Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
من التوفيق بين النقلين صونا للتناقض، وما ذاك إلا أن القبول والعمل به محمول على ما وجد شرائط القبول والعمل به، والرد محمول على ما إذا لم يوجد ذلك.
وعن الرابع ما تقدم في الإجماع.
وعن الخامس: أنه يدل على قبول خبر الواحد العدل، وليس هناك شيء يمكن ضبط النوع المقبول به نحو كونه واردا في العبادات، أو في المعاملات، أو في الجنايات أو غيرها؛ لأنه وجد في كل نوع منها، ولا يمكن ضبطه بأنه النوع الذي قبلوه وعملوا به؛ لأن ذلك وصف يحصل له بعد القبول، فلا يجوز أن يكون ذلك ضابطا للقبول؛ ضرورة أن ضابط القبول يجب أن يكون متقدما على القبول. ومن هذا يعرف فساد قوله: أو لأن اتفاقهم على القبول يدل على صحته نفيا للخطأ عنهم؛ لأن ذلك إنما يعرف بعد القبول فلا يجوز أن يكون ذلك علة القبول.
وعن السادس: هو ما سبق أنه لا قائل بالفصل.
قوله: لا سبيل إلى العلم أو الظن به.
قلنا: لا نسلم، وهذا لأن العلم به حاصل ظاهرا بعد استقراء الكتب المصنفة في هذا الباب، وعدم السماع من النقلة، فإنه لو قال به أحد لدونه في الكتب أو لتحدث به لتلامذته وأصحابه.
وعن السابع: أنا لا نقول: إن المسلك قطعي، وكيف نقول ذلك مع قولنا: إن الإجماع السكوتي حجة ظنية وهو أحد مقدماته؟
وأما القياس: فهو أن الخبر الواحد - الذي لا يقطع بصحته بل يغلب على الظن صدقه - مقبول في الفتوى والشهادات والأمور الدنيوية، كالأرباح والأغذية، والأدوية، فوجب أن يكون مقبولا في الروايات. والجامع / (٨٥/أ) تحصيل
стр. 2627
المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة، بل الرواية أولى بالقبول من الفتوى والشهادة.
أما من الفتوى: فلأن كل ما يفرض من الاحتمالات الموجبة لعدم قبول خبر الواحد نحو كذب الراوي عمدا أو خطأ، وغلطه وعدم ضبطه، فهو بعينه حاصل في المفتى مع احتمالات أخر موجبة لعدم قبول الفتوى، نحو احتمال جهله بالأمور التي يتوقف عليها معرفة كيفية الاستدلال، وغلطه في وجه الاستدلال، فإن العارف بشرائط الاجتهاد قد يعرض له الغلط، ولا شك أن احتمال الخطأ في الفتوى بسبب الأمور التي يمتاز بها عن الرواية أكثر؛ لأنها صعبة الحصول يغلط فيها الأكثرون، فإذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد مع تطرق الخطأ إليه من وجوه عديدة فبأن تكون الرواية مقبولة مع أن تطرق الخطأ إليها أقل أولى.
وأما من الشهادة؛ فلأن الشهادة لكونها تتضمن إثبات الحق على معين يحتاط فيها ما لا يحتاط في الرواية على تقدير القبول؛ لأن الاختلاف في الحكمة يدل على الاختلاف في الحكم، وذلك يدل على أن الشهادة أضيق بابا من الرواية، فإذا قبل فيها خبر من لا يفيد خبره العلم، فبأن يقبل في الرواية خبر من لا يفيد خبره العلم أولى وأحرى.
فإن قلت الفرق بين الفتوى والشهادة، ورواية الواحد من وجهين:
أحدهما: أن العمل بالفتوى والشهادة ضروري؛ لأنه لا يمكن تكليف كل واحد من المكلفين بتحصيل رتبة الاجتهاد؛ لأنه يؤدي إلى اختلال نظام العالم ولا طريق إلى تمييز المحق عن المبطل إلا بالشهادة؛ إذ التنصيص فيه من الشارع ممتنع، فيتعين أن يكون بالشهادة، ويتعذر أو يتعسر إشهاد الجمع الكثير الذين يفيد
стр. 2628
خبرهم العلم في كل واقعة، فيكون بالفتوى والشهادة المظنونة ضروريا.
وأما العمل بخبر الواحد فغير ضروري؛ لأنه إن وجد في الواقعة نص قاطع عمل به، وإلا رجع إلى البراءة الأصلية، ولا يلزم من جواز العمل بالظن الذي يحتمل الخطأ والغلط عند الضرورة أو الحاجة الماسة جواز العمل به عند عدمها.
وثانيهما: أن قبول خبر الواحد يقتضي ثبوت الحكم في حق عامة المكلفين وقبول الفتوى والشهادة ليس كذلك، بل يقتضي ثبوته في حق جزئي معين، ولا يلزم من جواز العمل بالظن فيما فيه المفسدة القليلة جواز العمل به فيما فيه المفسدة الكثيرة.
قلت: الجواب عن الأول: أنه لا ضرورة في الفتوى والشهادة أيضا لأنه إن وجد المفتون والشهود بحيث يفيد خبرهم العلم بفتواهم وشهادتهم، وإلا رجع إلى البراءة الأصلية، هذا ما قيل، وفيه نظر؛ لأن الرجوع إلى البراءة الأصلية إذ ذاك يقتضي إنسداد باب المعاملة، وعدم إثبات الحقوق، ضرورة أن شهادة الجمع الكثير الذي يفيد خبرهم العلم متعذر أو متعسر، وفيه اختلال نظام العالم.
وعن الثاني: أن الفتوى والشهادة وإن أثبت كل واحد منهما الحكم في جزئي معين، لكن الحكم بشرعيتهما في حق كل شخص يقتضي ضرورة ذلك أيضا شرعا عاما فلا فرق.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون؛ لأن الراوي العدل إذا أخبر عن الرسول ﵇ أنه أمر بهذا الفعل حصل ظن أنه وجد هذا الأمر، وعندنا مقدمة يقينية وهي: أن مخالفة أمر الرسول سبب
стр. 2629
لاستحقاق العقاب، فحينئذ يحصل من مجموع هاتين المقدمتين، ظن أنا لو تركنا الأمر الذي أخبر عنه العدل لصرنا مستحقين للعقاب، فوجب أن يجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن الراجح، والتجويز المرجوح لم يجز العمل بالمرجوح؛ لأنه ترجيح للمرجوح على الراجح وهو باطل بضرورة العقل فيتعين العمل بالراجح؛ إذ القسمان الباقيان ممتنعان؛ لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما.
