Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
وجوابه ما تقدم.
وثالثها: قياس الرواية على الشهادة، فإن شاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع عليه فقال: لا أذكرها ولا أعرفها فإنه لا يقبل وفاقا، فكذا في الرواية، والجامع بينهما: اختلال ظن الصدق الناشئ من تطرق التهمة إليهما بالإنكار.
وجوابه: الفرق، وهو أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية، بدليل أنه يعتبر فيها من الشروط ما لا يعتبر في الرواية، فلا يلزم من اعتبار ذلك القدر من التهمة فيها اعتباره في الرواية مع أن بابها أوسع منها.
ورابعها: أنه ليس للشيخ أن يعمل به، والراوي عنه فرعه فليس له أن يعمل به وإذا لم يعمل به الراوي لم يعمل به غيره بطريق الأولى.
وجوابه: أنا لا نسلم أن الشيخ ليس له أن يعمل به، فإنه إذا حصل له ظن صدق الفرع فله أن يعمل به؛ ولهذا كثير من المحدثين يروون عمن روى عنهم إذا نسوا وغلب على ظنهم صدقهم، نعم ليس له أن يعمل به إذا لم يحصل له الظن بصدقه كما تقدم، لكن لا يلزم من هذا أن لا يعمل الراوي به ولا غيره إذا لم يحصل له هذا الشك والريب الذي حصل له.
стр. 2697
القسم الثالث
"فيما اختلف فيه في رد خبر الواحد"
وفيه مسائل:
стр. 2698
القسم الثالث
"فيما اختلف فيه في رد خبر الواحد "
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اعلم أن خبر الواحد إذا ورد مخالفا لدليل آخر، فإما أن يكون ذلك الدليل مقطوعا به، أو مظنونا .
فإن كان الأول فهو إما عقلى أو سمعي.
فإن كان عقليا نظر: فإن كان ذلك الخبر المخالف له قابلا للتأويل القريب الذي إذا سمعه أهل اللسان لم ينب عنه طبعه وجب تأويله، جمعا بين الدليلين، وإلا قطعنا بكذبه؛ لأن الدليل العقلي لا يحتمل الصرف عما دل عليه بوجه من الوجوه لا بالتخصيص، ولا بالتأويل، ولا بغيرهما فإذا لم يقطع بكذبه، أي أنه ليس من الشارع، لزم وقوع الكذب منه وأنه ممتنع.
وإن كان الثاني وهو أن يكون ذلك الدليل القطعي سمعيا فلا يخلو إما أن تكون المخالفة بحيث لا يمكن الجمع بينهما، أو يمكن، فإن لم يمكن الجمع بينهما فالحكم ما سبق، وإن كان ذلك الدليل قياسا.
هذا إذا علم تأخير المظنون عن المقطوع أو لا يعلم التاريخ فيهما؛ إذ لا يجوز الحمل على النسخ، فإن نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعا، وان كان جائزا عقلا؛ إذ لا يمتنع عقلا أن يقول الشارع: كلفتكم أن تعملوا بالكتاب والسنة المتواترة ما دام أن لا يرد بعده ما يناقضه، فإذا ورد ذلك بعده فقد كلفتتكم أن تعملوا بالكتاب والسنة المتواترة ما دام أن لا يرد بعده ما يناقضه، فإذا ورد ذلك بعده فقد كلفتكم بمقتضاه، وإن كان مظنونا فإن علم تأخير المقطوع عنه حمل على أنه منسوخ به، ولا يقطع بكذبه مع عدم إمكان الجمع لتحقق شرط النسخ.
стр. 2699
وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي لم يعلم التاريخ فيها، فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع لكن لم يتحقق شرط النسخ فلا نقطع به بمجرد الاحتمال فإن كذب الراوي أيضا محتمل، بل ربما هو أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقق شرطه.
وأما إذا كان يمكن الجمع بينهما بالتخصيص والتقييد، فإن كان ذلك بأن كان خبر الواحد عاما، أو مطلقا، أو المقطوع به خاصا أو مقيدا وجب تخصيصه، أو تقييده به وفاقا لا خلاف فيه، وإن كان عكسه فهو مبني على جواز تخصيص المقطوع بالمظنون، وعلى جواز تخصيص القياس وقد تقدم القول في أحدهما، وسيأتي في الآخر - إن شاء الله -.
وإن كان الثاني وهو أن يكون ذلك الدليل ظنيا: فإما أن يكون من جنسه من أخبار الآحاد، أو من جنس القياس، فإن كان الأول فسواء كانت المخالفة بينهما على وجه يمكن الجمع بينهما، أو لا يمكن فإنه لا يصار إلى تكذيب أحدهما بل يصار إما إلى التأويل بتخصيصه أو غيره، أو إلى النسخ أو إلى الترجيح، أو إلى التعادل إن قيل بإمكانه بحسب مواقعها على ما ستعرف ذلك في الترجيح - إن شاء الله -.
وإن كان الثاني فإن كانت المخالفة على وجه يمكن الجمع بينهما إما بأن يخصص خبر الواحد، أو يصرف عن ظاهره بوجه آخر من التأويل بالقياس فعل ذلك وفاقا، وإما بأن يخصص القياس بخبر الواحد فهذا مبني على جواز تخصيص العلة، فمن جوزه جعله كعكسه، ومن لم يجوزه جعله كما إذا كانت المخالفة على وجه لا يمكن الجمع بينهما.
