← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قوله: النقل والاشتراك خلاف الأصل. قلنا: مسلم لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه، والدليل وهو الإجماع قام على أن الرأي عبارة عن القياس، وهذا لأنا روينا عنهم كلامًا كثيرًا أنهم عملوا بالرأي وقلنا الرأي هو القياس، وأنتم رويتم عنهم أيضًا كلامًا كثيرًا في ذم الرأي وقلتم الرأي هو القياس، وساعدناكم على ذلك، وذلك يدل على أن الرأي هو القياس وفاقًا، فأما أن ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل فذلك مما لا حاجة لنا إليه وإن كان الأظهر أن ذلك بطريق النقل. قوله: قولنا: "فلان يرى" لا يفيد أنه يقيس وذلك يدل على أن الرأي ليس هو القياس. قلنا: لا نسلم أنه مشتق من الرأي الذي هو بمعنى القياس بل هو عندنا مشتق من الرأي بمعنى الرؤية فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ قوله: دلالة ما ذكرتم عليه قطعية أم ظنية، قلنا: قطعية وتقريره على ما تقدم. سلمنا أنها ليست قطعية بل هي ظنية لكن لا نسلم أنها لا تفيد، وهذا لأن المسألة عندنا ظنية على ما سبق غير مرة وعند هذا القول: هب أن الروايات المذكورة غير مقطوع بها بصحة المتن، وغير مقطوعة الدلالة على المطلوب لكن لا نزاع في أنها تفيد الظن، فإنها لا تقصر عن خبر الواحد

стр. 2907

فيجوز أن يتمسك بها في المسألة. قوله: لا نسلم أن أختلافهم في تلك المسائل كان بناًء على القياس، قلنا كما تقدم. قوله: فلعل ما تمسكوا به في تلك المسائل ليس بظاهر يغلب على الظن انتفاع السامع به. قلنا: الدليل الذي ليس لظاهر لا يجوز التمسك به كالمجمل بل لابد أن يكون ظاهر الدلالة على المطلوب إما بنفسه، أو بغيره من البيان الذي يظهره، ولا يشترط في قبول النص أن يكون قاطع المتن أو قريبًا منه، بل ما يغلب على الظن صحة متنه لما ثبت أن رواية الآحاد مقبولة فإن كانت بحيث يغلب على الظن صحة متنه وهو ظاهر الدلالة جاز التمسك به ويجب إظهاره وإن لم يكن بهذه الحيثية لم يجز التمسك به [ولم يجب] إظهاره فلم يختلف حكم النص في جواز التسمك به وعدم وجود الإظهار. قوله: لو كان ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لأجل القياس لأظهروه أيضًا كما ذكرتم في صورة النص. قلنا: نعم لكن لا نسلم أنهم لم يظهروه؛ وهذا لأن منهم من أظهر ذلك وصرح به كأبي بكر- ﵁ فإنه صرح بعلة التسوية في العطاء بين المهاجرين وغيرهم حيث قال: "إنما الدنيا بلاغ" وكعلي في حد شارب الخمر حيث قال: "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون".

стр. 2908

وكعثمان وعبد الرحمن بن عوف في قصة المجهضة حيث ألحقا عمر بالمؤدب وقالا: " وليس على المؤدب شيء". وكعلي وزيد بن ثابت وابن عباس في مسألة الجد مع الأخوة على ما تقدم ذكره. وكما في حديث ابن عباس ﵁ في دية الأصابع، فإنه لما أنكر على علي- ﵁ صرح بالقياس فقال: "ألا اعتبرها بالأسنان". وكمسروق في مسألة الحرام فإنه صرح بالقياس على قصعة من الثريد. ومنهم من نبه عليه كما في مسألة المشركة وكما في مسألة الجدة حيث قال بعض الأنصار لأبي بكر-﵁: تركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت. وكما في قول علي لعمر- ﵄: أرأيت لو اشترك نفر في سرقة أكنت تقطعهم. وكما في حديث عمر في قياسه الخمور على الشحوم فإنه نبه على أن علة تحريم ثمنها تحريمها. ومنهم من اعتمد على فهم سامع الحكم؛ فإنه يفهم منه علية مأخذه، إذ الحكم قد يبنى عن علته وهذا كما في مسالة الحرام فإنهم جعلوا حكمه حكم الطلاق، أو الظهار، أو اليمين أو الإيلاء على ما هو مذكور في بعض المصنفات لكونه لفظًا موضوعًا للتحريم فيؤثر فيه إذا توجه إلى الزوجة كما في هذه المسائل.

стр. 2909

ثم إن من جعله طلاقًا ثلاثًا نزله على أعلى مراتب التحريم أخذًا بالاحتياط وهو بالثلاث ومن جعله طلاقًا واحدًا نزله على أدنى مراتب التحريم وهو بالواحد [ثم] أخذًا بالمتيقن منه وتركًا بالمشكوك فيه، ثم من جعله بائنًا نزله على نهاية مراتب التحريم الذي يحصل بالواحد، ومن جعله رجعيًا نزله على أول مراتبه، ومن جعله ظهارًا فإنما جعله كذلك لكونه مشابهًا له في اقتضاء التحريم، ثم إنه ليس من صرائح الطلاق حتى يجعل طلاقًا من غير نية ولا نية معه؛ إذ الكلام فيه حتى يقع الطلاق على وجه الكناية/ (١٤٤/ أ) ثم لا يمكن جعله يمينًا؛ لأن اليمين لا تحرم. ولو سلم أنها تحرم لكن كفارة الظهار أغلظ فجعله ظهارا أخذًا بالاحتياط. ومن جعله يمينًا، فلأن اليمين عنده تحرم فيكون مشابهًا لها في اقتضاء التحريم؛ لأن اليمين عنده تحرم فأوجب فيه كفارتهما أخذًا بالأقل أو بالآية وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إلى قوله ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وإن كانت دلالتها على صورة النزاع ضعيفة من حيث إنه ليس فيها ما يدل على أن التحريم كان بقوله: أنت على حرام فلعله كان باليمين فحينئذ يكون غير متناول لصورة النزاع.

стр. 2910

ومن جعله إيلاءً قال: إنه شابهه من حيث إنه منع نفسه عن وطئها فأشبه المولى فهذه المشابهات والمآخذ ظاهرة تفهم من الحكم بأدنى تأمل فلعلهم لم يظهروها لهذا السبب. سلمنا أنهم لهم يظهروه لكن الفرق بين النص والقياس ظاهر فلا يلزم من [وجوب إظهار النص] وجوب إظهار القياس وبيانه من وجوه: أحدها: أن النص يجب اتباعه ومخالفه مخطئ بالاتفاق بخلاف القياس، فأنه لا يجب اتباعه بل لا يجوز؛ إذ لا يجوز فيه التقليد وليس مخالفه مخطئًا، فإن عندنا أن كل مجتهد مصيب. وثانيها: أن إنكارهم على مخالف النص فوق إنكارهم على مخالف القياس فلم يلزم من ترك أقل الانكارين ترك أعظمهما. وثالثها: أن النص يمكن الإخبار عنه بكل حال من غير عسر لكونه مضبوط وغير محتاج إلى بيان مقدمات كثيرة بخلاف القياس، فإنه قد يتعذر التعبير عنه لتعذر التعبير عن الجامع الذي أفاده ظن الحكم، ولهذا فان المقوم قد يتعذر عليه التعبير عما يفيده ظن القيمة، والمتأخرون من الاصوليين إنما يعبرون عن أصناف الجامع لكون المتأخر في كل علم يلخص ما لا يلخصه المتقدم فيه ويحتاج إلى مقدمات كثيرة من تعليل حكم الأصل، وحصول علته في الفرع، ووجود الشرائط، وارتفاع الموانع، وكل هذه المقدمات قد تكون ممنوعة فلا يحصل الغرض من ذكره، فلا يلزم من وجوب إظهار النص وجوب إظهار القياس.

