Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
الإتيان بالمأمورات، والانتهاء عن المنهيات، بخلاف الدوام؛ فإن فيه تفتر العزيمة، ويتطرق الملال الكلال على ما دل عليه الاستقراء في / (٩٢/أ) حق كل من دخل ابتداء في أمر محبوب والتزمه، فإن شدة اهتمامه به إذ ذاك أكثر، فلا يلزم من قبول روايته عقيب إسلامه لقوة الظن بصدقه بسبب عدم الفسق قبول رايته في دوامه مع عدم ذلك الظن القوي.
стр. 2662
" خاتمة لهذا الصنف "
قد ذكرنا أنه لا بد من معرفة العدالة إما بالاختبار، أو بالتزكية على رأي أصحابنا.
أما الاختبار فهو الأصل؛ إذ التزكية لا تثبت إلا به دفعا للتسلسل وهم إنما يحصل بطول الصحبة والمعاشرة في الحضر والسفر والمعاملة معه.
وأما التزكية فتزكية من عرفت عدالته بالاختبار إما في أول المرتبة، أو بمراتب كما تقدم فلنذكر ها هنا مسائل الجرح والتعديل.
стр. 2663
" المسألة الأولى"
اختلفوا في اعتبار العدد في المزكى والجارح على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار العدد فيهما سواء أن في الرواية أو في الشهادة وهو مذهب بعض المحدثين.
وثانيها: أنه لا يعتبر العدد فيهما سواء كان في الشهادة، أو في الرواية وهو مذهب القاضي أبي بكر ﵀.
وثالثها: أنه يعتبر العدد فيهما لكن في الشهادة، وأما في الرواية فيكتفى بواحد فيهما، وهو مذهب الأكثرين وهو الأصح؛ لا لأنه لا عهد في الشرع بأن شرط الشيء يزيد في الاحتياط والإثبات على مشروطه، بل إما يساويه وهو كثير، أو ينقص [عنه] كالإحصان، فإنه شرط لوجوب الرجم، وأنه يثبت بشهادة الاثنين من أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة الأربعة فإذا قبلت رواية الواحد [فلأن تقبل تزكية الواحد أو جرحه فيها كان أولى] لأن غاية مرتبة الشرط أن يلحق بمشروطه.
стр. 2664
فإن قلت: التزكية شهادة بدليل أنها ترد بالبعضية، والرق، والأنوثة فيعتبر فيها العدد كالشهادة.
قلت: قد نسلم لكم أن التزكية شهادة في الشهادة، وإن كان في بعض ما ذكرتم نظر والتزكية شهادة في الشهادة لكن لا نسلم أنها شهادة مطلقا، سواء كان في الرواية، أو في الشهادة، ولا نسلم ثبوت ما ذكرتم من الأحكام في التزكية في الرواية؛ فإن يقبل فها تزكية العبد والمرأة والوالد والولد كما تقبل روايتهم، بل جعل التزكية إخبارا مطلاقا أقرب من جعلها شهادة مطلقا؛ بدليل أنه لا يشترط فيها لفظ الشهادة ولا الطلب وإن كانت في الشهادة؛ فإنه إذا شهد عند القاضي من لا يعرف القاضي عدالته فتوقف عن الحكم، فجاء من يعرف القاضي عدالته وزكاه من غير مسألة منه فإنه تقبل تزكيته، ولو كان ذلك شهادة لرده كما في الشهادة، ولأن جعلها شهادة مطلقا يستلزم خلاف قواعد الشرع، وهو رجحان الشرط على المشروط في طريق الإثبات، وأما جعله إخبارا مطلقا فلا يستلزم ذلك فكان أولى.
ولا يعارض بأن جعلها شهادة أحوط فكان أولى؛ لأن إيماء الأدلة على قبول خبر الواحد يلغي اعتباره على أنه معارض بأن اعتباره أفضى إلى تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه وهو محذور، بأنه يلزم منه مخالفة الأصل؛ إذ الأصل عدم الدليل على اعتبار قول الزائد على الواحد في التزكية، وهذا الأصل وإن كان متروكا في الواحد لكن لأنه لا يتصور التزكية بدون الواحد، ولوجود الإجماع على أنه لا بد من الواحد في التزكية تفريعا على الافتقار إليها.
стр. 2665
المسألة الثانية
اختلفوا في أنه هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل في قبولهما أم لا ؟
فقال الشافعي ﵁: "يشترط ذكر سبب الجرح، دون التعديل؛ لأنه قد يجرح بما لا يكون جارحا، لاختلاف مذاهب الناس فيه، وأما العدالة فسببها واحد لا اختلاف فيه" ولأن ذكر سبب العدالة يحتاج إلى أمور متعددة يتعذر ضبطها وذكرها، أو يتعسر بخلاف ذكر سبب الجرح فإنه ليس كذلك بل هو سهل، فلا يلزم من اشتراط سبب الجرح اشتراط ذكر سبب العدالة.
ومنهم من عكس فشرط ذكر سبب العدالة، دون الجرح، محتجا بأن مطلق التعديل لا يحصل الثقة؛ لأن عادة الناس جارية بأن يتسارعوا إلى الثناء والمدح بناء على الظاهر، فلا بد من ذكر السبب بخلاف مطلق الجرح فإنه يبطل الثقة.
ومنهم من شرط ذكر سببهما أخذا بمجامع كلام الفريقين.
ومنهم من لم يشترط ذكر سببهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر وغيره.
واستدل عليه: بأن المزكى والجارح كل واحد منهما إن لم يكن عدلا أو
стр. 2666
كان عدلا لكنه ليس بصيرا بهذا الشأن فلا اعتبار بقوله، وإن كان عدلا بصيرا فلا معنى لهذا السؤال، بل وجب الاكتفاء بمطلق تعديله وجرحه.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنه إذا كان عدلا وليس بصيرا فلا اعتبار بقوله؛ وهذا لأنه إذا كان عدلا، ولكنه لا يعرف بما يجرح به فأخبرنا بأنه رآه يزني أو يشرب مثلا، فإنه يحصل الجرح بقوله مع ذكر سببه.
نعم لا اعتبار بقوله حينئذ إذا أطلق ولم يذكر السبب، فأما إذا ذكر ذلك فلا نسلم أنه لا غبرة بقوله.
