Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
الرسول من حيث إن معرفة الرسول [تنبني] على معرفة المرسل مع أنها مستقلة بنفسها غير مبنية على شيء آخر، أو لم يكن كذلك بل معرفته أيضًا مبنية على معرفة شيء آخر كمعرفة الرسول فإنها أصل لمعرفة الشريعة، وليست معرفته مستقلة بنفسها بل هي مبنية على معرفة الله تعالى من جنسه كما تقدم.
وثانيهما: كونه بحيث لا تتوقف معرفته على معرفة شيء آخر من جنسه سواء توقف معرفة غيره من جنسه عليه أم لم يتوقف.
مثال الأول: معرفة تحريم الربا في الأشياء الأربعة فإنه يقال: الأصل في تحريم الربا في المطعومات إنما هو الأشياء الأربعة.
مثال الثاني: تحريم الربا في النقدين، وهذان الاعتباران حاصلان في المحل معًا، فإنه يتوقف معرفة حكمه وحكم غيره على معرفته، ولا يتوقف معرفته على معرفة شيء آخر فكان أصلًا.
وثانيهما: أنه لو لم يكن الأصل هو البر لكان الأصل إما حكمه أو النص الدال عليه لئلا يلزم قول آخر لم يقل به أحد لكنهما باطلان.
أما الأول: فلأن المحل موصوف والحكم صفة له فيكون تابعًا له فيكون تسمية المحل الموصوف به الأصل أولى من تسميته به.
وأما الثاني: فلأنا لو فرضنا كوننا عالمين بحرمة الربا في البر بالضرورة، أو بالدليل العقلي لأمكننا أن نفرع عليه حكم الذرة تفريعًا قياسيًا، ولو فرضنا أن النص دل على الحكم من غير تخصيص بصورة خاصة لم يمكن أن نفرع عليه الحكم تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن ذلك تفريعًا نصيًا.
وإذا كان كذلك لم يكن النص أصلًا للقياس، وإذا بطل هذان القولان
стр. 2802
تعين أن يكون الأصل هو البر.
واعلم أن الأقرب إنما هو قول من قال: إن الأصل هو الحكم؛ لأن النص الدال عليه لا يجوز أن يكون هو الأصل لما تقدم، ولأن النص طريق إلى إثبات الحكم فلو كان النص أصلا ًكذلك لكان قول الراوي أولى أن يكون أصلًا للقياس؛ لأنه طريق إلى ثبوت النص الذي هو طريق إلى الحكم فكان أولى بذلك منه، لكنه باطل بالاتفاق، فكذلك كون النص أصلًا.
ولا يجوز أن يكون الأصل هو البر؛ لأنه لو لم يوجد البر أو وجد لكنه لم يوجد فيه الحكم لم يكن تفريع الحكم عليه، ولو وجد ذلك في غيره لأمكن تفريع القياس عليه، فإذن الحكم المطلوب إثباته في الذرة غير متفرع على البر أصلًا بل على حكمه فلا يكون البر هو أصل القياس بل/ (١٢١/ أ) حكمه.
وبهذا ظهر ضعف الوجه الأول أن ما ذكروه أن معرفة حكم غيره تتوقف على معرفته باطل إن أرادوا به التوقف بالأصالة من غير وساطة شيء آخر، وإن أرادوا به التوقف بطريق التبعية فهو صحيح؛ فإن معرفة حكم غيره تتوقف على معرفة الحكم الحاصل فيه، ومعرفة الحكم الحاصل فيه تتوقف على معرفته، لكن ذلك لا يقتضي أن يكون هو أصل القياس بالذات بل بالعرض، وليس كلامنا فيه بل فيما هو أصل القياس بالذات من غير وساطة شيء آخر، ولو كان البر أصلًا بهذا الاعتبار لكان النص الدال على الحكم أصلًا أيضًا بهذا الاعتبار؛ فإن معرفة ذلك الحكم الذي هو أصل القياس تتوقف على معرفة النص الدال عليه بل تسمية النص أصلًا بهذا الاعتبار أولى من تسمية البر أصلًا؛ لأن توقف الحكم على النص كتوقف المعلول على العلة وتوقفه على البر توقف المشروط على الشرط، ومعلوم أن النوع الأول من التعلق والتوقف
стр. 2803
أقوى وأشد فكان تسميته أصلًا أولى وأنتم لا تقولون به.
ومنه أيضًا ظهر ضعف الوجه الثاني، فإن الحكم الحاصل في البر وإن كان تابعًا للبر والبر أصل له لكن ذلك يقتضي أن لا يكون الحكم أصلًا للقياس فإن الشيء قد يكون تابعًا لشيء ويكون أصلًا لغيره ولا يقتضي أيضًا أن يكون تسميته بالأصل بالنسبة إلى القياس أولى من تسمية حكمه به؛ وهذا لأن حكمه أصل للقياس من غير واسطة وهو أصل له بواسطة حكمه وما يثبت للشيء بغير واسطة يكون هو به أولى من الذي يثبت له بواسطته فيكون الحكم أولى بالأصالة من محله.
ومما تقدم يعرف أن لقول الفقهاء والمتكلمين وجهًا أيضًا، فإنه ظهر أن كل واحد من المحل والنص أصل للحكم الذي هو أصل القياس وأصل الأصل أصل فيكون كل واحد منهما أصلًا بهذا الاعتبار وتسمية المتكلمين النص بالأصل وإن كان أولى من تسمية الفقهاء المحل به للوجه الذي تقدم لكن تسمية الفقهاء المحل بالأصل أولى من وجه آخر وهو أن كل واحد من النص والحكم متوقف على حصول المحل بخلاف حصول المحل فإنه غير متوقف لا على النص ولا على الحكم.
وأما الفرع فهو محل الحكم المتنازع فيه عند الفقهاء، ونفس الحكم فيه عند جماهير المحققين وليت شعري بماذا يفسره المتكلم فإنه إن فسره بأحد التفسيرين المذكورين فإنه يلزم منه ضعف مذهبه؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون الأصل ما يقابله إذ الفرع ما يقابل الأصل ويضاده، وإن فسره بالعلة فضعيف جدًا، لأن العلة أصل الحكم في المحل المتنازع فيه؛ فإنه ما لم يعلم العلة فيه أولًا، ثم يعلم الحكم فيه فهي بمنزلة النص الدال على الحكم في محل الوفاق فكانت أصلًا لا فرعًا وهي ليست فرعًا في محل النص من حيث إنها لا تعلم
стр. 2804
إلا بعد العلم بالحكم فيه فإنه ما لم يعلم الحكم أولًا في محل النص لا يطلب علته ولا يمكن استنباطها ضرورة أنه لا طريق إلى استنباطها حيث لا حكم فإن طرق استنباطها كلها نحو الإيماء، والمناسبة، والدوران، والطرد وغيرها مخصوصة بصورة وجود الحكم لكن لا يمكن جعلها فرعًا بهذا الاعتبار، لأنه يقتضي اجتماع الأصل والفرع في محل واحد وهو باطل وفاقًا فثبت أنه لا يمكن جعل العلة فرعًا لا في محل الوفاق ولا في محل الخلاف بل هي أصل في محل الخلاف، وهذا إنما يتأتى على رأي من يجعل الحكم في محل النزاع فرعًا وهو الصحيح، فأما من يجعل المحل فرعًا فلا؛ لأن العلة ليست أصلًا للمحل بوجه من الوجوه حتى يمكن جعلها أصلًا في الفرع بل هي فرع له لكونها صفة له وهذا يضعف مذهب الفقهاء في أنهم جعلوا المحل فرعًا فإن العلة أصل في الفرع.