стр. 2911

قوله: إنه ليس من الوقائع العظام التي يمتنع أن لا تتوفر الدواعي على نقلها. قلنا: هب أنه كذلك، لكنه لا يقدح في ادعاء نقل الآحاد وإنما يقدح في ادعاء النقل المتواتر ونحن ما ادعينا وإنما ادعينا نقله آحادًا للعادة والاستقراء. قوله: هذا يقتضي أولوية النقل لا وجوبه. قلنا: أولوية النقل بلا وجوب محال على ما عرف في مسألة التحسين والتقبيح وغيرها. قوله: شدة الاهتمام على نقل النصوص إنما عرفت من عادة السلف دون الخلف. قلنا: لو حصل النقل من السلف ولم يحصل من الخلف لكانوا مجمعين على كتمان الحق وهو يقتضي جواز إجماعهم على الباطل ودليل الإجماع ينفيه، ولأن أطباق الجمع العظيم على عدم النقل مستحيل عادة لا سيما فيما لا يتعلق الفرض بعدم نقله. قوله: ندعي نقله متواترًا وآحادًا. قلنا: عرف الجواب عنه من قبل. قوله: فلعله نقل بطريق الآحاد لكنه ما وصل إلينا. قلنا: المعنى من نقله ووصوله إلينا أن يكون حاصلًا في صدور الرواة والعلماء أو في بطون الدفاتر المصنفة في هذا الباب، فإذا لم يوجد شيء من ذلك لم يكن منقولًا فيلزم إجماع أهل عصر من الأعصار على إخلال نقله وهو ممتنع لما سبق.

стр. 2912

قوله: هب أنهم ما قالوا تلك الأقاويل بناء على النصوص فلم قلتم أن تلك الأقاويل كانت بناء على القياس؟ قلنا: للإجماع فإن كل من قال: أن تلك الأقاويل ما كانت بناء على النصوص جلية كانت أو خفية، وعلى البراءة الأصلية قال: إنها كانت بناء على الأقيسة، فالقول بإثبات مدارك أخر لها إذ ذاك قول على خلاف الإجماع فيكون باطلًا، وأيضًا فإن المدارك الأخر التي هي مختلفة بين العلماء ليس لبعضها مدخل في تلك الأقاويل، وبعضها لم يف بتلك الأقاويل فلم يجز أن تكون مبنية عليها. قوله: لا نسلم عدم حصول الإنكار عن أحد منهم على ذلك. قلنا: كما تقدم. قوله: لا نسلم أنه من الوقائع العظام. قلنا: سبق الجواب. قوله: لا نسلم أن توفر الدواعي على نقل الإنكار فيه أكثر من مسألة العول والربا. قلنا: الدليل عليه ما سبق. قوله: أولًا: في سند المنع: مسيس الحاجة إلى معرفة حكم تلك المسائل أكثر. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه لو اعتبر احتياج المجتهد والمقلد إلى المسائل المحتاجة إلى معرفة كون القياس حجة أم لا كان الاحتياج إلى معرفة كون القياس حجة أكثر لا محالة وتزيد بأن الخلاف فيه أشد محذورًا، ولهذا يضلل المخالف فيه. قوله: ثانيًا: الإنكار في تلك المسائل وقع على موافقة النص الصريح. قلنا: القول في الدين بغير دليل مقطوع البطلان، فلو لم يكن في الشرع دليل يدل على أن القياس مدرك شرعي كان القول بالقياس قولًا في الدين بغير

стр. 2913

دليل. فكان إنكاره موافقًا للدليل المقطوع به فكان أولى بالنقل. قوله: سلمنا/ (١٤٥/ أ) أن توفر الدواعي على نقله أكثر لكن ذلك لا يوجب نقله بل يقتضى الأولوية. قلنا سبق الجواب عنه. قوله: قد نقل إنكارهم العمل بالقياس وذم من يعمل به. قلنا: الذين نقلتم عنهم إنكار العمل بالقياس والمنع منه وذم من يعمل به هم الذين نقلنا عنهم القول بالقياس والرأي صريحًا، ودللنا أيضًا على ذهابهم إلى العمل به في المسائل المذكورة فلابد من التوفيق دفعًا للتناقض، وجمعًا بين الروايتين وذلك بأن يحمل ما ذكرتم من الروايات على الأقيسة التي لا توجد شرائطها، وتحمل الروايات الدالة على جواز العمل به على الأقيسة المستجمعة لشرائطها، وعند هذا نعرف أنه ليس لهم أن يقولوا: إن الروايات الدالة على الذم والمنع منه صريحة بخلاف الروايات الدالة على جواز العمل به فتكون روايات المنع راجحة فيعمل بها لزيادة الرجحان؛ لأنا بينا أن

стр. 2914

رواياتنا أيضًا صريحة وتزيد بالدلالة المعنوية على جواز العمل به كما ذكرنا في المسائل المختلف فيها، فتكون روايتنا راجحة فإن لم يكن كذلك فلا أقل من التساوي وحينئذ يتعين التوفيق كما تقدم. فإن قلت: هنا توفيق آخر وهو: أن بعضهم كان قائلًا بالقياس حين كان البعض الآخر منكرًا، ثم لما انقلب المنكر مقرًا انقلب المقر منكرًا وحينئذ يكون كل واحد منهم قائلًا بالقياس ومنكرًا له من غير تناقض، وتكون الروايتان صحيحتين مع أنه لا يحصل الإجماع على صحته، فلم قلتم أن ما ذكرتم من التوفيق أولى؟ قلت: ما ذكرنا من التوفيق أولى لوجهتين: أحدهما: أنه لو وقع ذلك لنقل واشتهر؛ لأنه من الأمور الغريبة والعجيبة، أو كان في لفظ أحد منهم إشعار بالرجوع عن ذلك كما نقل عنهم في بعض المسائل الرجوع عنها ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقع. وثانيهما: أن توفيقنا يقتضي بقاء ما كان على ما كان، وتوفيقكم لا يقتضى ذلك بل يقتضى التغيير فكان توفيقنا أولى. قوله: لا نسلم عدم الخوف والتقية. قلنا: قد ذكرنا الدليل عليه. وأما قول النظام: بأن العامل بالقياس إنما هو بعضهم. قلنا: مسلم، لكن سكت الباقون فكان إجماعًا كما تقدم، ونحن في هذا المقام ما ادعينا عمل الكل به حتى يكون ذلك قادحًا في غرضنا. قوله: هم سلاطين الصحابة معهم الرغبة والرهبة.

