Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
ما حكاه ليس لفظ الرسول الذي فيه الحجة بل هو حكاية عنه، واختلاف مذاهب الناس في صيغ الأوامر والنواهي مشهور، فلعله ظن ما ليس بأمر ونهى أمرًا ونهيًا فحكى ما حكى، ومع هذا فالأكثرون على أنه حجة خلافًا لداود الظاهري وبعض المتكلمين.
والصحيح ما عليه الأكثرون؛ لأن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن لا يطلق هذه اللفظة إلا إذا تيقن أن ما صدر منه من الصيغة أمر ونهى من غير خلاف، أو وإن صدر منه صيغة مختلف فيها لكنه علم مراده ﵇ منها، لكونه- ﵇ ضم إليها ما يفيد أن مراده منها الأمر والنهي، وحينئذ يجب أن تكون حجة.
فإن قلت: لا نسلم أنه لا يطلق تلك اللفظة إلا إذا تيقن كون ما صدر منه- ﵇ أمرًا ونهيًا؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون قد أطلق ذلك بناء على الظن الغالب.
لا يقال أنه غير جائز لأنه حينئذ يكون الراوي قد أوجب على الناس ما يجوز أن لا يكون واجبًا عليهم، وهو مما ينافيه ظاهر عدالته؛ لأنا لا نسلم أنه أوجب عليهم حينئذ ما يجوز أن لا يكون واجبًا عليهم؛ وهذا لأنه إنما يلزم أن لو كانت هذه الصيغة حجة] فإثبات كون هذه الصيغة حجة [به دور.
قلت: ما علم أنه لا يجب على المجتهد بل لا يجوز أن يتبع ظن مجتهد
стр. 2767
آخر، فلو أطلق أمر النبي ونهيه الذي هو حجة على جميع الناس/ (١١٣/أ) بناء على الظن الغالب مع أنه ليس بحجة إلا في حقه ومن تابعه من المقلدين لكن ملبسًا ومدلسًا على الناس وهو ما ينافيه ظاهر عدالته فيمتنع حمله عليه ظاهرًا، فوجب حمله على التيقن والتحقق وحينئذ يجب أن يكون حجة.
المرتبة الرابعة: أن يقول الصحابي: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا، وحرم علينا كذا، وأبيح لنا كذا".
فالذي عليه الشافعي- ﵁ وأكثر الأئمة أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي، والموجب والمحرم والمبيح هو الرسول فيكون حجة.
وذهب الصيرفي والكرخي وجماعة من الأصوليين إلى] أن [ذلك متردد بين أمر الله الذى اشتمل عليه الكتاب، وبين أمر الرسول، وبين أمر مجموع الأمة، وبين أمر بعض الأئمة والولاة، وبين أن يكون قد قال ذلك بناء على الاستنباط لقياس أو غيره وأضافه إلى آمر وناهي إما لزعمه أن ذلك الدليل آمر وناهي، أو صاحب الشرع الذى نصب ذلك الذي استنبط منه آمر وناهي بذلك فلا يكون حجة عندهم؛ لأنه دائر بين أن يكون حجة وبين أن لا يكون حجة فلا يكون حجة بمجرد الاحتمال والأصل عدم الحجية.
والصحيح ما ذهب إليه الجماهير ويدل عليه وجهان:
стр. 2768
أحدهما: أن من التزم طاعة رئيس وعد من جملة الممتثلين لأوامره ونواهيه إذا قال: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا" "فهم منه أمر ذلك الرئيس ونهيه؛ ولذلك لو قال واحد من خدم السلطان: أمرنا بكذا فهم] كل أحد [منه أمر السلطان، والصحابي بالنسبة إلى الرسول كذلك الملتزم وزيادة، فوجب أن يفهم من قوله أمرنا بكذا أمر الرسول.
وثانيهما: أن الظاهر من حال الصحابي أنه قصد بذلك أن يعلمنا الشرع لا أنه قصد به مجرد الإخبار عن ذلك، وحينئذ يجب حمله على أمر الرسول؛ لأنه لا يجوز أن يحمل على أمر بعض الأئمة والولاة؛ لأنه لا يستفاد من قولهم الشرع، ولا على ما فهمه من الدليل؛ لأن فهمه ليس بحجة إلا بالنسبة إلى من قلده من العوام، فلا يتحقق به حينئذ تعلم الشرع ولا على أمر مجموع الأمة؛ لأنه من الأمة وهو لا يأمر نفسه، ولا على أمر الله الذي اشتمل عليه الكتاب؛ لأنه ظاهر لكل أحد غير مختص به ومن عداه من الصحابة فلا يستفاد منه، وحينئذ يتعين أن يكون محمولًا على أمر الرسول.
المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي- ﵁: "من السنة كذا" كقول علي- ﵁: "من السنه أن لا يقتل حر بعبد".
стр. 2769
فالذي عليه الأكثرون أنه يفهم منه سنة الرسول فيكون حجة خلافًا للصيرفي والكرخي فإنهما ذهبا إلى أنه متردد بين سنته، وسنة غيره فلا يكون حجة.
والصحيح ما ذهب إليه الأكثرون والدليل عليه ما تقدم من الوجهين.
واحتج الخصم بوجهين:
أحدهما: أن لفظ السنة غير مختص بالرسول بل هو مستعمل في سنته وسنة غيره قال- ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى".
وقال- ﵇: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حجة.
وجوابه: أن المدعى أن السنة إذا أطلقت فهم منها سنة الرسول لا أنها لا تستعمل إلا في سنة الرسول، وما ذكرتم إنما يدل على نفي الثاني لا على
стр. 2770
نفي الأول؛ ضرورة أن السنة فيما ذكرتم من الاستعمال غير مطلقة بل هي مضافة إلى أربابها، ولا بعد في أن يفهم عند إطلاق الشيء ما لا يفهم عند إضافته.
فإن قلت: قد وردت مطلقة والمراد منها غير سنة الرسول كما في أثر علي ﵁ إذ نقل عنه-﵁ أنه قال: "جلد رسول الله- ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة" والمراد منه سنة عمر.
قلت: لا نسلم أن المراد من قوله ما ذكرتم بل هو محمول على سنة الرسول؛ وهذا لأن الزيادة على الأربعين شرعت تعزيرًا لمظنة الافتراء، ولهذا قال علي- ﵁ لما شاوروه في ذلك: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون" ولا شك أن التعزير سنة سنها الرسول-﵇.
وثانيهما: أن السنة مأخوذة من الاستنان وذلك غير مختص بشخص دون شخص، فحيث حصل فيه معنى الاستنان حصلت السنة فيه.
وجوابه: ما سبق.
وأيضًا: فإن صدق المشتق غير لازم لصدق المشتق منه ولو سلم ذلك، لكن يلزم منه صدقه بحسب اللغة لا بحسب العرف] والمدعى اختصاص السنة بالرسول بحسب العرف [عند الإطلاق وما ذكرتم لا ينفيه.
стр. 2771
المرتبة السادسة: أن يقول الصحابي: عن النبي- ﵇، الحق أنه ظاهر أنه سمعه منه- ﵇ فيكون حجة، وبتقدير أن أخبره به غيره من الصحابة فهو أيضًا حجة لما سبق في قوله: قال رسول الله- ﷺ .
ومنهم من ذهب إلى أنه ظاهر في أنه أخبره به إنسان آخر عنه- ﷺ وهو ساقط لما سبق في المرسل.