والصحيح: أنه إن عرفت عدالتهما وبصيرتهما بما به تحصل العدالة والجرح فلا يشترط ذكر سببهما؛ لأن الظاهر من حال المزكي العدل البصير بما به تحصل العدالة / (٩٣/أ) أن لا يعدل جريا على عادة الناس بالتسارع إلى الثناء والمدح بناء على الظاهر بل [إنما يعدل] بناء على الخبرة الباطنة، وكذا الظاهر من حال الجارح العدل البصير بهذا الشأن أن لا يطلق الجرح إلا بما اتفق العلماء على كونه جارحا، دون ما اختلفوا فيه.
وأما إن عرفت عدالتهما دون بصيرتهما، فها هنا يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل وهو اختيار الشيخ الغزالي ﵀.
المسألة الثالثة
في أن الجرح هل يقدم على التعديل أم لا ؟
اعلم أن الجرح مهما كان مطلقا، أو كان معينا بذكر سببه، لكن فيما لم
стр. 2667
يكن ضبطه مع ذلك، نحو أن يقول: رأيته يشرب، أو سمعت منه الكذب فإنه مقدم على التعديل سواء أن مطلقا أو بذكر أسبابه؛ لأنه اطلاع على زيادة لم يطلع عليها المعدل، ولا نفاها. فإن نفاها بطلت عدالته؛ لعلمنا بمجازفته وجزمه فيما لم يكن الجزم فيه، فإن المنفي لا يعلم.
وإن كان معينا بذكر سبب ينضبط به، ويمكن بأن يعلم نحو أن يقول: رأيته قد قتل فلانا، فإن لم يتعرض المعدل لنفيه بل اقتصر على مطلق التعديل، أو ذكر معه سببه فإن الحكم ها هنا أيضا كما تقدم.
وأما إذا تعرض لنفيه بأن يقول: "رأيته حيا" بعد ذلك فها هنا يتعرض الجرح مع التعديل، ويصار إلى الترجيح نحو كثرة العدد، وكثرة الضبط، وزيادة الورع وغيرها من التراجيح التي تتطرق إلى الرواية.
وحيث قلنا بتقديم الجرح على التعديل، فإنه لا يرجح التعديل عليه بزيادة العدد وغيره من الترجيحات؛ لأن سبب التقديم إنما هو زيادة الاطلاع وذلك لا ينتفي بزيادة عدد المعدل، ومنهم من قال في هذه الصورة بترجيح المعدل عليه، وهو ضعيف لما تقدم.
стр. 2668
المسألة الرابعة
في مراتب التعديل .
اعلم أن التعديل قد يكون بالقول، وقد يكون بغيره.
والأول على قسمين؛ لأنه إما أن يعدل مطلقا ولم يذكر سببه، نحو أن يقول: هو عدل رضا، أو يذكر معه سببه، نحو أن يقول: هو عدل رضا لأني عرفت منه كيت وكيت.
فأما القسم الأول: فقد عرفت أنه مختلف فيه وأنه حيث يقبل على الأظهر، وأنه حيث لا يقبل.
وأما القسم الثاني: فمتفق عليه، وهو راجح على الأول عند التعارض؛ لكونه متفقا عليه ولتمام البيان فيه.
وأما النوع الثاني، وهو التعديل بغير القول فهذا على أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يحكم بشهادته، فهذا أيضا تعديل متفق عليه، لأنه لا يحكم بشهادته إلا وهو عدل عنده، إما على الإطلاق إن كان الحاكم لا يرى الحكم بشهادة الفاسق، وإن عرف منه الصدق والتحري فيه، [وأما بالنسبة إلى قبول قوله إن كان يرى ذلك في الفاسق الذي عرف منه الصدق والتحري فيه] فإنه إذا حكم بشهادة من ليس بعدل عنده يُفَسَّق.
стр. 2669
وهذا القسم راجح على القسمين الأولين.
أما ما يخصه بالنسبة إلى الأول منهما فهو أن هذا متفق عليه، وذاك مختلف فيه.
وأما ما يعمهما فهو أن التعديل وإن كان تذكر أسبابه، فإنه يعقل اجتماعه مع ما يوجب عدم قبول القول مع إن ليس فيه إلزام على الغير، وأما الحكم بشهادته فإنه لا يعقل اجتماعه مع ما يوجب عدم قبول القول مع أن فيه إلزاما على الغير فكان ظن قبول القول فيه أكثر.
وثانيها: أن يعمل بخبره، فإن علم أنه لا دليل له سوى ذلك الخبر كان ذلك تعديلا له؛ لأنه لا يجوز له العمل بخبر غير العدل، فلما عمل به دل ظاهرا على أنه عدل، ثم العامل بالخبر إن كان ممن يرى أن كل ما اختلف فيه أنه جارح، فهو جارح فهذا يكون تعديلا متفقا عليه، وإلا كان تعديلا بالنسبة إليه ومن هو على رأيه، ثم هو مرجوح بالنسبة إلى التعديل مع ذكر السبب، والتعديل بالحكم بالشهادة أما الأول، فلأنه يحتمل أن يكون ذلك بناء على مجرد الإسلام وعدم الفسق ظاهرا، وأن يكون بناء على تعديل غيره له من غير بيان السبب، والتعديل بذكر السبب لا يحتمل ذلك فكان راجحا عليه، وأما مرجوحيته بالنسبة إلى الثاني فظاهر؛ لأن المرجوح عن المرجوح بالنسبة إلى الشيء مرجوح بالنسبة إليه ولو سلم أن التعديل بذكر السبب مساويا للتعديل بالحكم بالشهادة على ما هو اختيار بعضهم فهو أيضا مرجوح بالنسبة إليه؛ لأن المرجوح بالنسبة إلى أحد المتساويين مرجوح بالنسبة إلى الآخر، وهو التعديل مطلقا من غير بيان السبب متقاربان.
وثالثها: أن يروي عنه خبرا فهل هو تعديل له أم لا؟ اختلفوا فيه:
стр. 2670
فمنهم من ذهب إلى أنه تعديل له مطلقا؛ إذ لو روى عمن عرف بالفسق كان غاشا في الدين، وعدالته تنفي ذلك ظاهرا.