стр. 2915

قلنا: مثل هذا ما كان يمنعهم من المخالفة بدليل أنهم خالفوه في كثير من المسائل كما تقدم. قوله: نحن نعلم أن الرجل العظيم إذا اختار مذهبًا فلو أن غيره أبطل عليه ذلك شق عليه. قلنا: ذلك إنما يكون إذا كان الغرض منه التخطئة وإظهار المزية الفاضلة، فأما إذا كان الغرض منه بيان الحق والإرشاد فلا نسلم ذلك بالنسبة إلى المنصف من الخلف فضلًا عن السلف. قوله: قال ابن عباس- ﵄: "هبته ولقد كان والله مهيبا". ما يدل على حصول الخوف والتقية؛ لاحتمال أنه هابه لعظم مرتبته في العلم فلا يقدر على تقرير ما عنده، وإن كان ما عنده حقًا ولهذا فإنا نرى المتعلم لا يقدر على تقرير ما عنده عند كثير قدر في العلم لمهابته، ويقدر على ذلك عند أقرانه ونظراته، ومثل هذا المانع لا يدوم إلى آخر العمر ولا يفرض في حق الكل حتى يفرض مثله في السكوت عن الإنكار عن القياس. قوله: حصول الإجماع على كل أنواعه ممنوع، وعلى بعض أنواعه مسلم لكنه لا يفيد. قلنا: الإجماع منعقد على حجية القياس المناسب لا محالة وذلك؛ لأن النوع الذي أجمعوا عليه إن كان هو القياس المناسب فقد حصل الغرض، وإن كان غيره من غير ما نص على علته، ومن غير قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإن من المعلوم أنهما غير حاصلين في المسائل المختلف فيها فإنه يلزم منه انعقاد الإجماع على حجية القياس المناسب؛ إذ القول بانعقاد

стр. 2916

الإجماع ثمة مع عدم الانعقاد ها هنا باطل وفاقًا، ومنه يعرف الجواب عن قوله: إن ذلك النوع هو نحو قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. قوله: إنما يدل على انعقاد الإجماع على جواز العمل به في زمان الصحابة لا غير. قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه لما ثبت أنهم أجمعوا عليه في ذلك الزمان ثبت أنه حق فيه لا يجوز لأحد مخالفتهم في عصر من الأعصار، إذ المجمع عليه على وجه البت لا تجوز مخالفته في وقت ما، وحينئذ يلزم منه أنه حق في سائر الأزمان لا تجوز مخالفته. وثانيهما: أن كل من قال بحجيته في زمان ما من أزمنة شرعنا قال بحجيته في كل زمان فالقول بالفصل بين الزمان قول مخالف للإجماع فكان باطلًا. قوله: لا نسلم أن/ (١٤٦/أ) الإجماع السكوتي حجة. قلنا: قد ثبت ذلك. قوله: إنه حجة ظنية والمسألة قطعية. قلنا: ذكرنا غير مرة أن المسألة عندنا ظنية غير قطعية ولو سلم فالجواب ما تقدم في الأوامر وغيرها. وعن المعارضة بالآيات الأربع: الأول من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن القول بالحكم بالقياس قول بما لا يعلم أو بالظن

стр. 2917

وهذا لأنه لما دل القاطع على وجوب العمل بمقتضى الظن الحاصل من القياس كان وجوب الحكم بمقتضى ذلك الظن معلومًا لا مظنونًا. وثانيها: أنها محمولة على الظن الغير المعتبر بأن يكون في المسائل العلمية، أو وإن كان في المسائل الظنية لكن بطرق غير معتبرة، وهذا وإن كان تقييدًا وتخصيصًا لكنه يجب المصير إلى ذلك جمعًا بين الأدلة. وثالثها: أنها حجة على الخصم أيضًا، فإن القول ببطلان القياس ليس معلومًا بل هو مظنون؛ ضرورة أنه لا قاطع على فساده فوجب أن لا يجوز القول به. وعن الآيتين اللتين بعدها ما تقدم في حديث معاذ. وعن الآية السابعة: أنا لا نسلم أن الحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله؛ وهذا لأنه إنما يكون الحكم بالقياس تقدمًا بين يدي الله ورسوله إن لم يكن القياس متعبدًا به بقول الله وقول رسوله وهو ممنوع وحينئذ يكون الاحتجاج بالآية على كونه تقديمًا بين يدي الله ورسوله متوقفًا على عدم كونه متعبدًا به، فإثبات عدم التعبد به دور. وعن الثامنة والتاسعة: بمنع أن الحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله، أو بغير ما أراه الله تعالى وسنده ظاهر مما تقدم. وعن العاشرة: بمنع أن الرد إلى القياس ليس ردًا إلى قول الله وقول رسوله لما سبق. وعن الخبرين: أنهما محمولان على القياس الفاسد جمعًا بين ما ذكرنا من الأحاديث الدالة على جواز العمل بالقياس. وأما عن الإجماع: فما سبق أن ما روى عنهم في ذم القياس فهو غير مصروف إلى مطلق القياس، بل إلى القياس الفاسد، فحينئذ يكون الإجماع

стр. 2918

منعقدًا على عدم جواز العمل بالقياس الفاسد ونحن نقول به لا على مطلق القياس المتناول للصحيح والفاسد. وأما إجماع العترة فممنوع أيضًا؛ وهذا لأنه نقل الزيدية عنهم جواز العمل بالقياس. سلمنا سلامته عن المعارض لكن لا نسلم أن إجماعهم حجة وقد تقدم بيان ذلك. وعن الوجه الأول من المعقول: أنا لا نسلم أن مطلق الاختلاف والتنازع منهي عنه؛ وهذا لأن الاختلاف قد يكون رحمة ولهذا روى عن الرسول- ﵇ أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) فكيف يكون منهيًا عنه؟

стр. 2919

بل المراد من النهي عن الاختلاف والتنازع حيث ورد إنما هو الاختلاف والتنازع فيما فيه الحق متعين لقاطع كمسائل الأصول نحو إثبات الصانع، والتوحيد وإثبات المعاد والمبدأ وغيرها، فأما ما لا يتعين الحق فيه في واحد بعينه كالمسائل الاجتهادية، أو أن تعين لكن بأدلة ظنية فلا نسلم أن الاختلاف فيه منهي عنه. ويؤكده أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل كثيرة من المسائل الفرعية وكذا التابعون ومن بعدهم هلم جرًا إلى زماننا هذا ولم ينكر أحد من الأمة عليهم، فلو كان ذلك منهيًا عنه لكانوا مجمعين على الباطل وهو ممتنع فالملزوم مثله، وكذا المراد منه التنازع والاختلاف الصادر من غير أهل لذلك الاختلاف، وكذا الاختلاف والتنازع الصادر عن عصبية وتقليد وعناد، وهذا وإن كان تقييدًا للمطلق، أو تخصيصًا للعام لكنه يجب المصير إليه جمعًا بين الدليلين. سلمناه لكنه منقوض بالعمل بالأدلة العقلية والنصوص التي ليست قاطعة المتن والدلالة معًا مع أن الخصم يجوز التمسك بها. وعن الثاني: أنا لو سلمنا الحكم فيه فإنه لا يدل على عدم التعبد بالقياس في أحكام الله تعالى بل إنما يدل على عدم التعبد به في تصرفات العبيد ونحن ما ادعينا ذلك، وليس هو لازم لثبوت القياس في أحكامه تعالى لا قطعًا، ولا ظاهرًا؛ لأنه لو صرح بذلك لم يلزم منه مخالفة ظاهر وإلا لزم التعارض