المرتبة السابعة: أن يقول الصحابي: "كنا/ (١١٤/ أ) نفعل كذا، أو كان يفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا"، كقول عائشة- ﵂: "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه".
فالذي عليه الأكثرون أنه حجة؛ لأن الظاهر من حال الصحابي أنه قصد بذلك أن يعلمنا الشرع، ولم يكن كذلك إلا وقد كانوا يفعلونه في عهد الرسول- ﵇ مع علمه بذلك: ومع أنه- ﵇ ما كان ينكر عليهم.
أو كان ذلك فعل مجموع الأمة؛ لأن فعل البعض منهم ليس حجة، وكونه بحيث يسوغ فيه الاجتهاد، وتجوز مخالفته عن طريق لا ينفي هذا
стр. 2772
الاحتمال؛ لأن الإجماع المروي بطريق الآحاد ظني، ولو فرض تواتره لكنه لم يتعين لهذا الاحتمال بل هو متردد بينه وبين الاحتمال الأول فلذلك لم يكن] ذلك] إجماعًا قطعيًا.
وأما إذا كان الراوي غير صحابي فمراتب روايته أيضًا سبع:
المرتبة الأولى: وهي أعلاها وهي أن يقول الراوي: حدثني فلان، أو أخبرني، أو سمعت فلانًا يقول كذا، أو قال فلان.
وإنما يجوز له ذلك إذا قرأ الشيخ عليه وقصد إسماعه لذلك الخبر إما وحده أو مع غيره، فأما إذا لم يقصد إسماعه لا وحده، ولا مع غيره، فليس له أن يقول: حدثني أو أخبرني؛ لأنه لم يحدثه ولم يخبره فلو قال ذلك لكان كاذبًا فيه، وله أن يقول: سمعته يقول كذا، أو قال فلان كذا أو محدث بذلك أو مخبر بذلك؛ لأنه صادق في ذلك كله، وأما السامع فإنه يلزمه العمل بذلك الخبر سواء قصد إسماعه، أو لم يقصد؛ لأنه غلب على ظنه أنه كلام الرسول، والعمل بالظن واجب، وأما أنه كيف يروي ذلك الخبر فالحال فيه كالحال في الراوي.
المرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فإن غلب على الظن أنه ما سكت إلا لأن الأمر كما قرئ عليه، وإلا كان ينكره فهو كقوله: هذا صحيح
стр. 2773
فيجب العمل به، ويجوز له الرواية خلافًا لبعض أهل الظاهر والمتكلمين.
والمجوزون اختلفوا:
فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز أن يقول إلا قوله: قرأت عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع.
والأكثرون على أنه يجوز له أن يقول معه: أخبرنا أو حدثنا فلان قراءة عليه، فإما أن يقول حدثنا أو أخبرنا فلان مطلقًا من غير أن يقول قراءة عليه فلا.
وجوز الأقلون الكل حتى قوله: سمعته على ما دل عليه نقل الإمام، وكلام غيره يدل على أنه لا خلاف في سمعت.
стр. 2774
وكذا الخلاف فيما إذا قال القارئ للشيخ بعد قراءة الحديث عليه: "أرويه عنك؟ فقال: نعم؛ فإن المتكلمين لم يجوزوا الرواية ها هنا أيضًا ولا يخفى أن الخلاف فيه أبعد من الأول.
احتج الجماهير: بأنه حصل للقارئ غلبة الظن بأن ما قرأه على الشيخ كلام الرسول؛ إذ الكلام مفروض فيه فوجب أن يجب عليه العمل كما لو حدثه هو بذلك، ويجوز له الرواية بقوله: أخبرنا قراءة عليه؛ لأن الإخبار وإن كان حقيقة فيما يفيد الخبر من الألفاظ المسموعة على ما تقدم بيانه في أول هذا الباب وهو غير حاصل فيما نحن فيه، لكن لا نشك في أنه يصح استعماله على وجه التجوز فيما يفيد الخبر والعلم من غير الألفاظ على ما تقدم شواهده من الاستعمال، فإذا قال قرأت عليه صار هذا قرينة لفظية دالة على إرادة المجاز من قوله أخبرني وحدثني فوجب أن تصح روايته بهذا اللفظ؛ لأنه صادق في ذلك لأنه حاصل فيما نحن فيه إذ السكوت أفاده ذلك.
وبهذا يعرف أنه لا يصح أن يقتصر على قوله أخبرني وحدثني، لأنه حينئذ يكون كاذبًا فيه لأنه ما أخبره ولا حدثه بلفظ.
وما يقال: من أن الإخبار في أصل اللغة لإفادة الخبر والعلم وهو حاصل فيما نحن فيه؛ ضرورة أن السكوت أفاده ذلك فممنوع؛ لما تقدم أن الخبر حقيقة في القول المخصوص.
فإن قلت: هب أنه حقيقة في القول المخصوص لكن لم لا يجوز أن يقال: إنه نقل إلى ما يفيد الخبر والعلم سواء كان لفظًا أو لم يكن، أو أنه استعمل
стр. 2775
فيه على وجه التجوز كما ذكرتم ثم غلب استعماله فيه بحيث استغنى عن القرينة كما في سائر المجازات الغالبة؟
قلت: النقل إما عام أو خاص، وكلاهما ممنوعان فيما نحن فيه إذ النقل على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لدلالة وهي ممنوعة الحصول فيما نحن فيه، ثم الذي يدل على أنه النقل غير حاصل هو أنه لا يحصل إلا إذا ثبت اتفاق الكل عليه في العام، واتفاق كل أرباب ذلك الفن في الخاص وهو غير حاصل فيما نحن فيه؛ أما الأول فظاهر وأما الثاني: فلأن جماعة من المحدثين نازعوا في ذلك ومعه لا يتحقق النقل الخاص أيضًا بالنسبة إلى اصطلاحهم جميعًا اللهم إلا أن يكون المدعى اصطلاح جماعة منهم، وحينئذ لا يجوز استعماله مطلقًا فيما بينهم خاصة.
المرتبة الثالثة: أن يقال للراوي بعد قراءة الحديث عليه: هل سمعت هذا الحديث عن فلان؟ فيقول نعم، أو يقول بعد الفراغ من القراءة عليه الأمر كما قرئ علىَّ فهذه المرتبة كالمرتبة الأولى في وجوب العمل به على السامع، وفي أن له أن يقول في روايته ما كان له أن يقول في المرتبة الأولى] من [قوله أخبرني، أو حدثني، أو سمعت فلانًا؛ لأنه لا فرق في الشهادة على البيع بين أن يسمع من البائع أن يقول: بعت، وبين أن يسمع منه بعد قراءة كتاب البيع عليه أن يقول: الأمر كما/ (١١٥/ أ) قرئ عليّ هذا ما دل عليه نقل الإمام، وكلام غيره يدل على أنه لا يجوز أن يقول: سمعته يقول.
وهذه المرتبة أقوى من المرتبة الثانية، وإنما قدمناها عليها لأنها في مقابلة المرتبة الأولى في التقسيم.
المرتبة الرابعة: أن يقال له بعد قراءة الحديث عليه: "هل سمعت هذا
стр. 2776
الخبر؟ "فيشير برأسه، أو بأصبعه، فالإشارة- هاهنا- كالعبارة في وجوب العمل به، ولا يجوز أن يرويه عنه بقوله: حدثني، وأخبرني، وسمعته؛ لأنه ما حدثه ولا أخبره بشيء ولا سمع منه شيئًا، فلو قال ذلك لكان كاذبًا.
