Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وبهذا يعرف أيضاً أن مسيس حاجة عموم الناس إليه لا يوفر دواعي النقلة على نقله بحيث يصير متواترا وتوافر الدواعي على نقل أمر جزئي فرعي ليس كتوفر الدواعي على نقل أمر كلي أصلي، فلا يلزم من صحة الاستدلال بعدم التواتر فيما ذكروه من الصور على كذبه صحة الاستدلال بعدم التواتر في فرع جزئي على كذب نقل الآحاد.
وثالثها: أن الدليل ينفي قبول خبر الواحد لكونه اتباعا للظن ترك العمل به فيما لا تعم به البلوى لزيادة الظن فوجب أن يبقى فيما تعم به البلوى على الأصل.
وجوابه ما تقدم غير مرة.
المسألة الثامنة
يجوز للراوي أن ينقل الخبر بالمعنى ، وإذا نقله بالمعنى وجب قبوله، كما إذا نقل بلفظه عند الأئمة الأربعة، وأكثر الأئمة من الفقهاء، والمتكلمين نحو الحسن البصري وغيره، لكن بشرائط:
стр. 2732
أحدها: أن يكون الراوي عارفا بدلالات الألفاظ، واختلاف مواقعها.
وثانيها: أن تكون الترجمة مساوية للأصل [في الجلاء والخلفاء حتى لو كانت الترجمة غير قاصرة عن الأصل] في إفادة المعنى لكنها أجلى من الأصل أو أخفى منه لم يجز؛ لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم وتارة بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله تعالى ورسوله، فلا يجوز تغييرها عن وضعها.
ورابعها: أن لا يكون فيها زيادة ولا نقصان يضر مثله فيما إذا كان النقل باللفظ، فعند حصول هذه الشرائط يجوز النقل بالمعنى عند هؤلاء وإن كان الأولى النقل بلفظه.
خلافا لابن سيرين وبعض المحدثين فإنهم لم يجوزوا النقل بالمعنى أصلا.
стр. 2733
وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية.
احتج الجماهير بوجوه:
أحدها: ما روي عنه ﵇ أنه سئل عن ذلك فقال: "لا بأس إذا أصبتم المعنى".
وثانيها: الإجماع، فإن الصحابة نقلوا القصة الواحدة، بألفاظ مختلفة
стр. 2734
على ما هي كتب الأحاديث شاهدة بذلك، ومن الظاهر أن الرسول ﵇ لم يذكر تلك القصة بتلك الألفاظ المختلفة في مجالس مختلفة بل ربما يقطع في بعضها، ولم ينكر بعضهم على بعض فيه فكان إجماعا.
ويؤكده: ما روى عن ابن مسعود ﵁ أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله ﷺ هكذا أو نحوه ولم ينكر عليه أحد منهم.
وثالثها: ما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير.
стр. 2735
فغضب وقال: لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا أصبت المعنى.
ورابعها: وهو الأقوى: أنا نعلم بالضرورة مما نقل الينا من أحوال الصحابة وسيرهم ومجاري عادتهم أنهم ما كانوا يكتبون الأخبار التي رووها عن رسول الله ﷺ ، وما كانوا يكررونها ولا يدرسونها إلا / (١٠٦/أ) في المجلس الذي سمعوها منه، ولا في غيره كما كانوا يكتبون ويكررون ألفاظ القرآن، بل كما سمعوها تركوها، ثم أنهم ما رووها إلا بعد الأعصار والسنين عند وقوع الوقائع، وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ من غير تقديم وتأخير.
وخامسها: أنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم إجماعا، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فبأن يجوز إبدال العربية بأخرى أولى؛ لأن التفاوت بين العربية وترجمتها بالعربية أقل من التفاوت بين العربية وترجمتها بالعجمية.
وفي هذه الدلالة نظر؛ لأن ذلك الشرح والنقل جار مجرى الافتاء، فليس فيه ما يتعلق بنظر واجتهاد، بخلاف رواية الإخبار فإنه يتعلق بها اجتهاد المجتهدين، واختلاف الألفاظ مظنة لاختلاف المعاني، فجاز أن يمنع منه بناء
стр. 2736
على المظنة، وأما الشرح للعجم بلسانهم فليس فيه هذه المظنة؛ إذ لا يجوز أن يستنبط من تلك العبارة أحكاما بل هي نفس الأحكام فلا يلزم من جواز الشرح للعجم بلسانهم جواز الرواية بعبارة أخرى.
وسادسها: أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود بالذات في أخبار الرسول كما هو في القرآن العظيم لكونه معجزا؛ ولهذا كان الرسول ﵇ يذكر القصة الواحدة في الكرات المتعددة بعبارات مختلفة بخلاف القرآن العظيم، فإنه كان يتبع فيه ما أوحي إليه من لفظه، بل المقصود إنما هو المعنى فإذا حصل ذلك بتمامه فلا يضر اختلاف الألفاظ.
واحتجوا بوجوه:
أحدها: ما روي عنه ﵇ أنه قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، وإنما يقال أداها كما لو سمعها لو أدى اللفظ كما سمعه، ولأن الضمير في قوله "فأداها" يرجع إلى قوله "سمع مقالتي" وذلك لا يتناول غير اللفظ.
وأيضا فإن قوله: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" إشارة إلى العلة التي لأجلها ينبغي أن تكون التأدية بعين الألفاظ المسموعة؛ وهذا لأن معناه - إن شاء الله - أن الأفقه ربما فطن بزيادة فقهه من فوائد اللفظ لما لا يفطن له
стр. 2737
الراوي الفقيه فينبغي أن ينقل عين اللفظ.
وجوابه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في الخبر ما يدل على أنه لا يجوز النقل بالمعنى، وإن كان فيه ما يدل على أن النقل بالألفاظ المسموعة أولى، ونحن نقول به؛ وهذا لأنه ليس فيه إلا الدعاء على ذلك الفعل وليس ذلك من خصائص الوجوب، بل من خصائص ما يكون فعله أولى سواء يجوز تركه أولا؛ وهذا لأنه ورد مثله حيث لا وجوب كقوله: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" وفي غيره، بل التوعد على الترك من خصائص الوجوب، وعلى الفعل من خصائص التحريم، وليس شيء منه في الخبر، فلا يدل على وجوب التأدية بالألفاظ المسموعة.