قلت: متى يجب ترجيح الظن الراجح على المرجوح، إذا لم يمكن تحصيل العلم به، أو مطلقا؟
والأول مسلم، لكن لا نسلم أنه لا يمكن تحصيل العلم بذلك الحكم المطنون الذي دل عليه خبر الواحد حتى يلزم العمل به؛ وهذا فإن الرجوع فيه إلى الكتاب، أو السنة المتواترة، أو القياس اليقيني أو البراءة الأصلية يفيد العلم به.
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن تجويز العمل به إذ ذاك تجويز العمل بما لا يؤمن أن يكون خطأ مع إمكان الاحتراز عنه، والعقل يأباه، فإذا أبى العقل تجويز العمل به، فكيف ظنك بوجوب العمل به؟
سلمنا أنه لا يمكن تحصيل العلم بهن لكن متى يجب العمل به إذا لم يمكن تحصيل ظن أقوى منه أو مطلقا؟
والأول مسلم، فلم قلت: أنه لا يمكن تحصيل ظن أقوى منه مما تقدم من المدارك حتى يلزم العمل به؟
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن الاكتفاء بالأدنى مع القدرة على الأعلى مما يأباه العقل أيضا.
سلمنا دليلكم لكنه منقوض بما أنه لا يجب على القاضي العمل بقول
стр. 2630
الشاهد الواحد إذا غلب على ظنه صدقه، وكذا بقول الشاهدين في الزنا إذا غلب على ظنه صدقهما، وبما إذا غلب على الظن صدق مدعي النبوة، وبما / (٨٦/أ) إذا غلب على الظن صدق الشاهدين وهما فاسقان، والراوي الفاسق من غير توبة من الفسق، بل لا يجوز العمل به في هذه الصورة كلها، ومنقوض أيضا بما إذا غلب على ظن الدهري واليهودي والنصراني قبح هذه الأعمال الشرعية، فإن غلبة الظن حاصلة في هذه الصورة مع أنه لا يجوز العمل به.
فإن قلت: الظن إنما يعتبر حيث لم يقم الدليل على فساده، وفيما ذكرتم من الصور إنما لم يعتبر لقيام الدلالة على فساده فلا ينتقض ما ذكرنا.
قلت فعلى هذا التقدير لا يتم دليلكم إلا إذا بينتم أنه لا قاطع يدل على فساد الظن الحاصل من خبر الواحد، فيصير نفي ما يدل على فساده جزءا من المقتضى، أو شرطا لاعتباره، وعلى التقديرين يجب عليكم أن تثبتوا أنه لم يوجد ما يدل على فساده وأنتم ما فعلتم ذلك، كيف وقد وجد من العمومات ما يدل على عدم اعتبار الظن مطلقا.
قلت: الجواب عن الأول: أنه يجب ترجيح الظن الراجح على المرجوح مطلقا؛ لأنه لو كان متوقفا عليه فقبله إلى أن يحصل مرتبة العلم إن لم يعمل به لزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو ترجيح المرجوح على الراجح، وكل ذلك باطل، فما يفضى إليه أيضا كذلك، فالتوقف عليه باطل.
وأما قوله: تجويز العمل به إذ ذاك تجويز العمل بما لا يؤمن أن يكون خطأ
стр. 2631
مع إمكان الاحتراز عنه فممنوع أولا.
سلمناه لكن لا نسلم أن العقل مما يأباه؛ وهذا لأن العقلاء لا يزالون يقدمون على الاحتمالات الراجحة المفضية إلى المصالح مع إمكان أن لا يكون كذلك، ومع إمكان أن يبنوا الأمر فيه على اليقين. وبه خرج الجواب عن الثاني أيضا.
وعن الثالث: أن الأصل عدم ما يدل على فساده، وسنجيب عن العمومات الدالة على عدم اعتبار الظن، كيف وقد وجد ما يدل على اعتبار الظن الحاصل به وهو ما ذكرناه من الأدلة.
وثانيها: وهو ما اعتمد عليه أبو الحسين البصري وغيره وهو: أن العقلاء يعلمون وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، بدليل أنهم يذمون المريض إذا ترك شرب الدواء المر الذي أخبر عنه الطبيب بأنه نافع له، وكذا يذمون المسافر إذا سلك طريقا أخبر الثقة بأنها مخوفة، وإن كانت في القرب والحسن خيرا من غيرها، ولا يعلمون وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه ولا علة لوجوبه سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل فإنه قد علم من حيث الجملة وجوب التحرز من المضار، وحسن اجتلاب المنافع، فإذا أخبرهم الثقة بحصول المضرة في شيء فإنهم يرون وجوب الاحتراز عنه؛ لأنهم ظنوا تفصيل ما علموه جملة، وكذا لو أخبرهم بحصول النفع في شيء، فإنهم يرون حسن اجتلابه، ولا ذاك إلا بما ذكرناه بدليل الدوران؛ فإن الحكم المذكور دار معه وجودا وعدما أما وجودا ففي الصور التي ذكرناها، وأما عدما حيث لم يعلموا من حيث الجملة، أو لم يظنوا من حيث التفصيل، وهذا المعنى بعينه حاصل في خبر الواحد؛ لأنه قد علم من حيث الجملة أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب فإذا أخبر الثقة بأنه ﵇ أمر بهذا الفعل، حصل ظن تفصيلي أن تركه سبب لاستحقاق العقاب فوجب أن يجب العمل به.
стр. 2632
وثالثها: طريقة الاحتياط، وتقريرها: أن صدق الراوي أغلب على الظن، فكان أقل احتمالا للخطأ فيجب المصير إليه، لقوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
ورابعها: أن صدق الراوي ظاهر، فكان الحكم به واجبا، لقوله ﵇: "أقضى بالظاهر".
وخامسها: أن المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب، وسنة متواترة وإجماع، وقياس قطعي ووجد خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت أكثر الوقائع عن الحكم الشرعي؛ ضرورة أنه لم يوجد في أكثر الوقائع الأدلة الشرعية القاطعة وهو ممتنع.
وسادسها: أنه ﵇ كان مبعوثا إلى الخلائق كلها. فلو لم يقبل خبر الواحد لتعذر إبلاغ الشرائع إلى الخلائق بأسرهم؛ ضرورة أنه يتعذر أن يخاطب الجميع بالمشافهة، وأن يبعث إليهم عدد التواتر، ولما بطل اللازم بطل الملزوم.
