← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

بيان المقدمة الأولى]: العمل بالقياس كان شائعًا ذائغًا فيما بين الصحابة من غير إنكار يصدر من أحد منهم فكان إجماعًا على ما تقدم تقريره في فصل الإجماع. وإنما قلنا: إن العمل بالقياس كان شائعًا ذائعًا فيما بينهم. روي عن الصديق- ﵁ أنه قال حين سئل عن الكلالة: "أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان". والرأي هو القياس لوجهين: أحدهما: أنه يقال: أقلت هذا برأيك أم بالنص؟ فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر وذلك يدل على أن الرأي لا يتناول القول بالنص جليًا كان أو خفيًا، وإذا كان المراد من الرأي غير النص وجب أن يكون المراد منه القياس لما

стр. 2872

سبق في حديث معاذ. وثانيهما: أنه يسمي أصحاب القياس كأصحاب أبي حنيفة أصحاب الرأي ويجعلونه مقابلًا لأصحاب الحديث وذلك يدل على أن الرأي هو القياس. وروي عنه أيضًا: أنه ورث أم الأم، فجاءت أم الأب فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله ولا في سنة رسوله شيئًا، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت" فرجع إلى التشريك بينهما في السدس، وليس ذلك الا بطريق القياس. وروي عنه أيضًا أن كان يسوى في القسمة حتى قال له عمر- رضي الله

стр. 2873

عنه-: "كيف تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله ﷺ كمن دخل في الإسلام كرهًا؟ قال أبو بكر- ﵁: "إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ" ولما انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهما، ومعلوم أنه ليس مستندهما في ذلك إلا القياس، وأنه أثبت عقد الإمامة بالعهد قياسًا على عقدها بالبيعة، والصحابة كلهم رضوا به وما خالفه أحد في ذلك. وليس مستنده في إثباته بالعهد سوى القياس من حيث إنهم جعلوا تعيين الإمام كتعيين الأمة في البيعة. وروى- عمر ﵁ أنه قال في الجد: "أقضي فيه برأيي وأقول برأي". وروى أنه قضى فيه بآراء مختلفة. وروي عنه أنه قال في الجنين لما سمع الحديث: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا". ونقل عنه أيضًا أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "اعرف الأشياه والنظائر" وفى رواية الأمثال وقس الأمور برأيك" وهذا صريح في الباب.

стр. 2874

وروي عنه أنه شرك بين إخوة الأب والأم وبين إخوة الأم في الثلث في المسألة الحمارية لما سمع قول إخوة الأب والأم: هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟ ومعلوم أنه ليس ذلك بنص وإلا لما قضى بخلافه، ثم رجع عند سماع قولهم: "هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة". وروي عنه أنه أنكر على سمرة حين أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور، وخللها وباعها محتجًا بالقياس على الشحم إذ قال: قاتل الله سمرة أما علم أنه قال ﵇: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها".

стр. 2875

قاس الخمر على الشحم في أن تحريمها تحريم لثمنها. ] وروى عنه- ﵁ أنه جلد أبا بكرة حد القذف حيث جاء شاهدًا على الزنا ولم يكمل النصاب قياسًا على القاذف [، إذ الشاهد لا يعد قاذفًا حتى يكون مندرجًا تحت النص. واشتهر عنه- ﵁ أنه كان يقول في كثير من الوقائع: هذا ما رأى عمر، وهذا ما أرى الله عمر، وروى عنه انه ورث المبتوتة بالرأي. ولما تردد في قتل الجماعة بالواحد قال له علي- ﵁: "أرأيت لو اشترك نفر من سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم فكذا هذا"

стр. 2876

فرجع عمر- ﵁ إلى مقتضى هذا القياس. وروى عن عثمان- ﵁ أنه قال لعمر في بعض الوقائع: "إن اتبعت رأيك فرأيك رشيد، وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان". والاستدلال به بلفظ الرأي كما تقدم. وأيضًا لو كان في المسالة نص لما صوبهما، وكان يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول: لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضاء الصالحين وإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد رأيك".

стр. 2877

وروي عن علي- ﵁ أنه قال في شارب الخمر: "إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون فحدوه حده". جعل مظنة الشيء قائمًا مقام الشيء وهو قياس. وروى عنه- ﵁ أنه قال: سألني عمر عن الخيار فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحده بائن فقال عمر- ﵁: لا بل إن اختارت نفسها فهي واحدة وزوجها أحق بها، قال: فتابعته فلما أفضى الأمر إلي علمت أني أسأل عن ذلك فعدت إلى قولي فقيل لي: لرأيك مع رأي غيرك أحب إلينا من رأيك وحدك". وعنه- ﵁ أنه قال في أمهات الأولاد: "اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك". ويروي عنه وعن عثمان أيضًا توريث المبتوتة بالرأي.

стр. 2878

وروي عنه أنه قال لعمر في قصة المجهضة، أما المأثم فأرجو أن يكون منحطًا عنك، وأما الدية فأرى عليك غرة عبد أو أمه". وروي عنه عبد الله بن مسعود أنه قال في قصة بروع بنت واشق بعد أن استمهل شهرًا فيها: "أحكم فيها برأي فإن أصبت فمن الله ورسوله وإن أخطأت فمني والشيطان الرجيم والله ورسوله بريئان عنه". وعن عبد الله بن عباس- ﵄ أنه أنكر على علي بن أبي