ومنهم من ذهب إلى أنه ليس بتعديل له مطلقا؛ لأنه لم يصدر منه سوى الرواية عنه وهي لا تدل على عدالته؛ لأن كثيرا منهم يروي عمن لو سئلوا عن عدالته لسكتوا عنه ولم يبينها له، ثم لا يلزم من أن لا يعرفه بالعدالة أن يعرفه بالفسق، فلعله لا يعرفه لا بهذا ولا بهذا وحينئذ لا نسلم أن يكون بالرواية عنه غاشا في الدين.
سلمنا أنه يعرفه بالفسق لكن لا نسلم أيضا أنه حينئذ يكون غاشا بالرواية عنه؛ وهذا لأنه لم / (٩٤/أ) يوجب العمل على غيره لكن قال: سمعت فلانا قال كذا وصدق فيه، فروى لما سمع عنه، ووكل البحث فيه إلى من أراد قبوله والعمل بمقتضاه، وإن عمل به بمجرد روايته من غير بحث عنه كان هو المقصر لا الراوي.
ومنهم من فصل وقال: إن عرف من عادته، أو من صريح قوله أنه لا يروي إلا عن العدل، فهو تعديل له، وإلا فلا، وهو الصحيح؛ لأن
стр. 2671
روايته حينئذ مع ذلك القول أو صريح العادة يدل على عدالته حينئذ وهو مرجوح بالنسبة إلى كل ما تقدم من الطرق سوى مطلق التعديل.
أما بالنسبة إلى التعديل بالحكم بالشهادة والتعديل بصريح القول مع ذكر أسباب العدالة فظاهر.
وأما بالنسبة إلى العمل بمقتضى الرواية فكذلك أيضا؛ لأنهما يشتركان في أصل الرواية واختص هو بمزيد العمل به.
وأما بالنسبة إلى مطلق التعديل من غير ذكر أسبابه، فلأن ما نحن فيه يحتمل أن يكون مع معرفة العدالة بذكر أسبابها، وأما مطلق العدالة فلا يحتمل ذلك فكان هو راجحا عليه.
المسألة الخامسة
ترك الحكم بشهادته، وترك العمل بروايته ليس جرحا، أي: ليس دليلا على الفسق، وإن كان دليلا على عدم اعتبار شهادته وروايته .
أما الأول: فلأن ذلك محتمل لأمور أخر غير الفسق وهو ظاهر غني عن البيان.
وأما الثاني: فلأنه لو ترك العمل به، أو الحكم بشهادته مع وجود سائر شرائطه لفسق به، وظاهر عدالته ينفيه، وكذا ترك الحكم بشهادته ليس دليلا على عدم اعتبار قوله في الرواية لجواز أن يكون ذلك لفقد شرط من الشرائط المختصة بالشهادة، وكذا ترك العمل بخبره ليس دليلا على عدم اعتبار قوله في الشهادة؛ لاحتمال أن يكون ذلك لتعارض دليل آخر له.
نعم لو لم ينقدح وجه لتركه العمل بروايته سوى الفسق فهو كالجرح المطلق فإن قلنا: إنه يقدح قدح فيهما وإلا فلا.
стр. 2672
المسألة السادسة
في تعديل الصحابة
اعلم أن الذي تقدم أنه لا بد من البحث عن العدالة، ومعرفتها إما بالاختبار، أو بالتزكية في كل واحد من الرواة، فإنما هو في غير الصحابة فأما فيهم فلا، فإن الأصل فيهم العدالة عندنا إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت، فلا حاجة إلى البحث عن عدالتهم والفحص عنها وهو مذهب جمهور السلف والخلف.
ومن الناس من زعم أن حكمهم في العدالة كحكم غيرهم فيجب البحث عنها ومعرفتها في كل واحد منهم.
стр. 2673
ومنهم من زعم أن الأصل فيهم العدالة لكن في أول الأمر، فأما بعد أن ظهرت الفتن فيما بينهم فلا، بل حالهم فيها بعد ظهور الفتن فيما بينهم كحال غيرهم.
ومنهم من زعم أن كل من قاتل عليا ﵁ فهو فاسق مردود الرواية والشهادة؛ لخروجهم على الإمام الحق وقتالهم له.
ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية واحد من الفريقين ولا شهادته؛ لأنا نقطع بفسق أحد الفريقين وهو غير معلوم وغير معين، فلا يتميز العدل عن الفاسق فيتعذر القبول.
ومنهم من زعم أنه إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو بالشهادة قبلت روايته وشهادته، لأن الأصل فيه العدالة وقد شككنا في فسقه فلا يزول حكمه بالشك كما في المياه والأحداث، أما إذا شاركه في ذلك مخالفة فلا يقبل، لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعا من غير تعيين فعارض يقين العدالة كما في الإناءين إذا تبين نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن عطاء.
ومنهم من شك في فسق عثمان ﵁ وقتلته.
стр. 2674
وهذه المذاهب كلها باطلة سوى مذهب الجمهور فإنه الحق.
والدليل عليه: أنا نكتفي في التعديل باختبار واحد منا، أو بتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب فالاكتفاء بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء مع عدم جواز الكذب عليه، وبتزكية رسوله مع عصمته عن الخطأ والكذب أولى.
قال الله تعالى في حقهم: ﴿لقد قضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾.
وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار﴾ إلى آخر السورة.
وقال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃﴾.
وقال في حق الأنصار: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان﴾ الآية.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.
وقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ ففيه نظر؛ من حيث إنه لا يجوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، وقد سبق في الإجماع أن المراد منهما مجموع الأمة من حيث المجموع، فلا يراد كل واحد منهم، وإلا لزم المحذور المذكور.
стр. 2675
وقال ﵇: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث.
وقال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وقال ﵇: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وقال: "إن الله تعالى اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا"، كيف ولو لم يرد هذا كله لكان ما اشتهر وتواتر من حالهم في / (٩٥/أ) الهجرة والجهاد، وبذل المهج والأموال، وقتال الآباء والأولاد والأقرباء والأهل في موالاة الرسول ونصرته، واشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم في ذلك لومة لائم كافيا في القطع بعدالتهم.
стр. 2676
وقد طعن فيهم قدما القدرية، والخوارج، وبالغوا فيه على ما هي كتبهم شاهدة بذلك، وتلك المطاعن كلها مروية بالآحاد غير مشتملة على شرائط القبول، وبتقدير صحتها فهي لا تعارض الكتاب والسنة المشهورة.