стр. 2633
ولا يخفى عليك ضعف بعض هذه الوجوه، وما هو منها مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وما هو غير مبني عليها، وبهذه الوجوه إنما يتمسك من يقول: إن الدليل العقلي دل أيضا على ورود التعبد بخبر الواحد دون من لم يقل به.
واحتج المنكرون لوقوعه بالكتاب، والسنة، والمعقول: -
أما الكتاب: فالآيات التي ذم فيها إتباع الظن وعدم العلم، وقد تقدم ذكرها وأجوبتها في المسألة المتقدمة.
وأما السنة: فما روي أنه ﵇ توقف في خبر ذي اليدين إلى أن شهد له أبو بكر وعمر ﵄.
وجوابه: أنه ﵇ إنما توقف للتهمة، حيث انفرد بذلك مع حضور
стр. 2634
غيره؛ فإن ذلك مما يوهم الغلط والسهو، فلما انتفت هذه التهمة بشهادتهما له قبل، ولو كان ذلك لكونه خبر واحد لما قبل عند شهادتهما له أيضا؛ لأنه لم يخرج خبره عند انضمام أخبارهما إليه عن أن يكون خبر واحد.
وأما المعقول: فما تقدم من الوجوه العقلية في المسألة المتقدمة، وقد تقدم أجوبتها أيضا، والذي نزيده هنا وجهين:
أحدهما: أن البراءة الأصلية يقينية، وخبر الواحد ظني، وترك اليقيني بالظني ترجيح للمرجوح / (٨٧/أ) على الراجح وهو ممتنع بالبديهة.
وجوابه: منع أن البراءة الأصلية يقينية بعد ورود التكاليف، بل الشغل محتمل وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فرفعها بخبر الواحد ليس رفعا لليقيني بالظني، بل رفعا للظني بالظني، وأنه غير ممتنع عقلا.
وثانيهما: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد فلا يجوز ذلك للمجتهد؛ للآيات الدالة على ذم التقليد، وكما لا يجوز له تقليد مجتهد آخر.
وجوابه: منع أنه تقليد له؛ وهذا لأن قبول الخبر تقليد لصاحب الخبر لا للراوي.
سلمناه لكن لا نسلم أنه لا يجوز. أما الآيات فمحمولة على التقليد في الأصول دون الفروع. وأما الحكم في المقيس عليه فممنوع.
سلمناه لكن ذلك لتساويهما، وأما ما نحن فيه فليس كذلك، فإن المروي له ليس يساوي الراوي في العلم أو الظن بذلك الخبر.
стр. 2635
القسم الثاني
في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد
وهي تنقسم إلى متفق عليها، وإلى مختلف فيها، فنرتب هذا القسم على صنفين:
стр. 2636
الصنف الأول
"في الشرائط المتفق عليها "
وفيه مسائل:
стр. 2637
المسألة الأولى
يشترط أن يكون الراوي مكلفا ، فلا تقبل رواية المجنون والصبي مراهقا كان أو لم يكن، مميزا كان أو لم يكن.
أما المجنون والصبي الذي لا يميز [فلعدم الضبط وعدم التمكن] من الاحتراز عن الخلل.
وأما المميز المراهق وإن كان بينه وبين البلوغ زمان يسير، فلوجوه:
أحدها: أن رواية الفاسق لا تقبل مع أنه يخاف أن يلحقه العقاب على الكذب؛ لكونه مكلفا بتركه، فرواية الصبي أولى أن لا تقبل مع أنه لا يخاف ذلك لعدم كونه مكلفا به.
وثانيها: أنه لا يقبل قوله على نفسه لمعنى في نفسه، لا لحق الغير ولا لصيانة ما له، فأولى أن لا يقبل قوله على غيره كالمجنون.
واحترزنا عما ذكرنا من القيد عن المحجور عليه لفلس، أو رق، أو سفه.
وثالثها: أنه لا تحصل الثقة بقوله، فلا يجوز العمل به، كما في الأمور الدنيوية.
ورابعها: أنه يعلم أنه غير ممنوع من الكذب فلا يحترز عنه؛ لعدم الزاجر والمانع عنه في حقه دنيا ودينا فلا يقبل.
стр. 2638
وإنما يقبل إخباره عن كونه متطهرا حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة، إما لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام. وإما لأنه يتعذر أو يتعسر معرفة ذلك من غيره، فلا يعرف إلا من جهته فيقبل للضرورة.
وإما لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الإخبار عن طهارة نفسه وما يترتب عليه من الاقتداء به في الصلاة؛ لكون الرواية تثبت شرعا عاما على المكلفين بأسرهم، ولهذا يصح الاقتداء بالفاسق والمتعود بالكذب عند ظن الطهارة، ولا تقبل روايتهما وإن ظن صدقهما.
وإما لأن منصب الرواية أعلى من منصب الإمامة فيحتاط فيه ما لا يحتاط في الإمامة.
فإن قلت: هب أن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام لكن ظن كونه متطهرا شرط لصحة الاقتداء به، فلو لم يكن قوله مفيدا للظن لما صح الاقتداء به.
قلت: نمنع أولا شرطية ذلك على التعيين، بل الشرط أحد الأمرين: إما تحقق الطهارة، أو ظنها، بدليل أنه لو ظن أنه غير متطهر فاقتدى به ثم تبين
стр. 2639
أنه كان متطهرًا، فإنه ينبغي أن يصح الاقتداء به على رأي، كما لو ظن أنه خنثى فاقتدى به، ثم تبين أنه كان رجلا [فإنه يصح الاقتداء] على رأي فلو كان ذلك شرطا على التعيين لما صح.
سلمناه لكن الظن المعتبر فيه دون الظن المعتبر في الرواية، فلا يلزم من قبول قوله في الظن الضعيف قبول قوله في الظن القوي.
فإن قلت: أليس إن بعض العلماء كمالك ﵁ يقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجنايات التي تجري بينهم، مع أن الشهادة يعتبر فيها ما لا يعتبر في الرواية كالحرية، والذكورة، والعدد فكان قبول روايتهم على رأيهم أولى؟
قلت: من قبل ذلك فإنما قبل لمسيس الحاجة والضرورة، لأن الجنايات تكثر فيما بينهم، والحاجة ماسة إلى معرفتها، وإشهاد من يقبل قوله مطلقا متعذر أو متعسر، لعدم حضورهم فيما بينهم في الغالب، فدعت الحاجة إلى القبول، لا لأن قولهم مفيد للظن ومعتبر على الإطلاق؛ ولهذا لم يعتبر قولهم على غيرهم.