وهذا التعليل لا يستقيم على رأي من يزعم أن الإخبار ما يفيد الخبر سواء كان لفظًا أو لم يكن الإشارة أفادته الخبر.
والعجب من الإمام أنه علل في صورة السكوت بأن الإخبار في أصل اللغة لإفادة الخبر والعلم وهذا السكوت قد أفاد فله أن يقول: أخبرني، وحدثني، وفي هذه الصورة علل بما تقدم، وهو متناقض فإن من المعلوم أن الإشارة في إفادة الخبر والعلم كالسكوت بل أبلغ فإن فيه السكوت وزيادة فإذا جاز في تلك الصورة أن يقول: أخبرني، وحدثني فلأن يجوز في هذه الصورة بطريق الأولى.
المرتبة الخامسة: أن يكتب إلى غيره: "بأني سمعت كذا من فلان" فللمكتوب إليه أن يعمل بكتابة، إذا علم أنه كتابه، أو ظن أنه خطة جاز ذلك- أيضًا- لكن ليس له أن يقول: "سمعته أو حدثني؛ لأنه ما سمع وما حدث بلى يجوز له أن يقول: أخبرني؛ لأن من كتب إلى غيره كتابًا يعرفه فيه واقعة جاز له أن يقول: أخبرني.
هذا ما نقله الإمام، وكلام الشيخ الغزالي وغيره يشعر بخلافه؛ فإن كلامه يدل على أنه لو رأى خط الشيخ: بأني سمعت عن فلان كذا فإنه لا
стр. 2777
يجوز أن يروى عنه؛ لأنه روايته شهادة عليه بأنه قال] فلان [والخط لا يعرفه هذا.
نعم يجوز له أن يقول: رأيت مكتوبًا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان؛ فإن الخط أيضًا يشبه الخط، ولو قطع بأنه خطه بأن سمع منه أنه قال: هذا خطي أو بطريق آخر، فإنه مع ذلك لا يجوز له أن يروى عنه مالم يسلطه على الرواية بصريح قوله، أو بقرائن تفيد ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون قد سمعه ثم يتشكك فيه ولا يرى روايته عنه، فإنه ليس كل ما يسمعه الإنسان فإنه يرى نقله عنه ومعه كيف تجوز الرواية عنه.
فإن جعل كونه كتب إليه قرينة دالة على التسليط على الرواية لم يكن بين كلاميهما تناقض وإلا فهو حاصل بينهما قطعًا، ولعل الإمام رأى أن ذلك قرينة في ذلك، وإلا فلا فائدة في أن يكتب إليه ذلك فإن مجرد الإخبار عن ذلك مما لا فائدة فيه، وإذا جاز له الرواية فإنما يقول أخبرني كتابة، أو حدثني كتابة، ولا يجوز أخبرني أو حدثني مطلقًا.
المرتبة السادسة: المناولة، وهي أن يقول: خذ هذا الكتاب وحدث به عني، أو اروه عني فقد سمعته من فلان، أنه يجب على السامع العمل بما فيه، وله أن يروى عنه بقوله: ناولني فلان كذا، أو أخبرني، وحدثني مناولة وفاقا.
وهل يجوز له أن يقتصر على قوله أخبرني أو حدثني؟
стр. 2778
اختلفوا فيه: والأظهر أنه لا يجوز؛ لأنه يشعر بنطق الشيخ بذلك وهو كذب.
ومنهم من جوزه كما فيما إذا قرأ عليه وهو ساكت بل هنا أولى؛ لأنه صدر منه هنا نطق يدل على صحته وعلى جواز الرواية عنه.
فلو قال: خذ هذا الكتاب، أو ناوله بالفعل ولم يقل سمعته فاروه عني فأنه لا يجوز له عنه وفاقًا، ولا يجب عليه العمل] بما فيه. ولو قال: سمعت هذا الكتاب فاروه عني أو حدث به [عني] من غير أن يناوله الكتاب بالفعل [أو يقول: خذ هذا الكتاب فإنه يجوز له الرواية عنه وفاقا، ولا معنى للمناولة فهي زيادة تكلف أحدثها بعض المحدثين.
أما لو قال: سمعت ما في هذا الكتاب سواء كان مع المناولة أو لم يكن معها من غير أن يقول فحدث به عني، أو فاروه عني هل يسلطه على الرواية أم لا؟
فصريح كلام الإمام يدل على أنه يسلطه عليها، وكلام غيره يدل على أنه لا يسلطه عليها وهو الأظهر؛ لأنه يجوز أن يكون قد سمع ثم تشكك، ومعه لا تجوز له الرواية فلا يروى عنه، ولو قال: حدث عني أو ارو عني [ما في الكتاب] ولم يقل له إني قد سمعته، أو ما يجرى مجراه مما تسلط
стр. 2779
على الرواية فليس له أن يروي عنه؛ لأن شرط الرواية السماع أو ما يجري مجراه وهو غير حاصل فيه فلا يجوز لعدم شرطه، وإنما يجوز للشيخ ذلك إذا علم أن النسخة المشار إليها هي النسخة التي سمها بعينها، أو علم موافقتها لها بالمقابلة المتقنة فأما إذا [لم] يعلم ذلك لم يجز له ذلك، فعلى هذا إذا سمع الشيخ نسخة من كتاب البخاري مثلًا فليس له أن يقول النسبة إلى نسخة أخرى منه إلا بالشرط المتقدم، أولًا لأن النسخ تتفاوت، فعلى هذا لا ينبغي أن يروي إلا ما يقطع بسماعه وحفظه وضبطه إلى وقت الأداء بحيث يقطع أن ما أداه هو معنى ما سمعه من غير تفاوت أصلًا، فإن شك في شيء من ذلك لم تجز له الرواية.
فإن قلت: فلو لم يقطع بالسماع، ولا هو متشكك [فيه بمعنى أنه متردد فيه ترددًا على السواء لكن] على ظنه السماع، أو إن كان قاطعًا بالسماع لكن لم يقطع الشيخ الذي سمع منه بل يغلب على ظنه أنه سمعه من معين فهل يجوز له روايته عنه أم لا؟
قلت: اختلفوا فيه:
فمنهم من لم يجوز روايته، ولا العمل به؛ لأنه حكم على المروي عنه بأنه حدثه فلا يجوز مع عدم العلم كما في الشهادة فإنه إذا ظن أن زيدًا أقر أو باع أو نكح وغيرها من/ (١١٦/ أ) التصرفات ولم يقطع به فإنه لا يجوز أن يشهد لعليه بذلك، وهذا إنما يستقيم إذا رواه مسندًا.
فأما إذا رواه مرسلًا فينبغي أن يجوز فيما إذا قطع بالسماع ممن يقبل روايته على رأي من يقبل المرسل منهم.
فإما إذا ظن أصل السماع فلا كما لا يجوز روايته مسندا إذا ظنه سنداً
стр. 2780
عندهم فعلى هذا لو قطع في مائة حديث مثلًا بأن واحدًا منها سمعه من غير الشيخ الذي سمع الباقي منه، لكنه لم يعرفه بعينه فإنه لا يجوز له رواية شيء منها مسندًا لا إلى شيخ الأكثر ولا إلى شيخ ذلك الواحد؛ لأنه ما من واحد منها إلا يحتمل أن يكون سمعه من شيخ الأكثر أو من شيخ ذلك الواحد فلا يجوز أن يسنده إلى واحد بعينه.
