقعة، فيكون بالفتوى والشهادة المظنونة ضروريا.
وأما العمل بخبر الواحد فغير ضروري؛ لأنه إن وجد في الواقعة نص قاطع عمل به، وإلا رجع إلى البراءة الأصلية، ولا يلزم من جواز العمل بالظن الذي يحتمل الخطأ والغلط عند الضرورة أو الحاجة الماسة جواز العمل به عند عدمها.
وثانيهما: أن قبول خبر الواحد يقتضي ثبوت الحكم في حق عامة المكلفين وقبول الفتوى والشهادة ليس كذلك، بل يقتضي ثبوته في حق جزئي معين، ولا يلزم من جواز العمل بالظن فيما فيه المفسدة القليلة جواز العمل به فيما فيه المفسدة الكثيرة.
قلت: الجواب عن الأول: أنه لا ضرورة في الفتوى والشهادة أيضا لأنه إن وجد المفتون والشهود بحيث يفيد خبرهم العلم بفتواهم وشهادتهم، وإلا رجع إلى البراءة الأصلية، هذا ما قيل، وفيه نظر؛ لأن الرجوع إلى البراءة الأصلية إذ ذاك يقتضي إنسداد باب المعاملة، وعدم إثبات الحقوق، ضرورة أن شهادة الجمع الكثير الذي يفيد خبرهم العلم متعذر أو متعسر، وفيه اختلال نظام العالم.
وعن الثاني: أن الفتوى والشهادة وإن أثبت كل واحد منهما الحكم في جزئي معين، لكن الحكم بشرعيتهما في حق كل شخص يقتضي ضرورة ذلك أيضا شرعا عاما فلا فرق.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون؛ لأن الراوي العدل إذا أخبر عن الرسول ﵇ أنه أمر بهذا الفعل حصل ظن أنه وجد هذا الأمر، وعندنا مقدمة يقينية وهي: أن مخالفة أمر الرسول سبب
стр. 2629
لاستحقاق العقاب، فحينئذ يحصل من مجموع هاتين المقدمتين، ظن أنا لو تركنا الأمر الذي أخبر عنه العدل لصرنا مستحقين للعقاب، فوجب أن يجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن الراجح، والتجويز المرجوح لم يجز العمل بالمرجوح؛ لأنه ترجيح للمرجوح على الراجح وهو باطل بضرورة العقل فيتعين العمل بالراجح؛ إذ القسمان الباقيان ممتنعان؛ لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما.
قلت: متى يجب ترجيح الظن الراجح على المرجوح، إذا لم يمكن تحصيل العلم به، أو مطلقا؟
والأول مسلم، لكن لا نسلم أنه لا يمكن تحصيل العلم بذلك الحكم المطنون الذي دل عليه خبر الواحد حتى يلزم العمل به؛ وهذا فإن الرجوع فيه إلى الكتاب، أو السنة المتواترة، أو القياس اليقيني أو البراءة الأصلية يفيد العلم به.
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن تجويز العمل به إذ ذاك تجويز العمل بما لا يؤمن أن يكون خطأ مع إمكان الاحتراز عنه، والعقل يأباه، فإذا أبى العقل تجويز العمل به، فكيف ظنك بوجوب العمل به؟
سلمنا أنه لا يمكن تحصيل العلم بهن لكن متى يجب العمل به إذا لم يمكن تحصيل ظن أقوى منه أو مطلقا؟
والأول مسلم، فلم قلت: أنه لا يمكن تحصيل ظن أقوى منه مما تقدم من المدارك حتى يلزم العمل به؟
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن الاكتفاء بالأدنى مع القدرة على الأعلى مما يأباه العقل أيضا.
سلمنا دليلكم لكنه منقوض بما أنه لا يجب على القاضي العمل بقول
стр. 2630
الشاهد الواحد إذا غلب على ظنه صدقه، وكذا بقول الشاهدين في الزنا إذا غلب على ظنه صدقهما، وبما إذا غلب على الظن صدق مدعي النبوة، وبما / (٨٦/أ) إذا غلب على الظن صدق الشاهدين وهما فاسقان، والراوي الفاسق من غير توبة من الفسق، بل لا يجوز العمل به في هذه الصورة كلها، ومنقوض أيضا بما إذا غلب على ظن الدهري واليهودي والنصراني قبح هذه الأعمال الشرعية، فإن غلبة الظن حاصلة في هذه الصورة مع أنه لا يجوز العمل به.
فإن قلت: الظن إنما يعتبر حيث لم يقم الدليل على فساده، وفيما ذكرتم من الصور إنما لم يعتبر لقيام الدلالة على فساده فلا ينتقض ما ذكرنا.
قلت فعلى هذا التقدير لا يتم دليلكم إلا إذا بينتم أنه لا قاطع يدل على فساد الظن الحاصل من خبر الواحد، فيصير نفي ما يدل على فساده جزءا من المقتضى، أو شرطا لاعتباره، وعلى التقديرين يجب عليكم أن تثبتوا أنه لم يوجد ما يدل على فساده وأنتم ما فعلتم ذلك، كيف وقد وجد من العمومات ما يدل على عدم اعتبار الظن مطلقا.
قلت: الجواب عن الأول: أنه يجب ترجيح الظن الراجح على المرجوح مطلقا؛ لأنه لو كان متوقفا عليه فقبله إلى أن يحصل مرتبة العلم إن لم يعمل به لزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو ترجيح المرجوح على الراجح، وكل ذلك باطل، فما يفضى إليه أيضا كذلك، فالتوقف عليه باطل.
وأما قوله: تجويز العمل به إذ ذاك تجويز العمل بما لا يؤمن أن يكون خطأ
следующие страницы →