وثانيها: أنا وإن سلمنا أنه يدل على المنع منه، لكن فيما يجوز أن تختلف دلالة اللفظين فيه أعني: الأصل، والترجمة؛ لأن تعليله على ما ذكرتم يدل عيه ونحن نقول به، فأما الذي يقطع فيه باتحاد دلالتهما فلا نسلم أنه يدل على المنع منه.
وثالها: أن رواية هذا الخبر بعينه يدل على جواز النقل بالمعنى، لأنه روى: "نضر الله أمرأ" وروى: "رحم الله امرأ" وروي "فرب حمل فقه.
стр. 2738
إلى من هو أفقه منه" وروي "حامل فقه غير فقيه" وروي: "لا فقه له" ومن الظاهر أنه - عيه السلام - ما كرره في مجالس مختلفة بهذه الألفاظ؛ إذ الأصل عدم تكرره منه.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه روى هذا الخبر بألفاظ مختلفة تختلف معانيها، والنقل بالمعنى بمثل هذه الألفاظ لا يجوز وفاقا فالظاهر أن ذلك إنما كان؛ لأن كل واحد من الرواة ظن سماعه منه بتلك العبارة.
ورابعها: أن من أدى تمام معنى كلام ال رجل فإنه يصح أن يقال: أدى كما سمع وإن اختلفت الألفاظ؛ ولذلك يقال: الشاهد والترجمان أديا كما سمعا، وإن كان لفظهما غير لفظ المشهود عليه، وغير لغة المترجم عنه.
وفيه أيضا نظر من حيث أن ذلك يصح لو لم يكن في اللفظ ما يدل على اختصاص النقل بعين اللفظ المسموع وأما الخبر الذي نحن فيه فإنه وجد فيه ما
стр. 2739
يدل عليه وهو التعليل وكون الضمير يرجع إلى المقالة المسموعة.
وثانيها: أن تجويز نقل الخبر بالمعنى قد يؤدي إلى تغيير كلام الرسول تغييرا شديدا، أو بالكلية فوجب أن لا يجوز.
بيانه: أن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى فغايته أن يتحرى تحريا شديدا في طلب ألفاظ ترادف ألفاظ الرسول فإذا وجد ذلك نقله به، فربما كان ذلك اللفظ غير مرادف له وإن كان في اعتقاده أنه مرادف له، وكذلك قد يعتقد الإنسان أن هذه العبارة مرادفة لعبارة أخرى ثم إن غيره يتبين بينهما تفاوتا في المعنى، ولا سبيل له إلى القطع بأنه لا تفاوت بينهما في نفس الأمر بل غايته أنه يقطع بذلك في اعتقاده، فربما كان غير مطابق كما في نفس الأمر، ثم الحال في الراوي الثاني والثالث كالحال في الراوي الأول فيؤدي إلى التغيير الشديد / (١٠٧/أ)، وأما أنه عند هذا لا يجوز النقل بالمعنى فذلك ظاهر.
وجوابه: أنا إنما نجوز له عند عدم احتمال التفاوت بين العبارتين كما إذا روى مكان قوله ﵇: "صبوا عليه ذنوبا من الماء" أريقوا عليه دلوا من الماء، فإنا نقطع أنه لا تفاوت بين العبارتين في المعنى لا سيما بالنسبة إلى الأحكام الشرعية، فأما ما يحتمل أن يتفاوت ويحتاج في معرفة عدم
стр. 2740
التفاوت إلى نظر واجتهاد فذلك مما لا يجوز.
وثالها: أن خبر الرسول مما تعبدنا باتباعه [فلا يجوز تغييره وتبديله كالقرآن، وكلمات الأذان، والتشهد، والتكبير.
وجوابه: أنه إن عنى بقوله: مما تعبدنا باتباعه] أي باتباع لفظه فهذا ممنوع، بل هو أول المسألة.
وإن عنى به: أنه مما تعبدنا باتباع معناه فهذا مسلم، لكن لم يلزم منه اتباع لفظه، وفيما ذكرتم من الصور إنما يجب اتباع اللفظ؛ لكون التعبد ورد باتباع تلك الألفاظ بخصوصيتها لا لما ذكرتم من الجامع، فلا يلزم منه ثبوت ذلك الحكم فيما نحن فيه، إلا إذا بينتم أنه ورد التعبد هنا أيضا باتباع ألفاظ الرسول، وحينئذ تستغنون عن هذا القياس، بل إلحاق الرواية عن الغير بالشهادة على الشهادة أولى، ثم إن الشهادة على الشهادة لا يتعين فيها لفظ الشاهد الأصل فكذا ها هنا.
المسألة التاسعة
الراوي إذا أراد نقل بعض الخبر وترك البعض الآخر، هل يجوز له ذلك أم لا ؟.
والحق فيه أن يقال إن البعض إن كان متعلقا بالبعض لم يجز سواء كان التعلق تعلقا لفظيا كما في الاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية والصفة،
стр. 2741
أو معنوياً كما إذا كان المتعلق مذكورا بجملة مستقلة لا يتعلق المتعلق المذكور في الرواية بها في اللفظ كما في بيان التخصيص والنسخ، وبيان المجمل بجملة مستقلة؛ لأن نقل البعض دون البعض في هذه الصورة تحريف وتغيير للشرع، وموقع للمكلفين في الخطأ والجهل، فوجب أن لا يجوز ولا يعرف خلاف فيها.
وإن لم يكن البعض متعلقا بالبعض لا لفظا ولا معنى.
فمن جوز نقل الخبر بالمعنى جوزه لا محالة.
وأما من لم يجوزه فهؤلاء اختلفوا:
فالأكثرون منهم منعوه؛ للحديث فإنه يقتضي أن تكون التأدية كما سمع، وهو إنما سمع تمام الحديث فوجب أن ينقله بتمامه.
والأقلون جوزوه؛ لأن ذلك إنما كان لمعنى هو غير حاصل فيما نحن فيه فوجب أن يجوز.
المسألة العاشرة
المرسل هل هو مقبول أم لا ؟
اختلفوا فيه: فذهب الشافعي وأكثر أصحابه إلى أنه غير مقبول، وهو
стр. 2742
قول القاضي أبي بكر ﵀.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين وجماهير المعتزلة إلى أنه مقبول.
وفصل بعضهم كعيسى بن أبان، فقال بقبول مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن هو من أئمة النقل دون مراسيل غيرهم.
وصورته: أن يقول من لم يعاصر الرسول وكان ممن تقبل روايته: قال رسول الله ﷺ .
