Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
وهو ضعيف؛ لأنه إن نظر إلى العلة فهي واحدة في الصورتين أعنى الصورة التي ذكر الجامع فيها، والتي تعرض فيها لنفي الفارق. وإن نظر إلى ما فيه العلة فهما صورتان مختلفتان؛ إذ صورة الإفطار بالجماع غير صورة الإفطار بالأكل والشراب قطعًا؛ غاية ما في الباب إنه يظن اتحاد العلة في الصورة الأولى بالمناسبة أو بغيرها من الطرق من غير تعرض لنفي ما عداها فيحصل الجمع بين الصورتين بالقصد الأول، وفي الثانية تعلم العلة لنفي ما عداها من درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني، وذلك لا يخرجه كونه قياسًا. وبالجملة النزاع في المسألتين آيل إلى اللفظ إذ لا يترتب على هذا الاختلاف فائدة معنوية.
стр. 2942
الباب الثاني
في الركن الأول من أركان القياس وهو الأصل
стр. 2943
الباب الثاني
في الركن الأول من أركان القياس وهو الأصل
وهو يستحق التقديم على غيره من الأركان؛ لأنه أصل الحكم الذي هو أصل العلة التي هي أصل الفرع لكونه محتاجًا إليها في ثبوت الحكم. وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في شرائط الأصل وهي ثمانية:
الشرط الأول: أن يكون الحكم الذي قصدت تعديته إلى الفرع ثابتًا فيه؛ فإنه لو لم يكن ثابتًا فيه بأن لم يشرع فيه ابتداء أو وإن شرع فيه لكن نسخ لم يمكن بناء حكم الفرع عليه؛ لأن كون الشيء مبنيًا على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتا لم تكن الصفة أيضًا ثابتة له، ولأنه إذا لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا أمكن توجيه المنع عليه فلا ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل إقامة الدليل على ثبوته.
الثاني: أن يكون الحكم شرعيًا، واحترزنا به عن الحكم العقلي واللغوي فإنا بتقدير أن يجري القياس التمثيلي فيهما فإنه ليس قياسًا شرعيًا بل عقليًا
стр. 2944
ولغويًا وكلامنا في القياس الشرعي.
الثالث: أن يكون الطريق إلى معرفته سمعيًا، وهذا على رأينا ظاهر؛ لأن ما لا يكون طريق معرفته سمعيًا لا يكون حكمًا شرعيًا.
وأما على رأي من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي فاحترزوا به عن الحكم الشرعي الذي طريق معرفته العقل.
واحتجوا على اعتبار هذا الشرط: بأنه لو كان طريق معرفة ذلك الحكم في الأصل العقل لكان طريق معرفته- في الفرع- أيضًا العقل وحينئذ يصير القياس عقليًا، لا سمعيًا، وكلامنا في القياس السمعي.
وهذا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الكلام في القياس السمعي بل في القياس الذي يفيد حكمًا شرعيًا أعم من أن يكون سمعيًا أو عقليًا.
سلمناه لكن معرفة الحكم في الفرع لا يتوقف على معرفة الحكم في الأصل فقط حتى يلزم من كون طريق معرفته في الأصل عقليًا كون طريق معرفته في الفرع عقليًا أيضًا، بل يتوقف على معرفته حكم الأصل وعلى كون ذلك الحكم معللًا بالوصف الفلاني، وعلى معرفة حصول ذلك الوصف بتمامه في الفرع فبتقدير أن تكون المعرفة [الأولى] عقلية يحتمل أن تكون الباقيتان سمعيتين، وحينئذ لا يمكن معرفة حكم الفرع إلا بعد معرفة تينك المقدمتين السمعيتين، والموقوف على السمعي سمعي فيكون القياس سمعيًا، فلم يلزم الخلف على هذا التقدير.
الرابع: أن لا يكون حكم/ (١٥٤/ أ) الأصل ثباتًا بالقياس على أصل
стр. 2945
آخر، وهذا على رأي أصحابنا والحنفية.
وخالف فيه بعض المعتزلة، والحنابلة حيث لم يشترطوا ذلك.
ثم الذي يدل على اشتراطه هو: أن العلة التي يرد بها الفرع المتنازع فيه إلى أصله، إما أن تكون عين العلة التي يرد بها ذلك الأصل إلى أصله، أو غيرها.