стр. 2879

طالب- ﵁ حين أوجب دية الأصابع مختلفة لاختلاف منافعها وقال: ألا اعتبرها بالأسنان. وعنه أنه قال لزيد بن ثابت حين ورث الأم ثلث ما بقى في مسألة زوج وأبوين: أنت وجدت في كتاب الله ثلث ما يبقى؟ فقال زيد: أقول برأيي وتقول برأيك. وعنه أيضًا أنه قال له في مسألة الجد مع الأخوة: "ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا"، ومعلوم أنه ليس إنكاره، على تسميته ابنًا وعدم تسميته ابنا وعدم تسميه الجد أبًا؛ لأنه ما سمي الابن ابنًا بطريق الحقيقة، وعبد الله بن عباس لا يذهب عليه من تقدمه في معرفة لسان العرب أن الجد لا يسمى أبا بطريق الحقيقة بل على وجه التجوز، ولهذا يصح نفى اسم الأب عنه فيقال: ليس هو أبًا للميت ولكنه جده حتى ينكر عليه ذلك، بل أنكر عليه من حيث إنه جعل ابن الابن في حكم الابن في الحجب ولم يجعل أب الأب في حكم الحجب فيه، ومعلوم أن ذلك ما كان بالنص بل بالقياس؛

стр. 2880

لأنه أومأ إلى وجه الجامع ولو كان ذلك لمخالفة النص لأومأ إليه وذكر النص الذي خالفه. وروي عنهم أنهم اختلفوا في مسائل وقالوا فيها أقوالًا لا يمكن أن تكون تلك الأقوال إلا عن القياس وذلك يدل على أنهم عملوا بالقياس، واعلم أن تلك المسائل كثيرة يطول استقصاؤها فلنذكر بعضها: أحدها: أنهم اختلفوا فيما إذا قال الرجل لامرأته: أنت على حرام: فقال أبو بكر وعمر وعائشة: إنها يمين تلتزم فيه الكفارة. وقال علي وزيد وابن عمر هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود هو طلاق واحد. وعلى هذا ما اختلفوا في أنه بائن أو رجعى. وعن ابن عباس أنه ظهار. وعن بعضهم أنه إيلاء.

стр. 2881

وعن مسروق: أنه ليس بشيء، لأنه تحريم لما أحل الله تعالى وصار كما قالوا لقصعة من الشريد: "هذا على حرام" فأنه ليس بشيء وفاقًا فكذا هذا. وروي هذا القول أيضًا عن علي- ﵁. وثانيها: أنهم اختلفوا في الجد مع الأخوة: فبعضهم حجب الأخوة بالجد. وبعضهم ورثهم معه، وهؤلاء اختلفوا. فمنهم من جعل الجد كأحدهم يقاسمهم ما لم ينقص حقه عن الثلث عندما لا يكون معهم ذو فرض، فإن نقص حقه عن الثلث أخذ الثلث وقسم الباقي عليهم؛ لأن الجد والأم إذا اجتمعا أخذ الجد مثلى ما أخذه الأم؛ لأنها لا تأخذ إلا الثلث، ثم الأخوة لا ينقصون الأم من السدس فوجب أن لا ينقصون الجد من ضعف السدس وإن كان معه ذو فرض آخر فيجعلون له خير الأمور الثلاثة من المقاسمة أو ثلث ما بقى من المال بعد أخراج فرائض/ (١٣٨/ أ) أصحاب الفروض أو سدس جميع المال؛ لأن أبناء الميت لا ينقصون الجد عن السدس فأخوته أولى أن لا ينقصوه عنه. ومنهم من لم يقل بهذا التفصيل بل ذهب إلى غيره. وكان عمر- ﵁ قضى في الجد بقضايا مختلفة ونقل عنه أنه

стр. 2882

أوصى في مرض موته أن لا ينقل عنه فيه شيء. وثالثها: أنهم اختلفوا في المسألة المعروفة "بالخرقاء" وهي أم وأخت وجد: فذهب زيد بن ثابت: أن للأم الثلث والباقي يقسم بين الجد والأخت أثلاثًا. وعند الصديق- ﵁ للأم الثلث والباقي للجد. وعند عمر- ﵁ للأخت النصف وللأم ثلث ما يبقى والباقي للجد. وعند عثمان- ﵁: لكل واحد منهم الثلث. وعند علي- ﵁ للأخت النصف وللأم الثلث وللجد السدس. وعند ابن مسعود- ﵁: للأخت النصف، والباقي بين الجد والأم بالسوية.

стр. 2883

ويروى عنه غير هذا مثل مذهب عمر- ﵁. ورابعها: أنهم اختلفوا في المشركة: فذهب بعضهم إلي التشريك بين أخوة الأب والأم وبين أخوة الأم فيما هو فرضهم وهو الثلث, ولهذا تسمى بالمشركة. وذهب بعضهم إلى أنه لا شيء لأخوة الأب والأم؛ لأنهم عصبات والعصبة إنما تأخذ إذا فضل من أصحاب الفروض وهنا لما يفضل شيء فلم تأخذ. وخامسها: أنهم اختلفوا في الخلع في أنه هل هو طلاق أم فسخ؟ فذهب عمر وعلي- ﵄ إلى أنه طلاق.

стр. 2884

وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه فسخ. وعن عثمان- ﵁ روايتان مثل المذهبين وأمثال هذه المسائل كثيرة لاسيما في الفرائض فنقول: اختلافهم وأقاويلهم المختلفة فيها إما لا لدليل وهو باطل؛ لأن القول في الدين بغير دليل باطل جلي الباطلان فلا يظن بهم ارتكابه. أو لدليل وهو: إما العقل, وهو أيضًا باطل, لما تقدم من بطلان التحسين والتقبيح, ولأن من الظاهر أن العقل لا يستقل بمعرفة ما يوجب القول بهذه الوجوه المختلفة لا ضرورةً ولا نظرًا فلا يكون القول بها بناء عليه. أو البراءة الأصلية وهو أيضًا باطل؛ لأن حكمها في المسألة شيء واحد, وهذه أقاويل مختلفة، أكثرها يخالف حكمها فيستحيل أن يكون بناء عليها. أو النص قولًا كان أو فعلًا جليًا كان أو خفيًا، أو مفهومه موافقًا كان أو مخالفًا، أو غيره من وجوه دلالته, وهو أيضًا باطل؛ لأنه لو كان كذلك لأظهروه إقامة للعذر وردًا على المخالف وإرشادًا إلى الحق جريًا على ما هي