وأما ما جرى بينهم من القتال والفتن فهو غير قادح في عدالتهم؛ لأنه كان بناء على الاجتهاد والتأويل، [وحينئذ إما أن يقال: إن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والباقي مخطئ في اجتهاده] وعلى التقديرين فهو غير قادح فيها؛ لأن ما اختلفوا فيه إن جعل من مسائل الاجتهاد فظاهر: لأنه حينئذ إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فظاهر، وإن قلنا: المصيب واحد والباقي مخطئ فكذلك؛ لأنه حينئذ معذور غير آثم، فلا يخرجه خطأه عن العدالة.
وأما إذا لم يجعل ما اختلفوا فيه من مسائل الاجتهاد بل نجعل قتلة عثمان، والذين خرجوا على علي ﵄ مخطئين قطعا فكذلك؛ لأنهم جهلوا خطاهم وفسقهم، وقد سبق أن الفاسق الذي لا يعلم فسقه لا ترد روايته به سواء كان كونه فسقا قطعا أو ظنا فلا يكون ذلك قادحا في عدالتهم، وهذا أقرب من حيث إنه جمع بين الدليلين، وأنه حسن الظن بهم، وأنه إتباع لمذهب السلف.
стр. 2677
فإن قيل: أثبتم العدالة للصحابة مطلقا، فمن الصحابي حتى يعرف ثبوت العدالة له من غير بحث وفحص عن حاله.
قلنا: اختلفوا فيه:
فذهب الأكثرون إلى أن الصحابي: من رأى النبي ﷺ وصحبه ولو ساعة سواء روى عنه، أو لم يرو عنه، وسواء اختص به اختصاص المصحوب أو لم يختص به.
وهو مقتضى لفظ الصحبة من حيث الوضع، بدليل: أنه يصح تقسيم الصحبة إلى الصحبة ساعة، وإلى الصحبة مدة طويلة، فيقال: صحبه ساعة وصحبه طوال عمره، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا، وكذا يصح أن يقال: صحبه ولم يأخذ عنه العلم، ولم يرو عنه، ويقال: صحبه وأخذ عنه العلم وروى عنه، ولأن القائل لو قال: صحبت فلانا فإنه يصح أن يقال له: أصحبته يوما، أو شهرا، أو سنة؟ وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه أم لا؟ ولو كان لفظ الصحبة موضوعا لطول الصحبة والرواية عنه لما حسن هذا الاستفهام.
وأما من حيث العرف، فإنه يقتضي طول الصحبة وكثرتها؛ إذ لا يطلق في العرف على من صحب إنسانا ساعة أنه صاحبه، وإنما يقال ذلك في المكاثر الملازم كما يقال: المزني صاحب الشافعي ﵄ وأبو
стр. 2678
يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة ﵃.
وذهب الأقلون إلى أن الرؤية والصحبة القليلة غير كافية في صدق إطلاق الصحابي.
وهؤلاء اختلفوا: فذهب الأكثرون منهم إلى أن الرؤية والصحبة الطويلة والاختصاص به كافية في صدق هذا الإطلاق سواء روى عنه ﵇ أو لم يرو عنه.
وذهب الأقلون إلى أنه يعتبر في صدق هذا الإطلاق مع ما ذكر من الأمور الرواية عنه أيضاً.
стр. 2679
والخلاف لفظي والوضع يصحح مذهب الأولين، والعرف مذهب الآخرين.
وعلى التقدير الأول تثبت الصحبة: بالنقل المتواتر، والنقل الصحيح من الآحاد، وبقوله: أنا رأيت النبي ﵇، وصحبته ساعة.
وأما على التقدير الثاني فإنها تثبت بالطريقتين الأولتين، وأما بالطريقة الثالثة ففيه نظر، من حيث إنه يمكن إثباتها بطريق النقل، فلا تثبت بقوله مع أنه متهم فيه؛ لأنه يدعي رتبة لنفسه، وهذه التهمة وإن كانت قائمة في الأول، لكن قد يتعذر إثبات صحبة الساعة بالنقل، إذ قد لا يكون في تلك الساعة أحد حاضر غيره، أو وإن حضر فيها غيره، لكنه واحد أو اثنان لكن لم ينقل ذلك، فلو لم يثبت بقوله لتعذر إثباته بخلاف ما إذا طالت الصحبة، وكثر التردد في السفر والحضر وشاهده أقوام لا حصر لهم، فإنه ينقل ويشتهر فلا يثبت بقوله، وهذا كالمودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر، فإنه لا يسمع قولهما ما لم يقيما البينة على أصل السبب، لإمكان ذلك، بخلاف ما إذا ادعيا الهلاك بسبب لا يمكن إقامة البينة عليه فإنه يسمع قولهما.
стр. 2680
الصنف الثاني من هذا القسم
فيما اختلف فيه أنه شرط
وفيه مسائل:
стр. 2681
المسألة الأولى
مذهب الأكثرين أنه لا يشترط العدد في الراوي بل يقبل خبر الواحد العدل .
خلافا للجبائي، فإنه قال: رواية الاثنين مقبولة مطلقا إلا في الزنا فإنه حكى عنه أنه لا يقبل فيه إلا رواية الأربعة، فأما رواية العدل الواحد فلا تقبل إلا إذا عضده ظاهر، أو قياس، أو عمل به بعض الصحابة أو كان فيهم منتشرا.
لنا: أكثر ما سبق في أن خبر الواحد حجة.
فإن قلت: ما سبق من إجماع الصحابة فإنما نعلم انعقاده على [قبول] خبر الواحد الذي هو بمعنى أنه ليس بمتواتر، لا بمعنى الذي راويه واحد، فإنا لا نسلم انعقاد الإجماع على قبول خبر الواحد بهذا المعنى؛ وهذا لأن كثيرا منهم لم يقبل خبر الواحد / (٩٦/أ) بهذا المعنى فإن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة.
وعمر لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه معه أبو سعيد الخدري.
ورد هو أيضا خبر فاطمة بنت قيس.
ورد هو وأبو بكر ﵄ خبر عثمان في رد الحكم بن أبي العاص وطالباه من يشهد له بذلك.