وإن كانت المخالفة على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فأصل ذلك القياس إن كان أيضا خبر واحد مثله، وبقية مقدمات القياس أيضا ظنية فها هنا الخبر مقدم على القياس لا محالة، ولا ينبغي أن يكون هذا من صور الخلاف
стр. 2700
وإن كان كلام بعضهم مشعرا بأنها من جملة صور الخلاف.
وإن لم يكن كذلك بل هو ثابت إما بدليل مقطوع به والمقدمتان الباقيتان أعني كون الحكم معللا بتلك العله، وحصولها في الفرع ظنيتان، أو بخبر واحد راجح على ذلك الخبر والمقدمتان الباقيتان ظنيتان، أو أحدهما: وهو كون الحكم معللا بتلك العلة، فإن التنصيص على العله بقاطع مع ظن حكم الأصل لا يتصور، ففي هذه الصور / (١٠٠/أ) اختلفوا: فذهب الشافعي وجماعة نحو أحمد بن حنبل والكرخي إلى ترجيح الخبر على القياس مطلقا.
وذهب مالك ﵁ إلى ترجيح القياس مطلقاً.
стр. 2701
وذهب القاضي أبو بكر إلى التوقف.
ومنهم من ذهب إلى التفصيل، وذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أنه إن كان راوي الخبر عالما ضابطا غير متساهل فيما يرويه، وجب تقديم الخبر على القياس، وإلا فهو في محل الاجتهاد وهو مذهب عيسى بن أبان.
стр. 2702
وثانيهما: وهو ما ذكره أبو الحسين البصري: "أن علة القياس إن كانت منصوصة وكان النص الدال عليها مقطوعا به كان القياس مقدما على الخير، وإن كانت المقدمة الثالثة ظنية؛ لأن النص على العلة كالنص على الحكم ولو كان الحكم مقطوعا به لم يعارضه الحكم المظنون، وهذا يستقيم إن قلنا: إن التنصيص على العلة لا يخرجه عن القياس، وإلا فليس هو من هذا الباب.
وإن لم يكن النص الدال عليها مقطوعا به، فإما أن يكون الحكم في الأصل ثابتا بنص مقطوع به أو لا يكون، فإن كان الأول كان في محل الاجتهاد وإن كانت المقدمة الباقية قطعية، وهذا التقييد وأمثاله وإن لم يكن مصرحا به في كلامه لكنه مأخوذ من إشعار كلامه من حيث إنه أطلق، فإن ظهر عند المجتهد رجحان أمارة القياس على عدالة الراوي كان القياس مقدما على الخبر وإن ظهر عنده رجحان عدالة الراوي على أمارة القياس كان الخبر مقدما على القياس عنده ويختلف ذلك باختلاف اجتهاد المجتهدين، وإن كان الثاني كان الخبر مقدما على القياس وإن كانت المقدمة الثالثة وهي حصول العلة في الفرع قطعية؛ لأنه يساوي أصل القياس في الظن ويختص بأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه القياس من المقدمات الزائدة، وإن لم تكن علة القياس منصوصة بل هي مستنبطة فلا يخلو: إما أن يكون الحكم في الأصل ثابتا بنص مقطوع به، أو لم يكن فإن كان الأول فهو في محل الاجتهاد كما سبق في المنصوصة المظنونة، وقال: ينبغي أن يكون هذا محل الخلاف بين العلماء، وإن كان الثاني فالخبر راجح لما سبق في المنصوصة المظنونة.
стр. 2703
ونقل عن الحنفية: أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل؛ ولذلك لم يقبلوا خبر المصراة وخبر القرعة في العتق في مرض الموت
стр. 2704
وخبر التفليس.
وليس المراد منه: الكتاب والسنة المتواترة، والإجماع، فإنه لم يوجد شيء من هذا في هذه الصور، فإذن المراد منه قياس الأصول، فإن أرادوا به القياس المقطوع به فهو مما لا نزاع فيه، لكنهم مطالبون بتحقيقه في هذه الأمور، وإن أرادوا به القياس الظني فحينئذ يتحقق معهم النزاع أيضا كما هو مع غيرهم.
احتج الأصحاب بوجوه:
أحدها: التمسك بحديث معاذ، فإنه قدم فيه العمل بالسنة على الاجتهاد من غير فصل بين السنة المتواترة، والمروية بطريق الآحاد، وصوبه
стр. 2705
عليه السلام حيث قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه الله ورسوله" ولو كان ذلك مختصا بالتواتر لبينه الرسول [ولم يتركه على إطلاقه، وإلا لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة] وأنه غير جائز، وتخصيص بعض الأقيسة عنه كالقياس القطعي، أو الذي نص عليه عليته بنص قاطع لو سلم الحكم فيه لا يوجب تخصيص ما ليس مثله من الأقيسة ضرورة تحقق الفرق بينهما.
وثانيها: الإجماع، فإن بعض الصحابة ﵃ ترك اجتهاده بخبر الواحد:
إذ روي عن أبي بكر ﵁ أنه حكم بحكم برأيه، فلما سمع من بلال ما يناقضه من حديث الرسول نقضه.
وروي عن عمر أنه قال في الجنين: "كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة من رسول الله ﷺ ."
وعنه أنه ترك رأيه في المنع من توريث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك وترك رأيه أيضا في تفاوت دية الأصابع لاختلاف منافعها، لما أن سمع ما في كتاب عمرو بن حزم أن في كل أصبع عشرا من الإبل.
وروي عنه أنه قال: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".
стр. 2706
فثبت أن بعض الصحابة ﵃ ترك رأيه لخبر الواحد، ولم ينكره الباقون مع أنه كان شائعا ذائعا بينهم فكان إجماعا.