стр. 2885

العادة لهم؛ إذ عادتهم جارية بتعظيم نصوص الرسول- ﵇ واستعظام مخالفتها، وبشدة الفحص عنها والحث على نقلها وإشاعتها حتى نقلوا منها ما لا يتعلق بها غرض شرعي على ما هي كتب الأحاديث شاهدة بذلك، وذلك يوجب نقل ما يتعلق بالأحكام الشرعية المختلف فيها مع جري المباحثة والمفاوضة في تلك المسائل فيما بينهم بالطريق الأولى بل العادة تحيل كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف عن الجمع الكثير مطلقًا فكيف عمن لا تأخذهم في الله لومة لائم ولو أظهروه لنقل واشتهر لما سبق ولو اشتهر لعرفه المحدثون والفقهاء وهذا ظاهر؛ لأنه لا معنى لاشتهاره إلا أن يكون مشتهرًا فيما بين العلماء، ولما لم يكن كذلك؛ لأنا لم نجد بعد البحث الشديد، والطلب التام من كتبهم، ولم نسمع من أحد منهم مع المخالطة معهم، والسؤال عنهم علمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل بناء على النصوص, فإذا بطل ذلك وجب أن تكون تلك الأقاويل بناء على الأقيسة وذلك هو المطلوب، فثبت بهذه الروايات والاختلافات أن العمل بالقياس كان شائعًا ذائعًا فيما بينهم. وأما أنه لم يصدر عن أحدهم الإنكار على ذلك فلأنه لو صدر لنقل؛ لأن القياس أصل عظيم في الشرع نفيًا وإثباتًا فلو أنكره أحد منهم وخالفه لنقل، ولأن توفر الدواعي على نقل الإنكار على مثل هذا الأصل العظيم والاختلاف فيه أكثر من نقله في المسائل الفرعية كما في العول، والربا، والاختلاف في مسألة الحرام، وغيرها فإذا نقل ذلك فهذا أولى، ولو نقل لاشتهر ولعرفه العلماء، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يوجد الإنكار. وأما أنه متى كان كذلك وجب أن يكون مجمعًا عليه فالدليل عليه: أن سكوتهم إما أن يقال: إنه كان لغير الرضا نحو الخوف، والتقية، أو النظر

стр. 2886

والتروي، أو لأن غيره أولى بالإنكار، أو لغيره من الاحتمالات التي تقدمت في كون السكوت لغير الرضا أو للرضا. القسم الأول باطل، أما أنه لا يجوز أن يكون للخوف والتقية؛ فلأنا نعلم من حال الصحابة شدة انقيادهم للحق وأنهم لا تأخذهم في ذلك لومة لائم لاسيما فيما لا يتعلق به رغبة ولا رهبة في العاجل، وكيف يحتمل هناك الخوف والتقية مع ما علم من حالهم أنهم يرون الإنكار في محله إرشادًا، ويفرحون بالإرشاد والتنبيه على الحق، ولهذا قال عمر- ﵁: "لولا علي لهلك عمر". وأيضًا، فلأن بعضهم خالف البعض في كثير من المسائل ولو كان هناك خوف مانع من ذلك لما وقع ذلك. لا يقال: القياس أصل عظيم نفيًا وإثباتًا فكان الاختلاف والإنكار في/ (١٣٩/ أ) ذلك أصعب فربما يكون الإنكار في ذلك سببًا للعداوة دون تفاريع الفقه، لأنا نقول: هذا يقتضي بأن الإنكار في ذلك أولى؛ لأن

стр. 2887

المحذور فيه أكثر ونحن نعلم من حالهم أن كلما كان المنكر أعظم كان همهم لإزالته أشد، وإنكارهم عليه أكثر فهذا بأن يكون لنا أولى من أن يكون علينا، وأيضًا تعارض الكيفية بالكمية، فإن القياس وإن كان أصلًا عظيمًا لكن النزاع فيه نزاع في مسألة واحدة، والنزاع فيما خالفوا من المسائل نزاع في مسائل كثيرة، ونحن لا نسلم أنه بتلك الكيفية يصير أولى بعدم الإنكار من تلك المسائل بأسرها. وأما أنه لا يجوز أن يكون للنظر والتروي؛ فلأن ذلك وإن كان محتملًا في أول الأمر لكنه خلاف الظاهر بعد انقضاء المدة المديدة، والأعصار الطويلة في مسألة واحدة لاسيما من جماعة عظيمة موفقين بالغين في الفطنة والذكاء. وأما أنه لا يجوز أن يكون سكوتهم عن الإنكار لأن غيرهما أولى به؛ فلأنه إن لم يجوز السكوت لمثل هذا العذر، لأنه يفضى إلى التواكل فقد سقط هذا الاحتمال بالكلية، وإن جوز فكذلك؛ لأنه إن لم يحصل هناك واحد هو أولى بالإنكار كان اتفاقهم على هذا الاعتقاد وترك الإنكار اتفاقًا على الخطأ، وهو باطل وإن حصل فالظاهر إنكاره وإلا لزم اتفاقهم على ترك الإنكار وهو خطأ فلزم اتفاقهم على الخطأ أيضًا. وأما أنه لا يجوز أن يكون لغيره من الاحتمالات نحو أن يقال: أنه كان في تواطئهم ما يمنع من إظهار الإنكار مع ظهور قرائن السخط عليهم [أو] أنهم كانوا ينتظرون فرصة التمكن ولا يرون المبادرة إليه مصلحة، أو لأنهم ربما ظنوا أنهم لو أنكروا لم يلتفت إليهم ولحقهم بسببه ذل لما تقدم، وأما امتناعهم عن ذلك لاحتمال أنهم يرون أن كل مجتهد مصيب فباطل أيضًا؛ أما أولًا: فلأن هذه المسألة ليست من المسائل الاجتهادية. وأما ثانيًا: فلأن ذلك يمتنع من الإنكار على وجه التوبيخ والتثريب، فأما