فإن كان الأول: كان رد الفرع بتلك العلة إلى أصل أصله أولى لئلا يلزم التطويل من غير فائدة، فأن الخصم إذا منع الحكم فيما قاس عليه الفرع فإنه يحتاج أن يرده إلى أصله بغير تلك العلة فيلزم التطويل لا محالة من غير فائدة، مثله: كما لو قيل من جانبنا: الوضوء عبادة فيشترط فيه النية قياسًا على الغسل، ثم نقيس الغسل في أن يشترط فيه النية على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة، فرد الوضوء إلى الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة أولًا أولى.
стр. 2946
وإن كان الثاني فهو أيضًا باطل؛
أما أولًا: فلأن العلة التي يلحق بها الفرع إلى أصله إن كانت معتبرة بنص الشارع، أو بإيمائه، أو بالإجماع فحينئذ يمكن إثبات حكم الفرع بتلك العلة المعتبرة من غير حاجة إلى القياس على أصله الممنوع حكمه، ثم القياس على أصله المتفق عليه حكمه وذلك بأن يقال: هذا الوصف علة لهذا الحكم بالنص أو بإيمانه، أو بالإجماع وهو حاصل في هذه الصورة فيلزم ثبوت الحكم فيه فيكون قياس الفرع على أصله، ثم إثبات حكم أصله بالقياس على أصل أصله تطويل من غير فائدة.
وإن كانت معتبرة بالمناسبة عرية عن اقتران الحكم في محل الوفاق لا محالة وإلا كان القياس على الأصل ممنوع حكمه مع وجود تطويل من غير فائدة، وحينئذ يلزم أن لا يجوز الحكم بها؛ لأن الحكم بالمناسب المرسل الذي لم يشهد الشارع له بالاعتبار غير جائز.
وأما ثانيًا: فلأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين وهو باطل لما سيأتي.
وأما ثالثًا: فلأن الحكم في أصل الفرع إنما يثبت بالعلة الموجودة فيه وفي أصله، ومتى توصلنا إلى ثبوت الحكم فيه بتلك العلة: امتنع تعليله بالعلة الموجودة فيه وفي الفرع، لأن تلك العلة إنما تعرف علته فيه بعد أن يعرف ثبوت ذلك الحكم فيه بعلة أخرى، فيكون عديم الأثر: فيكون التعليل به باطلًا.
مثاله: كما لو قيل من جانبنا في فسخ النكاح بالجذام أو البرص: عيب يثبت به الفسخ في البيع، فيثبت به في الفسخ النكاح قياسًا على الرتق
стр. 2947
والقرن، ثم لو منع الحكم فيهما يقيسهما على الجب والعنة بجامع فوات عضو الاستمتاع، هذا كله إذا كان حكم أصل الفرع ممنوعًا عند الخصم مقبولًا عند المستدل.
فأما إذا كان على العكس من هذا: فإن كان الغرض من القياس ظن الحكم في المقيس والعمل به والإفتاء به لم يصح؛ لأن القائس لم يعتقد الحكم في المقيس عليه فلا يعتقد عليه الوصف الجامع بينهما فلا يصح القياس بدونهما.
وإن كان الغرض منه إلزام الخصم صح القياس ويحصل الغرض.
وطريقه: أن يقول المستدل: هذا الوصف هو علة الحكم في المقيس عليه عندك، إما للاتفاق عليه، أو بشهادة المناسبة مع الاقتران وهو حاصل في صورة النزاع، فيلزمك الاعتراف بثبوت الحكم فيه وإلا لزم نقض العلة؛ ضرورة أن الحكم متخلف عنها في صورة النزاع من غير معارض، ولا معنى لنقض العلة إلا هذا وحينئذ يلزم إبطال تعليل الحكم بها في المقيس عليه، ويلزم من هذا ثبوت الحكم في صورة النزاع؛ ضرورة أن القول بعدم الحكم فيهما منتف بالإجماع.
ومن هذا نعرف أيضًا فساد ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أن هذا القياس ممتنع.
стр. 2948
وإن كان الغرض منه إلزام الخصم [محتجًا بأنه: وإن كان الحكم في الأصل معللًا بالوصف المذكور غير أن حاصل الإلزام يرجع إلى إلزام الخصم بالتخطئة في الفرع] بإثبات خلاف حكمه ضرورة تصويبه في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم الفرع.