فإن قلت: لا نسلم إجماع الصحابة على ذلك، وهذا لأن عدم إنكار الباقين إنما يدل على الرضا ظاهرا لو لم يوجد منهم صريح الرد، وقد وجد ذلك.
فإن ابن عباس ﵁ رد خبر أبي هريرة وهو قوله ﵇: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا" إذ قال: فما نصنع بمهراسنا؟ ووافقته في ذلك عائشة ﵂ إذ
стр. 2707
قالت: رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا فما نصنع بالمهراس؟ وإنما كان ذلك لكونه مخالفا للقياس.
ورد هو أيضا خبره الآخر وهو قوله ﵇: "الوضوء مما مسته النار" بالقياس وقال: "ألسنا نتوضأ بالماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه
стр. 2708
نتوضأ" وردت عائشة خبر ابن عمر ﵄ وهو قوله ﵇: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" لمخالفة القياس، فإن القياس يقتضي أن لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر، فلا يكون عدم انكارهم دليلا / (١٠١/أ) على الرضا، بل إنما لم ينكروا لكونه مجتهدا فيه، وليس للمجتهد أن ينكر على المجتهد الآخر إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاده، وحينئذ لا يكون الإجماع حاصلا على ذلك.
قلت: أما الدليل على حصول الإجماع فما سبق.
وأما ردهم الخبر لمخالفة القياس فممنوع، أما قول ابن عباس: فما نصنع بمهراسنا، فلا نسلم أنه رد للخبر بل هو وصف للمشقة في العمل بموجب الخبر لعظم المهراس، وهذا كما يقول الإنسان إذا وقع في أمر مشق لا مندوحة له عنه: ما نصنع به.
سلمنا أنه رد للخبر لكن لا نسلم [أنه] لمخالفة القياس؛ وهذا لأنه ليس من الأصول مما يقتضي القياس عليه جواز غسل اليد من ذلك الإناء، حتى يقال: إنه رد الخبر لذلك.
стр. 2709
سلمنا وجود القياس، لكن لا نسلم أنه رده لذلك القياس، بل لأنه لا يمكن الأخذ به من حيث إنه لا يمكن قلب المهراس لغسل اليد وذلك ليس قياسا، ولو سلم أنه قياس لكن لا نسلم أنه قياس مظنون.
وأما رده خبر الوضوء مما سمته النار، فلا نسلم أنه بالقياس؛ بل لأنه منسوخ بخبر آخر وهو ما روي "أنه ﵇ أكل كتف شاة وصلى ولم يتوضأ".
أو بما روي أنه سأله رجل وقال: أنتوضأ من لحم الغنم؟ فقال ﵇: "إن شئت توضأ وإن شئت لا تتوضأ" هذا إن علم تراخيه، وإلا
стр. 2710
فالأخذ بما روينا من قبيل الترجيح بعد التعارض، والقياس الذي ذكره إنما ذكره للترجيح، أو لتقوية اعتقاد النسخ، فإنه يقتضي عدم التكليف به.
وبه خرج الجواب عن حديث ابن عمر ﵁ فإنا لا نسلم أن عائشة إنما ردتها لأجل ما ذكروه من القياس، بل لصراحة نص الكتاب بخلافه وهو قوله تعالى: ﴿ولا تزروا وازرة وزر أخرى﴾، فثبت أنه لم يوجد منهم رد الخبر للقياس فكان الإجماع حاصلا ظاهرا لما سبق.
وثالثها: أن خبر الواحد أكثر إفادة للظن، وأقل احتمالا للخطأ من القياس فكان راجحا عليه.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن صحة ما دل عليه خبر الواحد ووجوب العمل به إنما يتوقف على ثلاث مقدمات لا غير:
أحدها: ثبوته عن رسول الله ﵇.
وثانيها: دلالاته على الحكم.
وثالثها: أنه يجب العمل به.
والمقدمة الأولى ظنية؛ إذ لا نقطع بصحة متنه؛ لأن عدالة الراوي في أصله مظنونة، وبتقدير ثبوتها فصحة هذا الخبر أيضا مظنون؛ إذ العدل قد يكذب لسهو، وغفلة، ونسيان، والمقدمتان الباقيتان يقينيتان؛ إذ الكلام فيما إذا كان خبر الواحد خاصا دالا على شيء واحد لا يمكن تخصيصه بالقياس.
وأما صحة ما دل عليه القياس ووجوب العمل به، فإنه يتوقف على مقدمات كثيرة؛ لأن أصل ذلك القياس إن كان خبر الواحد فيتوقف على هذه
стр. 2711
المقدمات الثلاث بعينها وزيادة، وهي المقدمات التي تختص بالقياس التي يذكرها، وإن كان دليلا مقطوعا به فالمقدمات الثلاث [فيه] أيضا مفتقر إليها، لكن غايته أنها تكون بأسرها يقينية فيزيد على الحكم الثابت بالخبر بكون المقدمات فيها بأسرها يقينية، وإحدى المقدمات في الخبر ظنية، لكن يتوقف بعد ذلك على مقدمات أخر:
أحدها: كون الحكم في الأصل معللا بعلة.
وثانيها: كونه معللا بالعلة الفلانية، وهذا يتوقف على كون ذلك الوصف صالحا للعلية، وأن لا يكون هناك ما يعارضه.
وثالثها: وجود ذلك الوصف في الفرع.
ورابعها: وجود شرائطها وارتفاع موانعها، وأن لا يكون هناك ما يعارضه.