стр. 2920

بينه وبين التصريح وأنه خلاف الأصل، وإن أريد إثباته في أحكامه تعالى بالقياس عليه فذلك إبطال للقياس بالقياس وهو باطل، وإن كان بطريق آخر فاذكروه لينظر فيه. سلمنا سلامته عن هذا الطعن لكن الفرق بين أحكام الله تعالى وبين أحكام العبيد حاصل. وبيانه: من حيث الإجمال والتفصيل: أما الأول: فلأنه لو نص الله تعالى على الحكم وقال: قيسوا عليه فإنه لا نزاع في جواز القياس عليه بخلاف العبد على ما سلمنا لكم ذلك، والاختلاف في الحكم دليل على الاختلاف/ (١٤٧/أ) في الحكمة. وأما الثاني فمن وجهين: أحدهما: أن حقوق العباد مبنية على الشح والضنة لكثرة حاجاتهم وسرعة رجوعهم عن دواعيهم وصوارفهم، بخلاف أحكام الله تعالى فإنها على الضد من ذلك فلا يلزم من عدم جريان القياس في أحكام العبيد وتصرفاتهم عدم جريانه في أحكامه تعالى. وثانيهما: أن الشارع إنما جعل القياس متعبدًا به لكون الوقائع لا نهاية لها توجد شيئًا فشيئًا والتنصيص على الكل متعذر، وكذا مراجعة الشارع فيما يقع منها في كل زمان، والتكليف بمقتضى البراءة الأصلية يقتضى نفي الابتلاء الذي هو مقصود الشارع من الشريعة في أكثر الأحكام وهذه المعاني بأسرها منتفية في أحكام العبيد وتصرفاتهم فلا يلزم من وقوع التعبد بالقياس في أحكامه تعالى وقوعه في تصرفات العبيد.

стр. 2921

المسألة الرابعة النص على علة الحكم يفيد الأمر بالقياس وإن لم يرد التعبد به عند الإمام أحمد، وجماعة من فقهائنا وفقهاء الحنفية كالكرخى وأبى بكر الرازي، وجماعة من المعتزلة كأبي الحسين البصري والقاشاني والنهربانى والنظام على ما حكي عنه الأكثرون. وكلام الشيخ الغزالي- رحمة الله- في النقل عنه صريح في أنه يرى تعميم الحكم في جميع موارد العلة بطريق اللفظ والعموم، ولا شك في أنه مخالف لنقل الأكثرين ومناف له، فإن التعميم بطريق القياس لا يجامع التعميم بطريق اللفظ فحينئذ لا يكون ذلك أمرًا بالقياس عنده وإن كان الحكم ثابتًا عنده في غير الصورة التي نص عليها.

стр. 2922

وذهب المحققون من أصحابنا كالأستاذ أبى إسحاق الإسفرايينى والغزالي والإمام وغيرهم وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة كجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وغيرهما إلى أنه لا يفيد ذلك. وفصل أبو عبد الله البصرى بين أن تكون العلة علة لفعل أو علة الترك: فقال في النوع الأول لا يفيد وفي الثاني يفيد. والمختار: أن ذلك لا يفيد ثبوت الحكم في غير الصورة التي نص عليها

стр. 2923

لا بطريق اللفظ، ولا بطريق أنه يفيد الأمر بالقياس. أما الأول فالدليل عليه: أنا نعلم بالضرورة من اللغة أن قوله: "حرمت الخمر لكونها مسكرة" غير موضوع لتحريم كل سكر بل هو موضوع لتحريم الخمر لعلة كونها مسكرة وحرمة ما عدا الخمر من المسكرات ليس جزءًا من هذا المفهوم، والعلم بذلك أيضًا ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون دلالته على تحريم كل مسكر لفظية، ضرورة أن الدلالة اللفظية منحصرة في هذين النوعين على رأى، وفي الدلالة المطابقية على رأي. والذي يؤكده: أن الرجل إذا قال: أعتقت غانمًا لسواده وله عبيد أخر سود، فإنهم لا يعتقون عليه وفاقًا، ولو كانت دلالته لفظية قائمة مقام قوله: أعتقت كل عبيدي السود لما كان كذلك بل كانوا يعتقون عليه من غير اعتبار نية ولا علم بقصده. وأما الثاني: فلأن قوله: "حرمت الخمر لكونها مسكرة" يحتمل أن تكون علة حرمته مطلق الإسكار، ويحتمل أن تكون إسكارها؛ وهذا لأن لله تعالى أن يجعل إسكار الخمر لخصوصيته علة التحريم؟ إما لأنه تعالى [علم فيه مفسدة لا توجد في غيره، أو وإن لم يكن كذلك لكن لله أن يجعله علة بالتحريم] ويكون فائدة ذكر العلة زوال التحريم عند زوال الإسكار، وإذا احتمل واحتمل لم يجز التعبد به إلا بأمر مستأنف بالقياس. فإن قيل: نحن لا ننازعكم أن قوله: حرمت الخمر لكونها مسكرة غير موضوع في أصل اللغة لتحريم كل سكر لكن لم لا يجوز أن يقال: أنه منقول في عرف الاستعمال إلى تحريم كل مسكر.

стр. 2924

ثم الذي يدل عليه: أن الرجل إذا قال لغيره: حرمت عليك السم لكونها قاتلًا، ثم أنه أباح له قاتلًا آخر مما لا يطلق عليه السم فإنه يعد مناقضًا في ذلك، ولولا أنه متناول له لما كان كذلك، وإنما لا يعتق سائر عبيده السود إذا قال: أعتقت غانمًا لسواده وإن كانت دلالته لفظية؛ لأنه غير صريح في ذلك، وكذلك لو نوى ذلك عتقوا عليه على رأى. سلمنا أنه لا يدل عليه بطريق المطابقة والتضمن فلم لا يجوز أن يقال: أنه يدل عليه بطريق الالتزام؟ وقوله: الدلالة اللفظية منحصرة في النوعين. قلنا: المعنى من قولنا: أنه يدل عليه بطريق اللفظ هنا هو أنه مستفاد من اللفظ، أو من فهم معناه عند سماعه ولاشك أن الدلالة اللفظية بهذا المعنى حاصلة كقولنا: حرمت الخمر لكونها مسكرة على تحريم كل مسكر؛ إذ يفهم منه العلة ويلزم من فهم العلة تعميم الحكم أينما وجدت العلة، وليس هذا قولًا بطريقة القياس فإن القياس ليس من/ (١٤٨/ أ) الدلالة الالتزامية في شيء. سلمنا أنه لا يدل عليه من جهة اللفظ فلم لا يجوز أن يقال: إنه يدل عليه بطريق أنه يفيد الأمر بالقياس؟ قوله: يحتمل أن تكون العلة إسكار الخمر لا مطلق الإسكار. قلنا: لا نسلم احتماله؛ وهذا لأنه لو احتمل ذلك لاحتمل مثله في العلل العقلية حتى يمكن أن يقال: النقل إنما يوجب الهوى لكونه في هذا المحل المخصوص فإذا لم يكن فيه لا يوجبه.