ومنهم من جوز الرواية بغلبة الظن والعمل به؛ لأن الاعتماد في هذا الباب إنما هو على غلبة الظن؛ ولهذا فإن الناس كانوا يعملون بكتب رسول الله- ﷺ في أمور الصدقات وغيرها المبعوثة على يد آحاد الصحابة مع أن ما فيه مما لم يسمعه الحامل والمحمول [إليه وما ذاك إلا لحصول غلبة الظن بصدقه، وفي هذه الدلالة] نظر، أما أولًا: فلأنا لا نسلم أن الحامل ما كان سمع ما في الكتاب.
سلمناه لكن يعلم قطعًا أن فيه كلامه فإذا أخبر هو للمحمول إليه بأنه كلام الرسول كان ذلك كسماع ما فيه فلا يكون العمل مجرد ظن السماع بل بالقطع بتحقق ما يجرى مجرى السماع.
وإن كان مظنونا صدقه كما إذا سمع من الشيخ فإنه يقطع بالسماع وإن كان كون صادقًا فيه مظنونا.
وأما ثانيًا: فلأن الدعوى عامة والدليل خاص إذ لا يدل ذلك على جواز الرواية والعمل به معًا بل لو دل فإنما يدل على الثاني دون الأول.
المرتبة السابعة: الإجازة:
وهي أن يقول: "أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو كل ما صح عندك أنه من مسموعاتي".
стр. 2781
واختلفوا في جواز الرواية:
فجوزها الأكثرون.
ومنع منها الأقلون ونسب ذلك إلى أبي حنيفة- ﵁.
ومنهم من فصل فقال: إن كان المجيز والمستجيز كلاهما يعلمان ما في الكتاب من الأحاديث جاز وإلا فلا، وهو اختيار أبي بكر الرازي من الحنفية.
فعلى هذا الإجازة بكل ما ثبت أنه من مسموع الشيوخ لا يجوز؛ ضرورة أنهما لا يعلمان جميع تلك الأحاديث، وإنما يجوز ذلك بالنسبة إلى كتاب معين بشرط أن يعلمان ما فيه من الأحاديث.
واحتج للأولين بإجماع أهل الحديث عليه، وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم حصول الإجماع عليه وكيف ندعي ذلك مع حصول الخلاف فيه من المتقدمين والمتأخرين.
والأولى في ذلك أن يقال: إنه ليس المراد من قول الشيخ أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أنه أجاز له أن يتحدث عنه بما لم يحدثه به؛ لأنه تجويز للكذب وهو خلاف عدالته، والتماسه خلاف عدالة السائل أيضًا، بل المراد منه: أني أحدثك أو أخبرك أني سمعت الكتاب الفلاني، فاروه عني،
стр. 2782
وهذا المفهوم وإن كان غير مستفاد بحسب الوضع اللغوي، لكنه مستفاد منه بحسب الاصطلاح العرفي من حيث إن العادة جارية بأن الثقة لا يجيز لغيره أن يروي إلا ما سمعه وإذا كان كذلك وجب أن يجوز كما إذا قال: سمعت الكتاب الفلاني فاروه عني فإن ذلك جائز وفاقا فكذا هذا. ولقائل أن يقول: فالإجازة العامة من غير تعيين ما أجازه حينئذ ينبغي أن لا تصح؛ لأن قوله: أجزت لك أن تروي عني كل ما صح عندك أنه من مسموعاتي [جار مجرى قوله: سمعت كل ما صح عندك أنه من مسموعاتي] فاروه عني، وهذا لا يصح قبل العلم بذلك الذي صح عنده؛ لأنه جوز أن يصح عنده ما ليس بمسموع له أنه مسموع له فحينئذ يلزم إما كذبه فيما أخبره من أنه سمع كل ما صح عنده أنه سمع، أو يلزم أن ما ليس بمسموع له مسموع له وكلاهما باطلان.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن ما ذكرتم من الاحتمال وإن كان قائمًا فيه لكن مع ذلك يمكن أن يقال: إنه يجوز بناء على الظاهر، فإن الظاهر أنه لا يصح عند ما ليس بمسموع له أنه مسموع له، وقد يصح الشيء بناء على الاحتمال الظاهر، ولا يقدح فيه الاحتمال المرجوح.
واحتج المانعون بوجوه:
أحدها: أنه لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت فائدة الرحلة، والتالي باطل فالمقدم مثله.
وجوابه: منع الملازمة؛ وهذا فإن ما يستفاد من الرحلة من تحدث الشيخ بالحديث، ومن القراءة عليه، واعترافه أن الأمر كما قرئ عليه غير مستفاد من الإجازة.
وثانيها: أنه لا معنى لإجازة الشيخ للرواية عنه؛ لأن الرواية عنه ليست
стр. 2783
حقاً له حتى يتوقف على إجازته بل هو [حق] للشرع، فإن كانت الرواية عند حصول شرائطها جازت سواء أجاز أو لم يجز، ألا ترى أنه لو سمع منه الحديث وهو يتحدث به فإنه يجوز له الرواية عنه وإن منعه عنه، وإن كان عند عدم حصول شرائطها لم تجز الرواية عنه وإن أجازه ألف إجازة كما لو قال: أجزت لك أن تروي عني ما شئت من الأحاديث أو الأحاديث كلها.
وجوابه: أنه يجوز أن يحصل بها شرط من شرائط الرواية فيجوز عندها ولا يجوز عند عدمها، وعدم ما يقوم مقامها وكيف لا وقد بينا أن قوله: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني يتضمن معنى سمعته.
ولا يقال: لو كان صحة الرواية معتمدة على ما تضمنه من معنى السماح لوجب أن تجوز الرواية لو سمع منه قوله: سمعت الكتاب الفلاني؛ لأنا/ (١١٧/ أ) نمنع الملازمة؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون حكم المجموع مخالفًا لحكم أفراده فلا يلزم من جواز الرواية عند السماع والإجازة جوازها عند السماع وحده. ثم السبب في هذا أنه يجوز أن يكون قد سمع لكن لا تجوز الرواية لخلل يعرفه فيها بخلاف ما إذا أجاز فإنه لا يبقى فيه هذا الاحتمال؛ لأن عدالته تمنع من إجازة رواية ما يعرف فيه الخلل.
وثالثها: أنه قادر على أن يحدثه به فحيث لم يحدثه به دل على أنه غير صحيح عنده. وهو ظاهر الفساد غنى عن الإفساد.
ورابعها: أنه لا طريق إلى الرواية عنه، فإنه لم يمكنه أن يقول: حدثنا
стр. 2784
أو أخبرنا، أو سمعت منه؛ لأنه حينئذ يكون كاذبًا إذ لم يسمع منه شيئًا، ولم يخبره بشيء، ولم يحدثه بشيء وإذا لم يكن للرواية عنه طريق وجب أن لا يصح؛ لأن ما لا فائدة فيه وجب نفيه.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يجوز ذلك؛ وهذا لأن بعض المجوزين جوز الرواية بها وقد عرف سنده فيما تقدم.
سلمناه لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون له طريق آخر، وإنما يلزم ذلك لو كانت الطرق منحصرة فيما ذكرتم من الألفاظ وهو ممنوع، ثم أنا نتبين أن لها طريقًا آخر وهو أن يقول: أخبرنا، أو حدثنا إجازة، أو أجازني فلان كذا، ولكن هذا آخر كلامنا في الإخبار.