وخامسها: وجوب العمل به، وهذه المقدمة يقينية، والأربع الأول ظنية وما يكون متوقفا على أقل المقدمات، مع أن أكثرها يقينية يكون أكثر إفادة للظن، وأقل احتمالا للخطأ من الذي يكون متوقفا على أكثر المقدمات مع أن أكثرها ظنية، وإذا كان كذلك وجب أن يكون راجحا لما تقدم من الأدلة النقلية والعقلية.
لا يقال: إن مراتب الظنون قد تتفاوت تفاوتا ظاهرا، فقد يكون الموقوف على ثلاث مقدمات أو أكثر، أكثر إفادة للظن من الموقوف على مقدمة واحدة لكون تلك المقدمات مظنونة بظنون قوية إليعاية وتلك المقدمة الواحدة مظنونة بظن ضعيف إلى غاية، وإذا كان كذلك فقد تعذر الحكم بالترجيح؛ بسبب قلة المقدمات مطلقا بل عندما لا يعارض ما في أحد الجانبين من الكيفية ما في
стр. 2712
الجانب الآخر من الكمية، فكان ينبغي أن يكون الأمر فيه موكولا إلى نظر المجتهد كما قاله أبو الحسين البصري، من أنه في محل الاجتهاد، فإن ظهر رجحان أمارة عدالة الراوي ترجح الخبر وإلا فيتعارضان، أو يرجح القياس؛ لأنا نقول: لو خلينا والعقل لكان الأمر كما ذكرتم، في حديث معاذ، ولو كان ما ذكرتم من التفصيل جار في لبينه الرسول، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن ذلك الوقت كان وقت الحاجة إليه وهو ممتنع والصحابة كانوا يرجعون إلى الخبر من غير بحث عن أمارة القياس، وعن أمارة عدالة الراوي، ولو كان التفصيل / (١٠٢/أ) المذكور هو الحق لما جاز ذلك إلا بعد البحث عنه هذا ما قيل.
وفيه نظر؛ من حيث إن النظر في الخبر إنما هو في المقدمة الظنية، فإن المقدمتين الباقيتين قطعيتان ليستا في محل الاجتهاد والنظر، وإذا كان كذلك فالنظر فيه إنما هو في عدالة الراوي، وأمارة صدقه، وذلك كان في الصحابة ظاهرا في غاية القوة لا سيما بالنسبة إليهم قبل ظهور الفتن فيما بينهم، فجاز أن يقال: إنهم [إنما] كانوا يتركون القياس لكون أمارة صدق الخبر ظاهرة جلية عندهم فلم يكن ذلك مانعا من التفصيل المذكور وهو بعينه آت في حديث معاذ من حيث إنه ﵇ كان يعلم أنه ما كان تصل إليه السنة إلا منه شفاها، أو من الصحابة، فعلى الأول ثبوته عن الرسول يقيني، وعلى الثاني ظني، لكن الظني قوي، فلم يكن ذلك الوقت وقت الحاجة إلى التفصيل فلم يجب البيان فيه.
стр. 2713
المسألة الثانية
إذا روي عن الرسول ﵇: أنه فعل فعلا يخالف موجب خبر الواحد:
فإن لم يكن لفظ الخبر متناولا له ﵇، ولا قامت الدلالة على أن حكمه وحكمنا فيه سواء لم يكن بينهما تناف فلا يرد به الخبر .
وإن كان متناولا له، أو قامت الدلالة على أن حكمه وحكمنا فيه سواء: فلا يخلو إما أن تكون المخالفة بينهما على وجه يمكن الجمع بينهما، أو لا يمكن: فإن أمكن صير إليه كما تقدم في باب التخصيص ولا يرد به الخبر، وإن لم يمكن فإن كان الفعل متواترا رجح على الخبر؛ ضرورة أن المقطوع راجح على المظنون.
وإن لم يكن متواترا بل كلاهما مظنونان صير إلى الترجيح كما في سائر الأدلة الظنية.
المسألة الثالثة
عمل أكثر الأمة بخلاف الخبر لا يوجب رده ؛ لأن أكثر الأمة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة، فلا يرد به الخبر، ومن زعم أن اتفاق الأكثر إجماع فيليق بمذهبه أن يرد به الخبر كما إذا انعقد الإجماع على خلافه، وأما عند الأكثرين القائلين بأنه ليس بإجماع فلا يرد به الخبر لكن أن يكون مرجحا عند التعارض.
стр. 2714
المسألة الرابعة
إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة، هل يوجب ذلك رد الزيادة [أم لا] .
وتحقيق الكلام فيه أن يقال: إن الحال فيه لا يخلو: إما أن يعلم أن المجلس واحد، أو متعدد، أو لا يعلم واحد منهما.