стр. 2888

على وجه الإرشاد والعرض على أن غيره أولى منه فلا بدليل وقوعه في كثير من المسائل الفرعية وإذا بطل القسم الأول تعين أن يكون سكوتهم للرضا وحينئذ يلزم أن يكون العمل بالقياس مجمعًا عليه فيما بين الصحابة فوجب أن يكون حقًا لما تقدم من أن الإجماع حجة. فإن قيل: لا نسلم أن أحدًا من الصحابة عمل بالقياس؛ وهذا لأن عملهم بذلك إنما يثبت على وجه القطع بتقدير القطع بصحة متن ما ذكرتم من الروايات وهو ممنوع؛ فإن الروايات المذكورة لم تنته إلى حد التواتر، وإلا حصل العلم بصحتها للكل، أعني الموافق والمخالف، ولما لم يكون كذلك علمنا أنه لم ينته إلى حد التواتر وحينئذ لم يمكن القطع بصحة متنها. لا يقال: الأمة في هذه الروايات على قولين: منهم من قبلها، واعترف بدلالتها على القياس. ومنهم من أولها، وذلك يقتضي اتفاقهم على صحة متنها؛ لأنا نقول: قد مر أن ذلك لا يفيد القطع بصحة المتن، وإن كان يفيد غلبة الظن بصحته، وبتقدير دلالتها على المطلوب على وجه القطع وهو أيضًا ممنوع؛ لإن حاصل ما ذكرتم من الاستدلال عليه إنما هو الاستدلال بلفظ الرأي، واختلافهم وكثرة أقاويلهم في المسائل المختلف فيها، وشيء منهما لا يدل عليه على وجه القطع. أما الأول: فلأنا لا نسلم أن الرأي هو القياس، وما ذكرتم من الدلالة عليه في الوجه الأول فغايته أنه يدل على أنه ليس من قبيل النص، ولا يلزم من ذلك أن يكون قياسًا، لاحتمال أن يكون المراد منه مدركًا آخر غير النص والقياس.

стр. 2889

وأما الوجه الثاني وهو تسمية أصحاب القياس بأصحاب الرأي فلا يدل أيضًا على أن الرأي في أصل وضعه للقياس؛ لاحتمال أن يكون ذلك للعرف الطارئ إما خاصًا أو عامًا. سلمنا دلالة ما ذكرتم على أن الرأي هو القياس لكن عندنا ما يدل على أنه ليس في أصل وضعه للقياس، وهو: أن الرأي مصدر قولهم رأي يرى رؤية [وذلك] يدل على أن الرأي بمعنى الرؤية، فلو كان حقيقة في القياس أيضًا لزم الاشتراك وأنه خلاف الأصل. وإذا ثبت أنه في أصل وضعه ليس للقياس وجب أن لا يكون له بطريق النقل أيضًا؛ لأنه خلاف الأصل، ولأن قولنا: "فلان يرى" لا يفيد أنه يقيس؛ بدليل أنه يصح استعماله فيما يعتقده الإنسان من مدلولات النص، ودليل العقل؛ إذ يصح أن يقال: فلان يرى عدم جواز بيع الرطب بالتمر، ويرى جريان الربا في الأشياء الستة مع أن هذين الحكمين مدلولا النص، وإذا كان قولنا: يرى لا يفيد ذلك مع أنه مشتق منه وجب أن لا يفيد هو أيضًا ذلك؛ لأن المشتق لا بد وأن يدل على ما دل عليه المشتق منه. سلمنا دلالة ما ذكرتم عليه لكن دلالة ظنية، أو قطعية؟ والأول مسلم لكنها لا تفيد، والثاني ممنوع.

стр. 2890

وأما اختلافهم في تلك المسائل وغيرها فلا نسلم أنه كان بناء على القياس، ولم لا يجوز أن يكون ذلك لنصوص ظنت دليلًا عليها سواء أصابوا في ذلك أو أخطأوا، أو لوجوه دلالتها من/ (١٤٠/ أ) مفهومها الموافق، أو المخالف، أو إشارتها، أو اقتضائها، وحمل المطلق منها على المقيد، وترجيح الخاص منها على العام، وترجيح الواحد منها على الآخر بوجوه من التراجيح الخفية؟ قوله: لو كان كذلك لأظهروه. قلنا: متى يجب ذلك إذا كان ما تمسكوا به ظاهرًا جلى الدلالة قاطع المتن، أو قريبًا منه يغلب على الظن انتفاع السامع به، أو مطلقًا؟ والأول مسلم، فلعل ما تمسكوا به في تلك المسائل لم يكن بهذه الصفات ولذلك لم يظهروه. والثاني ممنوع؛ وهذا فإن بتقدير أن يكون ضعيف المتن، خفى الدلالة، لا فائدة في إظهاره إذ الخصم ربما ينازع في متنه، وفي دلالته فلا فائدة في إظهاره فلا يجب ذلك. سلمنا ذلك لكنه معارض بمثله، فإنه لو كان ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لأجل القياس لأظهروه، لكنهم لم يظهروا ذلك وإلا لنقل واشتهر، ووصل إلى الموافق والمخالف، ولما لم يكن كذلك علمنا أنهم لم يظهروه كما ذكرتم في النص حذو القذة بالقذة فلم يكن ذلك للقياس فليس الاستدلال بهذا الطريق على نفي النص أولى من الاستدلال به على نفى القياس وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون.