ثم أعلم أنا قد ذكرنا أن لما ذهب إليه الفقهاء من تسمية المحل أصلًا وجهًا على تقدير أن يكون الأصل هو الحكم الحاصل في محل الوفاق فذلك الوجه يضعف في تسمية محل الخلاف فرعًا على تقدير أن يكون الفرع هو الحكم الحاصل في محل الخلاف؛ لأن محل الوفاق أصل للحكم الذي هو أصل القياس فيكون أصلًا للأصل فيكون أصلًا، لأن أصل الأصل أصل بخلاف محل الخلاف فإنه أصل الفرع فلا يلزم أن يكون فرعًا؛ لأن أصل الفرع لا يلزمه أن يكون فرعًا فكان تسمية محل الوفاق بالأصل أولى من تسمية محل الخلاف بالفرع.
стр. 2805
وبالجملة النزاع في هذه المسألة آيل إلى اللفظ، والأظهر إنما هو مذهب المحققين لما عرفت، ونحن حيث أطلقنا لفظ الأصل والفرع في هذا الكتاب أردنا منهما ما أراده الفقهاء مساعدة لهم على مصطلحهم لئلا يلزم تغيير المألوف.
стр. 2806
المسألة الثالثة
اعلم أنا إذا علمنا أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا، وعلمنا حصول ذلك الوصف مع جميع ما يعتبر في اقتضائه لذلك الحكم في صورة النزاع علمنا حصول مثل ذلك الحكم في صورة النزاع، فهذا النوع من القياس مما لا نزاع فيه بين العقلاء بل الكل أطبقوا على حجيته ووجوب اعتقاد نتيجته والعمل بمقتضاه على من علم ذلك وله أن يفتي به غيره.
فأما/ (١٢٢/ أ) إذا كانت هاتان المقدمتان ظنيتين، أو إحداهما ظنية: كان حصول ذلك الحكم في صورة النزاع ظنيًا لا محالة.
وهذا النوع من القياس لا نزاع في أنه لا يقبل العلم والجزم بالنتيجة بل إن كان ذلك في الأمور الدنيوية فقد اتفقوا على وجوب العمل به كما في الأدوية والأغذية والأسعار.
وأما إذا كان في الأمور الشرعية فقد نقل الإمام أن هذا هو محل الخلاف.
وكلام الشيخ الغزالي يقتضي التفصيل والفرق بينهما إذا كانتا ظنيتين، أو إحداهما ظنية؛ لأنه قال: "الاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم، أو في
стр. 2807
تنقيح مناط الحكم، أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه.
أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فهو النظر في معرفة وجود العلة في الصورة التي يراد إثبات الحكم فيها بعد أن كانت معلومة إما بنص أو إجماع.
أما إذا كانت العلة معلومة بالنص فكالقبلة في وجوب استقبال جهتها فإنه علم كونها علة بقوله تعالى ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وتحققها في جهة معينة عند الاشتباه مظنون يظن ذلك بالنظر والاجتهاد في أماراتها.
ومثله كون المثلية مناط وجوب الجزاء بقتل الصيد، فإنه معلوم بنص الكتاب، وأما تحققها في آحاد الصور الجزئية فمظنون بنوع من المقايسة والاجتهاد.
أما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع فكالقيمة، فإنها مناط وجوب ضمان المتلفات من ذوات القيم فهذا معلوم بالإجماع، وأما تحققها في آحاد العمور الجزئية فمظنون بقول المقومين المبني على الاجتهاد والتخمين.
ونحو العدالة، فإن كونها مناط وجوب قبول الشهادة معلوم بالإجماع وتحققها في كل واحد من الشهود مظنون بالاجتهاد والاختبار.
стр. 2808
وجعل من هذا القسم الاجتهاد في تعيين الإمام والقضاة، وتقدير التعزيريات، وأروش الجنايات، وكل ما علم وجوبه أو جوازه من حيث الجملة، وإنما النظر والاجتهاد في تعيينه وتقديره.
وقال: لا نعرف خلافًا بين الأئمة في جواز هذا النوع من التصرف من المجتهدين وصحة الاحتجاج به، وهذا يدل على أنه إذا كانت المقدمة الأولى أعني كون الحكم معللًا بكذا قطعية، والثانية أعني تحققها في صورة النزاع ظنية فإنه ليس من صور المختلف فيه بين القائسين.
وأما الاجتهاد في تنقيح مناط الحكم، فهو: الاجتهاد والنظر في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحكم به بخلاف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار.
مثاله: أن الشارع أوجب على الأعرابي الذي أفطر في نهار رمضان بالوقاع مع أهله الكفارة، فينظر المجتهد في أن سبب وجوب الكفارة إما
стр. 2809
الوقاع الخاص المحتف بخصوصيات شخصية لا توجد في غيره نحو كونه وقاع ذلك الشخص مع تلك المرأة في ذلك اليوم من رمضان تلك السنة فيحذف كل ذلك عن درجة الاعتبار بأدلة لائحة قطعية، أو الوقاع الخاص المحتف بخصوصيات نوعية، نحو كونه أعرابيًا، وكونه في رمضان مخصوص، وكونه مع المنكوحة فيحذف كل ذلك أيضًا حتى يتعدى الحكم إلى العجمي والتركي وإلى من أفطر في رمضان آخر وإلى من أفطر بالوقاع مع الأمة ومع الأجنبية، وهذا النوع من الحذف أيضًا لائح قطعي، أو مطلق الوقاع كونه وقاعًا أو بعموم كونه إفطارًا حتى لا يتعدى إلى الفطر بالأكل والشرب على الاحتمال الأول، ويتعدى إليه على الاحتمال الثاني.
وهذا النوع من الحذف ظني لا قطعي وهو في محل الخلاف وكل هذا يسمى تنقيح المناط أعني ما إذا كان حذف غيره عن درجة الاعتبار قطعيًا أو ظنيًا، وحاصله يرجع إلى أن تصرف المجتهد فيه إنما هو في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحكم دون استنباطه وتخريجه قال: وقد أقر به أكثر منكري القياس.
وقال أبو حنيفة- ﵁: بجريانه في الحدود والكفارة مع أن القياس لا يجري عنده فيما وسماه استدلالًا فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأهل الظاهر لم يخف فساد كلامهم".
وهذا ظاهر فيما إذا كان حذف ما عداه من الاعتبار قطعيًا، فأما إذا كان ظنيًا فلا؛ إذ لا يظهر بينه وبين القياس المختلف فيه فرق قادح يعول عليه.
وأما الاجتهاد في تخريج المناط، فهو: الاجتهاد والنظر في إثبات أصل علة الحكم الذي دل النص والإجماع عليه من غير تعرض لبيان علته لا بالصراحة ولا الإيماء، نحو تحريم الخمر، وتحريم الربا في البر والشعير،
стр. 2810
فإنه ليس في قوله- ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر ولا الشعير بالشعير إلا سواء بسواء يدًا بيد" ما يدل على أن علة تحريم الربا فيهما الطعام وإن كان قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواًء بسواء" إيماء إليه لكن على هذا لا يتصور قياس مطعوم بمطعوم لاندراج الكل تحت النص، أو الكيل أو الوزن، أو القوت أو صلاحية الادخار، لكن المجتهدين نظروا واجتهدوا في استنباط علته بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها فاستنبطوا علته، وقال كل واحد منهم بعلية مما أدى إليه اجتهاده، وكذلك الخمر فإنه ليس فيما يدل على تحريمها التعرض لعلته لكن استنبطوا علته بالاجتهاد والنظر فمن أدى اجتهاده إلى أن علة حرمتها كونها مسكرة حرم النبيذ، ومن أدى اجتهاده إلى اعتبار أمر آخر معه لم يحرم النبيذ، ضرورة أن ذلك المجموع غير حاصل فيه، وهذا النوع من الاجتهاد هو القياس المختلف فيه بين الناس على ما سيأتي من تفصيله.