стр. 2785
النوع الرابع عشر
الكلام في القياس
وهو مرتب على مقدمة وأبواب:
стр. 2786
النوع الرابع عشر
الكلام في القياس
وهو مرتب على مقدمة وأبواب:
أما المقدمة ففيها مسائل:
المسألة الأولى
في تحقيق معنى القياس بحسب اللغة، وبحسب الاصطلاح .
أما بحسب اللغة فهو: عبارة عن التقدير والمساواة، يقال: قست الأرض والثوب، إذا قدرته بالقصبة والذراع، ويقال: قست النعل بالنعل إذا حاذيته.
стр. 2787
ثم من المعلوم أن هذا المفهوم لا يتحقق إلا بين شيئين؛ لأن تقدير الشيء بنفسه محال، فلا بد وأن يكون بشيء آخر، وكذا التسوية لا تعقل إلا بين المفهومين.
وأما بحسب الاصطلاح، فقد ذكر له حدود أكثرها مزيفة نذكر بعضها فإنه لا يخلو من فائدة، ثم نذكر ما هو المختار في ذلك:
فالأول ما قيل: إنه الدليل الموصل إلى الحق.
وهو غير مانع؛ إذ يدخل تحته جميع مدارك الأحكام كالنص والإجماع والبراءة الأصلية.
الثاني: هو العلم الواقع بالمعلوم على نظر.
وهو غير جامع؛ إذ يخرج منه الأقيسة وهي أكثرها.
وغير مانع أيضًا؛ فإنه يندرج تحته ما علم من النظر في دلالة النص، والإجماع، والقرائن الحالية أو المقالية، فإن العلم الواقع بالمعلوم على نظر حاصل في هذه الصور مع أن شيئًا منها ليس بقياس.
سلمنا سلامته عما تقدم لكن العلم الواقع بالمعلوم على نظر ثمرة القياس،
стр. 2788
وثمرة الشيء ليس نفس الشيء.
الثالث: أنه عبارة عن إصابة الحق.
وهو غير مانع؛ لما تقدم، وغير جامع؛ لأنه يخرج منه القياس الفاسد فإن القياس أعم من أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، اللهم إلا أن يعنى به حد الصحيح منه، ثم هو حكم القياس، لا نفسه، ثم هو مشعر بتقدم الحق فلا يستقيم على مذهب المصوبة.
الرابع: أنه عبارة عن بذل الجهد في استخراج الحق.
وهو غير مانع؛ لما تقدم، ولدخول الأدلة العلمية مع أنها ليست بقياس.
وغير جامع أيضًا؛ لأنه يخرج عنه القياس الجلي الذي في غاية الجلاء، والقياس بالطريق الأولى فإنه ليس فيه بذل الجهد مع أنه قياس.
والجهد يبذل في معرفة دليل حكم الأصل، وخلوه عن المعارض ليس بذلًا للجهد في استخراج الحكم حتى يكون باعتباره جامعًا له، وإلا لكان بذل الجهد في معرفة دلائل وجود الصانع، وإثبات النبوة بذلًا للجهد في المسائل الفرعية.
ثم هو غير جامع من وجه آخر وهو أنه لا يتناول القياس الفاسد ثم بذل الجهد لازم للقياس لا نفس القياس.
стр. 2789
الخامس: أنه عبارة عن التشبيه.
وهو غير مانع؛ لأنه يدخل تحته تشبيه شيء بشيء في المقدار، أو في الصفات، كالألوان، والطعوم مع أنه ليس بقياس.
سلمنا سلامته عن هذا لكنه خال عن ذكر أركانه فلا يكون حدًا بل لو صح لكان رسمًا، وهو وارد على كل ما تقدم.
وقال القاضي أبو بكر وارتضاه جمهور المحققين منا أنه: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنه.
стр. 2790
وإنما ذكر لفظ "المعلوم" ليتناول الموجود والمعدوم ممكنًا كان أو ممتنعًا، فإن القياس يجرى فيهما جميعًا.
ولو ذكر لفظ "الشيء" لاختص بالموجود على رأينا وعلى رأي المعتزلة، وإن تناول المعدوم لكن المعدوم الممكن دون الممتنع فيخرج الفرع الممتنع عنه فلم يكن الحد حينئذ جامعًا، فأما المعلوم فإنه يتناول الموجود والمعدوم الممكن والممتنع عند الكل فكان الحد جامعًا.
ولو ذكر لفظ "الفرع والأصل" لكان يوهم اختصاصه بالموجود والتعبير عنهما بالمعلومين أبعد عن الوهم الفاسد.
وإنما احتاج إلى ذكر معلوم آخر؛ لأن القياس عبارة عن التقدير والمساواة، وذلك لا يعقل إلا بين أمرين، ولأنه لولا المعلوم الثاني الذي هو الأصل لكان إثبات الحكم في المعدوم الأول الذي هو الفرع تحكمًا محضًا.
وإنما قال: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ليتناول الحكم الوجودي والعدمي، فإن الحكم المثبت بالقياس قد يكون وجوديًا، وقد يكون عدميًا.
وإنما قال: بأمر جامع؛ لأن القياس لا يتم بدونه؛ فإنه لو لم يكن بين الأصل والفرع جامع لم يكن حمل الفرع عليه أولى من حمله على أصل آخر مضاد له في/ (١١٨/ أ) الحكم أو موافق له فحينئذ يلزم أن يكون حمله على أي أصل فرض تحكمًا محضًا.
стр. 2791
وإنما ذكر من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنه؛ لأن الجامع قد يكون حكمًا شرعيًا، وقد يكون وصفًا حقيقيًا وغيره، وكل واحد منهما قد يكون نفيًا، وقد يكون إثباتًا على ما يأتي شرحه في فصل العلة فيكون متناولًا للكل.
واعترض الإمام عليه بوجوه:
أحدها: أنه إن أراد بقوله: "حمل معلوم على معلوم آخر" إثبات مثل حكم أحدهما للآخر فقوله بعد ذلك: "في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما" إعادة لعين ذلك فيكون تكريرًا من غير فائدة.
وإن أراد غيره فلا بد من إفادة بيانه.
وأيضًا فبتقدير أن يكون المراد منه شيئًا آخر، لكن لا يجوز ذكره في تعريف القياس؛ لأن ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم معلوم لمعلوم بأمر جامع، فلا حاجة إلى ذكر ذلك المفهوم الزائد الخارجي.
وأجيب: بأن المراد من الحمل الاعتبار، وقال بعضهم: التشريك وهما متقاربان.
وقوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بيان تمامه الاعتبار، أو ما فيه التشريك، فإن اعتبار المعلوم بالمعلوم قد يكون من حيث ثبوت الحكم ونفيه، وقد يكون بغيره، وكذلك التشريك قد يكون في الحكم ونفيه، وقد يكون في غيره فهذا تفصيل للاعتبار والتشريك وحينئذ لا يلزم التكرار.