стр. 2891

سلمنا وجوب الإظهار لكن لا نسلم أنهم لم يظهروه. قوله: لو أظهروه لنقل واشتهر. قلت: لا نسلم؛ وهذا لأنه ليس من الوقائع الكبار التي يمتنع أن لا تتوفر الدواعي على نقلها، وحينئذ يجوز أن لا ينقل. قوله: نعلم من حالهم شدة الحث على نقل النصوص حتى نقلوا منها ما لا يتعلق به غرض فهذا أولى بذلك. قلنا: هذا يقتضي أولوية النقل لا وجوبه، فلم قلتم أنه يجب نقله [فلعله لم ينقل وإن كان أولى بالنقل]. سلمنا وجوب نقله لكن من السلف أو مطلقًا؟ والأول مسلم، لكن ذلك لا يوجب وصوله إليه لاحتمال أن يقال: إنهم نقلوا ذلك لكن الخلف أخلوا بذلك النقل. والثاني ممنوع؛ وهذا فإن شدة الاهتمام على النقل إنما هو معلوم من حال السلف دون الخلف، وأما نقل ما لا يتعلق به غرض لا يرد نقضًا؛ لأنا لا نقول: أن كل ما لا تتوفر الدواعي على نقله فإنه يمتنع نقله [حتى يرد ذلك نقضًا علينا بل نقول: إنه لا يجب نقله] وهو غير مستلزم له؛ لأن العام لا يستلزم الخاص. سلمنا أنه مما تتوفر الدواعي على نقله، لكن ندعي أن ذلك مما يقتضي نقله متواترًا، أو ندعي أنه يقتضي نقله في الجملة ولو بطريق الآحاد، والأول ممنوع؛ وهذا لأن ساذر معجزات الرسول- ﵇ غير القرآن العظيم مع جلالة قدرها، وغرابة أمرها لم تنقل نقلًا متواترًا.

стр. 2892

والثاني مسلم، لكن لم قلت: إنه ما نقل بطريق الآحاد فلعله نقل بطريق الآحاد لكنه ما وصل إلينا فإنه ليس كل ما نقل بطريق الآحاد وجب وصوله إلينا. سلمنا أنهم لم يقولوا بتلك الأقاويل بناء على النص، لكن لم قلتم أنهم قالوها بناء على القياس، وما الدليل على نفى الواسطة؟ وهذا لأن الواسطة حاصلة بينهما وهي ما عرفت من قبل. سلمنا أن بعضهم عمل بالقياس لكن لا نسلم أنه لم يصدر عن أحد منهم الإنكار على ذلك. قوله: لو صدر لنقل. قلنا: لا نسلم وقد عرفت سنده. قوله: توفر الدواعي على نقل الإنكار فيه أكثر من نقله في مسألة العول والربا ومن نقل الخلاف في مسألة الحرام وأمثالها. قلنا: أولًا لا نسلم ذلك؛ وهذا لأن مسيس الحاجة إلى معرفة أن العول هذا هو جارٍ في قسمة المواريث أم لا؟ وأن ربا الفضل هل هو جارٍ في المطعومات أو المكيلات والموزونات أم لا؟ أكثر من معرفة كون القياس جاريًا في الأحكام أم لا؟ وهذا [لأن] النوع الأول يحتاج إلى معرفته المجتهد وغيره في كل وقت ولحظة بخلاف الثاني، فإنه لو احتيج إليه فإنه لا يحتاج إليه إلا المجتهد على الندور، ولأنه إنما نقل إنكارهم في مسألة العول وربا الفضل؛ لأنه وقع على موافقة النص الصريح والإجماع، والإنكار في مسألة القياس ليس كذلك فإنا لا ندعي في هذا المقام أن صريح نص يقتضي المنع من القياس حتى يقال: إن إنكاره أيضًا موافق للنص، بل ندعي أنه لا دليل على

стр. 2893

جواز العمل به وحينئذ يكون توفر الدواعي على نقله أكثر ولا يلزم من نقل ذلك الإنكار نقل الإنكار في القياس. سلمنا أن توفر الدواعي على نقله أكثر لكن ذلك لا يوجب نقله وإن كان يوجب أن يكون أولى في النقل كما تقدم. سلمنا أنه يوجب نقله لكن لا نسلم أنه لم ينقل إلينا؛ وهذا لأنه نقل إلينا إنكارهم العمل بالقياس تارة، (و) أخرى إنكارهم العمل بالرأي، والرأي هو القياس على ما ذكرتم: روى عمر- ﵁ أنه قال: إياكم والمكايلة، قيل: وما المكايلة؟ قال: "المقايسة". وعن شريح أنه قال: كتب إلي عمر- ﵁ وهو يومئذ قاض من قبله: "اقض بما في كتاب الله فإن جاءك ما ليس فيه، فاقض بما في سنة رسوله، فإن جاءك ما ليس فيها، فاقض بما اجتمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك أن تقضي" ولو كان غير هذه النكتة مدركًا لما قال ذلك.

стр. 2894

وعن علي- ﵁ أنه قال: "لو كان هذا الدين مأخوذًا بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره"، ونقل هذا بعينه عن/ (١٤١/ أ) عثمان- ﵁ أيضًا. وقال ابن مسعود: "يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يقيسون الأمور برأيهم". وقال أيضًا: "إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حرم الله وحرمتم كثيرًا مما أحل الله". وقال ابن عباس- ﵁: "إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس".

стр. 2895

ومثله نقل عن التابعين. قال الشعبي: "إن أخذتم بالقياس، أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال". وقال لرجل: "لعلك من القائسين". وقال ابن سيرين يذم القياس، ويقول: "أول من قاس إبليس". وقال مسروق: "لا أقيس شيئًا بشيء، أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها" هذا كله إنكارهم للعمل بالقياس. وأما إنكارهم العمل بالرأي فقد روى لنا عنهم أيضًا: قال أبو بكر الصديق- ﵁: "أي سماء تظلمني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ ".