стр. 2925

سلمنا احتماله في الجملة لكن العرف أسقط اعتباره؛ فإنه إذا قال الأب لابنه: لا تأكل الطعام لأنه مهلك، فهم منه المنع من تناول كل مهلك، ولو كان لخصوصية المحل مدخل لما فهم ذلك، وإذا ثبت ذلك في العرف ثبت مثله في الشرع؛ إذ الأصل تطابق العرف والشرع، لقوله- ﵇: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن). سلمنا أن العرف لم يسقطه بالكلية لكنه خلاف الغالب، وخلاف الأصل والظاهر فوجب عدم اعتباره إلحاقًا بالغالب والأصل والظاهر. أما الأول، فلأن الغالب في العلل منصوصة كانت أو مستنبطة إنما هو التعدية بها دون الاقتصار على محالها بالاستقراء. وأما الثاني، فلأن الأصل والظاهر في العلل أن تكون مناسبة للحكم؛ لأن العلة بمعنى الباعث والباعث هو المناسب، ولأن التعليل إنما هو لفائدة أن لا يكون الحكم متعبدًا به فيكون أدعى إلى القبول والعمل به، ولفائدة تعميم الحكم، وهاتان الفائدتان إنما تحصلان لو عدى بها الحكم [دون أن يقتصر بذلك المحل، وخصوصية الإسكار غير مناسب ولا يحصل بها تعميم الحكم] ضرورة أنها غير مشتركة بينها وبين غيرها فيكون التعليل بها على خلاف الظاهر والأصل. سلمنا دلالة دليلكم، لكن فيما إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة، أما إذا قال: حرمت الخمر وعلة حرمة الخمر هي الإسكار، فإنا لا نسلم الدلالة فيه، وظاهر أنه لا يبقى فيه ذلك الاحتمال؛ إذ لا إضافة فيه الإسكار إلى الخمر.

стр. 2926

سلمنا دلالة دليلكم مطلقا لكنه معارض بوجوه: أحدها: أنه لو كان المراد منه خصوصية إسكار الخمر لم يكن في ذكر العلة فائدة؛ لأن كون الخمر مسكرة وصف لازم لها غير مفارق فكان يكفيه أن يقول: حرمت الخمر من غير تعرض لعلية. وثانيها: أن اعتبار خصوصية المحل في العلية يقتضى امتناع القول بالقياس فكان باطلًا. وثالثها: أن قول الشارع: حرمت الخمر لكونها مسكرة، أو ما يجرى مجراه يقتضى إضافة الحرمة إلى الإسكار، من حيث إنه رتب الحكم على الوصف وأنه مشعر بالعلية فوجب أن يترتب الحكم عليه أينما وجد. ورابعها: أن التنبيه على العلة كما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ يوجب إلحاق ما عداه من الأذى به فالتصريح بالعلة أولى بذلك. واحتج أبو عبد الله البصري على ما ذهب إليه من التفصيل: بأن من ترك أكل رمانة لحموضتها فإنه يجب عليه أن يترك أكل كل رمانة حامضة. وأما من أكل رمانة لحموضتها فإنه لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة.

стр. 2927

الجواب قوله: لم لا يجوز أن يقال: أنه منقول في عرف الاستعمال إلى تحريم كل مسكر. قلنا: النقل خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند قيام الدلالة عليه والأصل خلافه. قوله: من حرم السم لكونه قاتلًا ثم أباح قاتلًا آخر يعد مناقضًا. قلنا: لا نسلم. سلمناه لكن بقرينة كون الحياة مطلوب البقاء، وكون الضرر مطلوبة الانتفاء ولا نسلم حصول مثل هذا المعنى في العلة الشرعية؛ وهذا فإن الشارع قد يحرم شيئًا ويبيح مثله، ويوجب شيئًا ويحرم مثله، كما سبق في شبه النظام، وذلك إما لأنه علم اختصاص أحد المثلين بمصلحة أو مفسدة ليس توجد في الآخر، أو لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. سلمنا انتفاء القرينة لكن ذلك من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ ونحن في هذا المقام في دلالته من جهة اللفظ لا في دلالته من جهة المعنى. قوله: لو نوى عتق جميع السودان عتقوا عليه على رأى. قلنا: هذا المذهب باطل فلا يمكن التخريج عليه. قوله: لم لا يجوز أن يقال: أنه يدل بطريق الالتزام؟ قلنا: قد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون العلة إنما هي إسكار الخمر لا مطلق

стр. 2928

الإسكار، ومن المعلوم أن تحريم كل مسكر غير لازم لهذا المعنى لا قطعًا ولا ظاهرًا، فلا يصح أن يدل عليه بطريق الالتزام حينئذ، نعم لو ثبت أن العلة إنما هي مطلق الإسكار لا إسكار الخمر بخصوصه يصح ذلك لكنه ممنوع. قوله: لا نسلم احتماله. قلنا: الدليل عليه: أنه لو صرح بإرادة هذا الاحتمال من ذلك اللفظ لم يخطئه العارف/ (١٤٩/ أ) باللسان، ولولا أنه محتمل للفظ لخطئ فيه. قوله: لو احتمل ذلك في العلة الشرعية لاحتمل مثله في العلة العقلية كما في النقل. قلنا: إن فسرت العلة العقلية بما يتأتى فيه هذا الاحتمال [فلا نسلم امتناعه فيه من حيث هو ذلك الاحتمال] ومن حيث هو ذلك التفسير. وإن فسرت بما لا يتأتى فيه الاحتمال المذكور كما يقال في المثال المذكور: النقل معنى يقتضي الهوى فإنه حينئذ يستحيل فرضه بدون الهوى ظهر الفرق. قوله: العرف أسقط هذا الاحتمال. قلنا: مطلقًا أم ما فيه القرينة كما فيما ذكرتم من المثال؟ والأول ممنوع، والثاني مسلم. قوله: أنه خلاف الغالب والظاهر والأصل. قلنا: مسلم لكن الإلحاق حينئذ بدليل وجوب التعبد بالقياس لا بالتنصيص، وذلك لأنه إنما يجب العمل بالغالب والظاهر والأصل لكون كل واحد منها مما يفيد الظن الغالب ويكون العمل به واجبًا.

стр. 2929

وهذا الدليل بعينه يوجب العمل بالقياس فيكون التنصيص على العلة لا يقتضى الإلحاق إلا بالدليل على وجوب التعبد بالقياس وهو ما ادعيناه. قوله: لا يتأتى ما ذكرتم من الاحتمال فيما رذا قال: علة حرمة الخمر الإسكار. قلنا: نحن نسلم أن في هذه الصورة أينما حصل الإسكار حصلت الحرمة، لكن لا بطريق القياس بل بطريق الاستدلال من النص من حيث إنه جعل مطلق الإسكار علة تحريم الخمر وهو حاصل في كل مسكر، فيلزم ثبوت الحرمة في كل مسكر. قوله: لو كان المراد منه خصوصية الإسكار لم يكن في ذكر العلة فائدة. قلنا: لا نسلم بل فيه فائدة وهى ما تقدم من أنه يفيد زوال الحكم عند زوال العلة، فإن كان لخصوصية المحل مناسبة في موضع ما فيكون فيه فائدة أخرى وهى: كون الحكم معقول المعنى فيكون أدعى إلى القبول والعمل به. قوله: إن اعتبار خصوصية المحل في العلية يوجب القول بامتناع القياس. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأنه حيث دل دليل على أنه لا اعتبار لخصوصية المحل يكون القياس جاريًا فيه. قوله: رتب الحكم على الوصف وأنه مشعر بالعلية. قلنا: مسلم لكن لا نسلم أنه رتب على مطلق الإسكار حتى يعم الحكم بعمومه بل هو عندنا مرتب على إسكار الخمر فلم قلتم أنه ليس كذلك؟ فإن قلت خصوصية المحل غير مناسب.