أو قال من لم يعاصر الصحابة: قال أبو هريرة ﵁.
стр. 2743
فأما الصحابي إذا قال: قال رسول الله -، - فهو مقبول لا يتجه فيه خلاف؛ لأنه ظاهر في الرواية عنه ﵇ وبتقدير أن يروي عن غيره من الصحابة فهو غير قادح في قبول روايته؛ لأن الأصل في الصحابة العدالة.
стр. 2744
فأما احتمال روايته عن التابعي الذي يروي عن صحابي آخر، أو عمن لقي الرسول ﵇ من الأعراب الذين لا صحبة لهم لو سلم أنهم ليسوا من الصحابة فمرفوض بالعادة؛ إذ لا يعهد منهم ذلك.
فأما التابعي أو تابع التابعين إذا قال: قال فلان من الصحابة أو التابعين، وكان ممن عاصره ولقيه، وصحبه فهذا ظاهر في الرواية عنه، وهو يوجب قبول روايته فيقبل ظاهرا بناء عليه.
ويحتمل أن يروى عن غيره، وهو يوجب عدم قبول روايته، لكنه مرجوح فلا يقدح في الظاهر، فلو علم أنه لم يرو عنه بل وصل إليه من غيره فهو مرسل مختلف فيه.
احتج أصحابنا بوجهين:
أحدهما: أن عدالة الأصل غير معلومة ها هنا فوجب أن لا تقبل، أما الأول؛ فلأن جهل الذات يستلزم جهل صفته، والعلم بذلك ضروري هو حاصل فيما نحن فيه؛ ضرورة أنه لم يسم المروي عنه، والعدالة صفة من صفاته فيكون الجهل بها حاصلا.
وأما الثاني؛ فلأن العدالة شرط قبول الرواية وفاقا وإن كان معناها مختلفا فيه، والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط فوجب أن لا تقبل.
فإن قيل: ما الذي تعنى بقولك: إن عدالة الأصل غير معلومة؟ إن عنيت به العلم بمعنى القطع فهذا مسلم، لكن بتقدير أن عرفناه بعينه فعدالته غير
стр. 2745
معلومة أيضاً بهذا المعنى.
[وإن عنيت به العلم بمعنى الظن فلا نسلم أن عدالته غير معلومة بهذا المعنى].
قوله: الجهل بالذات يستلزم الجهل بصفته.
قلنا: إن عنيت به أن الجهل لكنه حقيقة الذات يستلزم الجهل بصفته فهذا ممنوع.
وإن عنيت به أن الجهل به من كل الاعتبارات يستلزم الجهل بصفته فهذا مسلم، لكن لا نسلم أن الجهل به من كل الاعتبارات حاصل فيما نحن فيه؛ وهذا / (١٠٨/أ) لأنه معلوم باعتبار أنه مروي عنه؛ فإنه لما قال: قال رسول الله ﷺ وعلمنا قطعا أنه يمتنع أن يوري عنه علمنا أنه وصل إليه من شخص آخر، وإلا لكان كاذبا مفتريا على الرسول وذلك يقدح في قبول روايته، فهو إذن معلوم بهذا الاعتبار، وإذا كان معلوما باعتبار ما لم يستلزم الجهل بصفته، فلم قلتم: إن العلم بها بمعنى الظن غير حاصل فيه؟ وعليكم البيان، لأنكم المستدلون.
ثم إنا نتبرع في هذا المقام ونبين أن العلم بها بمعنى الظن حاصل؛ وذلك لأن نفس رواية العدل عن الشخص إن جعلت تعديلا له فظاهر، وإن لم تجعل تعديلا له وجب أن تكون الرواية على وجه الإرسال تعديلا له؛ وذلك لأن الظاهر من حال العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله ﷺ أن يكون جازما بذلك، أو ظانا، وأنه لو ظن عدم صدوره من الرسول أو شك في ذلك لم يستجز من ينه أن ينقل عنه ﷺ ما ليس له أن ينقل عنه لا سيما بعبارة يفيد ظاهرها الجزم بثبوته عنه ﵇، لما فيه من الكذب والتلبيس على من سمع ذلك منه، ولا يحصل له ذلك إلا إذا حصل له ظن عدالة المروي عنه
стр. 2746
فثبت أن إرساله بنبئ عن اعتقاد عدالته فيكون ذلك تعديلا منه كما في العمل بمقتضى روايته بل هذا أولى؛ لما فيه من الدلالة على الجزم بثبوته عنه ﵇.
وأيضا: فإنه لما قال: قال رسول الله ﷺ فقد وجب على من سمع ذلك منه العمل بمقتضاه، وليس له ذلك إلا إذا علم أو ظن ثبوته منه، فيكون ذلك تعديلا منه فيكون ظن عدالته حاصلا ظاهرا فوجب القبول كما في غيره من الصور.
سلمنا دلالتهما على ما ذكرتم لكنه معارض بالنص، والإجماع، والقياس.
أما النص - فنحو قوله تعالى: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾، ولا يخفى وجه الاستدلال بهما مما سبق.
стр. 2747
وأما الإجماع - فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على رواية المراسيل وقبولها.
روى عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كل ما حدثناكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه غير أنا لا نكذب".
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﵇ أنه قال: "إنما الربا في النسيئة"، فلما روى له سعيد حديثه قال: هذا ما سمعته من الرسول وإنما حدثني به أسامة.
وروى أيضا عنه ﵇ أنه "ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
стр. 2748
فلما روجع فيه قال أخبرني به أخي الفضل بن عباس.
وكانوا يقبلون أخباره مع كثرتها مع أنه لم يسمع أكثرها من الرسول ﵇ لصغر سنه حتى قيل: إنه لم يسمع من رسول الله ﷺ سوى أربعة أحاديث.
وروى أبو هريرة عن النبي ﵇: "من أصبح جنبا فلا صوم له" وقال: ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمد قاله فلما أنكر ذلك عليه قال حدثني به الفضل بن عباس.
стр. 2749
وروى ابن عمر ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط" فلما روجع فيه قال أخبرني به أبو هريرة.
وكذلك التابعون فإنهم كانوا يرسلون الأخبار ويقبلونها:
روي عن الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم النخعي: إذا حدثتني فأسند فقال: "إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله يعني ابن مسعود فهو الذي حدثني عنه، وإذا قلت لك حدثني عبد الله فقد حدثني به جماعة عنه".