стр. 2896

وعن عمر ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا". وعنه: "من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه". ويروي هذا عن علي- ﵁ أيضًا. وقال ابن عباس- ﵄:"إن الله تعالى لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه في دينه، ولو جعل ذلك لأحد لجعل ذلك لنبيه لكن قال لنبيه: ﴿احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ولم يقل:"بما رأيت". وقال ابن عمر- ﵄ السنة بما سنه الرسول- ﵇ لا تجعلوا الرأي سنًة للمسلمين". وعنه أيضًا: "اتهموا الرأي على الدين فإن الرأي منا تكلف وظن، وأن

стр. 2897

الظن لا يغني من الحق شيئًا". وعنه أيضًا: "إن قومًا يفتون بآرائهم لو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون". وعن عائشة- ﵂ أنها قالت: (أخبر زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ بفتواه بالرأي في مسألة العينة". وعن الشعبي أنه قال: "ما أخبرك عن أصحاب أحمد فأقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش". سلمنا إن بعضهم عمل بالقياس، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار في ذلك لكن لا نسلم أنه يحصل الإجماع بذلك. قوله: "السكوت لم يكن عن خوف وتقية لما علم من شدة انقيادهم للحق وأنهم لا تأخذهم في ذلك لومه لائم، قلنا: لا نسلم أنه خوف ولا تقية. قال النظام في هذا المقام: "الصحابة ما أجمعوا على القياس بل العامل به قوم معدودون وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وأبو موسى، وناس قليلون من أصاغر الصحابة، والتابعون ما كانوا عاملين به، ولكن لما كان منهم عمر وعثمان

стр. 2898

وعلي، وهؤلاء سلاطين الصحابة، ومعهم الرغبة والرهبة، شاع ذلك في الدهماء، وانقادت لهم العوام وجاز للباقين السكوت على التقية؛ لأنهم قد علموا أن إنكارهم غير مقبول فيه". قال: والذي يدل عليه: أنه قال في الفتيا عبد الله بن عباس والعباس أكبر منه، ولم يقل في الفتيا شيئًا من غير عجزٍ ولا عي ولا غيبة عن شيء شهد ابنه. وقال في الفتيا عبد الله بن الزبير، والزبير أعظم منه، ولم يقل فيه شيئًا. وكان أبو عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام، فقال معاذ ولم يقل أبو عبيدة مع أن أبا عبيدة أعظم منه، إذ قال الرسول ﷺ : (أبو عبيدة أمين هذه الأمة). وكيف يقال: إن الخوف والتقية زائلة مع أنا نعلم أن الرجل إذا اختار مذهبًا، فلو أن غيره أبطل عليه ذلك المذهب فإنه يشق عليه غاية المشقة ويصير ذلك سببًا للعداوة الشديدة.

стр. 2899

وكيف يقال: إنهم ما كانوا يمتنعون عن إظهار الحق بسبب الخوف والتقية مع أن ابن عباس- ﵁ قال: "هبته ولقد كان والله مهيبًا. سلمنا حصول الإجماع بذلك، لكن نوع واحد من أنواع الأقيسة أو على جميع أنواعها؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع ولا يمكن دعواه، ثم لا نوع إلا ويحتمل هو ذلك النوع ويحتمل أن لا يكون؛ لأنه لم ينقل إلينا النوع الذي أجمعوا عليه بعينه، وحينئذ يصير كل أنواعه مشكوكًا فيه في أنه حجة أم لا؟ فلا يجوز التمسك بشيء من أنواعه. سلمنا حصول الإجماع على نوع معين، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك النوع هو القياس الذي نص على عليته، أو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن أمثال هذا القياس حجة عندنا؟ سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل بالقياس مطلقًا لكن في زمان الصحابة أم مطلقًا؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع، وهذا لما سبق غير مرة. وأيضًا فإنهم شاهدوا الرسول والوحي- فربما عرفوا بقرائن الأحوال: أن المراد من الحكم الخاص بصورة معينة رعاية الحكمة العامة، فلا جرم جاز منهم تعدية الحكم إلى غيرها من الصور، وأما غيرهم لما لم يكونوا مثلهم في هذا المعنى فلم يجوز لهم ذلك؟

стр. 2900

سلمنا انعقاد الإجماع على جواز العمل به مطلقًا لكن لا نسلم أن الإجماع حجة. سلمنا أنه حجة لكن ظنية والمسألة علمية فلا يجوز التمسك به عليها. سلمنا دلالة ما ذكرتم على جواز العمل بالقياس لكنه معارض بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول/ (١٤٢/ أ). أما الكتاب: فنحو قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ والحكم بالقياس قول بما لا يعلم، واقتفاء لما لا يعلم. وقوله: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ و ﴿إن بعض الظن إثم﴾ والقياس لا يفيد إلا الظن، فلو كان ما أفاده القياس حقًا لكان الظن أغنى من الحق شيئًا، وهو مناقض لمدلول النص. وقوله: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ وقوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ فهاتان الآيتان تدلان على اشتمال الكتاب على كل الأحكام، ومع وجود الحكم في الكتاب لا يجوز القياس.

стр. 2901

وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله؛ لأنه حكم بغير قولهما. وقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وقوله: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى وبغير ما أراه الله. وقوله: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله﴾ والمراد الرد إلى قول الله وإلى قول الرسول، والرد إلى القياس رد إلى غير القولين. وأما السنة فخبران: أحدهما: ما روي عن عمر- ﵁ عن النبي-﵇ أنه قال: "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام".

стр. 2902

وهو إنكار صريح على العمل بالقياس. وثانيهما: ما رواه أبو هريرة عن النبي- ﵇ أنه "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسوله، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا" وهو أيضًا يدل على عدم جواز العمل بالقياس. وأما الإجماع: فهو أنه نقل عن بعض الصحابة بل عن كثير منهم التصريح بذم الرأي والقياس- على ما تقدم بيانه- ولم يظهر من الباقين الإنكار على ذلك فكان إجماعًا بعين ما ذكرتم. وأيضًا: فإن المشهور المستفاض أن مذهب أهل البيت إنكار القياس وذم من يعمل به، وقد تقدم أن إجماع العترة حجة. وأما المعقول، فهو: أن لو وقع التعبد بالقياس في الشريعة لما كان الاختلاف والتنازع منهيًا عنه، لكنه منهي عنه والعمل بالقياس غير جائز. أما بيان الملازمة: فهو: أن العمل بالقياس يقتضي اتباع الأمارات، وذلك يقتضي وقوع الاختلاف- لا محالة- للاستقراء، ولأن اختلاف العقلاء في الضروريات ممتنع أو بعيد فكذلك اتفاقهم في الظنيات ممتنع أو بعيد.