واعتبر أيضا في الجناية التي تجري بينهم لا في كل شيء وأن يكون ذلك قبل تفرقهم، ولو كان ذلك لأن قولهم مفيد للظن ومعتبر على الإطلاق لم يكن مقيدا بما ذكرنا من الأمور كغيرهم.
стр. 2640
المسألة الثانية
إذا كان صبيا عند التحمل، بالغا عند الرواية، متصفا بالشرائط المعتبرة في غيره عند الرواية فإنها تقبل ، لوجوه:
أحدها: إجماع الصحابة على قبول رواية ابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده.
وثانيها: إجماع كل من بعدهم من السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس سماع الحديث، ولو لم يقبل ما تحملوه في حالة الصغر لم يكن للإحضار فائدة، كيف وأنهم أجمعوا أيضا على قبول ما تحملوه في حالة الصغر.
وثالثها: القياس على الشهادة، فإن / (٨٨/أ) ما تحمل من الشهادة في حالة الصبا، وأديت بعد البلوغ مقبولة بالإجماع، فكذا الرواية بل أولى؛ لما تقدم أنه يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.
ورابعها: أن إقدامه على الرواية في حال الكبر يدل ظاهرا على ضبطه للحديث الذي سمعه في حال الصغر فوجب أن يقبل؛ لأن الوازع عن
стр. 2641
الكذب حاصل في حال الرواية، وهو الخوف من لحوق العقاب على الكذب، فلو لم يقبل وإنما لم يقبل لعدم ضبطه وهو منفي ظاهرا لما ذكرنا فوجب أن يقبل والله أعلم.
стр. 2642
المسألة الثالثة
يشترط أن يكون الراوي مسلما، فمن لا يكون كذلك ولم يكن من أهل قبلتنا كأهل الكتاب وغيرهم فإنه لا تقبل روايته إجماعا ، سواء علم من دينه الاحتراز عن الكذب، أو لم يعلم، وسواء علم أنه عدل في دينه، أو لم يعلم؛ لأن قبول الرواية منصب شريف، وتكرمة عظيمة، والكافر ليس أهلا لذلك.
ومنهم من تمسك بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ الآية، والفاسق هو المقدم على الكبيرة، والكفر أعظم الكبائر، فوجب أن لا يقبل.
ومنهم من قاس على المسلم الفاسق وقال: إذا لم تقبل رواية المسلم الفاسق فرواية الكافر أولى، وهما ضعيفان.
أما الأول، فلأن الفاسق - في عرف الشرع - مختص بالمسلم المقدم على الكبيرة.
وأما الثاني، فلأن رواية الفاسق إنما لم تقبل؛ لأن إقدامه على الفسق مع اعتقاد تحريمه يدل على جرأته على فعل المحرمات، وهو يبطل الثقة به، وهو غير حاصل في حق الكافر الذي هو عدل في دينه.
ولا يجاب عنه: بأنه لما ظهر تحريمه على وجه القطع بحيث لم يبق فيه ريب وشك جعل ذلك كاعتقاده للتحريم؛ لأن ذلك إنما يؤثر في مؤاخذته وعدم اعتبار جهله، لا أنه كاعتقاد التحريم في إبطال الثقة به.
стр. 2643
وأما الذي لا يكون مسلما لكنه من أهل القبلة كالمجسم وغيره إذا كفرناه.
فإن علم من مذهبه جواز الكذب لنصرة مذهبه أو لغيره لم تقبل روايته أيضا وفاقا، وإن لم يعلم ذلك بل علم أنه يحترز عن الكذب وغيره من المعاصي التي تقدح في الرواية كاحتراز العدل من المسلمين عنه فهل تقبل روايته أم لا؟
اختلفوا فيه:
الأكثرون على أنه لا تقبل، وهو اختيار القاضي أبي بكر، والغزالي والقاضي عبد الجبار.
وذهب الأقلون إلى أنه تقبل، وهو اختيار أبي الحسين البصري والإمام.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ الآية وهذا الكافر فاسق؛ لأن الكفر أعظم مراتب الفسق فوجب أن لا يقبل.
وأجيب بما تقدم.
стр. 2644
ولا يحسن ممن يعلل رد خبر الفاسق؛ لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها أن يعول على الآية [في] رد خبر الكافر الذي هو من أهل القبلة مع أنه لا يعتقد تحريم ما اعتقده بل يعتقد حقيقته.
ومن منع تخصيص الفاسق بالمسلم المقدم على الكبيرة وجب أن يقول بحجية الآية على رد خبر الكافر، سواء كان من أهل القبلة، أو لم يكن.
فأما أن يرى حجيته في الكافر من أهل القبلة دون الكافر الذي هو ليس من أهل القبلة فلا يعقل له وجه.
وثانيها: الإجماع، فإن المسلمين أجمعوا على عدم قبول رواية الكافر.
وأجيب: بمنعه مطلقا، بل هو في رواية الكافر الذي ليس هو من أهل القبلة.
[وثالثها: القياس على الكافر الذي ليس من أهل القبلة].
والجامع: أنه إنما لم يقبل ثمة؛ لأن قبول روايته تنفيذ لقوله على كل المسلمين، وهو منصب شريف، والكفر يقتضي الإذلال والإنكال، وبينهما منافاة.
وهذا المعنى بعينه حاصل فيما نحن فيه، فوجب أن لا يقبل غاية ما في الباب أن هذا الكافر جاهل بكفره، لكن هذا لا يقتضي رجحان الأصل على الفرع حتى يصلح أن يكون فارقا، بل لو صح فإنما يصلح لأن يكون الفرع راجحا على الأصل، فإنه ضم جهلا آخر إلى كفره فهو أولى بأن يسلب منه هذا المنصب الشريف.
стр. 2645
وأجيب بأن كفر الخارج عن الملة أغلظ وأشد من كفر المنتمي إليه، لكثرة مخالفته لقواعد الإسلام أصولا وفروعا، فإنه منكر لنبوة نبينا والقرآن، وما ينبني عليهما من الأصول والفروع، وقد يكون منكرا للصانع بخلاف الكافر المنتمي إلى الملة فإنه لا ينكر وجود الصانع، ويصدق بالنبوة والقرآن، ويزعم أن ما اعتقده هو الدين الذي جاء به ﵇، وإذا كان ذلك الكفر أغلظ وأشد كان أولى بالإذلال والإهانة، فلا يصح إلحاق غيره به مع ظهور الفارق المناسب.