стр. 2750
وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يرسل الأخبار، ومراسيله مقبولة عند أكثر من أنكر قبولها.
وكذلك الحسن روي أنه أرسل حديثا فلما روجع فيه قال: "أخبرني به سبعون بدريا".
وكذلك الشعبي وغيرهم من التابعين كانوا يرسلون الأخبار ويقبلونها من غير إنكار فيما بينهم فكان إجماعا.
وأما القياس: فلأنه لو لم يقبل المرسل لما قبل ما يحتمل أن يكون مرسلا، فكان ينبغي إذا قال الراوي، "عن فلان" أن لا يقبل [لاحتمال أنه ما سمعه منه بل وصل إليه بواسطة فكان يجب أن لا يقبل] للجهل بعدالة الراوي.
стр. 2751
الجواب: والذي تعني بقولك: أن عدالة الأصل غير معلومة؟
قلنا: نعني به أنها غير راجحة الوجود في الاعتقاد وهو قدر مشترك بين العلم والظن، وبانتفائه ينتفي العلم والظن.
قوله: ما الذي تعني بقولك: إن الجهل بالذات يستلزم الجهل بالصفة؟
قلنا: نعنى به أن الجهل بالذات من كل الاعتبارات يستلزم الجهل بصفته والعلم بذلك ضروري.
قوله: الجهل بالذات من كل الاعتبارات غير حاصل فيما نحن فيه؛ ضرورة أنه معلوم باعتبار أنه مروي عنه، وإذا كان معلوما باعتبار ما لم يستلزم الجهل بصفته فلم قلتم إن العلم بعدالته غير حاصل؟
قلنا: الجهل بالذات من كل الاعتبارات كان حاصلا من قبل والعلم بذلك جلي لا يمكن إنكاره، ولم يوجد سوى رواية العدل عنه، فهو معلوم باعتبار أنه مروي عنه لا غير، لكن هذا الاعتبار لا يدل على العدالة ولا يشعر بها؛ إذ العدل قد يروى عمن لو سئل عنه توقف فيه أو جرحه، وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه عدلوا مرة، وجرحوه تارة، وقالوا لا ندري / (١٠٩/أ) أخرى، فإذن لا تدل الرواية على عدالة المروي عنه.
وأيضا: لو كانت الرواية تدل على عدالة المروي عنه لوجب أن يكون الراوي مكذبا نفسه إذا جرحه وعد مناقضا لما سبق منه كما إذا عدله ثم جرحه، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الرواية ليس تعديلا منه، بل الراوي ساكت عن تعديله موكل للبحث في ذلك إلى سامعه، ولا يجعل السكوت عن الجرح تعديلا بناء على أنه لو علم فيه جرحا لجرحه وإلا لكان السكوت عن التعديل جرحا؛ بناء على أنه لو علم فيه العدالة لعدله، ولو سلم أن الرواية عنه تعديل له لكن لا نسلم أن مطلق التعديل مقبول بل لا يقبل التعديل عندنا ما لم يذكر
стр. 2752
السبب فلم قلتم أنه مقبول مطلقا؟
ولو سلم قبول مطلق العدالة لكن ذلك في معين لا نعرفه بفسق فأما في غير المعين فلا؛ لاحتمال أنه لو عينه لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل، ولا ينقض.
هذا فيما إذا عينه وعدله؛ لأن هذا الاحتمال مندفع فيه فإنا إنما نرتب العدالة على تعديله أن لو لم نعرفه بفسق بعد التعيين. وقوله: إن إرساله ينبئ عن اعتقاد عدالته فيكون معدلا له بالإرسال.
قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن قوله: قال رسول الله ﷺ يفيد ظاهره الجزم بأن هذا القول قول الرسول ﵇ وهو غير مراد قطعا؛ إذ لا علم بذلك، فيتعين أن يكون المراد منه أني سمعت أنه قال: قال رسول الله ﷺ ، أو أني أظن أنه ﵇ قال بذلك فليسوا بإضمار الثاني أولى منا بإضمار الأول، وحينئذ لم يكن ذلك تعديلا له، لأنه لو صرح بقوله: إني سمعت أنه قال رسول الله ﷺ لم يكن فيه تعديل له، وإضماره لا يزيد على صريحه، وإذا لم يكن أحد الإضمارين أولى من الآخر وجب عدم القبول؛ إذ الأصل عدم ثبوته منه، وعدم القبول إلا إذا وجدت الشرائط وهو ممنوع فيما نحن فيه.
قوله في الوجه الثاني: إنه أوجب على السامع العمل بمقتضاه وليس له ذلك إلا إذا علم أو ظن [ثبوته من الرسول ﵇.
قلنا: لا نسلم إنه أوجب عليه ما ذكرتم] بل بلغ إليهم أنه بلغ إليه ذلك حتى تبحثوا عن صحته فإن صح عملوا به وإلا فلا.
أو نقول: روايته إنما توجب على الغير شيئا، أن لو ثبت كون الراوي
стр. 2753
عدلا، فإذا بينتم كونه عدلا بكون روايته توجب على الغير شيئا لزم الدور وهو ممتنع.
سلمنا صحتهما لكنهما منقوضان بشهادة الفرع، إذا لم يذكر الأصل فإن جميع ما ذكرتم في الوجهين قائم بعينه فيه، مع أنه لا تقبل شهادته إذا لم يذكر الأصل.
وأما الجواب عن المعارضة الأولى: فهو أن الآيتين مخصوصتان بما إذا ذكر شيخه ولم يعدله وبقى مجهولا عندنا، فإنه لم تقبل روايته باتفاق كل من قال من الخصوم أن مجرد الرواية ليس تعديلا له، وإنما حصتا للجهالة وهي في صورة الإرسال أتم؛ لأن فيه جهالة العين والصفة؛ لأن من لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته بخلاف تلك الصورة فإن فيه جهالة الصفة فقط فإذا خصتا في تلك الصورة فلأن يلزم تخصيصهما فيما نحن فيه بالطريق الأولى، وبما إذا لم يذكر شاهد الفرع [شاهد الأصل].
وعن الإجماع: أنا لا نسلم انعقاد الإجماع عليه بل الذي صح إنما هو قبول البعض، فإما قبول الكل أو سكوت الباقين عن ذلك فممنوع؛ وهذا لأنهم باحثوا ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة مع جلالة قدرهم، وعدم الشك والارتياب في عدالتهم ولو كانوا يرون قبوله لم يكن لهذا البحث معنى.