стр. 2930

قلت: لا نسلم اشتراطه في إشعار العلية فيما نحن فيه. سلمناه لكنه دليل خارجي غير التنصيص. قوله: التنبيه على العلة يقتضى الإلحاق بالتصريح بذلك أولى. قلنا: التعميم مستفاد بكون التنبيه وقع على العلة العامة فإن فرض أنه وقع التنبيه على العلة على وجه يحتمل أن تكون مخصوصة بمحل خاص فلا نسلم أن يقتضى الإلحاق إذ ذاك. وعن وجه التفصيل بمنع قوله: أنه يجب عليه ترك أكل كل رمانة حامضة؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون الداعي إلى الترك حموضة تلك الرمانة لا مطلق الحموضة. فإن قيل: الداعية إلى الفعل أو الترك لا يكون إلا لغرض ولا غرض في ترك أكل رمانة لحموضتها المخصوصة. قلنا: لو سلم لكم ذلك فإنما يتأتى ذلك في حق من أفعاله معللة بتحصيل المصالح، ودفع المفاسد، فأما بالنسبة إلى أفعال الله فلا نسلم ذلك؛ فإن أفعاله تعالى عندنا غير معللة بالأغراض. سلمناه لكنه لأمر آخر غير التنصيص، ولا نزاع فيه وإنما النزاع أن مجرد التنصيص هل يدل عليه أم لا؟ سلمنا المقدمة الأولى لكن لا نسلم الفرق بين الفعل والترك. قوله: إن أكل رمانة حامضة فإنه لا يجب عليه أكل كل رمانة حامضة.

стр. 2931

قلنا: لا نسلم ذلك لكن إنما لا يجب عليه ذلك؛ لأن شرائط العلة منقودة؛ وهذا فإن حموضتها وإن كانت علة أكلها لكن بشرط الاشتهاء الصادق، وخلو المعدة عن الرمان، وعلمه أو ظنه تضرره بأكلها وهذه الشرائط بأسرها غير حاصلة بالنسبة إلى أكل الرمانة الثانية فلذلك لم يجب أكلها.

стр. 2932

المسألة الخامسة المسكوت عنه قد يكون أولى بالحكم من المنصوص عليه . أما في جانب النفي فكما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فإن ضربهما الذي هو مسكوت عنه أولى بالتحريم من أف الذي هو منصوص عليه. وأما في جانب الإثبات فكقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ فهذه تفيد تأدية ما دون الدينار بالطريق الأولى. وقد يكون مثله فيه من غير تفاوت ألبتة كما في قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فإن العبيد في معناها. وكما في قوله- ﵇: (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه) فإن الأمة في معناه في هذا الحكم.

стр. 2933

وكما في قوله ﵇: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق/ (١٥٠/ أ) بمتاعه) فإن المرأة في معناه. وكما في قوله- ﵇: (من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فإن الأمة المبيعة في معناه. وله نظائر أخر، وهذا النوع يسمى بالقياس في معنى الأصل وكل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى قطعي، وإلى ظني أي: ما يعرف قطعًا أنه أولى بالحكم أو مثله، أو يعرف ذلك ظنًا. فالقطعي من النوع [الأول] هو نحو ما ذكرناه. وأما الظني منه فنحو ما روى عن الشافعي- ﵁ أنه قال: "إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد بالطريق الأولى لكونه أولى بالمؤاخذة والزجر". ونحو ما يقال: أنه إذا وجبت الكفارة في غير يمين الغموس مع أنه اثمه أقل فلأن تجب في يمين الغموس بالطريق الأولى، وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة، وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن

стр. 2934

الوثني أولى؛ لأنه كافر مع زيادة جهل، وهذا النوع ظني غير قطعي؛ لأنه لا يبعد أن يقال: إن الكفارة تجب في قتل الخطأ تكفيرًا لما صدر من الخاطئ من التقصير وعدم التحفظ والاحتراز، فلا شك في أنه أقل محذورًا من قتل العمد والعدوان، ولا يلزم من كون الشيء رافعًا لأقل المحذووين أن يكون رافعًا لأكثرهما، ونحو هذا الاحتمال بعينه آت في يمين غير الغموس مع يمين الغموس. وكذا لا يبعد أن يقال: إنما ردت شهادة الفاسق؛ لأن إقدامه على الفسق مع اعتقاد تحريمه يدل على جرأته على المعاصي والكذب فلا تحصل الثقة بقوله بخلاف الكافر فإنه لم يقدم عليه مع علمه بتحريمه بل يعتقد حقيته، فلا يبطل ذلك الثقة بقوله وكيف يبطل ذلك وكفره يمنعه من الكذب؛ إذ الكلام في الكافر الذي يعتقد تحريم الكذب في كفره. وكذا لا يبعد أن يقال: إن كفر أهل الكتاب أخف من كفر الوثني، وأخذ الجزية نوع احترام وتخفيف، فلا يلزم من جواز أخذها على الكفر الأخف جواز أخذها على الكفر الأغلظ، ومع هذه الاحتمالات القريبة لا يحصل الجزم به، بل قد تحصل غلبة الظن به لبعض المجتهدين؛ ولهذا كان مختلفًا فيه بين العلماء المعتبرين بخلاف القسم الأول فإنه غير مختلف فيه بينهم. والقطعي من النوع الثاني هو مثل ما ذكرناه. وأما الظني منه فنحو ما يقال: إنه إذا وجب الحد في الزنا فاللواطة مثله؛ إذ هو أيضًا إيلاج فرج مشتهى طبعًا محرم قطعًا. وإذ حرم الخمر فالنبيذ مثله؛ إذ هو أيضًا مسكر ففي بادئ النظر تظهر المماثلة بينهما، إذ الوصف

стр. 2935

المناسب الظاهر مشترك بينهما، لكن لا يبعد أن يقال: إن الميل إلى الزنا لما كان عامًا من الجانبين كان احتياجه إلى الزاجر أكثر من اللواطة الذي ليس كذلك. ولما كان قليل الخمر يدعو إلى كثيرها الذي هو مكسب المفسدة كانت الحاجة إلى تحريم عينها أكثر من النبيذ الذي ليس كذلك، فمع هذا الفارق لا يمكن القطع بالإلحاق لكن يحصل الظن الغالب بالمماثلة في الحكم لبعض المجتهدين بناء على ما ذكرنا من الوصف الجامع. وقد يكون المسكوت عنه دون المنصوص في ثبوت الحكم فيه كإلحاق التفاح بالأشياء الستة في تحريم الربا، أو إلحاق الجص أو النورة بها فيه. واتفق الأصوليون على أنه لا مستند لثبوت الحكم في المسكوت عنه في هذا النوع الأخير إلا القياس. وأما في النوعين الأولين فقد اختلفوا فيه: فذهب أكثر أصحابنا إلى أن الحكم في المسكوت عنه ثابت في النوع الأول بالدلالة اللفظية. وذهب الباقون إلى أنه ثابت بالقياس. وأما في النوع الثاني فذهب أصحابنا إلى أن الحكم ثابت فيه بالقياس،