فإن علم أن المجلس واحد باتفاقهم على ذلك، فها هنا اختلفوا: فمنهم من قبله سواء كانت الزيادة لفظية أو معنوية؛ لأنه عدل ثقة جازم بالرواية فوجب قبولها كما لو انفرد بنقل حديث عن جميع النقلة، ويحمل على أنه ﷺ ذكر ذلك الحديث في ذلك المجلس مرتين، ولم يحضر في مرة الزيادة إلا ذلك الواحد، أو وإن ذكر مرة واحدة لكن الذين لم ينقلوا الزيادة ربما دخلوا في أثناء الكلام، وهذا يضعف إذا كانت الزيادة في آخر الحديث، أو وإن حضروا من أول المجلس إلى آخره لكن لعلة حدث في أثناء المجلس ما أوجب شغل خاطرهم به، ولم يصغوا إلى كلامه ﵇ فذهلوا عن تلك الزيادة، وبقي ذلك الواحد مصغيا إلى كلامه، ولم يشتغل خاطره بما حدث، فلا جرم لم يذهل عن تلك الزيادة، أو إن لم يحدث ذلك، لكن لعله عرض لهم ألم أو جوع أو عطش مفرط، أو هم، أو فكر في أمر مهم شاغل لهم عن السماع في ساعة لطيفة فذهلوا عنها، ولم يعرض ذلك لذلك الواحد، أو إن لم يكن شيء من ذلك لكن لعلهم نسوها وغفلوا عنها، وهذه الأمور وإن كانت بعيدة، لكن تكذيب العدل، أو الحمل على أنه سها في ذلك، بأن توهم سماع تلك الزيادة مع أنه لم يسمعها، أو وإن سمعها لكن من
стр. 2715
غير الرسول ﵇ فتوهم سماعها منه فهو أبعد منها، فكان المصير إليها أقرب.
ومنهم من رده؛ لأن السهو والنسيان على الواحد أقرب منهما على الجماعة، والمحامل المذكورة بعيدة جدا، ونحن لا نكذب العدل بل نحمله على أنه سها في سماع ما لم يسمع، وهذا وإن كان أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع، لكن يعارضه ما ذكرناه وهو أن سهو الجماعة أبعد من سهو الواحد، وإذا تعارضا تساقطا فوجب أن يبقى على الأصل وهو عدو وجوب القبول، وعدم صدورها منه ﵇.
ومنهم من ذهب إلى التوقف؛ لأن في كل واحد من الاحتمالين بعدا كما سبق، والأصل وإن كان عدم الصدور، لكن الأصل أيضا صدق الراوي، وإذا تعارضا وجب التوقف.
ومنهم من فصل وقال: إن الذين لم ينقلوا الزيادة إن كانوا جماعة لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة، ابتداء ودواما لم يقبل، وإلا قبلت.
فعلى هذا إن كان الذين لم ينقلوا الزيادة اثنين أو ثلاثة والزيادة كلمة أو كلمتين لم يقدح ذلك في قبولها؛ لأنه قد يغفل مثلهم عن مثلها.
وهذا كله إذا كان المنفرد بالزيادة واحدا [والذين لم ينقلوها جماعة،
стр. 2716
فأما إذا كان / (١٠٣/أ) المنفرد بالزيادة واحدا] والساكت عنها أيضا واحدا فمن قبل ثمة، أو فصل، أو توقف، قبل ها هنا؛ لأن التوقف إنما كان لأجل بعد الاحتمالين وهما سهو الجماعة، والسهو في سماع ما لم يسمع، وقد زال أحدهما فوجب ثبوت مقتضى الآخر.
فأما من لم يقبل ثمة، فمنهم من لم يقبله ها هنا أيضا، للتعارض ومنهم من قبله إلا أن يكون الممسك عن الزيادة أضبط من الراوي لها.
هذا كله فيما إذا لم تغير الزيادة إعراب الباقي.
فأما إذا غيرت كما إذا روى أحد الراويين: "أدوا عن كل حر أو عبد صاعاً من بر".
стр. 2717
ويروى الآخر "نصف صاع من بر".
فالأكثرون على أنه لا تقبل للتعارض؛ لأن كل واحد منهما يروي ضد ما رواه الآخر فيكون نافيا له فيحصل التعارض فلا يقبل إلا بعد الترجيح وليس ذلك كما إذا لم تغير إعراب الباقي؛ لأن مع أحدهما زيادة علم ليس الآخر نافيا له فيقبل.
خلافا لبعضهم كأبي عبد الله البصري فإنه قبلها ما إذا لم تغير إعراب
стр. 2718
الباقي؛ لأن الموجب للقبول إنما هو زيادة العلم بذلك الزائد الذي لم ينفيه الساكت عنه، واختلاف الإعراب تابع للاختلاف في ذلك الزائد فلا يكون ذلك مانعا من القبول.
وإن علم أن المجلس متعدد، فها هنا لا خلاف في أن الزيادة مقبولة سواء كانت الزيادة مغيرة لاعراب الباقي أو لم تكن، وسواء كان الساكت عنه، واحدا أو جماعة.
وإن لم يعلم واحد منهما فالخلاف فيه ينبغي أن يكون مرتبا على الخلاف فيما إذا علم أن المجلس واحد.
والأظهر القبول مطلقا؛ لأن المقتضى لقبول قوله وهو صدقه حاصل، والمعارض له غير متحقق لا قطعا ولا ظاهرا فوجب القبول.
هذا كله فيما إذا كان المنفرد بالزيادة واحدا والساكت عنها غيره واحدا كان أو جماعة.
فأما إذا اختلف رواية الواحد في ذلك: فإن روى مرة مع الزيادة وأخرى بدونها، فإن أسند الزيادة إلى مجلس غير مجلس الحديث الناقص قبلت الزيادة مطلقا كما فيما إذا تعدد الرواة.
وإن أسندهما إلى مجلس واحد فإن غيرت الزيادة إعراب الباقي ولم يصرح بنسيانه في تلك المرة ولا بسهوه في مرة الزيادة تعرضت روايتاه كما في الروايين.
стр. 2719
وإن لم تغير إعراب الباقي فإما أن تكون مرات رواية الزائد أقل من مرات رواية الناقص أو متساوية، أو زائدة.