وما يقال: إن المباحثة إنما كانت لطلب زيادة علة لم تكن حاصلة بالإرسال فباطل؛ لأن قوة الظن في الإرسال عندهم أكثر، ولهذا رجحه بعضهم على
стр. 2754
المسند، والأكثرون سووا بينهما، وعلى التقديرين لا يتحقق طلب زيادة العلة فيه.
سلمنا انعقاد الصحابة، لكن لا ننازعكم فيه لما سبق في صدر المسألة، فأما إجماع التابعين على ذلك فممنوع؛ وهذا لأن من الظاهر أنه لا يمكن ادعاء الإجماع القطعي في ذلك؛ لأن المسألة اجتهادية بالاتفاق، ولا قاطع في المسائل الاجتهادية بل لو أمكن فإنما هو ادعاء الإجماع السكوتي، لكن حصوله من التابعين مع تفرقهم في البلاد وعد اطلاع بعضهم على ما صدر من بعضهم بعيد جدا.
سلمنا أنه لا يبعد حصول العلم به، لكن لا نسلم عدم إنكار الباقين وكيف يدعي ذلك مع ما نقل عن ابن سيرين أنه قال: "لا تقبلوا مراسيل الحسن، وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن رويا".
فإن قلت: إن ذلك إنما كان للتهمة.
قلت: فهذه التهمة قائمة في كل إرسال؛ لأنه إذا جاز للعدل أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا مع أن المروي عنه ليس بعدل لم يمكننا أن نستدل بإرساله على عدالته، اللهم إلا إذا عرف من عادته أنه لا يروي إلا عن عدل فنحن لا ننازعكم فيه بل هو عندنا مقبول أيضا كالسند.
سلمنا حصول إجماعهم على قبول إرسالهم فلم قلت: إنه يلزم منه قبول
стр. 2755
إرسال غيرهم؟ ولا يمكن ادعاء عدم الفصل بينهم وبين غيرهم؛ لأن بعض المنكرين قبل مراسيلهم أيضا لما سبق في صدر المسألة، بل قبل بعضهم مراسيل كل من هو من أئمة النقل دون مراسيل غيرهم.
وعن / (١١٠/أ) القياس: أنه ظاهر في الرواية عنه من غير واسطة، فإن من صحب شخصا وأطال صحبته معه إذا قال: "قال فلان" فإنه يفهم منه ظاهرا أنه سمعه منه من غير واسطة فيقبل بناء على الظاهر، ومتى لم يعلم ذلك، أو علم ذلك لكن علم من صريح قوله أنه لم يسمعه منه بل وصل إليه بواسطة لم يقبل حتى تثبت عدالة المروي عنه كما تقدم في صدر المسألة.
وثانيهما: أنا أجمعنا على أن شاهد الفرع إذا لم يذكر الأصل وأرسل الشهادة إرسالا لم تقبل فكذا الرواية، والجامع بينهما: عدم معرفة عدالة الأصل التي هي شرط القبول، والإرسال لو كان دليلا عليها لما اختلفت دلالته بين أن يكون في الرواية وبين أن يكون في الشهادة، بل جعل الإرسال دليلا على التعديل في صورة الشهادة أولى من جعله دليلا عليه في صورة الرواية؛ لأن الشهادة يحتاط فيها ما لا يحتاط في الرواية، وعدالته تقتضي أن
стр. 2756
يكون احتياطه أكثر فيما يكون احتياط الشارع فيه أكثر، فلولا جزمه بعدالته، أو غلبة ظنه بعدالته لما أرسل الشهادة إرسالا كما ذكرتم في الرواية، فلما أرسل دل على أنه جازم، أو ظان ظنا قويا بعدالته فكان يجب القبول كما لو صرح بتعديله ولما لم يقبل علمنا أنه لا دلالة له عليه.
وبهذا يعرف اندفاع ما يقال من الفرق وهو: أن الشهادة تتضمن إثبات الحق على معين، والخبر يتضمن إثبات الحق في الجملة من غير تخصيص لمعين، ويدخل من التهمة في إثبات الحقوق على الأعيان ما لا يدخل في إثباتها في الجملة فجاز أن تؤكد الشهادة بما لا تؤكد به الرواية، كما أكد باعتبار العدد، وعدم العداوة وغيرهما؛ لأن هذا بعينه يدل على أن الإرسال فيه أدل على التعديل كما تقدم على أن هذا معارض بوجه آخر وهو أن الخبر وإن لم يتضمن إثبات الحق على معين، لكن يقتضي إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين إلى يوم القيامة فالاحتياط فيه أجدر من الاحتياط في إثبات الحق على واحد في زمان معين.
فإن قلت: إنما يجب ذكر الأصل لأل تغريمهم عند رجوعهم عن الشهادة؛ فإنا لو لم نعرفهم بأعيانهم لم يكن تغريمهم عند رجوعهم.
قلت: هذا باطل.
أما أولا: فلأن الأصل والغالب عدم الرجوع، فوجب أن لا يجب باعتباره شيء؛ لأن ما يمكن أن يطرأ في شيء مع أن الأصل والغالب عدمه لا يوجب اعتبار أمر فيه بالاستقراء.
وأما ثانيا: فلأن تغريمهم غير ممكن في كل صورة من صور رجوعهم حتى يجب لأجله تعيينهم؛ فإن تغريمهم غير ممكن فيما إذا كان المشهود به حقا من الحقوق التي لا تقابل بالمال، أو وإن كان مالا لكن حيث مات شاهد الأصل ولم يخلف لا درهماً ولا ديناراً.
стр. 2757
وقد احتج على عدم قبول المرسل بوجوه أخر:
أحدها: أنه لو جاز العمل بالمرسل لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم معنى.
وهو ضعيف جدا.
أما أولا: فلأن ذلك طريق الراوي في تحصيل المعرفة بعدالة المروي عنه، فإنه إنما يجوز له أن يرسل إذا غلب على ظنه عدالته وليس كل راو يعرف المروي عنه بالصحبة الطويلة، والخبرة الباطنة حتى يستغني عن البحث عن عدالتهم بذكر اسمه لمن يعرفه بالصحبة والخبرة الباطنة فيرسل الخبر من غير بحث عنه.
وأما ثانيا: فلأن كون الشيء له طريق لا ينفي أن يكون له طريق آخر.