وإن كان طريق استنباط العلة السبر والتقسيم الذي يرجع حاصل تنقيح المناط إليه، لكن إذا كان ظنيًا، أما إذا كان قطعيًا فليس هو من قبيل القياس المختلف فيه.
стр. 2811
فالحاصل من كلامه أن المقدمة الأولى إذا كانت قطعية- وهو كون الحكم معللًا بالعلة الفلانية والظن إنما هو في الثانية، فليس هو من قبيل القياس المختلف فيه، وكلام الإمام يقتضي أن الكل في محل الخلاف.
تنبيه
أعلم أنه [إن] أريد تحقيق المناط ما كان المناط معلومًا فيه من غير نظر من المجتهد، وإنما نظر المجتهد فيه في تحققه في الصور التي يراد إثبات الحكم فيها على ما أشعر به ظاهر كلامه فليس نتصور وجوده في تنقيح المناط وتخريجه؛ ضرورة أن للمجتهد نظرًا في نفس المناط فيهما إما بتعيينه أو تخريجه.
وإن أريد به ما يكون النظر في تحققه في الصور التي يراد إثبات الحكم فيها سواء كان المناط معلومًا من غير نظر من المجتهد كما في تحقيق المناط على التفسير الأول.
أو لا يكون معلومًا كذلك بل بالنظر والاستدلال كما في تنقيح المناط، أو مظنونًا كما في تخريج المناط فهو من لوازمهما لا يتم كل واحد منهما بدونه.
وكذلك إن أريد بتنقيح المناط ما يكون السبب معلومًا بالنص، أو بإيمائه، أو إجماع، وإنما نظر المجتهد فيه في تعيينه بحذف غيره من العوارض المختلفة بطريق قطعي فهو أيضًا مباين لهما، وإن أريد به ما يكون النظر فيه في تعيين السبب سواء كان السبب مستنبطًا أو لم يكن وسواء كان الحذف بطريق قطعي أو لم يكن بطريق قطعي فهو لازم لتخريج المناط وتحقيقه على التفسير الثاني، أما تخريج المناط فغير لازم لهما لأن الخاص لا يلزم العام، فهذا تمام الكلام في المقدمة.
стр. 2812
الباب الأول
في بيان أن القياس حجة في الشرعيات
стр. 2813
الباب الأول
في بيان أن القياس حجة في الشرعيات
والمعنى من كون القياس حجة أنه إذا حصل ظن أن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة بأن يغلب على الظن أن الحكم في تلك الصورة معلل بكذا، وغلب على الظن حصوله مع جميع ما يعتبر في اقتضائه الحكم في هذه الصورة فإنه يجب على من يحصل له هذا الظن العمل به في نفسه، وعليه أن يفتي به إذا استفتى فيه. وفيه مسائل:
المسألة الأولى
اعلم أن قبل الخوض في المقصود لا بد من بيان مذاهب الناس فيه، فإن التصديق مسبوق بالتصور، ولنورد المذاهب بتقسيم جامع متردد بين النفي والإثبات فنقول:
التعبد بالقياس إما أن يكون ممتنعًا عقلًا إما على الإطلاق أي بالنسبة إلى الشرائع بأسرها، أو لا على الإطلاق، بل امتناعه عقلًا مخصوص بشرعنا، أو لا يكون ممتنعًا عقلًا، وحينئذ إما أن يكون واجبًا، أو جائزًا.
والأول: مذهب جماعة من الشيعة والمعتزلة كأبي يحيى الإسكافي،
стр. 2814
وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب، على ما حكاه القاضي أبو الطيب عنهم، وأهل الظاهر على ما أشعر به نقل الإمام.
وكلام الغزالي ومن تابعه مشعر بأن مذهب أهل الظاهر إنما هو عدم وقوع التعبد به لا استحالته.
وهؤلاء فرق ثلاثة:
إحداها: الذين قالوا: يمتنع أن يكون القياس طريقًا إلى العلم والظن.
وثانيها: الذين قالوا: يجوز العمل بالظن، لكن زعموا أنه لا يجوز العمل بالظن.
وثالثها: في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، والفتوى والشهادات، لأنها لا نهاية لتلك الصور، وأما ما ليس كذلك فإنه لا يجوز العمل به، وهذه طريقة أهل الظاهر.
стр. 2815
والثاني: مذهب النظام فإنه خص امتناعه في شرعنا.
والثالث: مذهب القفال منا وأبي الحسين البصري من المعتزلة.
والرابع: مذهب جماهير الأعظم من الفقهاء والمتكلمين من السلف والخلف.
وهؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال: لم يقع التعبد به سمعًا.
ومنهم من قال: وقع التعبد به سمعًا.
والأولون اختلفوا:
فمنهم من قال: كما لم يرد السمع بالتعبد به لم يرد بالمنع منه.
ومنهم من قال: بل ورد السمع بالمنع منه.
واتفق الفريقان على أنه لا يجوز العمل به سمعًا لعدم ما يدل على جواز العمل به سمعًا.
стр. 2816
وأما الذين قالوا: وقع التعبد به (فمنهم من قال: وقع التعبد به) مطلقًا أي بجميع أنواع الأقيسة.
ومنهم من لم يقل به، بل بنوع مخصوص كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وما علم عليته أو بإيمائه. وهو اختيار القاشاني والنهرباني.
وأما الذين قالوا بوقوع التعبد به مطلقًا، وهم جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين، فهؤلاء اختلفوا: فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن دلالة الدليل السمعي عليه قطيعة.
وذهب الأقلون إلى أنها ظنية، وهو اختيار أبي الحسين البصري فهذا تمام الكلام في بيان مذاهب الناس.
والمختار إنما هو جواز التعبد به عقلًا لا وجوبه، ووقوعه سمعًا مطلقًا. ولنبين ذلك في مسائل:
стр. 2817
المسألة الثانية
في إثبات جواز التعبد به عقلً ا.
ويدل على وجوه:
أحدها: أنه لو استحال ورود التعبد به، فإما أن يستحيل لذاته وهو باطل وفاقًا؛ لأن الاستحالة الذاتية منحصرة في الجمع بين المتنافيين وارتفاع النقيضين وما يجري مجراهما وما نحن فيه ليس كذلك.
وأما أن يستحيل لغيره وهو أيضًا باطل؛ لأن الشارع إذا صرح به وقال:
مهما غلب على ظنكم أن الحكم في الصورة الفلانية معلل بكذا، وغلب على ظنكم حصوله مع جميع ما يعتبر في اقتضائه الحكم فاعلموا أني أوجبت عليكم العمل به، فإنه لا يلزم منه محال ولا يقبح ذلك منه، والعلم بذلك ضروري، ولو كان مستحيلًا لما كان كذلك، وهذا الوجه ينفي استحالته مطلقًا سواء كان لذاته أو لغيره، ولأن ما يستحيل لغيره كان ممكنًا في نفسه قطعًا، وحينئذ يكون الخصم معترفًا بإمكانه ويدعي استحالته لأمر آخر، والأصل عدم ذلك الغير ولما بطل القسمان بطل أن يكون مستحيلًا.
وثانيها: أنه لو كان مستحيلًا لعرفت استحالته إما بضرورة العقل وهو باطل قطعًا، أو بنظره، وهو أيضًا باطل؛ لما أنه ليس في أدلة القائلين به ما يعول عليه ولم يوجد على استحالته سوى ما يذكرونه وعدم الوجدان وإن لم يدل على عدم الوجود لكنه لا يدل على الوجود أيضًا فلا يجوز إثبات الاستحالة بمجرد الاحتمال.