واحتج الأقلون بوجهين:
أحدهما: أن المقتضى لقبول قوله قائم، وهو ظن صدقه؛ لأن اعتقاده لحرمة الكذي يزجره عن الإقدام عليه فيحصل ظن صدقه، والمعارض المتفق عليه وهو كفر الكافر الذي ليس هو من أهل القبلة غير حاصل والأصل عدم معارض آخر فوجب قبول قوله.
وأجيب: بمنع وجود المقتضى؛ وهذا لأن المقتضى عندنا هو ظن الصدق مع الإسلام وهو منتف.
وثانيهما: وهو ما تمسك به أبو الحسين [وهو]: أن كثيرا من أصحاب الحديث قبلوا أخبار أسلافنا: كالحسن، وقتادة.
стр. 2646
وعمرو بن عبيد، مع علمهم بمذهبهم وتكفير الصائر إليه.
وأجيب: أنه لا يلزم من قبول بعضهم أن يكون مقبولا، فلعلهم يرون / (٨٩/أ) قبول رواية المنتمي إلى الملة، ومذهبهم ليس بحجة على خصومهم.
سلمنا حصول الإجماع على قبول روايتهم، لكن لا نسلم حصول الإجماع على كفرهم؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون الذين قبلوا روايتهم وإن حكموا بكفرهم لكن يرون قبول رواية المنتمي، وأما الذين ما أنكروا عليهم؛ فإنما لم ينكروا عليهم؛ لأنهم لا يرون كفرهم وإن كانوا لا يرون قبول رواية المنتمي، وحينئذ يحصل الإجماع على قبول روايتهم من غير إجماع على قبول رواية المنتمي.
стр. 2647
المسألة الرابعة
يشترط أن يكون الراوي عدلا .
ومعرفة كون الراوي عدلا يتوقف على معرفة العدالة، فاعلم أن العدالة عندنا: عبارة عن استقامة السيرة والدين.
قال الشيخ الغزالي: "وحاصلها يرجع إلى أنها هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل الثقة بصدقه
مما يخل بالتقوى من ارتكاب الكبائر، كالقتل والزنا، والإصرار على الصغائر لأنه من الكبائر، وما يخل بالمروءة من الصغائر كسرقة باقة من البقل، [والتطفيف في حبة قصدا، ومن المباح كالبول في الشارع] والأكل في الطريق، وصحبة الأرذال، وإفراط المزاح، وكل ما يؤمن معه جرأته على الكذب فهو قادح فيها لانتفاء ما ذكرنا من المجموع المركب من التقوى والمروءة.
وإنما قلنا عندنا، لأن، لأن عند أبي حنيفة ﵁ وأتباعه ليس
стр. 2648
عبارة عما ذكرنا؛ لأنه لو كان عبارة عن ذلك عندهم لما قبلوا رواية من لم يعرف منه سوى الإسلام مع عدم الفسق؛ لأنه لم يعرف منه استقامة السيرة والدين ويستحيل القبول بدون معرفة شرط القبول، بل هي عبارة عندهم عن الإسلام مع عدم العلم بالفسق، ولذلك قبلوا رواية من عرف منه ذلك ولم يعرف منه شيء آخر.
стр. 2649
المسألة الخامسة
الفاسق الذي ترد روايته وفاقا إنما هو الفاسق الذي يعلم فسقه، فأما الذي لا يعلم فسقه: فإن كان فسقه مظنونا قبلت روايته .
والأظهر أن فيه خلافا كما في الشهادة؛ إذ نقل وجه في الشهادة أنها ترد به، وذلك يتأتى في الرواية أيضا، إذ لا فرق بين الرواية والشهادة فيما يتعلق بالعدالة عندنا، وإن كان بينهما فرق في أمور أخر كاعتبار الحرية، والذكورة، والعدد، وكلام الإمام فيه صريح بحصول الاتفاق فيه، فلعله أراد اتفاق من خالف في الفسق المقطوع به كالقاضي أبي بكر وغيره قال الشافعي ﵁: "الحنفي إذا شرب النبيذ أقبل شهادته وأحده"، وهذا لأن إقدامه على ذلك ليس مما يدل على اجترائه على المعصية، لأنه أقدم عليه على ظن إباحته فلا تبطل الثقة به.
[والدليل الدال على تحريمه ليس بقاطع حتى لا يعتبر ظنه معه] فيقبل.
وإن أن فسقه مقطوعا به: فإن كان ممن يرى الكذب والتدين به فا خلاف في أنه لا تقبل روايته.
стр. 2650
وإن لم يكن منهم:
فذهب الشافعي والأكثرون إلى قبول روايته، وهو اختيار الغزالي والإمام وأبي الحسين البصري، قال الشافعي ﵁: "أقبل رواية أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية من الرافضة، فإنهم يرون الشهادة بالزوم لموافقيهم".
وكون الخطابية من قبيل ما نحن فيه نظر، إذ المحكي عنهم في كتب المقالات ما يوجب تكفيرهم قطعا، فإن صح ذلك عنهم لم يكونوا من قبيل ما نحن فيه، بل من قبيل الكفرة من أهل القبلة فيكون الاستثناء منقطعا.
وذهب الأقلون إلى أنه لا تقبل روايته، وهو اختيار القاضي أبي بكر والجبائي وأبي هاشم.
احتج الأكثرون بوجوه:
أحدها: أن خبر الفاسق الذي شأنه ما ذكرناه ظاهر الصدق؛ لأنه يرى الكذب قبيحا كغير من العدول، أو كفرا كما هو مذهب بعضهم، فيكون
стр. 2651
اجتنابه عنه كاجتناب غيره أو أشد فيكون ظاهر الصدق، وحينئذ يجب العمل به بالنص، وهو قوله ﵇: "أحكم بالظاهر".
وثانيها: الإجماع، فإن الصحابة والتابعين قبلوا أخبار قتلة عثمان والخوارج من غير نكير فيه فكان إجماعا.
وفي هذا الإجماع ما سبق في الإجماع على قبول الرواية من الكافر من أهل القبلة.