وأما ثالثا: فلأنه إذا ذكر المروي عنه باسمه تمكن المجتهد من البحث عن عدالته، والظن الحاصل له بعدالته من فحصه بنفسه أقوى من الظن الحاصل له بعدالته بإرسال الراوي.
وأما رابعا: فلأن الراوي وإن عرفه بعدالته لكن يحتمل أن يعرفه غيره بفسق فيعينه لئلا يكون ملبسا على من عرفه بفسق.
وثانيها: أن الخبر خبران: تواتر وآحاد، فلو قال الراوي: أخبرني من لا أحصيهم عددا لا يصير بذلك ذلك الخبر متواترا، فكذا في الآحاد لا يصير بقوله: قال رسول الله ﷺ واجب القبول.
وهو أيضاً ضعيف.
стр. 2758
أما أولا: فلأن السامع عند سماع ذلك لا يقطع بصحة ذلك الخبر، والخبر المتواتر هو الذي يقطع السامع بصحته عند سماعه بخلاف خبر الواحد فإنه إذا غلب على الظن صدقه يجب قبوله، وقد يحصل ذلك بإرسال المرسل.
وأما ثانيا: فلأن شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وهو مقصود فيما فرضوه فلا يصير بذلك متواترا.
وثالثها: لو جاز العمل بالمرسل لجاز في عصرنا، والملازمة بينة، فلو قال العدل في زماننا: قال رسول الله ﷺ لجاز لنا أن نعمل به، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
وهو أيضا ضعيف؛ لأنا لا نسلم صحة الملازمة؛ وهذا لأنه إنما لم يقبل في زماننا لغلبة الخلاف، وكثرة الوسائط، وقلة الاحتياط وهي ما كانت حاصلة في العصر الأول.
سلمنا الملازمة لكن لا نسلم بطلان اللازم إذا لم نعلم تكذيب الحفاظ والكتب الصحاح المصنفة في هذا الفن، فأما إذا علم ذلك فإنما لم يعمل به للتكذيب لا للإرسال، فإنه لو أسنده ولم يوجد في صدور الرواة وبطون / (١١١/أ) الكتب المصنفة في هذا الفن لم يقبل أيضاً.
стр. 2759
فروع
الأول: قال الشافعي ﵀: "لا أقبل المرسل إلا إذا كان الذي أرسله مرة، أسنده أخرى، أو أسنده راو آخر، أو أرسله راو آخر ويعلم أن رجال أحدهما غير رجال الآخر، أو عضده قول صحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم، أو علم من عادته أنه لو نص لم ينص إلا على من يجب قبول خبره.
قال: وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأني تتبعتها فوجدتها بهذه الشرائط.
قال: ومن هذا حاله أحببت قبول مراسيله ولا أستطيع أن أقول: إن الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل.
واعترض عليه: أنه لا معنى لقوله: لا أقبل المرسل إلا إذا أسنده هو أو راو آخر؛ لأنه حينئذ قبل المسند لا المرسل، ولأن ما ليس بحجة لا يصير حجة إذا عضدته الحجة.
واعلم أنه إذا أراد الإمام الشافعي ﵁ بقوله: إلا إذا أسنده، هو أو راو آخر إسنادا لا تقوم الحجة به وحده، فهذا الاعتراض ساقط، لكن يتوجه عليه اعتراض آخر وهو: أن ما ليس بحجة لا يصير حجة بانضياف ما ليس بحجة إليه، وهو الإشكال على بقية كلامه وسنجيب عنه.
وإن أراد إسنادا تقوم الحجة به وحده، فهذا الاعتراض متجه وارد على كلامه لا يظهر وجه في اندفاعه.
وأما قوله: لا أقبله إلا إذا أرسله راو آخر يعلم أن رجال أحدهما غير الآخر.
стр. 2760
فالاعتراض عليه: أن ما ليس بحجة لا يصير حجة بانضياف ما ليس بحجة إليه إذا كان المانع من كونه حجة عند الانفراد حاصلا عند الانضياف.
واحترزنا بهذا القيد عن الشاهد الواحد إذا انظم إليه شاهد آخر فإنه يصير حجة؛ لأن المانع من كونه حجة عند الانفراد إنما هو الانفراد، وهو زائل عند الانضمام، وأما ما نحن فيه فليس كذلك بل المانع من كونه حجة وهو الجهل بعدالة المروي عنه قائم حالة انضياف الغير إليه.
وأما قوله: إذا عضده قول صحابي فهذا إن كان تفريعا على أن قول الصحابي حجة توجه عليه الاعتراض الأوف، وإلا فالاعتراض الثاني.
أما قوله: أو فتوى أكثر أهل العلم فيتوجه عليه الاعتراض الثاني؛ لأن فتوى أكثر أهل العلم ليس بحجة بالنسبة إلى المجتهد.
وجوابه: أنا إذا جهلنا عدالة المروي عنه لم يحصل هناك ظن أو وإن حصل لكنه ظن ضعيف، فإذا انضمت إليه هذه الأمور حصل هناك الظن، أو قوى ذلك الظن الضعيف، وحينئذ يجب العمل به، للأدلة الدالة على وجوب العمل بالمظنون، ولا امتناع فيه؛ فإن الشيء قد لا يكون مستقلا بإفادة شيء، ثم إذا انظم إليه غيره أفاد مجموعهما ذلك الشيء كالقرينة الضعيفة لا يتصرف اللفظ عن حقيقته، وإذا انضمت إليها قرينة أخرى ضعيفة فربما يكون مجموعهما يصرفه عنها ونظائرها كثيرة فلا امتناع في أن لا يقبل المرسل وحده، ثم إذا انضم إليه ما تقدم من الأمور أفاد مجموعهما قدرا من الظن المعتبر فيكون المجموع معتبرا وحجة لا أنه يصير ذلك المرسل وحده حجة إذ ذاك فظهر بهذا سقوط السؤال.
стр. 2761
الفرع الثاني: إذا أرسل الحديث وأسند غيره إسنادا تقوم الحجة به فلا شبهة في أنه مقبول سواء قبل المرسل أو لم يقبل؛ لأن إسناد الثقة يوجب القبول إذا لم يوجد مانع منه، وإرسال المرسل غير مانع منه؛ لأنه يجوز أن يكون أرسله؛ لأنه سمعه مرسلا، أو وان سمعه مسندا نسي شيخه وهو يعلم أنه ثقة في الجملة، أو وإن ذكره لكن لقوة ظنه بعدالته وصدقه أرسله ولم يسمه، وهب أنه أرسله مع أنه يرويه عن ضعيف أو يرويه عن فاسق مع علمه بفسقه لكن ذلك يقدح في قبول روايته لا في قبول رواية آخر مع الإسناد الصحيح فثبت أن إرسال غيره لا يقدح في قبول رواية المسند بحال.