وثالثها: أن تجويز العمل بالقياس منشأ لمصلحة لا تنشأ من غيره، وهي الثواب الحاصل للمجتهد على الاجتهاد في هذا النوع؛ فإن فيه إتعاب القلب والدماغ بالفكر الذي لا يوجد في غيره من الاجتهادات ضرورة أن المقدمات فيه أكثر، والاستقراء يحققه وإتعابهما بعلمهما المختص بهما لا يتقاعد في
стр. 2818
استحقاق الثواب عن إتعاب البدن بعلمه المختص به بل ذلك أزيد بدرجات عديدة على ما يشهد به ما ورد في فضيلة الفكر، وإذا كان منشأ للمصلحة لاسيما التي لا تحصل من غيره بالعقل لا نحيله بل نجوزه.
ولقائل أن يقول: علته ليس كل ما فيه إتعاب القلب والدماغ بالفكر فيه الثواب بل في إتعابهما بالفكر في أمر هو جائز وقربة، فعلى هذا لا يمكن إثبات كون الفكر في القياس منشأ للمصلحة إلا إذا ثبت أن القياس جائز وقربه، فإثبات كونه جائزًا وقربه به دور فكان العمل به جائزًا.
بيان الأول: أن من غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل بكذا، ثم ظن أن ذلك الوصف مع جميع ما يعتبر في اقتضائه الحكم في صورة أخرى فإنه يغلب على ظنه أن حكم تلك الصورة مثل حكم الصورة الأولى، وعنده مقدمة أخرى يقينية بأن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن ترك العمل بذلك الحكم في تلك الصورة سبب للعقاب فثبت أن العمل بالقياس يفيد دفع الضرر المظنون.
بيان الثاني من وجهين:
أحدهما: أن العقل يقتضي ببديهته أنه لا يمكن الجمع بين النقيضين، ولا يمكن الخروج عنهما بل لا بد من ترجيح أحدهما وفعله، ويقضي أيضًا ببديهته أن ترجيح ما غلب على الظن خلوه عن المضرة على ما ليس كذلك أولى من عكسه فكيف ترجيح ما غلب على الظن اشتماله على النفع على ما غلب على الظن اشتماله على المضرة ولا معنى لكون العمل بالقياس جائزًا عقلًا سوى هذا.
وثانيهما: أن العقل يقضي بجواز فعل ما ليس فيه أمارة المفسدة والمضرة وإن لم يكن فيه أمارة المصلحة والنفع وإلا لما ثبت الجواز العقلي في شيء من الصور، وإذا قضى بالجواز فيما لا مصلحة فيه ولا نفع فلأن يقضى بالجواز
стр. 2819
فيما فيه النفع والمصلحة بالطريق الأولى.
فإن قيل: دليلكم مبني على حصول الظنون وهو ممنوع؛ وهذا لأنه يتوقف على تعليل أفعال الله تعالى والمصالح، وعلى تحقيق القول بالعلة الشرعية، وعلى عدم اختصاص الحكم بمحله، والكلام في هذا سيأتي.
سلمناه لكن متى يجوز العمل به إذا لم يكن هناك طريق يقيني أم مطلقًا؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن العقل لا يسوغ سلوك الطريق الذي لا يؤمن فيه من الخطأ مع التمكن من سلوك الطريق الذي يؤمن فيه من الخطأ، فعلى هذا لا يلزم جواز العمل به إلا إذا بينتم أنه لم يوجد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا قول إمام معصوم ما يدل على ذلك الحكم يقينًا وأنتم ما فعلتم ذلك.
سلمنا عدم الطريق اليقيني لكن متى يجوز العمل به إذا لم يكن هناك طريق آخر أرجح منه في إفادة الظن الغالب أم مطلقًا؟
والأول مسلم لكن لا نسلم حصول هذا الشرط؛ وهذا لأن أكثر البراءة الأصلية طريق إلى معرفة الحكم في الفرع، وهي أقوى دلالة على الحكم من القياس.
والثاني ممنوع؛ وهذا لأن تجويز العمل به إذ ذاك تجويز الاقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما وأنه غير جائز.
سلمنا عدم طريق آخر أقوى منه وصحة دليلكم، لكنه منقوض بما أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بقول العبيد والنسوان والصبيان والمراهقين، والواحد
стр. 2820
العدل والاثنين في الزنا وإن حصل له ظن صدقهم، وبما أنه لا يجوز تصديق مدعي النبوة، وإن حصل ظن صدقه باستقراء صدقه، وبما أنه لا يجوز للمجتهد العمل بالمصالح المرسلة وإن أفادته ظن الحكم وبما أنه لا يجوز للمكلف العمل بالأمارات المميزة المغلبة للظن فيما إذا اختلطت أخته بأجنبيات محصورات، وفيما إذا اختلطت المذبوحة بالميتات، وبما إذا غلب على ظنه صدق مدعي الشيء من غير بينة فإن الظن الغالب قد/ (١٢٤/ أ) يحصل في هذه الصور مع أنه لا يجوز العمل به.
فإن قلت: ما ذكرتم من الظنون يجوز ورود التعبد بها عقلًا أيضًا عندنا، وإنما لم يتعبد بها في تلك الصور؛ لقيام الأدلة القاطعة أو الراجحة على عدم اعتبار تلك الأنواع من الظنون وهو غير حاصل فيما نحن فيه فلم ينتقض الدليل.
قلت: فعلى هذا الظن الناشئ من القياس إنما يعتبر إذا لم يوجد دليل على فساده فيصير عدم ما يدل على فساده جزأ من الدليل، فعليكم أن تبينوا أنه لم يوجد دليل على فساد القياس حتى يتم دليلكم ضرورة أنه لا يتم الدليل إذا أخل بجزئه وأنتم ما فعلتم ذلك ولو حاولتم ذلك لنا تيسر لكم؛ لأن عدم الوجدان لا يدل على العدم ولو تيسر لكم ذلك لاستغنيتم عن الدليل المذكور؛ لأنه يكفي ذلك في جوازه إما لأن ما لا دليل عليه وجب نفيه، أو لأن ما لا دليل عليه وإن لم يجب نفيه لكن لا يجوز إثباته؛ لأن القول بالشيء بلا دليل باطل فيكون القول باستحالته باطل فيلزم الجواز إما وحده أو في ضمن الوجوب.
سلمنا سلامته عن النقض لكنه معارض بوجوه:
стр. 2821
أحدها: وهو حجة من منع من القياس في شرعنا خاصة وهو أن مدار القياس على أن الصورتين إذا تساويًا في المصلحة والحكمة وجب استواؤهما في الحكم، ومهما اختلفتا في ذلك اختلفتا في الحكم وهو مقتضى العقل فإن (العقل) يقضي بالتسوية بين المتماثلات في أحكامها، وبالاختلاف بين المختلفات في أحكامها فيستحيل فيه القياس عقلًا.
أما المقدمة الأولى فبينة.
وأما الثاني فبيانه بصور:
أحدها: أنه لا فرق بين الأزمنة والأمكنة في الشرف والأحكام مع استوائها في الماهية والحقيقة.
وثانيها: أنه أوجب الغسل من بول الصبية، ولم يوجب ذلك من بول الصبي بل أوجب الرش عليه.
وثالثها: أنه أوجب الغسل من المنى مع أنه طاهر، دون الرجيع مع أنه نجس وأنتن منه.
ورابعها: أنه أبطل الصوم بإنزاله عمدًا دون البول والمذي والودي مع أن الكل نجس أو أنجس منه.
وخامسها: جوز القصر في السفر في الصلاة الرباعية دون الثنائية.
وسادسها: أوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أعظم قدرًا من الصوم.
وسابعها: نهانا عن إرسال السبع على مثله، وأقوى منه، ثم أباح إرساله على البهيمة الضعيفة.
стр. 2822
وثامنها: أنه حرم النظر إلى شعور الشوهاء، مع أنها لا تفتن الرجال الشبان البتة وأباح النظر إلى محاسن الأمة الحسناء مع أنها تفتن الشيخ.
وتاسعها: جعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن، والمائة من الجواري الحسان لا يحصن.
وعاشرها: قطع سارق القليل، دون غاصب الكثير مع أنه أولى بالزجر.