وثالثها: وهو الوجه المعقول: أن المقتضى لقبول روايته قائم وهو ظن صدقه؛ فإن صدقه راجح على كذبه لما سبق من أن تحرزه عن الكذب كتحرز غيره أو أشد والمعارض المتفق عليه منتف وهو الفسق الذي لا يؤمن معه الجرأة، على الكذب، والأصل عدم غيره فوجب أن يقبل عملا بالمقتضى.
ورابعها: القياس على العدل والمظنون فسقه، والجامع رجحان الصدق على الكذب.
احتج الأقلون بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ﴾ الآية وهذا فاسق قطعا؛ إذ الكلام في الفسق المقطوع به، فكان مندرجا تحت الآية فلا يقبل، بخلاف المظنون فسقه في الإجماع، فإنه ليس بفاسق قطعا فلا يعلم اندراجه تحت الآية.
وجوابه: أنه معلل بما علم من جرأته على فعل المحرم مع اعتقاد تحريمه الذي لا يؤمن معه جرأته على الكذب، وهذا المعنى غير حاصل فيما نحن فيه، فينتفي الحكم لانتفاء علته.
стр. 2652
سلمنا أنه غير معلل بما ذكرنا بل / (٩٠/أ) هو بمجرد الاسم لكنه منقوض بالمظنون فسقه.
وأما قوله: لا يعلم اندارجه تحت الآية فمسلم، لكن المسألة ليست قطعية حتى يعتبر فيها ذلك بل ظنية، وحينئذ يكفي فيها ظن الاندراج وهو حاصل فينتقض.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ ترك العمل به في خبر من ظهرت عدالته [وفي المظنون فسقه فوجب أن يبقى فيما عداه وجوابه ما] سبق أن العمل بخبر الواحد ليس عملا بالظن [بل بالقطع].
سلمناه لكن ما لأجله ترك العمل به فيما عداه حاصل فيه فوجب ترك العمل به فيه أيضا.
وثالثها: أن ما لا دليل عليه يبقى على العدم الأصلي، وهذا لا دليل عليه فوجب أن يبقى على العدم الأصلي.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا دليل عليه فإن من ذكرناه دليل عليه، هذا في المخالف الذي لا يظهر عناده [فأما الذي يظهر عناده] فإنه لا تقبل روايته، وإن لم نكفره ونفسقه؛ لأن عناده كذب مع علمه بكونه كذبا وذلك يقتضي جرأته على الكذب فوجب أن لا يقبل.
стр. 2653
المسألة السادسة
يشترط أن يكون الراوي ضابطا لما سمعه، فرواية المغفل الذي لا يضبط حالة السماع، والذي يضبط فيها لكن يغلب عليه السهو والنسيان بعدها، والذي يتساوى فيه احتمال الذكر والسهو والنسيان غير مقبولة ؛ لعدم حصول ظن الصدق وهو ظاهر غني عن البيان.
стр. 2654
المسألة السابعة
لا يقبل عندنا رواية من لم يعرف منه سوى الإسلام وعدم الفسق ظاهرا بل لا بد من خبرة باطنة بحاله، ومعرفة استقامة سيرته ودينه، أو تزكية من عرفت عدالته بالخبرة له ، وهو مذهب الأكثرين من الفقهاء والأصوليين.
وقال أبو حنيفة ﵁ وأصحابه: يكفي في قبول الرواية الإسلام، والسلامة عن الفسق ظاهرا.
احتج أصحابنا بوجوه:
أحدها: أن الدليل ينفي جواز العمل بخبر الواحد لقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾، خالفناه في حق من اختبرناه بقوة الظن،
стр. 2655
فيبقى فيما عداه على الأصل.
وهو ضعيف لما تقدم.
وثانيها: أنه مجهول الحال فلا تقبل روايته؛ دفعا لاحتمال مفسدة الكذب كالشهادة في العقوبات.
وهو أيضا ضعيف؛ لأن احتمال الكذب غير مانع من القبول وإلا لما قبلت رواية من اختبرت عدالته؛ ضرورة أن احتمال الكذب فيه أيضا.
وأما القياس على الشهادة في العقوبات لو سلم الحكم فيها فغير صحيح؛ لأن الشهادة يحتاط فيها ما لا يحتاط في الرواية لا سيما في العقوبات، والاختلاف في الحكم دليل على الاختلاف في الحكمة، ومع الاختلاف في الحكمة لا يصح القياس.
وثالثها: أن قول المفتي إنما يقبل لو عرف بالاختبار بلوغه رتبة الاجتهاد، فكذا الراوي إنما تقبل روايته لو عرف بالاختبار عدالته.
والجامع: أن الاجتهاد شرط قبول الفتوى، والعدالة شرط قبول الرواية.
وهو ضعيف أيضا؛ لأن الاجتهاد إنما يعتبر في المفتي؛ لأنه لا طريق إلى الإصابة في الفتوى إلا به، ولا طريق إلى حصوله إلا بالاختبار؛ إذ ليس له سبب ظاهر ليستدل بحصوله على حصوله، بخلاف العدالة في الرواية فإنها إنا تعتبر بظن الصدق، وظن الصدق حاصل بالإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا، إذ الإسلام سبب ظاهر للمنع من الإقدام على الكذب فيستدل بحصوله على الامتناع من الكذب فيحصل ظن الصدق.
ورابعها: أجمعنا على أنه لما كان الصبا والرق والكفر، وكونه محدودا في القذف مانعا من الشهادة: لا جرم اعتبر في قبول الشهادة العلم بعدم هذه الأشياء ظاهرا فكذا الأمر في العدالة.
والجامع: الاحتراز عن المفسدة المحتملة.
стр. 2656
وهو أيضاً ضعيف؛ لأن العلم الظاهري بالعدالة بمعنى الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا حاصل، واشتراط العدالة بمعنى آخر ممنوع.
سلمنا وجوب معرفة العدالة عن خبره في الشهادة فلم يجب في الرواية، وقياس الرواية على الشهادة غير صحيح لما تقدم ودعوى الإجماع على عدم الفصل بينهما ممنوع.
وخامسها: إجماع الصحابة على رد رواية المجهول.
رد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس وقال: "كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت". ولو كان اختبر حالها لما قال ذلك.
ورد علي ﵁ خبر الأشجعي في المفوضة لما كان مجهول الحال واشتهر ذلك فيما بينهم ولم ينكره أحد فكان إجماعا.