وهذا إنما يدفع السؤال الأول دون الثاني، فإن ماهية القياس تتم بأن يقال:
стр. 2792
إنه عبارة عن إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم بأمر جامع، وحينئذ لا حاجة إلى ذكر الحمل.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنه غير مستغنى عنه؛ ضرورة أنه قدر مشترك بين القياس وغيره فيكون كالجزء الجنسي، وما شأنه ذلك لا يستغنى عن ذكره غايته أن قولنا: إنه عبارة عن إثبات مثل حكم معلوم بمعلوم آخر يتضمنه، أو يستلزمه، لكنه حينئذ يكون مدلولًا عليه بالتضمن أو بالاستلزام فعلى التقدير الأول وإن كان الحد صحيحًا موجزًا لكن لم يعبر عنه بالدلالة المطابقة فإذا عبر عنه بلفظ يخصه كان معبرًا بالدلالة المطابقة فيكون أصرح وحينئذ لم يختل إلا الإيجاز، واختلاله غير مخل بالحد فإن لو أورد مكان الجنس القريب لم يختل به الحد.
وأما على التقدير الثاني فالحد مختل؛ لأنه لا يجوز استعمال الدلالة الالتزامية في الحدود وعلى التقديرين لا يكون ذكر الحمل مخلًا بالحد.
وثانيها: أن قوله: "في إثبات حكم لهما" مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع مثبت بالقياس.
وهو باطل، فإن القياس فرع على ثبوت الحكم في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعًا على القياس لزم الدور.
وجوابه: أنه ظاهر في أن ثبوت الحكم في المجموع من حيث هو المجموع مستند إلى القياس والأمر كذلك؛ ضرورة أن ثبوت الحكم في الفرع بالقياس وبه يثبت الحكم في المجموع من حيث المجموعية لا أن ثبوت الحكم في كل واحد منهما مستند إليه، وإن كان اللفظ مشعرًا بذلك إشعارًا مرجوحًا، فاستعمال مثل هذا اللفظ في الحد لا يخل به لاسيما عند قيام الدلالة على تعين مراده الظاهر، ولو سلم أنه ليس بظاهر فيه بل دلالته على الاحتمالين
стр. 2793
على السواء، لكن لما علم عدم إرادة أحدهما قطعًا تعين أن يكون المراد منه الثاني، واستعمال الألفاظ المشتركة والمتواطئ المجمل إنما يمتنع استعماله في الحد لإخلاله بالفهم من حيث أنه متردد بين معانيه، وهو غير حاصل فيما نحن فيه لتعين أحد الاحتمالين للإرادة لقيام الدلالة على امتناع إرادة الاحتمال الثاني.
وثالثها: أنه كما يثبت الحكم بالقياس فقد تثبت الصفة بالقياس أيضًا، كقولنا: "الله عالم" فيكون له علم قياسًا على الشاهد ولا نزاع في أنه قياس؛ لأن القياس أعم من القياس الشرعي، والقياس العقلي، وإذا كان كذلك فنقول: إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون.
فإن كان الأول- كان قوله: "بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه" مكرر؛ لأن الصفة حينئذ تكون أحد أقسام الحكم فيكون ذكرها بعده تكرارًا.
وإن كان الثاني- كان التعريف ناقصًا؛ لأنه ذكر ما إذا كان المطلوب ثبوت الحكم أو عدمه، ولم يذكر ما إذا كان الطلوب وجود صفة، أو عدمها فهذا التعريف إما زائد أو ناقص.
وجوابه: أنه حد للقياس الشرعي لا لمطلق القياس حتى يرد ما ذكرتم، فالقياس الشرعي قد يكون حكمًا، وقد يكون صفة، ولا يكون المثبت به صفة فكذلك ذكر الصفة في الجامع، ولم يذكرها في قوله: إثبات حكم معلوم بمعلوم.
ورابعها: المعتبر في ماهية القياس الجامع، لا أنواعه وأقسامه بدليل: أن
стр. 2794
ماهية القياس قد تحصل منفكة عن كل واحد منهما بعينه، فلو كان المعتبر في تحققها جميع أقسامها أو واحد منها بعينه لاستحال ذلك.
وأيضًا: لو كان ذلك معتبرًا لوجب ذكر جميع أنواع الحكم والصفة ولم يجز الاقتصار على ذكرهما من غير ذكر أقسامها وأنواعهما واللازم باطل فالملزوم مثله وحينئذ يلزم أن يكون ذكر الحكم والصفة فيه مستدركًا غير محتاج إليه.
وجوابه: أن بيان أقسام الجامع وأنواعه إن كان غير محتاج إليه في حد القياس لكنه غير مفسد له أيضًا بل ليس فيه سوى التطويل لكن لفائدة التفصيل فلا يضر ذكره ولأنه لو (١١٩/ أ) اقتصر على قوله: "بأمر جامع" فربما يعتقد أنه لن يندرج تحته القياس الذي جامعه الحكم وعدمه؛ لأن المتبادر من الجامع على إطلاقه إنما هو الصفة والحاد يرى أنه قياس معمول به فذكر في بيان الجامع الحكم دون الحكمة وأقسامها؛ لأنه ربما لا يرى صحة كون الحكمة جامعًا أو ليس في أقسامهما خلاف عند القائلين بهما وبعدهما، فكان في ذكر الأقسام الأربعة غنية عن البواقي.
وخامسها: أن كلمة "أو" للإبهام، وماهية "كل" متعينة، والإبهام ينافي التعيين.
وجوابه: أن المراد منه أن ما يكون من حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما بأحد هذه الأمور فهو قياس، وهذا لا إبهام فيه.
وما يقال عليه: بأن المعتبر حينئذ ما هو ملزوم هذه الأمور وهو كونه جامعًا من حيث إنه جامع فيكون ذكر هذه الأمور وهو كونه جامعًا من حيث
стр. 2795
أنه جامع فيكون ذكر هذه الزوائد لغوًا، فهو عود إلى السؤال الرابع وقد سبق جوابه، على أنه غير لازم، لجواز أن يكون كل واحد منهما جامعًا على البدلية بخصوصية.
وسادسها: أنه لم يتناول القياس الفاسد، مع أنه قياس فلم يكن الحد جامعًا.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لم يتناول القياس الفاسد؛ وهذا لأنه ليس في قوله "بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة" ما يدل على أن ذلك الجامع جامع في نفس الأمر حتى يلزم ذلك، بل فيه إشعار بأن المراد منه ما يذكره الحامل الجامع، لأن قوله: "بأمر جامع بينهما" متعلق "بحمل معلوم على معلوم" والجامع الذي يتعلق بالحمل هو الذي يذكره الحامل لا الذي هو الجامع في نفس الأمر، وحينئذ يكون متناولًا للقياس الفاسد أيضًا لأن الجامع الذي يكره الحامل قد يكون جامعًا في نفس الأمر وقد لا يكون، وحينئذ يكون متناولًا للقياسين الصحيح والفاسد.
سلمنا أنه لم يتناول الفاسد لكنه حد للقياس الصحيح لا لمطلق القياس فلا يقدح فيه خروجه عنه.
وأورد بعضهم عليه إشكالًا آخر وزعم أنه لا محيص عنه وهو: "أن الحكم في الفرع نفيًا وإثباتًا متفرع على القياس إجماعًا، وليس بركن في القياس لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنًا في الدليل، وإلا لزم الدور وهو ممتنع، فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد القياس أن يكو ركنًا في القياس، وهو دور ممتنع، وقد أخذه في حد القياس حيث قال: "في إثبات
стр. 2796
حكم لهما أو نفيه عنهما "إشارة إلى الفرع والأصل" وهو ضعيف جدًا؛ لأن المأخوذ في حد القياس إنما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه وهو نتيجة القياس لا الإثبات فأنا لا نسلم أنه نتيجته؛ وهذا لأنه لو كان نتيجته لكان إما عين الثبوت وهو باطل بالضرورة؛ فإن الفرق معلوم بالضرورة بين الإثبات والثبوت وذلك يوجب التغاير أو غيره وهو أيضًا باطل؛ لأنه لا يعقل نتيجة القياس سوى ثبوت الحكم في الفرع.