وحادي عشرها: جلد بالقذف بالزنا، ولم يجلد بالقذف بالكفر مع أنه أعظم جريمة.
وثاني عشرها: قبل شهادة الاثنين في القتل والكفر، دون الزنا مع أن كل واحد منهما أعظم منه.
وثالث عشرها: جلد قاذف الحر الفاسق، دون قاذف العبد العفيف.
ورابع عشرها: فرق في العدة بين الطلاق والموت، مع أن حال الرحم لا يختلف فيهما.
وخامس عشرها: جعل استبراء الأمة بحيضة واحدة، والحرة المطلقة بثلاث حيض مع أن حال الرحم لا يختلف بالحرية والرقية.
وسادس عشرها: يخرج الريح من موضع الغائط ولم يوجب تطهيره، وأوجب تطهير مواضع أخر بسببه مع أن تطهير ذلك الموضع أولى.
وسابع عشرها: أثبت الفراش في ملك النكاح بمجرده ولم يثبته في ملك اليمين بمجرده بل لا يثبته مع الإقرار بالوطء على رأي البعض مع أنه أقوى منه.
وثامن عشرها: جعل كفارة الظهار الإعتاق، أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا مرتبًا، وجعل كفارة اليمين مخيرًا بين الإعتاق أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز عن ذلك فصيام ثلاثة أيام مع أن هتك حرمة اسم الله أعظم جريمة من العود في الظهار، وأيضًا فإن التخيير بين
стр. 2823
الشيئين يدل على استوائهما في الحكمة والمصلحة، فالتخيير بين الإعتاق والإطعام في كفارة اليمين يدل على استوائهما في المصلحة والحكمة، والترتيب بين الإعتاق وإطعام ستين مسكينًا يدل على رجحان الإعتاق في المصلحة، فإن كان الواقع التفاوت في المصلحة والحكمة فكيف وقع التخيير بينهما؟ وإن كان الواقع التساوي فكيف الترتيب بينه وبين إطعام ستين مسكينًا؟
وكذا سوى في إيجاب الكفارة بين قتل النفس والوطء في نهار رمضان والظهار مع أنه أعظم جريمة منهما وكل ذلك يدل على عدم رعاية المصالح والحكم في الأحكام وهو ينافي تجويز القياس.
وتاسع عشرها: أنه سوى بين قتل الصيد عمدًا وخطأ في إيجاب الضمان، مع أنه في قتله عمدًا إثمًا فكان أولى بتغليظ الإثم عليه.
العشرون: أنه سوى بين جريمة الردة والزنا حيث رتب عليهما القتل بل موجب الزنا أعظم عند بعض العلماء حيث قال: الزاني المحصن يجلد ويرجم مع أن الكفر أعظم جريمة من/ (١٢٥/ أ) الزنا فثبت بهذه الوجوه أن أحكام شرعنا قد تختلف بين المتماثلات، وقد تتفق بين المختلفات وذلك ينافي القول بتجويز القياس فيه عقلًا.
وثانيها: أن البراءة الأصلية معلومة والحكم المثبت بالقياس، إن كان على وفق البراءة الأصلية كان في البراءة الأصلية غنية عنه فلم يكن في إثبات كون القياس حجة فائدة.
وإن كان على خلافها كان القياس حينئذ معارضًا للبراءة الأصلية لكن البراءة الأصلية دليل قاطع، والقياس ليس كذلك بل هو دليل ظني، والظني
стр. 2824
إذا عارض القاطع كان الظني متروكًا غير معمول به فكان العمل بالقياس حينئذ يكون باطلًا، وهذه وما يأتي بعدها حجج من عم المنع في كل الشرائع.
وثالثها: أن القياس في حجيته في الدوام فيما يتمسك به من المسائل يحتاج إلى أن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان عليه وهو ظاهر، وحينئذ نقول: الحكم المثبت بالقياس إن كان نفيًا على وفق استصحاب كان في الاستصحاب غنية عنه، فلم يكن في إثبات حجيته فائدة بل هو عبث، وإن كان إثباتًا على خلاف حكم الاستصحاب لم يجز إثباته بالقياس؛ لأن أصل القياس يقتضي نفيه، وإذا وقع التعارض بين الأصل والفرع كان راجحًا على الفرع.
لا يقال: هذا يقتضي نصب الأدلة المختلفة على مدلول واحد لأنا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأن ما ذكرناه من الدليل لا ينفي نصب الدليلين إذا كانا مستقلين لا يحتاج أحدهما إلى الآخر، بل إنما ينفي نصب دليلين أحدهما مستقل بالإثبات غير محتاج إلى الآخر، والآخر محتاج إليه وهو جزؤه فإن التمسك بالمحتاج تطويل من غير فائدة فكان عبثًا.
ورابعها: أن القياس الشرعي لا يتم حجة إلا إذا ثبت القول بالعلة الشرعية، لكن القول بالعلة الشرعية باطل على ما سيأتي فكان القول بالقياس باطلًا.
وخامسها: أن القياس قبيح فيقبح ورود التعبد به.
بيان المقدمة الأولى: أنه لا يفيد إلا الظن وهو ضد العلم الذي هو حسن وضد الحسن قبيح فيكون الظن قبيحًا، ومستلزم القبيح ومفيده قبيح فيكون القياس قبيحًا.
стр. 2825
بيان الثاني ظاهر.
وسادسها: لو كان القياس حجة لكانت العلة أصلًا للحكم من حيث إنه لا يمكن إثباته إلا بها لكنها فرع الحكم ضرورة أنه لا سبيل إلى الاطلاع عليها واستنباطها إلا بعد العلم بالحكم فلا يكون القياس حجة.
وسابعها: أن القياس لا يفيد إلا الظن، والظن قد يخطئ ويصيب والأمر به لأمر بما لا يؤمن أن يكون خطأ وهو غير جائز على الحكيم.
وثامنها: أن التنصيص على الأحكام الكلية بحيث يندرج تحتها الأحكام الجزئية ممكن للشارع وهو أظهر في باب بيان الحكم من القياس، والعلم بذلك ضروري فالاقتصار على القياس دون النص اقتصار على أدون البيانين مع القدرة على أعلاهما، وهو غير جائز (لأن) في كمال البيان إزاحة عذر المكلف وقطع موانعه ودوافعه فيكون "كاللطف" واللطف واجب على ما تقدم فيكون كمال البيان واجبًا فلم يجز الاقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على الأعلى.
وبهذا القيد خرج الفتوى والشهادة وقيم المتلفات وأروش الجنايات والتمسك بالأمارات في معرفة القبلة والأمراض والأرباح وأمور الأغذية والأدوية؛ لأن التنصيص على أحكام هذه الأمور غير ممكن فلم يكن الاكتفاء فيه بالظن اكتفاء بأدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما.
وتاسعها: أن حكم الشارع عندكم هو خطابه المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير على ما تقدم تعريفه في صدر الكتاب، والفرع مما لم يرد فيه خطاب الله تعالى؛ إذ الكلام في مثل هذا الفرع فإذا لم يخبر الله عن
стр. 2826
حكم الفرع وجب الجزم بعدم الحكم الغير الأصلي فيه؛ لأن انتقاء الحد يوجب انتفاء المحدود.
وعاشرها: أن الحكم في الأصل غير ثابت بالعلة؛ لأن العلة مظنونة والحكم مقطوع والمقطوع لا يثبت بالمظنون، ولأن العلة مستنبطة من الحكم في الأصل ومتفرعة عليه لما سبق أنه لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد العلم بالحكم فلو كانت العلة مثبتة للحكم لزم الدور؛ لأنه حينئذ يصير الحكم فرعًا لها بل بالنص والنص غير حاصل في الفرع فامتنع إثبات ذلك الحكم فيه لانتفاء سببه، ويمتنع إثباته فيه بطريق غير طريق الأصل؛ لأنه حينئذ لم يكن فرعًا له بل هو أصل مستقل ينفسه.