فإن كانت أقل لم تقبل الزيادة إلا أن يصرح بنسيانه وسهوه في المرات الكثيرة وبذكره لها في المرات القليلة فها هنا تقبل للتصريح بذلك؛ لأنه لا بد من حمل إحدى الروايتين على السهو؛ إذ تعمد الكذب بنفيه ظاهر عدالته، وحمل الأقل على السهو أولى.
وإن كانتا متساويتين، أو كانت مرات الزيادة زائدة فها هنا تقبل لما تقدم من أن حمل السهو على نسيان ما سمعه أولى من حمله على توهم أنه سمع ما لم يسمعه هذا ما يعمهما، ويختص الثالث أن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه.
المسألة الخامسة
إذا وجد خبر الواحد مخصصا أو مقيدا لعموم الكتاب، أو السنة المتواترة أو إطلاقه، ولم يعلم مقارنته له ولا تراخيه عنه هل يقبل أم لا ؟
قال القاضي عبد الجبار؛ يقبل؛ لأن الصحابة رفعت كثيرا من أحكام القرآن بأخبار الآحاد ولم يسألا أنها هل كانت مقارنة أم لا؟
وهو الأولى؛ لأن حمله على كونه مخصصا مقبولا أولى من حمله على كونه ناسخا مردودا.
فأما إذا علم مقارنته له فيقبل عند من يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون.
فأما إذا علم تراخيه عنه فمن لم يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يقبله؛ لأنه لو قبل لقبل ناسخا وهو غير جاز، وأما من جوز ذلك فيقبله إن كان ورد قبل حضور وقت العمل به، فأما إذا ورد بعده فلا يقبل وفاقاً.
стр. 2720
المسألة السادسة
الراوي إذا خالف ظاهر الحديث لم يقدح ذلك في وجوب الأخذ بظاهر الحديث عندنا وعند كثير من العلماء، وهو اختيار الكرخي .
وذهب أكثر الحنفية إلى أن ذلك يقدح فيه بل لا يجوز الأخذ به، ويجب الأخذ بمذهب الراوي؛ ولذلك حملوا خبر أبي هريرة في ولوغ الكلب، "أنه يغسل سبعا" على الندب؛ لأنه كان يقتصر على الثلاث.
стр. 2721
قال القاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري: إنه إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه، إلا أنه علم بالضرورة أنه ﵇ أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر وجب المصير إليه.
وإن لم يعلم ذلك، بل جوزنا: أن يكون قد صار إليه لنص، أو قياس وجب النظر في ذلك فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب المصير [إليه، وإن لم يقتص ذلك، أو لم نطلع على مأخذه وجب المصير إلى ظاهر] الخبر؛ وذلك لأن الحجة إنما هي كلام الرسول ﵇، لا مذهب الراوي فظاهر كلامه يدل على معنى غير ما ذهب إليه الراوي، فوجب المصير إليه دون مذهب الراوي.
стр. 2722
فإن قلت: هب أن مذهبه ليس بحجة على غيره من المجتهدين لكن نقول: تركه لظاهر الخبر إن لم يكن لمستند راجح عليه قدح ذلك في عدالته، وذلك يوجب القدح في قبول روايته، وإن كان لمستند راجح عليه وجب المصير / (١٠٤/أ) إليه فدار الأمر بين أن يرد الخبر، وبين أن يؤخذ بمذهبه، فأما الأخذ بالخبر إذ ذاك فغير معقول.
قلت: متى يقدح في عدالته تركه لظاهر الخبر إن لم يكن لمستند راجح عليه [إذا لم يكن راجحا] في ظنه أو في نفس الأمر؟
والأول مسلم، لكن لا يلزم منه أنه إذا كان راجحا في ظنه يجب اتباعه؛ لجواز أن يكون ظنه غير مطابق، بأن ظن ما ليس براجح راجحا لخطأ عرض له في الاجتهاد.
والثاني ممنوع؛ وهذا فإن المجتهد لا يفسق لخطأ اجتهاده بظنه راجحا ما ليس براجح في نفس الأمر حتى ترد روايته بسببه، وكونه عدلا عالما بشرائط الاجتهاد لا يمنع من خطئه في الاجتهاد سهوا وغلطا، لا قطعا ولا ظاهرا، والالزام على المجتهد الآخر تقليده، لقوله ﵇: "أقضي بالظاهر" وقوله: "نحن نحكم بالظاهر"، وبتقدير أن يمنع منه ظاهرا لكن من الظاهر أن ظهوره يس كظهور دلالة الخبر فلا يجوز أن يترك به الخبر.
وبهذا أيضا خرج الجواب عما يقال عليه: إن مخالفته له تدل على ضعف الرواية، أو أنه علم أنه منسوخ؛ لأنه يجوز أن تكون المخالفة بناء على الاجتهاد لا على ما ذكروه من الاحتمالين.
فإن قلت: إذا لم يوجد ثمة ما يصلح أن يستند إليه الاجتهاد مما
стр. 2723
يصلح أن يكون معارضا له لم يبق احتمال الاجتهاد، وحينئذ يتعين أن يكون لما تقدم من الاحتمالين؛ إذ دينه يمنعه من ترك العمل بما صح أنه من الرسول ﵇ من غير أمر يصرفه عن ذلك.
قلت: عدم وجداننا له لا يدل على عدمه عندنا؛ لاحتمال أنه كان حاصلا عنده إذ ذاك ولم ينقل إلينا.
سلمناه لكن ربما ظن ضعف روايته بما ليس بضعيف، أو ظن نسخه لما لا ينسخ به، أو ربما نسى ما رواه، وذهب إلى ما ذهب إليه للبراءة الأصلية، أو لغيرها مما لا يصلح أن يكون معارضا بخبر الواحد ويصلح أن يكون مدركا لإثبات الحكم عند عدمه.