فأما إذا أسنده المرسل بعينه فإنه يكون مقبولا أيضا سواء كان مرات إسناده أكثر من مرات إرساله أو أقل خلافا لبعض المحدثين؛ لأنه يجوز أن يوجد فيه بعض ما سبق من الاحتمالات فلا يقدح إرساله في قبول إسناده.
الفرع الثالث: إذا الحق الحديث بالنبي ﵇، وأوقفه غيره على الصحابي فهو متصل؛ لأنه يجوز أن يكون الصحابي رواه عن الرسول ﵇ مرة، وذكر عن نفسه على سبيل الفتوى أخرى، فرواه كل واحد منهما بحسب ما سمعه، أو وان كان كل واحد منهما سمعه أنه يرويه عن الرسول ﵇ لكن نسي أحدهما ذلك وظن أنه ذكره عن نفسه.
فأما إذا أوصله الموقف بعينه فإنه متصل أيضا خلافا لبعض المحدثين؛ لأنه يجوز أن يكون قد سمعه من الصحابي يرويه عن النبي ﵇ مرة وأخرى عن نفسه، أو وإن سمعه في المرتين أنه يصله بالرسول لكن نسي ذلك فظن أنه ذكر في إحداهما عن نفسه هذا كله فيما إذا كان الإرسال
стр. 2762
والإيقاف / (١١٢/أ) ومقابلتهما في أزمنة متقاربة، فأما إذا أرسله أو أوقفه زمانا طويلا، ثم أسنده أو أرسله بعد ذلك فإنه يبعد أن ينسى ذلك الزمان الطويل كله ثم يتذكره فيبعد جعله مسندا ومتصلا اللهم إلا أن يكون له كتاب يرجع إليه فيذكر ما قد نسيه في ذلك الزمان الطويل.
الفرع الرابع: من دابه إرسال الأخبار إذا أسند خبرا، هل يقبل أم لا؟
اختلف فيه: من لم يقبل المراسيل فكثير منهم قبله؛ لأن إرساله يختص بالمراسيل دون المسند فوجب قبوله.
ومنهم من لم يقبله وزعم أن إرساله يدل على أنه إنما لم يذكر الراوي لضعفه فستره له والحالة هذه خيانة فلا يقبل خبره.
وهو ضعيف؛ لأنه يحتمل أنه إنما أرسل فيما أرسل لأنه سمعه مرسلا، أو لقوة ظنه فيها لصدق الرواة، أو لأنه وجد فيها بعض ما سبق من المقويات، أو لأنه آثر الاختصار في الأكثر، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن الحمل على الخيانة.
نعم لو علم ذلك من عادته لم يقبل مرسله وسنده إجماعا.
ثم اختلف من قبل حديث المرسل، إذا أسنده كيف يقبله؟ فقال الشافعي ﵁: "لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه: حدثني أو سمعت فلانا، ولا يقبل إذا أتى بلفظ موهم محتمل لغير السماع منه كأخبرني أو عن فلان" وقال بعض المحدثين: "لا يقبل منه إلا إذا قال: سمعت فلانا" محدثين للمشافهة عندهم، وأخبرني متردد بين المشافهة، والإجازة وبين أن كتب إليه، ولعل هذا اصطلاح منهم، وإلا فمن جهة اللغة لا يظهر هذا الفرق.
стр. 2763
المسألة الحادية عشرة
في التدليس .
إذا روى الراوي الخبر عن رجل يعرف باسم فلم يذكره بذلك الاسم، وذكره باسم آخر لا يعرف به، أو لم يذكره باسم أصلا بل أرسل الخبر إرسالا.
فإن فعل ذلك؛ لأن المروي عنه ليس أهلا للرواية عنه فقد دلس على الناس فلا يقبل حديثه.
стр. 2764
يقبل حديثه.
وإن فعل ذلك لصغر سن المروي عنه، أو لأن المروي عنه مما اختلف في قبول روايته وهو يعتقد قبول روايته كأهل البدع والأهواء فلم يذكره باسمه حتى لا يوقع فيه ويطعن فلا يقدح ذلك في قبول روايته مطلقا، فأما ذلك الخبر هل يقبل أم لا؟
فمن يقول: يكفي في العدالة ظهور الإسلام وعدم الفسق ظاهرا يقبل ذلك الخبر.
ومن لم يقبل بذلك بل يقول: لا بد من الفحص عن حاله واختبار باطنه بعد ظهور إسلامه فإنه يقبله إن قبل المرسل وإلا فلا؛ لأنه لا يتمكن من البحث عن عدالته حيث ذكره باسم لا يعرف به فصار كالمرسل.
стр. 2765
القسم الرابع
"في مسند الراوي وكيفية روايته "
الراوي لا يخلو إما أن يكون صحابيا أو غير صحابي:
فإن كان صحابيا فمراتب روايته سبع:
المرتبة الأولى: أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني بكذا فهو خبر عن الرسول واجب القبول ولا خلاف فيه.
المرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا "فهذا ظاهره النقل عنه من غير واسطة.
وليس نصا فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون وصل إليه بواسطة، وهو حجة على التقديرين على ما ذكرناه في المرسل.
المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: "أمر النبي بكذا، ونهى عن كذا، فهذا نازل منزلة قوله: قال رسول الله ﷺ ، فما يقدح في حجية ذاك قدح في حجية هذا مع زيادة احتمال آخر يتطرق إلى هذا دون ذاك وهو: أن
стр. 2766
ما حكاه ليس لفظ الرسول الذي فيه الحجة بل هو حكاية عنه، واختلاف مذاهب الناس في صيغ الأوامر والنواهي مشهور، فلعله ظن ما ليس بأمر ونهى أمرًا ونهيًا فحكى ما حكى، ومع هذا فالأكثرون على أنه حجة خلافًا لداود الظاهري وبعض المتكلمين.