وهو أيضا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الرد في تنك الصورتين لجهالة حال الراوي بل للتهمة، ولهذا قال: "لا ندري أصدقت أم كذبت"، إذ لا يقال مثل هذا إلا فيما لا يغلب على الظن صدقه، ومن ظهر إسلامه مع السلامة عن الفسق ظاهرا فإنه يغلب على الظن صدقه، وكذا الكلام في الأشجعي، ولهذا وصفه بما يدل على التهمة.
والمعتمد في ذلك أن نقول: عدم الفسق في الراوي شرط لقبول روايته للآية، أو لأن كل ما يكون وجوده منافيا للشيء، كان عدمه شرطا له، فكل موضع لا يقطع بعدمه وجب أن لا يقبل؛ لأن الجهل بالشرط - يوجب الجهل
стр. 2657
بالمشروط، ترك العمل به فيمن عرف حاله بالاختبار لقوة الظن فوجب أن / (٩١/أ) يبقى فيما عداه على الأصل.
واحتج الخصم بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ الآية.
ووجه الاستدلال به: هو أنه تعالى علق الأمر بالتبين بالفسق، والمعلق عدم عند عدم المعلق عليه، فينتفي وجوب التبيين عند عدم العلم بالفسق، وعند ذلك إما يجب القبول وهو المطلوب، أو يجب صريح الرد وهو باطل؛ أما أولا: فبالاجماع.
وأما ثانيا: فلأن مستور الحال لا يكون أسوأ حالا من الفاسق، فإذا وجب التثبت والتبيين في خبره فلو وجب صريح الرد في خبر المستور لزم أن يكون أسوأ حالا منه وهو باطل قطعا.
وجوابه: أن الأمر بالتبيين غير معلق بمجيء من يعلم فسقه حتى يلزم انتفاؤه عند عدم العلم به بل هو معلق بمجيء الفاسق، فعلى هذا إنما ينتفي وجوب التبيين بطريق مفهوم الشرط عند عدم الفسق، وهو إنما يتحقق بالعلم بعدمه الذي لا سبيل إليه إلا بالاختبار والبحث عن حاله، لا بعدم العلم به، وفرق بين العلم بعدم الشيء وبين عدم العلم به.
فالحاصل في مستور الحال إنما هو عدم العلم بفسقه، لا العلم بعدم فسقه فليس في الآية دلالة بطريق المفهوم على قبول روايته بل فيها دلالة على عدم قبول روايته على الوجه الذي قررناه.
стр. 2658
وثانيها: أن الأصل عدم الفسق فكذا الظاهر، فإن الظاهر من حال المسلم الانتهاء عن المعاصي لا سيما عن الكبائر فوجب أن تقبل روايته لقوله ﵇: "أحكم بالظاهر" و "نحن نحكم بالظاهر".
وجوابه: أنا لا نسلم أن الظاهر ما ذكرتم، إن كان الأصل ما ذكرتم بل الظاهر خلافه.
ودليله: الاستقراء فلاا يبقى حينئذ تعويل على الأصل [فإنا لا نسلم ترجيح الأصل على الظاهر
سلمنا تطابق الأصل] والظاهر، لكن إنما يعتبر ذلك إذا لم ين في النص إشارة إلى اعتبار ما يخالف حكمهما، فأما إذا كان فيه ذلك فلا، وهنا كذلك؛ لأنه اعتبر عدم الفسق في القبول بطريق المفهوم، واعتباره منافيا لاعتبار الأصل والظاهر.
سلمنا اعتباره مطلقا لكن خص منه الشهادة في العقوبات وشهادة الواحد مع اليمين على رأي الخصم وشهادة الواحد، فيلزم من تخصيصه ثمة تخصيصه ها هنا، والجامع: دفع مفسدة الكذب المحتمل.
سلمنا لكنه معارض بالأدلة الدالة على نفي اتباع الظنون، وعدم العلم وعند ذلك لا بد من تأويل أحد النصين، وليس تأويل تلك النصوص وإجراء ما ذكرتم من السنة على ظاهره أولى من العكس، وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون، ثم إنه معنا؛ لأن تلك النصوص متواترة المتن، وما ذكرتم ليس كذلك فكان تأويله أولى وأحرى.
وثالثها: أنه ﵇ قبل شهادة الأعرابي على رؤية الهلال، مع
стр. 2659
أنه لم يعلم منه سوى الإسلام، إذ لم يظهر سوى الإسلام، فالظاهر أنه لم يعلم منه سوى ذلك، فإذا جاز ذلك في الشهادة فالرواية أولى.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه ﵇ لم يعلم منه سوى الإسلام، ولا نسلم أنه لم يظهر منه سوى الإسلام.
ورابعها: إجماع الصحابة فإنهم قبلوا أخبار العبيد والنسوان، والأعراب المجاهيل من غير نكير فيما بينهم؛ لما ظهر من إسلامهم، ولم يظهر منهم فسق.
وجوابه: أنا لا نسلم أنهم قبلوا روايتهم من غير أن يعلموا منهم سوى الإسلام؛ فإن هذا نفس المسألة.
وخامسها: أنا أجمعنا على قبول خبر المسلم في كون اللحم لحم المذكى، وفي كون الماء في الحمام طاهرا، وفي كون الجارة المبيعة رقيقة له وهي غير
стр. 2660
مزوجة، ولا معتدة، وفي كونه على الطهارة إذا أم بالناس، وفي غيرها من الصور فكذا ها هنا.
والجامع: ظهور الظن الناشئ من الإسلام مع عدم الفسق.
وجوابه: الفرق: وبيانه من حيث الإجمال والتفصيل.
أما من حيث الإجمال: فلأن الأخبار في تلك الصور مقبولة مع الفسق بل ومع الكفر، وذلك يدل على افتراقهما في الحكمة؛ لأن الاختلاف في الحكم يدل على الاحتلاف في الحكمة، ومعه لا يصح القياس.
وأما من حيث التفصيل، فلأن منصب الرواية عن الرسول ﵇ أعلى رتبة من الأخبار في تلك الصور، لكونه يثبت شرعا عاما في حق كل المكلفين، بخلاف الإخبار في تلك الصور فإنه لا يثبت الحكم إلا في تلك الصورة الجزئية، فلا يلزم من قبول الأخبار في تلك الصور قبول الأخبار عن الرسول ﵇.
وسادسها: أن الكافر إذا أسلم وروى عقيب إسلامه من غير مهلة فإنه يقبل، فكذا ما نحن فيه بل أولى؛ لأن طول مدته في الإسلام يوجب رسوخ أصول الإسلام وفروعه في قلبه فيكون احتمال الكذب أبعد.