وحادي عشرها: أن رعاية المصالح واجبة على الله تعالى، ولا مصلحة في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا فيه ويحكموا بما لا يتحققون أنه حكم الله تعالى بل يجوز إنه نقيض حكمه تعالى.
وثاني عشرها: أن القول بالقياس يقتضي ثبوت الأحكام الشرعية قبل ورود الشرع وهو باطل عندكم، فالقول بالقياس باطل؛ لأن مستلزم الباطل باطل.
بيان الأول هو: أن المقتضي للحكم هو الوصف المتضمن للحكمة والمصلحة المسمى بالعلة وهو حاصل قبل ورود الشرع فوجب ثبوت الحكم وإلا لزم انفكاك العلة عن المعلول وهو باطل.
وثالث عشرها: أن القياس لا بد له من علة فتلك العلة إما منصوصة، أو مستنبطة.
стр. 2827
فإن كان الأول فنحن ربما نجوز ورود التعبد به بل نقول بوقوع التعبد به.
وإن كان الثاني فيحتمل أن لا تكون تلك المستنبطة علة؛ إما لأن ذلك الحكم غير معلل بعلة أصلًا، أو وإن كان معللًا لكنه بغيرها/ (١٢٦/ أ) ويحتمل أن يكون علة وحينئذ يحتمل أن تكون حاصلة في الفرع ويحتمل أن لا تكون حاصلة فيه، وبتقدير أن تكون حاصلة فيه فيحتمل أنه فقد شرط من شرائطها، أو وجد مانع من موانع حكمها، ويحتمل أن لا يكون كذلك وحينئذ يجوز العمل به لكن وقوع احتمال من خمس احتمالات أغلب على الظن من وقوع احتمال بعينه، فعدم جواز العمل به أغلب على الظن من جواز العمل به وما يكون كذلك لا يجوز ورود التعبد به.
ورابع عشرها: أن تصويب الناظرين فيه يقتضي اجتماع النقيضين وهو ممتنع، وتصويب أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح وهو أيضًا ممتنع، وترجيح أحدهما لا بعينه أيضًا ممتنع؛ ولأن ما لا تعين له لا وجود له فكان العمل بالقياس ممتنعًا؛ لأن ما لا ينفك عن الممتنع فهو ممتنع.
وخامس عشرها: أن تجويز العمل بالقياس يتضمن تجويز الإخبار بالظن الناشئ من الأمارات؛ لأنه إذا استنبط العلة وغلب على ظنه أنها علة الحكم أخبر أنها علة الحكم وأن الحكم متعلق بها لكن ذلك غير جائز، ألا ترى أن من ظن أن إنسانًا في الدار بالأمارات لم يجز له أن يخبر أنه في الدار مالم يقطع بتظاهر الأمارات وتوافرها.
وسادس عشرها: لو جاز عقلًا ورود التعبد بالقياس في فروع الشريعة لجاز في أصولها بجامع ظن المصلحة.
وسابع عشرها: أن أحكام الشرع من العبادات وغيرها ألطاف ومصالح
стр. 2828
وذلك مما لا يهتدى إليه بالأمارات.
وثامن عشرها: لو جاز ورود التعبد بالقياس في حقنا لجاز ورود التعبد به في حق الرسول- ﵇ ولجاز أن يقع به النسخ، واللازم باطل فالملزوم مثله.
وتاسع عشرها: لو جاز أن يعمل بالقياس لجاز أن يعمل به مع وجود النص وحكم العقل عند من يقول منكم أن للعقل حكمًا واللازم باطل إجماعًا فالملزوم مثله.
العشرون: القياس فعل لنا ولاشيء من الأحكام بفعل فلا شيء من القياس بحكم، ومن يرى جواز التعبد به يجعله حكمًا شرعيًا، وقد يورد على وجه آخر وهو أن القياس فعلنا ولا يجوز تعلق المصلحة بفعلنا فلا يجوز تعلق المصلحة بالقياس فلا يجوز ورود التعبد به لخلوه عن المصلحة.
стр. 2829
الجواب
قوله: دليلكم مبني على حصول الظنون.
قلنا: نعم.
قوله: وهو ممنوع.
قلنا: الكلام في ذلك وفيما ذكرتم في سنده ما سيأتي في تلك المحال.
قوله: يجوز العمل به لكن عند عدم التمكن من سلوك الطريق اليقيني.
قلنا: يجوز العمل به مطلقًا أما عند عدم التمكن فلما سلمتم، وأما مع التمكن من سلوك الطريق اليقيني فلوجهين:
أحدهما: أنه إذا حصل له غلبة الظن بخلو أحد الطرفين من النقيضين عن المفسدة فإلى أن يحصل له العلم بذلك الطرف أو بغيره لو لم يجز العمل به لزم إما الخلو عن النقيضين، أو جواز العمل بالمرجوح، أو تكليف ما لا يطاق، واللوازم باطلة فالملزوم مثله.
وثانيهما: أنه لو لم يجز ورود التعبد بالعمل بغلبة الظن مع التمكن من سلوك الطريق اليقيني لم يجز ورود التعبد بالعمل بأخبار الآحاد، والنصوص الظنية مع إمكان النصوص القطعية في متنها ودلالتها، ومع إمكان أن يخلق الله لهم علمًا ضروريًا بالأحكام، وبهما خرج الجواب عن السؤال الثالث.
وأما ما ذكروه في سند المنع من أن العقل يمنع من سلوك الطريق الذي لا يؤمن فيه من الخطأ مع التمكن من سلوك الطريق الآمن.
فالجواب عنه: بعد تسليم الحكم بالفرق بين ما نحن فيه وبين تلك الصورة، وهو [أن] الامتناع من سلوكهما ممكن والخلو عن النقيضين غير ممكن، ولأن العلم بالطريق الآمن حاصل حال العلم بالطريق الذي لا يؤمن فيه من الخطأ بخلاف ما نحن فيه، فإن العلم بأحد الطرفين قد لا يكون
стр. 2830
حاصلًا عند حصول غلبة الظن بأحد الطريقين وإن كان متمكنًا من تحصيل العلم به.
وأما النقوض فالجواب عنها ما سبق، ولا نسلم أن عدم ما يدل على عدم اعتبار الناشئ من القياس جزءًا من الدليل فإنه ليس كل ما يمنع وجوده من مقتضي الدليل كان عدمه جزءًا من الدليل فإن عدم المعارض كذلك وليس هو جزءًا من الدليل بالاتفاق بل هو من قبيل عدم المعارض ولا يلزم المستدل التعرض لبيان عدم المعارض وفاقًا ولو سلم وجوبه كفانا في ذلك التمسك بالعدم الأصلي وبهذا خرج الجواب عن قوله: ولو حاول ذلك لما تيسر لكم ذلك.
وأما قوله: ولو تيسر لكم ذلك لاستغنيتم عن الدليل المذكور فممنوع، وما ذكرتم من الدلالة عليه من الأصلين والأصل الأول ضعيف على ما عرف ضعفه في محله والثاني معارض بمثله ولو منع عدم دلالة الدليل على عدم الجواز بناء على ما سبق من الأدلة لصار هذا الدليل غير مستقل بل هو جزء الدليل.