стр. 2903

وأما بيان انتفاء اللازم: فهو بقوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾. وأيضًا فإن الرجل إذا قال: "أعتقت غنمًا لسواده، فقيسوا عليه" لم يعتق سائر عبيده السود، فضلًا عما إذا لم يصرح بالأمر بالقياس وذلك يدل على عدم وقوع التعبد بالقياس في الشريعة ولا يعتق سائر عبيده كما إذا قال أعتقت كل عبد أسود لي. الجواب قوله: لا نسلم أن أحدًا من الصحابة عمل بالقياس. قلنا: هذا منع مكابرة، فإن من المعلوم بالضرورة بعد مطالعة كتب الأخبار والآثار والفقه ومطالعة ما نقل عنهم من الاختلاف والإلحاقات والتشبيهات في المسائل المتقدمة وغيرها نحو ما نقل عن علي- ﵁ أنه شبه الجد والأخوة بغصني شجرة، وشبههما زيد بن ثابت

стр. 2904

بجدولي نهر فشركا بينهما. وألحق علي- ﵁ الشارب بالقاذف، والقاتل بالسارق. وألحق عمر- ﵁ مرة الجد بالأب فلم يعط شيئًا. وألحقه ابن عباس- ﵄ به فأنكر على زيد في عدم الإلحاق وقال: (ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا) ومن المعلوم أن الإنكار ليس لكونه لا يسميه أبًا مجازًا، فإن ترك التجوز لا يوجب الإنكار والنسبة إلى مفارقة التقوى وفاقًا، فأما ترك القياس الشرعي لا سيما الجلي منه فإنه يوجب الإنكار والنسبة إلى مفارقة التقوى، لكون الترك بمقتضى الدليل عند خلوه عن المعارض محرمًا، فأما ترك التجوز مع وجود ما يوجب حسنه ليس بمحرم وفاقًا، وغيرها من الإلحاقات والتشبهات عمل بعضهم بالقياس فإن كل واحد من هذه الروايات وإن لم تكن متواترة لكنا نعلم قطعًا أن كلها ليست بكاذبة وأن شيئًا منها

стр. 2905

صحيح وأي واحد منها صح لزم حصول العلم الضروري بعمل بعضهم بالقياس. والمخالف أيضًا ما أنكر عمل بعضهم بالقياس بل هو معترف بذلك كما سبق من النظام، ولكن تارة يمنع أن الإجماع حجة، وتارة يمنع عدم الإنكار من الباقين، وتارة يمنع أن يكون الإجماع السكوتي حجة، فأما عمل بعضهم بالقياس فلا، وبهذا خرج الجواب أيضًا عن قوله: إن دلالتها على المطلوب ليست قطعية؛ لأن تلك الروايات بأسرها مشتركة في الدلالة على أن بعضهم عمل القياس ويرى العمل بالقياس فيرجح حاصل دلالتها على ذلك إلى/ (١٤٣/ أ) التواتر المعنوي وهو قطعي. قوله: لا نسلم أن الرأي هو القياس. قلنا: الدليل عليه ما تقدم. قوله على الوجه الأول: أنه لا يدل على أنه القياس، وإن دل على أنه غير النصر. قلنا: قد ذكرنا أنه يلزم من ذلك أن يكون الرأي هو القياس لأن كل من قال: الرأي مدرك آخر غير النص قال: إنه القياس، فالقول بأن الرأي مدرك آخر غير النص والقياس خلاف الإجماع. قوله على الوجه الثاني: إنه يدل على أن الرأي في أصل وضعه للقياس. قلنا: نحن لا ندعي ذلك بل ندعي أنه للقياس إما في الأصل وضعه، أو بطريق النقل من الشرع، أو من العرف العام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل.

стр. 2906

قوله: النقل والاشتراك خلاف الأصل. قلنا: مسلم لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، والدليل وهو الإجماع قام على أن الرأي عبارة عن القياس، وهذا لأنا روينا عنهم كلامًا كثيرًا أنهم عملوا بالرأي وقلنا الرأي هو القياس، وأنتم رويتم عنهم أيضًا كلامًا كثيرًا في ذم الرأي وقلتم الرأي هو القياس، وساعدناكم على ذلك، وذلك يدل على أن الرأي هو القياس وفاقًا، فأما أن ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل فذلك مما لا حاجة لنا إليه وإن كان الأظهر أن ذلك بطريق النقل. قوله: قولنا: "فلان يرى" لا يفيد أنه يقيس وذلك يدل على أن الرأي ليس هو القياس. قلنا: لا نسلم أنه مشتق من الرأي الذي هو بمعنى القياس بل هو عندنا مشتق من الرأي بمعنى الرؤية فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ قوله: دلالة ما ذكرتم عليه قطعية أم ظنية، قلنا: قطعية وتقريره على ما تقدم. سلمنا أنها ليست قطعية بل هي ظنية لكن لا نسلم أنها لا تفيد، وهذا لأن المسألة عندنا ظنية على ما سبق غير مرة وعند هذا القول: هب أن الروايات المذكورة غير مقطوع بها بصحة المتن، وغير مقطوعة الدلالة على المطلوب لكن لا نزاع في أنها تفيد الظن، فإنها لا تقصر عن خبر الواحد