стр. 2936

وذهب الحنفية إلى أنه غير ثابت بل بالاستدلال أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار؛ ولهذا أوجبوا على المفطر في نهار رمضان بالأكل أو الشرب الكفارة اعتبارًا بالجامع، ولكن لا بطريق القياس عليه؛ إذ القياس عندهم غير جار في الكفارات والحدود، ولكن بطريق الاستدلال. واحتج من قال: بأن الحكم في النوع الأول ثابت بالدلالة اللفظية دون القياس بوجوه: أحدها: أن العارف باللسان إذا سمع أمثال هذه الصيغ فإنه يتبادر إلى فهمه ثبوت الحكم في محل المسكوت كما هو في محل النطق بل بالطريق الأولى، وذلك يدل على أنها حقيقة في المجموع معًا إما بحسب الوضع الأصلي أو النقل العرفي وأيما كان يحصل المقصود. وثانيها: أن العرب وضعت هذه الصيغ لتأكيد الحكم في محل السكوت، بدليل أنهم يفزعون إليها عندما أرادوا التعبير عنه، ألا ترى أنهم إذا أرادوا التعبير على وجه المبالغة عن كون أحد الفرسين سابقًا على الآخر قالوا: "إن هذا/ (١٥١/ أ) الفرس لا يلحق غبار ذلك الفرس، وإذا أرادوا التعبير عن كون الرجل فقيرًا لا شيء له قالوا: لا سبد له ولا لبدا، وقالوا: "لا يملك النقير والقطمير" أو ما يجري مجراهما، ولو كانت تلك الصيغ غير

стр. 2937

موضوعة لذلك في لغتهم لما فزعوا إليها. وأجيب عنهما: بأن ذلك من حيث المعنى والقصد دون اللفظ وستعرف سنده. وثالثها: أنه لو كان ذلك مستفادًا من القياس لوجب أن لا يقول بذلك من لم يقل بصحة القياس، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مستفاد من القياس، وإذا لم يكن مستفادًا من القياس تعين أن يكون مستفادًا من اللفظ لئلا يلزم قول ثالث خلاف الإجماع. وأجيب عنه: بأن الخلاف في القياس الظني لا يقدح في القياس اليقيني والقياس فيما نحن فيه يقيني، ولو فرض الكلام في القسم الظني منه فنحن نمنع حصول الاتفاق فيه. ورابعها: وهو ما عول عليه بعضهم، وهو: أنه لا يشترط في القياس أن تكون العلة أشد مناسبة للحكم في الفرع من مناسبتها له في الأصل [و] ما يتخيل علة في هذا النوع من الاستدلال يشترط فيه ذلك فلا يكون قياسًا. وهو أيضًا ضعيف؛ لجواز أن يكون قياسًا خاصًا، ولا يلزم من عدم اشتراط الشيء في مطلق القياس عدم اشتراطه في القياس الخاص. وخامسها: أن الفرع في القياس غير مشتمل على الأصل، ولا هو جزء منه ألبتة إجماعًا، وما يتخيل فرعًا من هذا النوع من الاستدلال فإنه قد يكون مشتملًا على ما يتخيل فيه أصلًا وهو جزء منه، وذلك في نحو قوله

стр. 2938

تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ فإنه يدل بالطريق الأولى على رؤية ما عمل من الخير ما هو أكبر من مثقال ذرة وهو فرع في هذه الصورة، ومثقال ذرة الذي هو الأصل جزء منه، وهو مشتمل عليه، وكذا في قولهم: "فلان لا يملك حبة" فإنه يفيد أنه لا يملك ما زاد على الحبة، وهو مشتمل على الحبة والحبة جزء منه فلا يكون هذا النوع قياسًا. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه إن ادعى في المقدمة الأولى كلية منعناها، وهذا فإن هذه الصورة من جملة صور القياس عند الخصم وقد وجد فيها ما ذكر من الوصف وإن ادعاهما جزئية أو مهملة فلا يفيد، سلمناها كلية لكن الخصم قد يسلم أن اللفظ يدل عليه في مثل هذه الصور بواسطة الفحوى فلم قلتم أن الأمر كذلك فيما ليس هو مثله؟ ودعوى الإجماع على عدم التفصيل ممنوع. وسادسها: أنه يلزم أن لا يعلم العاقل ثبوت الحكم في المسكوت عنه لو منع من القياس الشرعي. وأجيب أنه إن علم الغرض وما هو المقصود من الكلام كان القياس فيه حينئذ يقينيًا فلم يؤثر المنع من الظني فيه، وإن لم يعلم ذلك فإنه يلزم صحة أن لا يعلم ذلك حينئذ بل عند عدم ورود التعبد بالقياس أيضًا. وسابعها: أنا أجمعنا أن قولهم: "فلان مؤتمن على القنطار" يفيد في العرف أنه مؤتمن مطلقًا. "وفلان لا يملك حبة" يفيد فيه أن لا يملك شيئًا ألبتة وإنما حكم بذلك فيهما لتبادر الفهم إليه عند سماع اللفظ وهذا المعنى حاصل في أمثالهما، فوجب أن يحكم بذلك في الكل. وأجيب بمنع ما ذكروه من الإفادة؛ وهذا لأنه إنما يفيد أنه مؤتمن فيما دون القنطار لكونه موجودا في القنطار فتكون دلالته عليه بالتضمن، فأما فيما فوقه فلا نسلم ذلك فيه.

стр. 2939

وكذا قولهم: "لا يملك حبة" يفيد أنه لا يملك ما زاد عليها لكونها موجودة فيما زاد عليها فأما فيما دونها فلا نسلم أنه يفيد نفي ما ملكه عنه. سلمناه لكن النقل العرفي خلاف الأصل فيقتصر في محل الضرورة ولا ضرورة في أمثالهما فلا يجوز الحكم بذلك فيها. واحتج الباقون بوجوه: أحدها: لو كانت دلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب من جهة اللفظ لوجب أن لا يفتقر في معرفة ذلك إلى معرفة ما هو المقصود من الكلام، وما لأجله سيق إليه من تعظيم الأبوين، وكف أنواع الأذى عنهم كما في سائر الدلالة اللفظية، ولما لم يكن كذلك بل يحكم بتحريمه إجماعًا إلا بعد معرفة ذلك علمنا أنه غير مستفاد من جهة اللفظ. وثانيها: أنه لو كانت دلالته لفظية لما حسن من الملك أن ينهي الجلاد وعبيده وخدمه عن التأفيف وصفع والده الذي نازعه في الملك ويأمرهم بقتله [كما] لا يحسن منه أن يأمرهم بقتله ثم ينهاهم عنه، ولما حسن ذلك باتفاق العقلاء علمنا أنه لا يدل عليه من جهة اللفظ. وثالثها: أنه لو كانت دلالته عليه لفظية فإما أن يدل عليه بحسب الوضع اللغوي، وهو باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن التأفيف غير موضوع بالضرب، ولا لمفهوم يكون الضرب جزءًا منه فلم يكن المنع منه منعًا عن الضرب بحسب الوضع اللغوي، أو بحسب الوضع العرفي/ (١٥٢/ أ) وهو أيضًا باطل؛ لأن النقل العرفي خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند قيام الدلالة عليه والأصل