وعن المعارضة الأولى: أنا لا نسلم أن ما ذكرتم يمنع من جواز ورود التعبد بالقياس في شرعنا فيما وجدت فيه شرائط القياس وارتفاع موانعه وهذا لأن في تلك الصورة إنما لم يجز القياس فيه؛ لأنه لم يوجد فيها شرائط القياس، فإن من جملة شرائط القياس أن يكون الحكم في الأصل معللًا بعلة، وأن تكون تلك العلة حاصلة في الفرع وهي غير حاصلة فيما ذكرتم من/ (١٢٧/ أ) الصور؛ إذ الحكم في أكثر تلك الصور غير معلل بعلة، وإن وجد في بعضها معنى يصلح أن يكون علة لكنه غير معلل به في نظر الشرع، فإنه ليس كل مناسب يظهر للعقل يجب أن يكون الحكم معللًا به في نظر الشرع بل لا يكون معللًا أصلًا، وأما التي يكون الحكم فيها معللًا بعلة فإنما
стр. 2831
لم يثبت الحكم فيما ذكروه من الشبيه؛ لأنه لم توجد تلك العلة فيه كما في وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وكما في وجوب غسل بول الصبية دون الصبي على رأي من يعلل الحكم فيه، أو وإن ثبت تلك العلة فيه لكن وجد فيه معنى آخر أولى بالاعتبار وهو يقتضي تارة عدم ذلك الحكم، وتارة ضد ذلك الحكم كما في جواز إرسال السبع على البهيمة الضعيفة دون مثله من السبع.
وأما حيث جمع بين المختلفات، فإنما جمع ولأن الحكم مضاف إلى المشترك بينهما وإن وجد الفرق بينهما فإنه ليس كل موضع وجد فيه الفرق الصالح لأن يضاف الحكم إلى ذلك المجموع أعني ما به الاشتراك وما به الافتراق أن لا يكون الحكم مضافًا إلى المشترك. نعم ذلك هو الأصل لكن قد يأتي الحكم على خلاف الأصل.
سلمنا حصول شرائط القياس فيها لكن قد يرد الحكم على خلاف القياس وهو غير قادح في القياس فورود تلك الأحكام على خلاف القياس في تلك الصور النادرة بالنسبة إلى ما يجري فيه القياس لا يقدح في جواز ورود التعبد بالقياس في شرعنا.
стр. 2832
وعن الثانية والثالثة: النقض بجواز العمل بالنصوص الظنية في الأمور الدنيوية، ويخص الأول بمنع أن التمسك بالبراءة الأصلية يفيد القطع؛ وهذا لأن استصحاب الحال حجة ظنية لا قطعية.
وعن الرابعة: ما سيأتي من تفسير العلة الشرعية بمفهوم ملخص محصل.
وعن الخامسة: أنه مبني على التحسين والتقبيح وأنه باطل.
سلمناه لكنه منقوض بالأمور المتقدمة، ومعارض بما أنه تعالى، خالق أضداد العلم وفاقًا، فلو كانت قبيحة لما جاز ذلك منه تعالى، لأن عندهم لا يجوز أن يخلق الله تعالى القبيح.
وعن السادسة: أن العلة أصل للحكم لكن في الفرع دون الأصل، وفرعية العلة للحكم في الأصل لا يستلزم نفي أصالتها في الفرع فلا يلزم منه عدم حجية القياس.
стр. 2833
وعن السابعة: أنا لا نسلم إمكان الخطأ فيه؛ وهذا لأن الشارع لما أوجب على المجتهد العمل بما غلب على ظنه كان عمله بظنه الغالب صوابًا قطعًا وإن كان متعلق الظن على خلافه.
سلمناه لكنه منقوض بالأمور المتقدمة.
وعن الثامنة: أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح. وأنها باطلة عندنا.
سلمناه لكن لا نسلم أن اللطف واجب والكلام فيه ما تقدم في الإجماع، لكنه منقوض بالبيان بالنصوص الظنية مع القدرة على التنصيص على وجه لا يتطرق إليه احتمال فإنه اقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما.
وعن التاسعة من وجهين:
أحدهما: النص الذي هو [خبر عن حكم الأصل بطريق المطابقة] خبر عن حكم الفرع بطريق الالتزام.
وثانيهما: أنا لا أعمل بالقياس ما لم يدلنا قاطع من نص أو إجماع على وجوب التعبد به؛ فإن العقل لا يقضي إلا بجواز التعبد به فذلك القاطع مع القياس إخبار عن حكم الفرع.
وعن العاشرة: أن الحكم في الفرع وإن سلم أنه ثابت بطريق غير طريق الأصل، فإن الحكم في الفرع ثابت بالعلة وفي الأصل بالنص أو بالإجماع لكن لا يخرج بسبب هذا عن أن يكون فرعًا؛ وهذا لأن الحكم في الفرع فرع العلة، والعلة فرع الحكم في الأصل، وفرع الفرع فرع، فالفرع فرع الأصل، وإن ثبت حكمه بطريق غير طريق الأصل.
стр. 2834
وعن الحادية عشرة: بمنع المتقدمين، ولو سلمنا فالنقض بما تقدم من الأمور.
وعن الثانية عشرة: أنا لا نقول: إن علل الشرع موجبة للأحكام حتى يلزم ما ذكرتم بل هي بواعث وأمارات، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور؛ لأنه يجوز أن يكون الشيء باعثًا على الشيء في وقت دون وقت، وكذلك يجوز أن يكون الشيء أمارة للشيء في وقت دون وقت.
سلمنا أنها موجبات لكن بجعل الشارع لا بذواتها، وحينئذ لا يلزم أيضًا ما ذكرتم من المجذور.
وعن الثالثة عشر: أن المعنى من كون القياس يجوز أن يكون متعبدًا به هو أن يجوز أن يقول الشارع للمجتهد: مهما غلب على ظنك أن الحكم في الأصل معلل بكذا، وغلب على ظنك حصوله في الفرع بتمامه فأعلم أنك مأمور بأن تثبت الحكم على الفرع وتعمل به، فمهما عمل بذلك عند حصول الظن المذكور كان مصيبًا وآتيًا بما تعبد به سواء كان الظن مطابقًا لمتعلقه، أو لم يكن، وحينئذ لم يكن احتمالات الخطأ فيه متعددة راجحة على احتمالات الصواب، بل احتمال الصواب بحصول هذا الظن، واحتمال الخطأ بانخرامه، وحينئذ لم يكن ما ذكرتم قادحًا في جواز ورود التعبد به؛ لأن ذلك مبني على تعدد احتمالات الخطأ المغلب على الظن وقوعه على وجه الخطأ.
وعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن تصويب الناظرين فيه يقتضب اجتماع النقيضين؛ وهذا لأن من شرط اجتماع النقيضين اتحاد النسبة وهو غير حاصل فيما نحن فيه.
سلمناه لكن لم لا يجوز أن يكون المصيب واحدًا معينًا عند الله تعالى غير معين عندنا وهو/ (١٢٨/ أ) من صادف حكم الله تعالى؟ ولا نسلم أنه يلزم منه الترجيح من غير مرجح.
سلمناه لكنه منقوض بالاجتهاد في النصوص الظنية.
стр. 2835
وعن الخامسة عشرة: منع انتفاء اللازم؛ وهذا فإنه إذا سمع من واحد كون زيد في الدار جاز له الإخبار عن ذلك مع أن قول الواحد لم يفده علمًا وإنما أفاده الظن بذلك، فكذا إذا غلب على ظنه وجوده في الدار بالأمارة نعم لو أخبر عن ذلك على وجه القطع لم يجز لا في صورة السماع ولا في صورة الأمارة.
وعن السادسة عشر: أنا لا نسلم انتفاء اللازم؛ وهذا فإن الجواز العقلي قد يسلمه وإن كان الواقع خلافه.
سلمنا انتفاءه لكن الفرق ظاهر وهو أن المطلوب في الأصول العلم والقياس التمثيلي لا يفيده بخلاف فروع الشريعة، فإن المطلوب فيها الظن وهو يفيده.
وعن السابعة عشرة: بمنع المقدمتين، ثم بالنقض ببعض ما تقدم من الأمور.