стр. 2682
قلت: ذلك للتهمة والارتياب في خصوص تلك الروايات، بدليل أنه نقل عنهم بعينه قبول خبر الواحد بهذا المعنى:
إذ روي أن أبا بكر ﵁ عمل بخبر بلال وحده، وعمل عمر بخبر جمل بن مالك، وبخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وعمل بخبر الضحاك في توريث المرأة من دية زوجها، وعمل بخبر عبد الرحمن أيضا وترك رأيه في الدخول في بلاد الطاعون والخروج عنها.
وكذا غيرهما من الصحابة، نحو علي فإنه كان يقبل خبر أبي بكر، وقبل خبر المقداد.
وعثمان فإنه قبل خبر فريعة بنت مالك أخب أبي سعيد الخدري، وكذا الصحابة عملوا بأسرهم بخبر عائشة، وخبر أبي سعيد الخدري في الربا، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، فلو لم يحمل عدم القبول في تلك الصور على التهمة والارتياب لزم التناقض، وأنه ممتنع، وكيف لا وأنه مصرح به في بعضها.
فإن قلت: لعل ذلك؛ لأن القياس والاجتهاد، أو ظاهر يعضده.
قلت: كانوا يتركون الاجتهاد والأقيسة والظاهر بسبب تلك الإخبارات كما في خبر المخابرة فإنه ما كانوا يرون بها بأسا،، وكما في خبر أبي سعيد فإنه على خلاف القياس، وخلاف ظاهر قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" وكما في خبر عائشة، فإنه على خلاف ظاهر
стр. 2683
قوله ﵇: "الماء من الماء".
واحتج الخصم بأمور:
أحدها: ما روي أنه ﵇ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى شهد له أبو بكر وعمر.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك للتهمة؛ فإن الواقعة وقعت في محفل عظيم، والواجب في مثلها الاشتهار.
وثانيهما: أنه لو دل على اعتبار العدد في الراوي، فإنما يدل على اعتبار الثلاثة: ذي اليدين والشيخين، فما دل ظاهر الحديث لا يقولون به، وما يقولون به لا يدل [عليه] ظاهر الحديث.
стр. 2684
وثانيها: أن الدليل ينفي جواز العمل بخبر الواحد لكونه لا يفيد إلا الظن، وقد قال تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ ترك العمل به في خبر العدلين، لكون الظن فيه أقوى فيبقى ما عداه على الأصل.
وجوابه: ما تقدم غيره مرة.
وثالثها: قياس الرواية على الشهادة، بل أولى؛ لأن الرواية تقتضي شرعا عاما، بخلاف الشهادة فإنه لا تقتضي ذلك، فإذا لم يقبل خبر الواحد في حق الواحد، فلأن لا يقبل في حق المكلفين بأسرهم بطريق الأولى.
وجوابه: النقض بالحرية، فإنها معتبرة في الشهادة، غير معتبرة في الرواية وفاقا.
فإن قلت: ذاك لأن الشهادة منصب فلا يليق بالعبد.
قلت: المنصب في الرواية أكثر، والعلم بذلك ضروري بعد الاستقراء، وبالذكورة والبصر؛ فإنه يعتبر في الشهادة دون الرواية؛ إذ الصحابة كانت تروي عن عائشة ﵃ مع أنهم بالنسبة إليها كالعميان، لما أنها من وراء الحجاب.
وباشتراط عدم القرابة والعداوة فإنه يشترط في الشهادة، ولا يشترط في الرواية، فإنه يجوز أن يروي الولد عن الوالد، ويروي له، وبالعكس ويجوز أن يروي العدو عن العدو ويروي له.
فإن قلت: ذاك إنما كان لدفع التهمة، وتحققهما في الرواية لا يوجب تهمة؛ لأن حكم الرواية عام، لا يختص بشخص دون شخص حتى تؤثر فيه العداوة والقرابة فيشترط عدمهما.
قلت: الرواية عن الشخص إثبات منصب له، فكان ينبغي أن لا يجوز للولد أن يروي عن والده لكونه متهما في إثبات هذا المنصب له كما لا يجوز أن يشهد له وكذا بالعكس.
стр. 2685
المسألة الثانية
لا يشترط في الراوي أن يكون معروف النسب ، بل إذا حصلت الشرائط المعتبرة المذكورة قبلت روايته وإن لم يكن له نسب، فضلا من أن يكون له نسب معروف خلافا لقوم.
لنا اتفاق الصحابة على قبول رواية من لا يعرف نسبه، والنبي قبل شهادة الأعرابي، والظاهر أنه ما كان يعرف نسبه، فإذا قبلت الشهادة مع جهالة النسب، فلأن تقبل الرواية مع جهالته بالطريق الأولى والمعقول المتقدم.
ولا تقاس جهالة النسب على جهالة العين، فإنه إذا روى عن مجهول العين لم تقبل، وإن قبلت رواية مجهول الصفة، فإن احتمال معرفته بالفسق ظاهرا منتف لأنه خال عن الجامع، وبتقدير تسليمه فالفرق قائم، وهو أن جهالة العين تتضمن الإخلال بشرط من شرائط قبول الرواية لأن من شرائط قبول الرواية معرفة سلامة الراوي عن الفسق ظاهرا، وهي مع جهالة العين متعذرة؛ ولهذا لو روي عن شخص وعينه باسمه، لكن له اسمان وهو بأحدهما مجروح، وبالآخر معدل وهو متردد بينهما لم تقبل روايته؛ لأجل التردد، وعدم معرفة سلامته عن الفسق ظاهرا، وإن كان يقبل لو أن لمعدل مشهور، بخلاف جهالة النسب، فإنها لا تؤثر في إخلال شيء من شرائطه فلا يلزم من عدم قبول الرواية في تلك الصورة عدم قبول الرواية في صورة جهالة النسب.
стр. 2686
المسألة الثالثة
لا يشترط/ كون الراوي فقيها سواء كانت روايته موافقة للقياس، أو مخالفة له، خلافا للحنفية فيما إذا كانت مخالفة له. (٩٧/أ)
لنا: ما تقدم من الأدلة في أن خبر الواحد حجة؛ لأن تلك الأدلة لا تفرق بين أن يكون الراوي فقيها، أو لم يكن فقيها.