وقال أبو الحسين البصري: "القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد".
ولا يخفى أنه أشد تحريرًا من حد القاضي، فإنه لا يرد عليه أكثر ما أورد عليه.
وأورد عليه إشكالًا وهو: أن قياس العكس قياس في اصطلاح الفقهاء؛ بدليل أنهم يسمونه قياسًا على ما هي عبارتهم شاهدة بذلك في مصنفاتهم، وليس فيه تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم بل فيه تحصيل نقيض الحكم للافتراق في علة الحكم.
مثاله: أن يقول الحنفي في إثبات أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف: [لم يكن شرطًا لها] بالنذر كالصلاة؛ فإنها لما لم تكن شرطًا لصحة
стр. 2797
الاعتكاف لم تكن شرطًا لها بالنذر.
فالمطلوب في الفرع المتنازع فيه إنما هو اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف، والثابت في الأصل إنما هو عدم اشتراط الصلاة لصحة الاعتكاف وقد افترقا في علة الحكم؛ لأن العلة التي لأجلها لم تكن الصلاة شرطًا لصحة الاعتكاف هي أنها لم تكن شرطًا لها بالنذر، وهذه العلة غير حاصلة في الفرع؛ لأن الصوم شرط لصحة الاعتكاف بالنذر إجماعًا.
وحاصل ما أجاب به عنه هو: أنا لا نسلم أنه قياس عندهم بطريقة الحقيقة بل تسميته به بطريق التجوز، وهذا لأن خاصية القياس غير حاصلة فيه، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من المشابهة، ويؤكده: أنه لم يتبادر إلى الفهم من سماع مطلق القياس إلا قياس الطرد دون قياس العكس، والتبادر دليل الحقيقة.
стр. 2798
وأجيب عنه بوجهين آخرين:
أحدهما: وأنا وإن سلمنا أنه حقيقة فيه أيضًا لكنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي، والمحدود إنما هو القياس بمعنى الطرد دون العكس، فلا يضر الحد كونه غير جامع لقياس العكس.
وثانيهما: وهو ما ذكره الإمام: أن القياس الذي سميتموه "بقياس العكس" فهو في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإثبات لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس.
فإنا نقول: لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف لم يصر شرطًا لها بالنذر لكنه يصير شرطًا لها بالنذر فهو شرط لها مطلقًا "فهذا تمسك بنظم التلازم، واللازم على انتفاء الملزوم/ (١٢٠/ أ) ثم إنا نثبت الملازمة بالقياس بأن نقول: أن ما لا يكون شرطًا لصحة الاعتكاف في نفسه لا يكون شرطًا لها بالنذر كما في الصلاة، ولا شك في أن هذا قياس الطرد، لا قياس العكس.
وكذا قياس التلازم أيضًا قياس الطرد غايته أنه على تقدير تحقق الملزوم فلم يكن قياس العكس خارجًا عن الحد.
واعلم أنه ليس في حد أبي الحسين ما يقدح فيه سوى أنه ذكر فيه لفظ الأصل والفرع وقد عرفت ما فيه، وأنه جعله عبارة عن تحصيل حكم الأصل في الفرع وهو محال، فإن حكم الأصل لا يمكن تحصيل عينه في الفرع بل الممكن تحصيل مثله فإذا أزيل عنه ذلك بقي الحد سليمًا عن القوادح.
فالأولى أن يورد هكذا أنه: "تحصيل مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت" وعند هذا لا يبقى فيه خلل ألبتة
стр. 2799
فليكتفى به إذ لا مزيد عليه.
وأما ما ذكره بعض المتأخرين من أنه "عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل".
فقد يرد عليه ما قد عرفت في لفظ الأصل والفرع.
وأنه غير جامع لأنه يخرج عنه القياس على العلة المنصوصة والمومئ إليها مع أن ذلك قياس.
وأنه غير مانع؛ لأنه يدخل فيه الصور التي ساوت الأصل في العلة المستنبطة لكنها اختصت بوجود موانع، أو بفقد شرط من شرائطها مع أنه لا يتحقق فيها القياس، وهذا وإن كان مبنيًا على تخصيص العلة لكن قائله يقول به في الجملة.
وأيضًا فإن القياس عمل المكلف واستواء الأصل والفرع في العلة المستنبطة ليس من عمل المكلف فلم يجز أن يجعل عبارة عن القياس.
стр. 2800
المسألة الثانية
في تعريف الأصل والفرع
اعلم أنا إذا قسنا "الذرة" على "البر" في تحريم بيعه بجنسه متفاضلًا فالاحتمالات الممكنة فيما يمكن أن يجعل أصل القياس في هذه الصورة لا يزيد على أربعة:
أحدها: أن أصل القياس هو "البر" وهو مذهب جماهير الفقهاء.
وثانيها: أن أصل القياس هو حكمه، وهو مذهب جماعة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين.
وثالثها: أن أصل القياس هو النص الدال على ذلك الحكم وهو مذهب جماهير المتكلمين.
ورابعها: أن أصل القياس هو علة ذلك الحكم وهي الطعم مع الجنس في مسألتنا على رأينا، وهذا الاحتمال لا نعرف أحدًا ذهب إليه وإن كان من جملة الأقسام الممكنة في ذلك وبعد هذه الاحتمالات لا يبقى في المسألة احتمال آخر البتة.
وأما الفقهاء فقد احتجوا على صحة مذهبهم بوجهين:
أحدهما: أن الأصل يطلق على الشيء باعتبارين:
أحدهما: كونه بحيث ينبني عليه معرفة غيره فيقال: إنه أصل له سواء كانت معرفته غير مبنية على شيء آخر كمعرفة الله تعالى، فإنها أصل لمعرفة
стр. 2801
الرسول من حيث إن معرفة الرسول [تنبني] على معرفة المرسل مع أنها مستقلة بنفسها غير مبنية على شيء آخر، أو لم يكن كذلك بل معرفته أيضًا مبنية على معرفة شيء آخر كمعرفة الرسول فإنها أصل لمعرفة الشريعة، وليست معرفته مستقلة بنفسها بل هي مبنية على معرفة الله تعالى من جنسه كما تقدم.
وثانيهما: كونه بحيث لا تتوقف معرفته على معرفة شيء آخر من جنسه سواء توقف معرفة غيره من جنسه عليه أم لم يتوقف.
مثال الأول: معرفة تحريم الربا في الأشياء الأربعة فإنه يقال: الأصل في تحريم الربا في المطعومات إنما هو الأشياء الأربعة.
مثال الثاني: تحريم الربا في النقدين، وهذان الاعتباران حاصلان في المحل معًا، فإنه يتوقف معرفة حكمه وحكم غيره على معرفته، ولا يتوقف معرفته على معرفة شيء آخر فكان أصلًا.
وثانيهما: أنه لو لم يكن الأصل هو البر لكان الأصل إما حكمه أو النص الدال عليه لئلا يلزم قول آخر لم يقل به أحد لكنهما باطلان.
أما الأول: فلأن المحل موصوف والحكم صفة له فيكون تابعًا له فيكون تسمية المحل الموصوف به الأصل أولى من تسميته به.