وعن الثامنة عشرة: بمنع الملازمة، وما الدليل عليها؟
سلمناها لكن لا نسلم بطلان اللازم الأول؛ وهذا لأن الرسول- ﵇ كان متعبدًا بالاجتهاد عندنا، وكذا بطلان اللازم الثاني بالنسبة إلى الحكم الثابت بالقياس إذا وجدت شرائط النسخ في أحد القياسين.
وأما بالنسبة إلى الحكم الثابت بالنص فإنما لم يجز؛ لأنه لم يوجد شرط قبول القياس، فإن من شرط قبول القياس أن لا يرده النص.
وعن التاسعة عشرة: أنه إن عنى بالنص النص الموافق للقياس فلا نسلم بطلان اللازم؛ فإن القياس عندنا حجة مع النص الموافق له، وإن عنى به
стр. 2836
النص المخالف فنمنع الملازمة وسنده ما تقدم.
وأما من يقول من القائلين بالقياس بأن للعقل حكمًا فليس ذلك بلازم عليه؛ لأنه إنما يقول بذلك ما ليس فيه دليل شرعي، فإذا وجد دليل شرعي على خلاف العقل سقط حكمه عنده.
وعن العشرين: أنا لا نسلم أن القياس فعل لنا؛ وهذا لأنه ليس في القياس من تصرفنا شيء سوى الاستدلال على علية الوصف في الأصل؛ إذ الحكم والوصف والأمارات الدالة على عليته ليس شيء منه من تصرفنا، فإن كانت العلة أيضًا منصوصة سقط هذا القدر من التصرف في الأصل أيضًا وبيان وجوده في الفرع، فإن كان القياس يصير فعلًا لنا بسبب هذا القدر من التصرف وجب أن يكون النص فعلًا لنا، ضرورة أنه لا بد فيه من الاستدلال، وبيان وجه دلالته على المطلوب بل ربما يكون هذا النوع من التصرف أعنى الاستدلال في بعض النصوص أكثر من بعض الأقيسة واللازم باطل فكذا الملزوم.
стр. 2837
المسألة الثالثة
في أنه لا يجب وقوع التعبد بالقياس عقلًا خلافًا للقفال منا وأبي الحسين البصري من المعتزلة.
لنا: أن القول بوجوب التعبد به عقلًا مبني على قاعدة التحسين والتقبيح وقد أبطلناها فبطل ما ينبني عليها.
سلمنا صحتها لكن نقول: نحن لا نجد في العقل ما يدل على وجوب التعبد به فوجب نفيه، أو أن لا يجوز إثباته فمن ادعى ذلك فعليه بيان دليله لينظر هل يدل عليه أم لا.
احتجوا بوجوه:
أحدها: أن أحكام الشرع غير مختص بصورة دون صورة، وبشخص دون شخص إلا على الندور؛ ولهذا كان الأنبياء ﵈ مأمورين بتعميم الحكم في كل صورة والصور لا نهاية لها، فلا يمكن التنصيص عليها لعدم إحاطة العلم بها، ولعدم إحاطة النصوص بها، فيجب أن يكون لهم طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، وليس إلا القياس.
وجوابه: منع عدم إمكان التنصيص على ما لا نهاية له باعتبار أمر واحد شامل له نحو أن يقول: كل مطعوم ربوي، فإن آحاد المطعومات وإن
стр. 2838
كانت لا نهاية لها فهي بأسرها مندرجة تحت هذا النص، فثبوت الربا في تلك الآحاد التي لا نهاية لها والحالة هذه بالنص لا بالقياس.
والاجتهاد الذي يتطرق إلى بعض الجزئيات المترددة بين الجنسين في أنه من أي الجنسين منهما فليس هو من قبيل القياس حتى يمكن أن يقال: أنه لا غنى عن القياس حينئذ أيضًا بل لابد منه؛ لأن ذلك الاجتهاد ليس من قبيل القياس بل هو من قبيل تحقيق المناط وهو ليس من قبيل [القياس المختلف فيه على ما عرفت ذلك من قبل] هذا إن أراد بقوله الصور لا نهاية لها: الصور الجزئية المندرجة تحت الجنس الذي هو معنى عام.
وإن أراد به أن نفس الأجناس التي يثبت الحكم الشرعي فيها لا نهاية لها فهذا ممنوع؛ وهذا لأن الأجناس متناهية عندنا، ولو سلم أنها غير متناهية فالتي يثبت فيها الحكم الشرعي على خلاف البراءة الأصلية متناهية.
سلمنا عدم التباهي، لكن لا نسلم عدم اختصاص الحكم بالبعض دون البعض حينئذ، ولا نسلم أن الأنبياء ﵈ حينئذ كانوا مأمورين بتعميم الحكم في كل الصور بل في الذي يقدر على تبليغه بطريق المخاطبة فيها.
سلمناه لكن لا نسلم أنه لا طريق إلى ذلك إلا بالقياس؛ وهذا لأن البراءة الأصلية طريق إلى ذلك أيضًا وهي أولى لما عرفت.
وثانيها: أن العقل لما دل على العلل العقلية دل على العلل الشرعية بواسطة مناسبة الأحكام لعللها مناسبة عقلية مصلحية وذلك يقتضي وجوب
стр. 2839
ورود التعبد بالقياس وإلا لزم تجويز حصول العلم بالعلة مع جواز أن لا يحصل العلم بالمعلول.
وجوابه: منع دلالة العقل على/ (١٢٩/ أ) العلل الشرعية؛ وهذا لأن دلالته عليها فرع التحسين والتقبيح العقلي وهو باطل، ولا نسلم وجوب مناسبة الأحكام لعللها مناسبة عقلية ومصلحية؛ وهذا فإن من الأحكام ما لا يناسب عللها أصلًا، فضلًا عن أن تناسب عللها مناسبة عقلية بل تعرف عليه علتها بغير المناسبة، ولو سلم انحصار طريق المعرفة في المناسبة، لكن لا نسلم وجوب مناسبتها لها مناسبة عقلية مصلحية بل وجوب مناسبتها لها بحسب مقاصد الشرع، ولو سلم ذلك لكن لا نسلم اقتضاء تلك العلل لتلك الأحكام لذواتها حتى يلزم استحالة تخلف المعلول عنها بل بجعل الشارع إياها علة بأن اعتبر تلك المناسبة العقلية وجعلها أمارة على العلية وحينئذ لا يلزم استحالة التخلف لعدم تحقيق العلية قبل الشرع.
وثالثها: أن القياس يفيد دفع الضرر المظنون لما تقدم فاقتضى العقل وجوب العمل به دفعًا للمضرة كما يجب القيام من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله وتخلخل بنيانه.
وجوابه: منع حكم الأصل عقلًا.
стр. 2840
المسالة الرابعة
في أن التعبد بالقياس واقع سمعًا .
ويدل عليه وجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الألباب﴾.
ووجه الاستدلال به: أنه أمر بالاعتبار وهو المجاوزة والانتقال عن الشيء إلى غيره؛ لأنه مأخوذ من "العبور" الذي هو عبارة عن المجاوزة عن الشيء والانتقال عنه إلى غيره بالنقل والاستعمال.
أما النقل فظاهر.
وأما الاستعمال فنحو قولهم: "عبرت النهر" و"عبرت على فلان" أي تجاوزته، ومنه يقال: "المعبر" للموضع الذي يعبر عليه، و"المعبر" السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور، والعبرة، الدمعة سميت بذلك، لأنها تعبر الجفن ولا تستقر فيه "وعبر الرؤيا وعبرها" أي جاوزها إلى ما يناسبها، فثبت أن العبور عبارة عن النقل والمجاوزة بالنقل والاستعمال فيكون حقيقة فيه، إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة.
وإذا كان عبارة عنه حقيقة لم يكن عبارة عن غيره بطريق الحقيقة دفعًا للاشتراك، وهذا المعنى متحقق في القياس؛ لأن فيه الانتقال من حكم الفرع
следующие страницы →