والصحيح ما عليه الأكثرون؛ لأن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن لا يطلق هذه اللفظة إلا إذا تيقن أن ما صدر منه من الصيغة أمر ونهى من غير خلاف، أو وإن صدر منه صيغة مختلف فيها لكنه علم مراده ﵇ منها، لكونه- ﵇ ضم إليها ما يفيد أن مراده منها الأمر والنهي، وحينئذ يجب أن تكون حجة.
فإن قلت: لا نسلم أنه لا يطلق تلك اللفظة إلا إذا تيقن كون ما صدر منه- ﵇ أمرًا ونهيًا؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون قد أطلق ذلك بناء على الظن الغالب.
لا يقال أنه غير جائز لأنه حينئذ يكون الراوي قد أوجب على الناس ما يجوز أن لا يكون واجبًا عليهم، وهو مما ينافيه ظاهر عدالته؛ لأنا لا نسلم أنه أوجب عليهم حينئذ ما يجوز أن لا يكون واجبًا عليهم؛ وهذا لأنه إنما يلزم أن لو كانت هذه الصيغة حجة] فإثبات كون هذه الصيغة حجة [به دور.
قلت: ما علم أنه لا يجب على المجتهد بل لا يجوز أن يتبع ظن مجتهد
стр. 2767
آخر، فلو أطلق أمر النبي ونهيه الذي هو حجة على جميع الناس/ (١١٣/أ) بناء على الظن الغالب مع أنه ليس بحجة إلا في حقه ومن تابعه من المقلدين لكن ملبسًا ومدلسًا على الناس وهو ما ينافيه ظاهر عدالته فيمتنع حمله عليه ظاهرًا، فوجب حمله على التيقن والتحقق وحينئذ يجب أن يكون حجة.
المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا، وحرم علينا كذا، وأبيح لنا كذا".
فالذي عليه الشافعي- ﵁ وأكثر الأئمة أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي، والموجب والمحرم والمبيح هو الرسول فيكون حجة.
وذهب الصيرفي والكرخي وجماعة من الأصوليين إلى] أن [ذلك متردد بين أمر الله الذى اشتمل عليه الكتاب، وبين أمر الرسول، وبين أمر مجموع الأمة، وبين أمر بعض الأئمة والولاة، وبين أن يكون قد قال ذلك بناء على الاستنباط لقياس أو غيره وأضافه إلى آمر وناهي إما لزعمه أن ذلك الدليل آمر وناهي، أو صاحب الشرع الذى نصب ذلك الذي استنبط منه آمر وناهي بذلك فلا يكون حجة عندهم؛ لأنه دائر بين أن يكون حجة وبين أن لا يكون حجة فلا يكون حجة بمجرد الاحتمال والأصل عدم الحجية.
والصحيح ما ذهب إليه الجماهير ويدل عليه وجهان:
стр. 2768
أحدهما: أن من التزم طاعة رئيس وعد من جملة الممتثلين لأوامره ونواهيه إذا قال: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا" "فهم منه أمر ذلك الرئيس ونهيه؛ ولذلك لو قال واحد من خدم السلطان: أمرنا بكذا فهم] كل أحد [منه أمر السلطان، والصحابي بالنسبة إلى الرسول كذلك الملتزم وزيادة، فوجب أن يفهم من قوله أمرنا بكذا أمر الرسول.
وثانيهما: أن الظاهر من حال الصحابي أنه قصد بذلك أن يعلمنا الشرع لا أنه قصد به مجرد الإخبار عن ذلك، وحينئذ يجب حمله على أمر الرسول؛ لأنه لا يجوز أن يحمل على أمر بعض الأئمة والولاة؛ لأنه لا يستفاد من قولهم الشرع، ولا على ما فهمه من الدليل؛ لأن فهمه ليس بحجة إلا بالنسبة إلى من قلده من العوام، فلا يتحقق به حينئذ تعلم الشرع ولا على أمر مجموع الأمة؛ لأنه من الأمة وهو لا يأمر نفسه، ولا على أمر الله الذي اشتمل عليه الكتاب؛ لأنه ظاهر لكل أحد غير مختص به ومن عداه من الصحابة فلا يستفاد منه، وحينئذ يتعين أن يكون محمولًا على أمر الرسول.
المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي- ﵁: "من السنة كذا" كقول علي- ﵁: "من السنه أن لا يقتل حر بعبد".
стр. 2769
فالذي عليه الأكثرون أنه يفهم منه سنة الرسول فيكون حجة خلافًا للصيرفي والكرخي فإنهما ذهبا إلى أنه متردد بين سنته، وسنة غيره فلا يكون حجة.
والصحيح ما ذهب إليه الأكثرون والدليل عليه ما تقدم من الوجهين.
واحتج الخصم بوجهين:
أحدهما: أن لفظ السنة غير مختص بالرسول بل هو مستعمل في سنته وسنة غيره قال- ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى".
وقال- ﵇: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حجة.
وجوابه: أن المدعى أن السنة إذا أطلقت فهم منها سنة الرسول لا أنها لا تستعمل إلا في سنة الرسول، وما ذكرتم إنما يدل على نفي الثاني لا على
стр. 2770
نفي الأول؛ ضرورة أن السنة فيما ذكرتم من الاستعمال غير مطلقة بل هي مضافة إلى أربابها، ولا بعد في أن يفهم عند إطلاق الشيء ما لا يفهم عند إضافته.
فإن قلت: قد وردت مطلقة والمراد منها غير سنة الرسول كما في أثر علي ﵁ إذ نقل عنه-﵁ أنه قال: "جلد رسول الله- ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة" والمراد منه سنة عمر.
قلت: لا نسلم أن المراد من قوله ما ذكرتم بل هو محمول على سنة الرسول؛ وهذا لأن الزيادة على الأربعين شرعت تعزيرًا لمظنة الافتراء، ولهذا قال علي- ﵁ لما شاوروه في ذلك: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون" ولا شك أن التعزير سنة سنها الرسول-﵇.
وثانيهما: أن السنة مأخوذة من الاستنان وذلك غير مختص بشخص دون شخص، فحيث حصل فيه معنى الاستنان حصلت السنة فيه.
وجوابه: ما سبق.
وأيضًا: فإن صدق المشتق غير لازم لصدق المشتق منه ولو سلم ذلك، لكن يلزم منه صدقه بحسب اللغة لا بحسب العرف] والمدعى اختصاص السنة بالرسول بحسب العرف [عند الإطلاق وما ذكرتم لا ينفيه.
следующие страницы →