ويخصه ما روى عنه ﵇ أنه قال: "نضر الله أمرا أسمع مقالتي فوعاها فأداها كما وعاها فرب حامل فقه ليس بفقيه".
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن الدليل نحو قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ ينفي جواز العمل بخبر الواحد، خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيها؛ لأن الاعتماد على روايته أوثق، فوجب أن يبقى ما عداه على الأصل.
وجوابه من وجهين:
стр. 2687
أحدهما: ما تقدم غير مرة.
وثانيهما: أن يقتضي اعتبار الفقه في الراوي وإن لم يكن الخبر على خلاف القياس وهو باطل إجماعا.
وثانيها: أن الخبر إذا كان على خلاف القياس ظن عدم وروده؛ لكونه يقتضي التعارض، وهو خلاف الأصل وذلك يقتضي عدم قبوله، لكن إذا سمعه الفقيه بحث عن متنه، وعن وجه دلالته، وعن كل ما يندفع به التعارض، فإذا لم يجد رواه حينئذ فيحصل ظن صدقه، بخلاف العامي فإنه لا ينتبه لذلك، فلا يبحث عن تلك الأمور، فلا يحصل ظن صدقه فلا يجب أن يقبل، بل يجب أن لا يقبل؛ لأن عدم وروده مظنون حينئذ، والعمل بالظن واجب لما سبق.
وجوابه: أنه يقتضي اعتبار الفقه في الرواي مطلقا؛ لأنه إذا روى خبرا لا بد أن يكون معارضا لدليل آخر نحو: عموم الكتاب، أو السنة أو القياس أو خلاف ظاهر، أو البراءة الأصلية؛ إذ لا يخلو خبر عن معارضة أحد هذه الأشياء لكنه باطل بالإجماع.
وثالثها: [أنا] وإن سلمنا أن الأصل صدق الراوي مطلقا، لكن الأصل أيضا أن لا يرد الخبر على مخالفة القياس، فإذا تعارضا تساقطا ولم يجز التمسك بواحد منهما.
وجوابه: أن من التعارض تسليما بصحة أصل الخبر.
стр. 2688
المسألة الرابعة
الراوي إذا عرف منه التساهل في حديث الرسول فلا خلاف في أنه لا تقبل روايته .
فأما إذا عرف منه التساهل في حديث غير الرسول، وعرف منه الاحتياط التام في حديثه ﵇: فإنه يقبل على الرأي الأظهر؛ لأنه يحصل ظن صدقه، ولا معارض له فوجب أن يقبل.
المسألة الخامسة
لا يشترط أن يكون عالما بالعربية، وبمعنى الخبر ؛ لأن الحجة في لفظ الرسول، والأعجمي والعامي في العربية يمكنهما حفظ اللفظ ونقله كما في القرآن العظيم.
المسألة السادسة
ليس من شرط الراوي أن يكون مكثرا لسماع الحديث، ومكثرا للرواية ومشهورا بمجالسة المحدثين ومخالطتهم ، فعلى هذا تقبل رواية من لم يرو إلا خبرا واحدا، وإن لم يكن مشهورا بمجالستهم ومخالطتهم، كما قبلت الصحابة حديث أعرابي لم يرو إلا حديثا واحدا، نعم لو أكثر من الروايات مع أنه لا يعرف بمخالطتهم، أو أنه وإن عرف بذلك، لكن بمخالطة قليلة لا يمكن تحصيل ذلك العدد من الروايات في تلك المخالطة القليلة فإنه يتوجه الطعن إليها بأسرها.
стр. 2689
المسألة السابعة
راوي الأصل إذا لم يقبل الحديث وأنكر الرواية [عنه] هل يقدح ذلك في رواية الفرع أم لا ؟
اختلفوا فيه:
فذهب أكثر الحنفية نحو الكرخي وغيره إلى أن ذلك يقدح في رواية الفرع مطلقا، سواء كان الإنكار إنكارا على وجه الجحود والتكذيب، أو على وجه التوقف والنسيان.
ولأجل هذا لم يقبلوا حديث الزهري عن عروة عن عائشة وهو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت نفسه بغير إذن وليها فنكاحها باطل".
стр. 2690
لأن الزهري قال: لا أعرفه، وحديث القضاء بالشاهد واليمين، فإنه روى ذلك عن سهيل بن أبي صالح وهو أنكر ذلك أيضا فقال: لا أعرفه.
стр. 2691
وذهب الشافعي ومالك وأكثر المتكلمين نحو القاضي أبو بكر وغيره إلى التفصيل وقالوا: إن كان الإنكار إنكار جحود وتكذيب لم يقبل، وإلا قبل وهو المختار، وهو رواية عن أحمد، وفي الرواية الأخرى عنه يوافق الحنفية.
فحصل الإجماع على عدم القبول إن كان راوي الأصل مكذبا للفرع جازما بغلطه في الرواية عنه، سواء كان الفرع جازما بالرواية عنه، أو لم يكن؛ وذلك لأن كل واحد منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، فلا بد وأن يكون أحدهما كاذبا إذ لا يمكن تصديقهما وذلك الواحد إما الأصل، أو الفرع، وعلى التقديرين يجب أن لا يقبل الحديث.
وأما إذا كان [ذلك] الواحد هو الأصل، فلأن المروي عنه ليس أهلا للرواية عنه، وأما إذا كان هو الراوي، فلأن الراوي ليس أهلا للرواية لكن لا يصير بذلك واحد منهما بعينه مجروحا، وإن كان لا بعينه يصير مجروحا كالبينتين المتكاذبتين، وكما إذا حلف شخصان وقال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فامرأته طالق، وقال الآخر عكسه، وأبهم الأمر ولم يتبين فإنه يجوز لكل واحد منهما غشيان امرأته، وإن كنا نقطع أن واحدا منهما طلقت امرأته لا بعينه [فإن الثابت في الأصل لا يرتفع بالشك.
стр. 2692
وأما الثاني فلأنا نقطع أن واحدا منهما كاذب، وفائدته تظهر في قبول روايته] كل واحد منهما / (٩٨/أ) وشهادته إذا انفرد، وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعا ولو كان في غير ذلك الحديث.