стр. 2907

فيجوز أن يتمسك بها في المسألة. قوله: لا نسلم أن أختلافهم في تلك المسائل كان بناًء على القياس، قلنا كما تقدم. قوله: فلعل ما تمسكوا به في تلك المسائل ليس بظاهر يغلب على الظن انتفاع السامع به. قلنا: الدليل الذي ليس لظاهر لا يجوز التمسك به كالمجمل بل لابد أن يكون ظاهر الدلالة على المطلوب إما بنفسه، أو بغيره من البيان الذي يظهره، ولا يشترط في قبول النص أن يكون قاطع المتن أو قريبًا منه، بل ما يغلب على الظن صحة متنه لما ثبت أن رواية الآحاد مقبولة فإن كانت بحيث يغلب على الظن صحة متنه وهو ظاهر الدلالة جاز التمسك به ويجب إظهاره وإن لم يكن بهذه الحيثية لم يجز التمسك به [ولم يجب] إظهاره فلم يختلف حكم النص في جواز التسمك به وعدم وجود الإظهار. قوله: لو كان ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لأجل القياس لأظهروه أيضًا كما ذكرتم في صورة النص. قلنا: نعم لكن لا نسلم أنهم لم يظهروه؛ وهذا لأن منهم من أظهر ذلك وصرح به كأبي بكر- ﵁ فإنه صرح بعلة التسوية في العطاء بين المهاجرين وغيرهم حيث قال: "إنما الدنيا بلاغ" وكعلي في حد شارب الخمر حيث قال: "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون".

стр. 2908

وكعثمان وعبد الرحمن بن عوف في قصة المجهضة حيث ألحقا عمر بالمؤدب وقالا: " وليس على المؤدب شيء". وكعلي وزيد بن ثابت وابن عباس في مسألة الجد مع الأخوة على ما تقدم ذكره. وكما في حديث ابن عباس ﵁ في دية الأصابع، فإنه لما أنكر على علي- ﵁ صرح بالقياس فقال: "ألا اعتبرها بالأسنان". وكمسروق في مسألة الحرام فإنه صرح بالقياس على قصعة من الثريد. ومنهم من نبه عليه كما في مسألة المشركة وكما في مسألة الجدة حيث قال بعض الأنصار لأبي بكر-﵁: تركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت. وكما في قول علي لعمر- ﵄: أرأيت لو اشترك نفر في سرقة أكنت تقطعهم. وكما في حديث عمر في قياسه الخمور على الشحوم فإنه نبه على أن علة تحريم ثمنها تحريمها. ومنهم من اعتمد على فهم سامع الحكم؛ فإنه يفهم منه علية مأخذه، إذ الحكم قد يبنى عن علته وهذا كما في مسالة الحرام فإنهم جعلوا حكمه حكم الطلاق، أو الظهار، أو اليمين أو الإيلاء على ما هو مذكور في بعض المصنفات لكونه لفظًا موضوعًا للتحريم فيؤثر فيه إذا توجه إلى الزوجة كما في هذه المسائل.

стр. 2909

ثم إن من جعله طلاقًا ثلاثًا نزله على أعلى مراتب التحريم أخذًا بالاحتياط وهو بالثلاث ومن جعله طلاقًا واحدًا نزله على أدنى مراتب التحريم وهو بالواحد [ثم] أخذًا بالمتيقن منه وتركًا بالمشكوك فيه، ثم من جعله بائنًا نزله على نهاية مراتب التحريم الذي يحصل بالواحد، ومن جعله رجعيًا نزله على أول مراتبه، ومن جعله ظهارًا فإنما جعله كذلك لكونه مشابهًا له في اقتضاء التحريم، ثم إنه ليس من صرائح الطلاق حتى يجعل طلاقًا من غير نية ولا نية معه؛ إذ الكلام فيه حتى يقع الطلاق على وجه الكناية/ (١٤٤/ أ) ثم لا يمكن جعله يمينًا؛ لأن اليمين لا تحرم. ولو سلم أنها تحرم لكن كفارة الظهار أغلظ فجعله ظهارا أخذًا بالاحتياط. ومن جعله يمينًا، فلأن اليمين عنده تحرم فيكون مشابهًا لها في اقتضاء التحريم؛ لأن اليمين عنده تحرم فأوجب فيه كفارتهما أخذًا بالأقل أو بالآية وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وإن كانت دلالتها على صورة النزاع ضعيفة من حيث إنه ليس فيها ما يدل على أن التحريم كان بقوله: أنت على حرام فلعله كان باليمين فحينئذ يكون غير متناول لصورة النزاع.

стр. 2910

ومن جعله إيلاءً قال: إنه شابهه من حيث إنه منع نفسه عن وطئها فأشبه المولى فهذه المشابهات والمآخذ ظاهرة تفهم من الحكم بأدنى تأمل فلعلهم لم يظهروها لهذا السبب. سلمنا أنهم لهم يظهروه لكن الفرق بين النص والقياس ظاهر فلا يلزم من [وجوب إظهار النص] وجوب إظهار القياس وبيانه من وجوه: أحدها: أن النص يجب اتباعه ومخالفه مخطئ بالاتفاق بخلاف القياس، فأنه لا يجب اتباعه بل لا يجوز؛ إذ لا يجوز فيه التقليد وليس مخالفه مخطئًا، فإن عندنا أن كل مجتهد مصيب. وثانيها: أن إنكارهم على مخالف النص فوق إنكارهم على مخالف القياس فلم يلزم من ترك أقل الانكارين ترك أعظمهما. وثالثها: أن النص يمكن الإخبار عنه بكل حال من غير عسر لكونه مضبوط وغير محتاج إلى بيان مقدمات كثيرة بخلاف القياس، فإنه قد يتعذر التعبير عنه لتعذر التعبير عن الجامع الذي أفاده ظن الحكم، ولهذا فان المقوم قد يتعذر عليه التعبير عما يفيده ظن القيمة، والمتأخرون من الاصوليين إنما يعبرون عن أصناف الجامع لكون المتأخر في كل علم يلخص ما لا يلخصه المتقدم فيه ويحتاج إلى مقدمات كثيرة من تعليل حكم الأصل، وحصول علته في الفرع، ووجود الشرائط، وارتفاع الموانع، وكل هذه المقدمات قد تكون ممنوعة فلا يحصل الغرض من ذكره، فلا يلزم من وجوب إظهار النص وجوب إظهار القياس.
следующие страницы →