ثم هو معارض بما أنه لو كان ذلك لضعف في روايته، أو للنسخ لبينة لأنه لا يجوز أن يروي ما في روايته ضعف إلا ويبينه، وإلا لكان ذلك تلبيسا منه، وكذلك لا يجوز أن يروي ما هو منسوخ من غير أن ينقل الناسخ.
ولا يقال: إنه ربما اكتفى في ذلك بمخالفته؛ لأن مخالفته تحتمل وجوها أخر فلا يقوم ذلك مقام صريح النسخ والضعف.
ثم إنهم وإن جروا على هذه القاعدة في خبر أبي هريرة، لكنهم خالفوها في خبر ابن عباس.
стр. 2724
وهو أنه روى أن بريرة اشترتها عائشة وأعتقتها، فخيرها رسول الله ﷺ وكانت تحت زوج.
ومن مذهب ابن عباس ﵄ أن بيع الأمة فسخ لنكاحها فأخذوا بروايته، وتركوا مذهبه مع أن الفسخ في النكاح بعيد عن الاجتهاد والقياس عندهم فكان الظاهر أنه أخذه توقيفا.
وأما إذا حمل الراوي الخبر على أحد محتملاته فهذا يحتمل وجهين:
стр. 2725
أحدهما: أن يكون ذلك بطريق التفسير للفظه فها هنا لا نعرف خلافا أن تفسيره أولى، ولا يتجه فيه خلاف.
وثانيهما: أن يكون ذلك بطريق النظر والاجتهاد منه، فها هنا يحتمل أن يقال: أنه يجب اتباعه؛ لأن الظاهر من حال الرسول أن لا ينطق باللفظ المحتمل لمعنيين أو أكثر لتعريف الأحكام، وبيان الشريعة، إلا وقد ضم إليه ما بين المقصود منه من القرائن الحالية، أو المقالية، والظاهر من حال الراوي فهمه وابتاعه.
ويحتمل أن يقال: أنه لا يجب اتباعه؛ لأنه يجوز أن يكون قد ذهب إليه لاجتهاده ونظره، وهو ليس بحجة على غيره من المجتهدين وهذا إذا انقدح لحمله على ذلك المحمل وجه الاجتهاد والنظر، فأما إذا لم ينقدح ذلك وجب اتباعه لا محالة كما في صورة التفسير.
المسألة السابعة
إذا اقتضى خبر الواحد علما، وكان في الأدلة القاطعة ما يدل عليه لم يرد بل يجب قبوله ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الرسول ﵇ قاله واقتصر به على آحاد الناس، بناء على الدليل القاطع.
وإن لم يكن في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده، سواء اقتضى مع العلم عملا، أو لا يقتضيه؛ لأنه لما كان التكليف فيه بالعلم، مع أنه ليس له صلاحية إفادة العلم: كان ذلك تكليفا بما لا يطاق، لكن لا يقطع بكذبه؛ لاحتمال أن يقال: إنه ﵇ قصد بذلك إيجاب العلم على من شافهه، دون غيره، وهو جائز غير ممتنع.
فأما إذا اقتضى العمل فهو مقبول عندنا، سواء كان مما تعم به البلوى، أو لم تعم.
стр. 2726
خلافاً للحنفية فيما تعم به البلوى.
ولهذا لم يقبلوا خبر نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر رفع اليدين في الرفع من الركوع، وخبر الجهر بالتسمية.
стр. 2727
ونقل الترجيح في الأذان والإفراد في الإقامة؛ لأن هذه الأمور مما تعم به البلوى.
لنا: ما تقدم من الأدلة في أن خبر الواحد حجة؛ فإن تلك الأدلة تدل على حجية خبر الواحد من غير فصل بين ما تعم به البلوى، وبين ما لا تعم به البلوى حتى ما سبق من الإجماع؛ لأن من جملة الأخبار التي نقلنا أنهم قبلوها آحادا خبر المخابرة، والتقاء الختانين، وخبر توريث المرأة من دية زوجها، وخبر توريث الجدة السدس وكل ذلك مما تعم به البلوى.
وأيضا فإنهم ناقضوا هذا الأصل حيث قبلوا / (١٠٥/أ) أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى كخبر القيء.
стр. 2728
والرعاف والقهقهة في الصلاة ووجوب الوتر، ووجوب الغسل من
стр. 2729
غسل الميت وخبر غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، ونحو ذلك من أخبار الآحاد التي في شروط البياعات، والأنكحة، مع أن كل ذلك مما تعم به البلوى.
احتجوا بوجوه:
стр. 2730
أحدها: بإجماع الصحابة فإنهم روا أخبار الآحاد فيما تعم بهالبلوى:
رد أبو بكر ﵁ خبر المغيرة في توريث الجدة، ورد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ولم ينكر عليه الباقون فكان إجماعا.
وجوابه: ما تقدم.
وثانيها: أنه لو كان صحيحا: لنقل نقلا متواترا، أو مشهورا على ما زعموا أن المشهور أحد أقسام المتواتر فيقبل فيما تعم به البلوى؛ لأن الحاجة ماسة إلى معرفة حكمه، وذلك يقتضي أن يكون الرسول أشاعه وبلغه إلى أهل التواتر. وأوجب نقله على جهة التواتر مخافة أن لا يصل إلى من كلف به فلا يتمكن من العمل به، ومن جهة النقلة أيضا الدواعي متوفرة على نقله؛ لمسيس حاجة عموم الناس إليه ولا يجاب الرسول ﵇ ذلك عليهم وما شأنه ذلك يجب أن يتواتر نقله، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه ليس بصحيح.