وإنما الخلاف فيما إذا لم يكن راوي الأصل جازما بالتكذيب والغلط بل قال: لا أذكر أني حدثتك، أو أشك في ذلك، أو الأغلب على الظن أني ما حدثتك والفرع جازم بالرواية عنه، فأما إذا لم يكن الفرع جازما بالرواية عنه بل هو ظان به فإنه إذا لم يكن جازما به لم تقبل روايته وإن كان الشيخ مصدقا له؛ لفقد شرط الرواية، فإن من شرطها أن يكون الراوي جازما بها أو ظانا، وذلك بأن يقول: أظن أني سمعته منك، أو الأغلب على الظن أني سمعته منك، فإن كان راوي الأصل شاكا في ذلك بأن يقول: أشك في ذلك، أو أني لا أذكر ذلك فالأشبه أنه من جملة صور الخلاف.
وأما إذا كان هو أيضا ظانا بعدم الرواية عنه بأن يقول: أظن أني ما حدثتك بذلك، أو الأغلب على الظن أني ما حدثتك فالأشبه أنه من جملة صور الوفاق على عدم القبول.
والضابط فيه: أنه مهما يكون قول الأصل معادلا لقول الفرع فإنه من جملة صور الاتفاق، ومهما كان قول الفرع راجحا على قول الأصل فإنه من جملة صور الخلاف.
ثم الدليل على ما ذهب إليه الجماهير وجوه:
أحدها: الإجماع، فإن التابعين أجمعوا على قبول رواية الفرع مع
стр. 2693
إنكار الأصل إنكار نسيان وتوقف؛ إذ روى أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قضى باليمين مع الشاهد، ثم نسيه سهيل، فكان يقول إذا روى هذا الحديث: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وان هذا شائعا فيما بينهم، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا.
وفي هذا الإجماع نظر؛ من حيث أن ابا حنيفة ﵁ مخالف في هذه المسألة، لأن تفاريعه تدل عليه ظاهرا، وهو تابعي فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ اللهم إلا أن يثبتوا إجماع من قبله من التابعين فتكون حجيته وعدم حجيته [مخرجه على اشتراط انقراض العصر في الإجماع، وعدم اشتراطه] على أن إثباته كالمتعذر.
وثانيها: وهو المعتمد في ذلك: أن المقتضى لقبول قول راوي الفرع موجود، وهو عدالته، وكون قوله مظنون الصدق، والمعارض الموجود وهو عدم معرفة راوي الأصل لذلك، وعدم تذكره له لا يصلح معارضا له؛ لأنه يمكن أن سمعه منه لكن نسيه وشذ عنه، فإن النسيان غالب على الإنسان ومن الذي يذكر جميع ما ذكر للناس طول عمره، وإذا كان كذلك وجب المصير إلى قبول قوله عملا بالمقتضى.
стр. 2694
وثالثها: أنكم إما أن تقولوا: إن تصديق الأصل شرط لقبول رواية الفرع، أو لا تقولوا بذلك.
فإن قلتم بذلك وجب أن لا تقبلوا الرواية عن الميت، والذي جن بعد أن روى الحديث؛ ضرورة أنه لم يوجد تصديقهما للفرع، لكنه باطل بالإجماع فالمستلزم له وهو اشتراطه أيضا كذلك، وإن لم تقولوا بذلك وجب أن تقبلوا رواية الفرع حيث يقول الأصل؛ لا أذكره ولا أعرفه؛ لأنه لم يخل ذلك إلا بتصديقه؛ إذ ليس في ذلك تكذيب له بدليل إمكان جمع التصديق والصدق معه، فإنه يصح منه أن يقول: ربما صدقت لكني لا أعرفه، أو لا أذكره، واستحالة اجتماع التصديق والصدق مع التكذيب.
واحتجوا بوجوه:
أحدها: بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب ﵁: "أما تذكر يا أمير المؤمنين لما كنا في الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب، ثم سألت النبي - صلى الله عيه وسلم - فقال: "إنما يكفيك أن تضرب بيديك" فلم يقبل عمر من عمار ما رواه مع أنه عدل عنده لما لم يتذكر ما ذكر إياه.
стр. 2695
لا يقال: إن هذا ليس من قبيل ما نحن فيه، فإن عمارا لم يرو ذلك الخبر عن عمر ﵄ بل عن النبي ﷺ فليس فيه دلالة على صورة النزاع؛ لأنا نقول: هب أنه كذلك، لكنا نقول: إذا لم يقبل هذا مع أنه لم يحصل فيه إنكار الأصل، فلأن لا يقبل ما أنكره الأصل بطريق الأولى؛ لأن اهتمام المستمع بما استمع أكثر من السامع الذي هو ليس من عهده الحديث في شيء، فإذا لم يتذكر هو مع التذكير مع شدة اهتمامه به كان ذلك أدل على عدم صحة الحديث من عدم تذكر السامع له، فإذا لم يقبل في هذه الصورة مع أن دلالته على عدم الصحة أقل، فلأن لا يقبل فيما إذا أن دلالته على عدم الصحة أكثر بطريق الأولى.
وجوابه: أنه فرق بين أن لا يقبل الحديث أصلا، وبين أن لا يقبله من حصل له فيه شك وريب، ولعل عمر ﵁ إنما لم يقبله؛ لأنه أن مشككا فيه من حيث إنه لم يتذكر مع التذكير ولا يلزم من عدم قبوله له لهذا الشك عدم قبول غيره له مع أنه لم يحصل له الشك، ونحن لا ننازعكم أن الشيخ إذا حصل له الشك في رواية الفرع من حيث إنه لم يتذكر مع التذكير لم يجز له الأخذ بروايته، وليس له العمل به، لكن لم قلتم: أن غيره لم يحصل له هذا الشك لم يجز له الأخذ به والعمل به فإن فيه النزاع.
وثانيها / (٩٩/): أن الدليل ينفي جواز الأخذ بخبر الواحد كما تقدم غير مرة، ترك العمل به فيما إذا لو يوجد فيه إنكار الأصل؛ لأن الظن بصدقه هناك أقوى فيبقى فيما عداه على الأصل.
стр. 2696
وجوابه ما تقدم.
وثالثها: قياس الرواية على الشهادة، فإن شاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع عليه فقال: لا أذكرها ولا أعرفها فإنه لا يقبل وفاقا، فكذا في الرواية، والجامع بينهما: اختلال ظن الصدق الناشئ من تطرق التهمة إليهما بالإنكار.