стр. 2940

عدمها. واعلم أنه إن أريد بدلالته اللفظية: أن اللفظ يدل عليه بطريق المطابقة، أو بطريق التضمن فهذا باطل لما سبق من الوجوه. وإن أريد بها: أن اللفظ يدل عليه بواسطة الفحوى فهذا حق والوجوه المذكورة غير قادحة فيه. أما الأول فلاحتمال أن يقال: إن معرفة مقصود الكلام وما لأجله سيق شرط تحقق دلالة الفحوى وبه يعرف اندفاع الوجه الثاني أيضًا. وأما الثالث فإنه لا دلالة فيه ألبته على إبطال هذا الاحتمال بل على إبطال دلالة المطابقة والتضمن لا غير. وعند هذا يعرف أن الدلالة اللفظية بهذا التفسير لا ينافي كونه قياسًا بمعنى إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لعله جامعة بينهما نعم ليس هو من الأقيسة المألوفة بين الفقهاء التي تحتاج إلى فكر واستنباط على ولا يفيد إلا الظن؛ إذ العلة فيه جلية متبادرة إلى الفهم لا تحتاج إلى الاستنباط وهي مفيدة للقطع. وأما النوع الثاني، فدليل أصحابنا القائلين بكونه قياسًا ظاهرًا، وأما الذين سموه بالاستدلال فزعموا أن القياس في اللغة هو التسوية مطلقًا، وفي الشرع تسوية مخصوصة على ما تقدم بيانه وهي إنما تعقل بين الشيئين فما جمع بين الشيئين بجامع يكون قياسًا، وأما الذي يتعرض فيه لنفي فارق ونفي المباينة فهو شيء واحد فلا يعقل ذلك فيه بل هو استدلال من حيث إنه استدلال على تحرير مناط الحكم.

стр. 2941

وهو ضعيف؛ لأنه إن نظر إلى العلة فهي واحدة في الصورتين أعنى الصورة التي ذكر الجامع فيها، والتي تعرض فيها لنفي الفارق. وإن نظر إلى ما فيه العلة فهما صورتان مختلفتان؛ إذ صورة الإفطار بالجماع غير صورة الإفطار بالأكل والشراب قطعًا؛ غاية ما في الباب إنه يظن اتحاد العلة في الصورة الأولى بالمناسبة أو بغيرها من الطرق من غير تعرض لنفي ما عداها فيحصل الجمع بين الصورتين بالقصد الأول، وفي الثانية تعلم العلة لنفي ما عداها من درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني، وذلك لا يخرجه كونه قياسًا. وبالجملة النزاع في المسألتين آيل إلى اللفظ إذ لا يترتب على هذا الاختلاف فائدة معنوية.

стр. 2942

الباب الثاني في الركن الأول من أركان القياس وهو الأصل

стр. 2943

الباب الثاني في الركن الأول من أركان القياس وهو الأصل وهو يستحق التقديم على غيره من الأركان؛ لأنه أصل الحكم الذي هو أصل العلة التي هي أصل الفرع لكونه محتاجًا إليها في ثبوت الحكم. وفيه مسائل: المسألة الأولى في شرائط الأصل وهي ثمانية: الشرط الأول: أن يكون الحكم الذي قصدت تعديته إلى الفرع ثابتًا فيه؛ فإنه لو لم يكن ثابتًا فيه بأن لم يشرع فيه ابتداء أو وإن شرع فيه لكن نسخ لم يمكن بناء حكم الفرع عليه؛ لأن كون الشيء مبنيًا على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن الصفة أيضًا ثابتة له، ولأنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا أمكن توجيه المنع عليه فلا ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل إقامة الدليل على ثبوته. الثاني: أن يكون الحكم شرعيًا، واحترزنا به عن الحكم العقلي واللغوي فإنا بتقدير أن يجري القياس التمثيلي فيهما فإنه ليس قياسًا شرعيًا بل عقليًا

стр. 2944

ولغويًا وكلامنا في القياس الشرعي. الثالث: أن يكون الطريق إلى معرفته سمعيًا، وهذا على رأينا ظاهر؛ لأن ما لا يكون طريق معرفته سمعيًا لا يكون حكمًا شرعيًا. وأما على رأي من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي فاحترزوا به عن الحكم الشرعي الذي طريق معرفته العقل. واحتجوا على اعتبار هذا الشرط: بأنه لو كان طريق معرفة ذلك الحكم في الأصل العقل لكان طريق معرفته- في الفرع- أيضًا العقل وحينئذ يصير القياس عقليًا، لا سمعيًا، وكلامنا في القياس السمعي. وهذا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الكلام في القياس السمعي بل في القياس الذي يفيد حكمًا شرعيًا أعم من أن يكون سمعيًا أو عقليًا. سلمناه لكن معرفة الحكم في الفرع لا يتوقف على معرفة الحكم في الأصل فقط حتى يلزم من كون طريق معرفته في الأصل عقليًا كون طريق معرفته في الفرع عقليًا أيضًا، بل يتوقف على معرفته حكم الأصل وعلى كون ذلك الحكم معللًا بالوصف الفلاني، وعلى معرفة حصول ذلك الوصف بتمامه في الفرع فبتقدير أن تكون المعرفة [الأولى] عقلية يحتمل أن تكون الباقيتان سمعيتين، وحينئذ لا يمكن معرفة حكم الفرع إلا بعد معرفة تينك المقدمتين السمعيتين، والموقوف على السمعي سمعي فيكون القياس سمعيًا، فلم يلزم الخلف على هذا التقدير. الرابع: أن لا يكون حكم/ (١٥٤/ أ) الأصل ثباتًا بالقياس على أصل

стр. 2945

آخر، وهذا على رأي أصحابنا والحنفية. وخالف فيه بعض المعتزلة، والحنابلة حيث لم يشترطوا ذلك. ثم الذي يدل على اشتراطه هو: أن العلة التي يرد بها الفرع المتنازع فيه إلى أصله، إما أن تكون عين العلة التي يرد بها ذلك الأصل إلى أصله، أو غيرها. فإن كان الأول: كان رد الفرع بتلك العلة إلى أصل أصله أولى لئلا يلزم التطويل من غير فائدة، فأن الخصم إذا منع الحكم فيما قاس عليه الفرع فإنه يحتاج أن يرده إلى أصله بغير تلك العلة فيلزم التطويل لا محالة من غير فائدة، مثله: كما لو قيل من جانبنا: الوضوء عبادة فيشترط فيه النية قياسًا على الغسل، ثم نقيس الغسل في أن يشترط فيه النية على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة، فرد الوضوء إلى الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة أولًا أولى.
следующие страницы →