وأما الثاني: فلأنا لو فرضنا كوننا عالمين بحرمة الربا في البر بالضرورة، أو بالدليل العقلي لأمكننا أن نفرع عليه حكم الذرة تفريعًا قياسيًا، ولو فرضنا أن النص دل على الحكم من غير تخصيص بصورة خاصة لم يمكن أن نفرع عليه الحكم تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن ذلك تفريعًا نصيًا.
وإذا كان كذلك لم يكن النص أصلًا للقياس، وإذا بطل هذان القولان
стр. 2802
تعين أن يكون الأصل هو البر.
واعلم أن الأقرب إنما هو قول من قال: إن الأصل هو الحكم؛ لأن النص الدال عليه لا يجوز أن يكون هو الأصل لما تقدم، ولأن النص طريق إلى إثبات الحكم فلو كان النص أصلا ًكذلك لكان قول الراوي أولى أن يكون أصلًا للقياس؛ لأنه طريق إلى ثبوت النص الذي هو طريق إلى الحكم فكان أولى بذلك منه، لكنه باطل بالاتفاق، فكذلك كون النص أصلًا.
ولا يجوز أن يكون الأصل هو البر؛ لأنه لو لم يوجد البر أو وجد لكنه لم يوجد فيه الحكم لم يكن تفريع الحكم عليه، ولو وجد ذلك في غيره لأمكن تفريع القياس عليه، فإذن الحكم المطلوب إثباته في الذرة غير متفرع على البر أصلًا بل على حكمه فلا يكون البر هو أصل القياس بل/ (١٢١/ أ) حكمه.
وبهذا ظهر ضعف الوجه الأول أن ما ذكروه أن معرفة حكم غيره تتوقف على معرفته باطل إن أرادوا به التوقف بالأصالة من غير وساطة شيء آخر، وإن أرادوا به التوقف بطريق التبعية فهو صحيح؛ فإن معرفة حكم غيره تتوقف على معرفة الحكم الحاصل فيه، ومعرفة الحكم الحاصل فيه تتوقف على معرفته، لكن ذلك لا يقتضي أن يكون هو أصل القياس بالذات بل بالعرض، وليس كلامنا فيه بل فيما هو أصل القياس بالذات من غير وساطة شيء آخر، ولو كان البر أصلًا بهذا الاعتبار لكان النص الدال على الحكم أصلًا أيضًا بهذا الاعتبار؛ فإن معرفة ذلك الحكم الذي هو أصل القياس تتوقف على معرفة النص الدال عليه بل تسمية النص أصلًا بهذا الاعتبار أولى من تسمية البر أصلًا؛ لأن توقف الحكم على النص كتوقف المعلول على العلة وتوقفه على البر توقف المشروط على الشرط، ومعلوم أن النوع الأول من التعلق والتوقف
стр. 2803
أقوى وأشد فكان تسميته أصلًا أولى وأنتم لا تقولون به.
ومنه أيضًا ظهر ضعف الوجه الثاني، فإن الحكم الحاصل في البر وإن كان تابعًا للبر والبر أصل له لكن ذلك يقتضي أن لا يكون الحكم أصلًا للقياس فإن الشيء قد يكون تابعًا لشيء ويكون أصلًا لغيره ولا يقتضي أيضًا أن يكون تسميته بالأصل بالنسبة إلى القياس أولى من تسمية حكمه به؛ وهذا لأن حكمه أصل للقياس من غير واسطة وهو أصل له بواسطة حكمه وما يثبت للشيء بغير واسطة يكون هو به أولى من الذي يثبت له بواسطته فيكون الحكم أولى بالأصالة من محله.
ومما تقدم يعرف أن لقول الفقهاء والمتكلمين وجهًا أيضًا، فإنه ظهر أن كل واحد من المحل والنص أصل للحكم الذي هو أصل القياس وأصل الأصل أصل فيكون كل واحد منهما أصلًا بهذا الاعتبار وتسمية المتكلمين النص بالأصل وإن كان أولى من تسمية الفقهاء المحل به للوجه الذي تقدم لكن تسمية الفقهاء المحل بالأصل أولى من وجه آخر وهو أن كل واحد من النص والحكم متوقف على حصول المحل بخلاف حصول المحل فإنه غير متوقف لا على النص ولا على الحكم.
وأما الفرع فهو محل الحكم المتنازع فيه عند الفقهاء، ونفس الحكم فيه عند جماهير المحققين وليت شعري بماذا يفسره المتكلم فإنه إن فسره بأحد التفسيرين المذكورين فإنه يلزم منه ضعف مذهبه؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون الأصل ما يقابله إذ الفرع ما يقابل الأصل ويضاده، وإن فسره بالعلة فضعيف جدًا، لأن العلة أصل الحكم في المحل المتنازع فيه؛ فإنه ما لم يعلم العلة فيه أولًا، ثم يعلم الحكم فيه فهي بمنزلة النص الدال على الحكم في محل الوفاق فكانت أصلًا لا فرعًا وهي ليست فرعًا في محل النص من حيث إنها لا تعلم
стр. 2804
إلا بعد العلم بالحكم فيه فإنه ما لم يعلم الحكم أولًا في محل النص لا يطلب علته ولا يمكن استنباطها ضرورة أنه لا طريق إلى استنباطها حيث لا حكم فإن طرق استنباطها كلها نحو الإيماء، والمناسبة، والدوران، والطرد وغيرها مخصوصة بصورة وجود الحكم لكن لا يمكن جعلها فرعًا بهذا الاعتبار، لأنه يقتضي اجتماع الأصل والفرع في محل واحد وهو باطل وفاقًا فثبت أنه لا يمكن جعل العلة فرعًا لا في محل الوفاق ولا في محل الخلاف بل هي أصل في محل الخلاف، وهذا إنما يتأتى على رأي من يجعل الحكم في محل النزاع فرعًا وهو الصحيح، فأما من يجعل المحل فرعًا فلا؛ لأن العلة ليست أصلًا للمحل بوجه من الوجوه حتى يمكن جعلها أصلًا في الفرع بل هي فرع له لكونها صفة له وهذا يضعف مذهب الفقهاء في أنهم جعلوا المحل فرعًا فإن العلة أصل في الفرع.
ثم أعلم أنا قد ذكرنا أن لما ذهب إليه الفقهاء من تسمية المحل أصلًا وجهًا على تقدير أن يكون الأصل هو الحكم الحاصل في محل الوفاق فذلك الوجه يضعف في تسمية محل الخلاف فرعًا على تقدير أن يكون الفرع هو الحكم الحاصل في محل الخلاف؛ لأن محل الوفاق أصل للحكم الذي هو أصل القياس فيكون أصلًا للأصل فيكون أصلًا، لأن أصل الأصل أصل بخلاف محل الخلاف فإنه أصل الفرع فلا يلزم أن يكون فرعًا؛ لأن أصل الفرع لا يلزمه أن يكون فرعًا فكان تسمية محل الوفاق بالأصل أولى من تسمية محل الخلاف بالفرع.
стр. 2805
وبالجملة النزاع في هذه المسألة آيل إلى اللفظ، والأظهر إنما هو مذهب المحققين لما عرفت، ونحن حيث أطلقنا لفظ الأصل والفرع في هذا الكتاب أردنا منهما ما أراده الفقهاء مساعدة لهم على مصطلحهم لئلا يلزم تغيير المألوف.
следующие страницы →