وجوابه: الفرق، وهو أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية، بدليل أنه يعتبر فيها من الشروط ما لا يعتبر في الرواية، فلا يلزم من اعتبار ذلك القدر من التهمة فيها اعتباره في الرواية مع أن بابها أوسع منها.
ورابعها: أنه ليس للشيخ أن يعمل به، والراوي عنه فرعه فليس له أن يعمل به وإذا لم يعمل به الراوي لم يعمل به غيره بطريق الأولى.
وجوابه: أنا لا نسلم أن الشيخ ليس له أن يعمل به، فإنه إذا حصل له ظن صدق الفرع فله أن يعمل به؛ ولهذا كثير من المحدثين يروون عمن روى عنهم إذا نسوا وغلب على ظنهم صدقهم، نعم ليس له أن يعمل به إذا لم يحصل له الظن بصدقه كما تقدم، لكن لا يلزم من هذا أن لا يعمل الراوي به ولا غيره إذا لم يحصل له هذا الشك والريب الذي حصل له.
стр. 2697
القسم الثالث
"فيما اختلف فيه في رد خبر الواحد"
وفيه مسائل:
стр. 2698
القسم الثالث
"فيما اختلف فيه في رد خبر الواحد "
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اعلم أن خبر الواحد إذا ورد مخالفا لدليل آخر، فإما أن يكون ذلك الدليل مقطوعا به، أو مظنونا .
فإن كان الأول فهو إما عقلى أو سمعي.
فإن كان عقليا نظر: فإن كان ذلك الخبر المخالف له قابلا للتأويل القريب الذي إذا سمعه أهل اللسان لم ينب عنه طبعه وجب تأويله، جمعا بين الدليلين، وإلا قطعنا بكذبه؛ لأن الدليل العقلي لا يحتمل الصرف عما دل عليه بوجه من الوجوه لا بالتخصيص، ولا بالتأويل، ولا بغيرهما فإذا لم يقطع بكذبه، أي أنه ليس من الشارع، لزم وقوع الكذب منه وأنه ممتنع.
وإن كان الثاني وهو أن يكون ذلك الدليل القطعي سمعيا فلا يخلو إما أن تكون المخالفة بحيث لا يمكن الجمع بينهما، أو يمكن، فإن لم يمكن الجمع بينهما فالحكم ما سبق، وإن كان ذلك الدليل قياسا.
هذا إذا علم تأخير المظنون عن المقطوع أو لا يعلم التاريخ فيهما؛ إذ لا يجوز الحمل على النسخ، فإن نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعا، وان كان جائزا عقلا؛ إذ لا يمتنع عقلا أن يقول الشارع: كلفتكم أن تعملوا بالكتاب والسنة المتواترة ما دام أن لا يرد بعده ما يناقضه، فإذا ورد ذلك بعده فقد كلفتتكم أن تعملوا بالكتاب والسنة المتواترة ما دام أن لا يرد بعده ما يناقضه، فإذا ورد ذلك بعده فقد كلفتكم بمقتضاه، وإن كان مظنونا فإن علم تأخير المقطوع عنه حمل على أنه منسوخ به، ولا يقطع بكذبه مع عدم إمكان الجمع لتحقق شرط النسخ.
стр. 2699
وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي لم يعلم التاريخ فيها، فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع لكن لم يتحقق شرط النسخ فلا نقطع به بمجرد الاحتمال فإن كذب الراوي أيضا محتمل، بل ربما هو أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقق شرطه.
وأما إذا كان يمكن الجمع بينهما بالتخصيص والتقييد، فإن كان ذلك بأن كان خبر الواحد عاما، أو مطلقا، أو المقطوع به خاصا أو مقيدا وجب تخصيصه، أو تقييده به وفاقا لا خلاف فيه، وإن كان عكسه فهو مبني على جواز تخصيص المقطوع بالمظنون، وعلى جواز تخصيص القياس وقد تقدم القول في أحدهما، وسيأتي في الآخر - إن شاء الله -.
وإن كان الثاني وهو أن يكون ذلك الدليل ظنيا: فإما أن يكون من جنسه من أخبار الآحاد، أو من جنس القياس، فإن كان الأول فسواء كانت المخالفة بينهما على وجه يمكن الجمع بينهما، أو لا يمكن فإنه لا يصار إلى تكذيب أحدهما بل يصار إما إلى التأويل بتخصيصه أو غيره، أو إلى النسخ أو إلى الترجيح، أو إلى التعادل إن قيل بإمكانه بحسب مواقعها على ما ستعرف ذلك في الترجيح - إن شاء الله -.
وإن كان الثاني فإن كانت المخالفة على وجه يمكن الجمع بينهما إما بأن يخصص خبر الواحد، أو يصرف عن ظاهره بوجه آخر من التأويل بالقياس فعل ذلك وفاقا، وإما بأن يخصص القياس بخبر الواحد فهذا مبني على جواز تخصيص العلة، فمن جوزه جعله كعكسه، ومن لم يجوزه جعله كما إذا كانت المخالفة على وجه لا يمكن الجمع بينهما.
وإن كانت المخالفة على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فأصل ذلك القياس إن كان أيضا خبر واحد مثله، وبقية مقدمات القياس أيضا ظنية فها هنا الخبر مقدم على القياس لا محالة، ولا ينبغي أن يكون هذا من صور الخلاف
стр. 2700
وإن كان كلام بعضهم مشعرا بأنها من جملة صور الخلاف.
وإن لم يكن كذلك بل هو ثابت إما بدليل مقطوع به والمقدمتان الباقيتان أعني كون الحكم معللا بتلك العله، وحصولها في الفرع ظنيتان، أو بخبر واحد راجح على ذلك الخبر والمقدمتان الباقيتان ظنيتان، أو أحدهما: وهو كون الحكم معللا بتلك العلة، فإن التنصيص على العله بقاطع مع ظن حكم الأصل لا يتصور، ففي هذه الصور / (١٠٠/أ) اختلفوا: فذهب الشافعي وجماعة نحو أحمد بن حنبل والكرخي إلى ترجيح الخبر على القياس مطلقا.
وذهب مالك ﵁ إلى ترجيح القياس مطلقاً.
следующие страницы →