وجوابه: منع الحكم؛ وهذا لأنه يحتمل أن يكون كذوبا قبله فهو باق في طبعه بعد الإسلام، فلا يقبل إلا بعد الخبرة البحث عن حاله.
سلمناه لكن الفرق ظاهر، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن احتمال الفسق في مستور الحال أكثر من احتمال الفسق فيما إذا روى عقيب إسلامه؛ لأن كل فسق يحتمل في هذه الصورة فهو يحتمل في مستور الحال من غير عكس؛ لأن احتمال الفسق المتقدم الذي ترد به الرواية غير متصور فيما إذا روى عقيب الإسلام.
وثانيهما: أن في ابتداء الإسلام تكون العزيمة مصممة مؤكدة على
стр. 2661
الإتيان بالمأمورات، والانتهاء عن المنهيات، بخلاف الدوام؛ فإن فيه تفتر العزيمة، ويتطرق الملال الكلال على ما دل عليه الاستقراء في / (٩٢/أ) حق كل من دخل ابتداء في أمر محبوب والتزمه، فإن شدة اهتمامه به إذ ذاك أكثر، فلا يلزم من قبول روايته عقيب إسلامه لقوة الظن بصدقه بسبب عدم الفسق قبول رايته في دوامه مع عدم ذلك الظن القوي.
стр. 2662
" خاتمة لهذا الصنف "
قد ذكرنا أنه لا بد من معرفة العدالة إما بالاختبار، أو بالتزكية على رأي أصحابنا.
أما الاختبار فهو الأصل؛ إذ التزكية لا تثبت إلا به دفعا للتسلسل وهم إنما يحصل بطول الصحبة والمعاشرة في الحضر والسفر والمعاملة معه.
وأما التزكية فتزكية من عرفت عدالته بالاختبار إما في أول المرتبة، أو بمراتب كما تقدم فلنذكر ها هنا مسائل الجرح والتعديل.
стр. 2663
" المسألة الأولى"
اختلفوا في اعتبار العدد في المزكى والجارح على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار العدد فيهما سواء أن في الرواية أو في الشهادة وهو مذهب بعض المحدثين.
وثانيها: أنه لا يعتبر العدد فيهما سواء كان في الشهادة، أو في الرواية وهو مذهب القاضي أبي بكر ﵀.
وثالثها: أنه يعتبر العدد فيهما لكن في الشهادة، وأما في الرواية فيكتفى بواحد فيهما، وهو مذهب الأكثرين وهو الأصح؛ لا لأنه لا عهد في الشرع بأن شرط الشيء يزيد في الاحتياط والإثبات على مشروطه، بل إما يساويه وهو كثير، أو ينقص [عنه] كالإحصان، فإنه شرط لوجوب الرجم، وأنه يثبت بشهادة الاثنين من أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة الأربعة فإذا قبلت رواية الواحد [فلأن تقبل تزكية الواحد أو جرحه فيها كان أولى] لأن غاية مرتبة الشرط أن يلحق بمشروطه.
стр. 2664
فإن قلت: التزكية شهادة بدليل أنها ترد بالبعضية، والرق، والأنوثة فيعتبر فيها العدد كالشهادة.
قلت: قد نسلم لكم أن التزكية شهادة في الشهادة، وإن كان في بعض ما ذكرتم نظر والتزكية شهادة في الشهادة لكن لا نسلم أنها شهادة مطلقا، سواء كان في الرواية، أو في الشهادة، ولا نسلم ثبوت ما ذكرتم من الأحكام في التزكية في الرواية؛ فإن يقبل فها تزكية العبد والمرأة والوالد والولد كما تقبل روايتهم، بل جعل التزكية إخبارا مطلاقا أقرب من جعلها شهادة مطلقا؛ بدليل أنه لا يشترط فيها لفظ الشهادة ولا الطلب وإن كانت في الشهادة؛ فإنه إذا شهد عند القاضي من لا يعرف القاضي عدالته فتوقف عن الحكم، فجاء من يعرف القاضي عدالته وزكاه من غير مسألة منه فإنه تقبل تزكيته، ولو كان ذلك شهادة لرده كما في الشهادة، ولأن جعلها شهادة مطلقا يستلزم خلاف قواعد الشرع، وهو رجحان الشرط على المشروط في طريق الإثبات، وأما جعله إخبارا مطلقا فلا يستلزم ذلك فكان أولى.
ولا يعارض بأن جعلها شهادة أحوط فكان أولى؛ لأن إيماء الأدلة على قبول خبر الواحد يلغي اعتباره على أنه معارض بأن اعتباره أفضى إلى تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه وهو محذور، بأنه يلزم منه مخالفة الأصل؛ إذ الأصل عدم الدليل على اعتبار قول الزائد على الواحد في التزكية، وهذا الأصل وإن كان متروكا في الواحد لكن لأنه لا يتصور التزكية بدون الواحد، ولوجود الإجماع على أنه لا بد من الواحد في التزكية تفريعا على الافتقار إليها.
стр. 2665
المسألة الثانية
اختلفوا في أنه هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل في قبولهما أم لا ؟
فقال الشافعي ﵁: "يشترط ذكر سبب الجرح، دون التعديل؛ لأنه قد يجرح بما لا يكون جارحا، لاختلاف مذاهب الناس فيه، وأما العدالة فسببها واحد لا اختلاف فيه" ولأن ذكر سبب العدالة يحتاج إلى أمور متعددة يتعذر ضبطها وذكرها، أو يتعسر بخلاف ذكر سبب الجرح فإنه ليس كذلك بل هو سهل، فلا يلزم من اشتراط سبب الجرح اشتراط ذكر سبب العدالة.
ومنهم من عكس فشرط ذكر سبب العدالة، دون الجرح، محتجا بأن مطلق التعديل لا يحصل الثقة؛ لأن عادة الناس جارية بأن يتسارعوا إلى الثناء والمدح بناء على الظاهر، فلا بد من ذكر السبب بخلاف مطلق الجرح فإنه يبطل الثقة.
ومنهم من شرط ذكر سببهما أخذا بمجامع كلام الفريقين.
ومنهم من لم يشترط ذكر سببهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر وغيره.
واستدل عليه: بأن المزكى والجارح كل واحد منهما إن لم يكن عدلا أو
следующие страницы →