وبهذا الطريق عرفنا أنه ﵇ لم ينص على إمامة علي ﵁ وأنه ﵇ ما أوجب صوم شهر شوال وأن القرآن لم يعارض.
وجوابه: أنا لا نسلم أن مسيس الحاجة إليه، ومخافة عدم الوصول إليهم يقتضي أن يكون الرسول أشاعه وبلغه إلى أهل التواتر؛ وهذا لأنه إنما يقتضي ذلك أن لو لم تندفع حاجتهم بنقل الآحاد كما في التكاليف العملية، وأن لو كانوا مكلفين به على جميع الأحوال، فإما على تقدير اندفاع الحاجة به بنقل الآحاد، وعلى تقدير كونهم مكلفين به بشرط بلوغه إليهم كما هو فيما لا تعم به البلوى، فلا نسلم أنه حينئذ يقتضي ذلك.
وعند هذا نقول: إن نقل الآحاد فيه إنما يكون غير كاف؛ لكونه يدل على كذبه؛ إذ لو كان صدقا لوجب أن يتواتر نقله فيكون نقل الآحاد غير كاف فيه يتوقف على وجوب تواتره، فالاستدلال بوجوب تواتره على أن نقل الآحاد غير كاف فيه دور وهو ممتنع.
стр. 2731
وبهذا يعرف أيضاً أن مسيس حاجة عموم الناس إليه لا يوفر دواعي النقلة على نقله بحيث يصير متواترا وتوافر الدواعي على نقل أمر جزئي فرعي ليس كتوفر الدواعي على نقل أمر كلي أصلي، فلا يلزم من صحة الاستدلال بعدم التواتر فيما ذكروه من الصور على كذبه صحة الاستدلال بعدم التواتر في فرع جزئي على كذب نقل الآحاد.
وثالثها: أن الدليل ينفي قبول خبر الواحد لكونه اتباعا للظن ترك العمل به فيما لا تعم به البلوى لزيادة الظن فوجب أن يبقى فيما تعم به البلوى على الأصل.
وجوابه ما تقدم غير مرة.
المسألة الثامنة
يجوز للراوي أن ينقل الخبر بالمعنى ، وإذا نقله بالمعنى وجب قبوله، كما إذا نقل بلفظه عند الأئمة الأربعة، وأكثر الأئمة من الفقهاء، والمتكلمين نحو الحسن البصري وغيره، لكن بشرائط:
стр. 2732
أحدها: أن يكون الراوي عارفا بدلالات الألفاظ، واختلاف مواقعها.
وثانيها: أن تكون الترجمة مساوية للأصل [في الجلاء والخلفاء حتى لو كانت الترجمة غير قاصرة عن الأصل] في إفادة المعنى لكنها أجلى من الأصل أو أخفى منه لم يجز؛ لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم وتارة بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله تعالى ورسوله، فلا يجوز تغييرها عن وضعها.
ورابعها: أن لا يكون فيها زيادة ولا نقصان يضر مثله فيما إذا كان النقل باللفظ، فعند حصول هذه الشرائط يجوز النقل بالمعنى عند هؤلاء وإن كان الأولى النقل بلفظه.
خلافا لابن سيرين وبعض المحدثين فإنهم لم يجوزوا النقل بالمعنى أصلا.
стр. 2733
وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية.
احتج الجماهير بوجوه:
أحدها: ما روي عنه ﵇ أنه سئل عن ذلك فقال: "لا بأس إذا أصبتم المعنى".
وثانيها: الإجماع، فإن الصحابة نقلوا القصة الواحدة، بألفاظ مختلفة
стр. 2734
على ما هي كتب الأحاديث شاهدة بذلك، ومن الظاهر أن الرسول ﵇ لم يذكر تلك القصة بتلك الألفاظ المختلفة في مجالس مختلفة بل ربما يقطع في بعضها، ولم ينكر بعضهم على بعض فيه فكان إجماعا.
ويؤكده: ما روى عن ابن مسعود ﵁ أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله ﷺ هكذا أو نحوه ولم ينكر عليه أحد منهم.
وثالثها: ما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير.
стр. 2735
فغضب وقال: لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا أصبت المعنى.
ورابعها: وهو الأقوى: أنا نعلم بالضرورة مما نقل الينا من أحوال الصحابة وسيرهم ومجاري عادتهم أنهم ما كانوا يكتبون الأخبار التي رووها عن رسول الله ﷺ ، وما كانوا يكررونها ولا يدرسونها إلا / (١٠٦/أ) في المجلس الذي سمعوها منه، ولا في غيره كما كانوا يكتبون ويكررون ألفاظ القرآن، بل كما سمعوها تركوها، ثم أنهم ما رووها إلا بعد الأعصار والسنين عند وقوع الوقائع، وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ من غير تقديم وتأخير.
وخامسها: أنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم إجماعا، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فبأن يجوز إبدال العربية بأخرى أولى؛ لأن التفاوت بين العربية وترجمتها بالعربية أقل من التفاوت بين العربية وترجمتها بالعجمية.
وفي هذه الدلالة نظر؛ لأن ذلك الشرح والنقل جار مجرى الافتاء، فليس فيه ما يتعلق بنظر واجتهاد، بخلاف رواية الإخبار فإنه يتعلق بها اجتهاد المجتهدين، واختلاف الألفاظ مظنة لاختلاف المعاني، فجاز أن يمنع منه بناء
следующие страницы →