الخامس: أن لا يكون دليل الأصل بعينه دليل الفرع لأنه حينئذ لم يكن جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا أولى من العكس.
مثاله: أن لو قيل من جانبنا: للسفرجل مطعوم فيجري فيه الربا قياسًا على البر، ثم استدل على غلبة الطعم بقوله ﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام) الحديث.
أو قيل: فضل القاتل القتيل بفضيلة الإسلام فلا يقتل به، كما لو قتل المسلم الحربي ثم استدل على غلبة الكفر لذلك بقوله ﵇ "لا يقتل مؤمن بكافر" وله نظائر أخر.
السادس: أن لا يكون حكم الأصل متأخرًا عن حكم الفرع وهو: كقياس الضوء على التيمم في اشتراط النية؛ لأن التعبد بالتيمم إنما ورد بعد
стр. 2949
الهجرة، والتعبد بالوضوء كان قبله.
وهذا يستقيم إذا لم يكن للفرع دليل سوى القياس/ (١٥٥/ أ) على ذلك الأصل المتأخر؛ لأن قبل ذلك الأصل المتأخر إن كان الحكم ثابتًا في الفرع مع أنه لا دليل عليه سوى القياس عليه، لزم تكليف ما لا يطاق.
وإن لم يكن ثابتًا قبله بل شرع عنده لم يكن حكم الفرع حينئذ متقدمًا على حكم الأصل فلم يكن ذلك من مسألتنا، وأما إذا كان عليه دليل آخر سوى القياس عليه جاز؛ لأن المحذور المذكور زائل، وترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز.
السابع: أن يكون الحكم متفقًا عليه.
والدليل على اشتراطه أنه لو كان ممنوعًا لاحتاج القائس إلى إثباته عند توجه المنع فيكون الشروع فيه انتقالًا من مسألة إلى مسألة أخرى.
وما ذكرنا من أن شرط الأصل أن لا يكون حكمه ثابتًا بالقياس على أصل آخر لا يغني عن هذا الشرط، لجواز أن يكون كذلك مع وقوع الاختلاف فيه ولا هذا الشرط يغني عنه، وهذا أيضًا ظاهر.
ثم اختلفوا في كيفية الاتفاق عليه: فشرط بعضهم أن يكون متفقًا عليه بين الخصمين فقط.
[وشرط البعض الآخر أن يكون متفقًا عليه بين الأمة، وإلا فإن كان متفقًا عليه بين الخصمين فقط] لم يصح القياس عليه وسموا هذا النوع من
стр. 2950
القياس بالقياس الركب.
والصحيح: أن القياس المركب أخص من هذا، وهو أن يكون الحكم متفقًا عليه بين الخصمين لكن لعلتين مختلفتين، كما في قياس حلى البالغة على حلى الصبية، فأن عدم الوجوب في حلي الصبية متفق عليه بين الخصمين لكن لعلتين مختلفتين، فإن عندما لعله كونه حليًا، وعندهم لعلة كونه مالًا للصبية، وكلام بعضهم يشعر إشعارًا ظاهرًا بأنه يشترط مع ذلك أن لا يكون الحكم مجمعًا عليه بين الأمة، ولا منصوصًا عليه، وكلام البعض الآخرين لاسيما الجدليين منهم ساكت عنه بل إطلاقهم ينفي ذلك.
الثامن: أن لا يكون حكم الأصل خارجا عن قاعدة القياس.
واعلم أن وصف الحكم بكونه خارجًا عن قاعدة القياس: تارة يكون باعتبار كونه غير معقول المعنى وإن شرع ابتداء من غير أن يقطع حكمه عن أصول أخر ويستثنى عنها.
وتارة يكون باعتبار كونه متقطعا عن أصول أخر ومستثنى عنها [وإن عقل معناه، وعند هذا يظهر أن ما يكون مقتطعا عن أصول أخر ومستثنى عنها عنها ...] وهو غير معقول المعنى فهو خارج عن قاعدة القياس باعتبارين، وأن ما شرع ابتداء وهو معقول المعنى فهو غير خارج عن قاعدة القياس باعتبار ما لكن منه ما وجد في المعنى في غيره [فيقاس عليه، ومنه ما لا يوجد المعنى المعقول فيه في غيره] كما سيأتي:
стр. 2951
مثاله فلا يقاس عليه (لا) لأنه خارج عن قاعدة القياس بل لأنه لم يوجد له فرع فتعذر القياس فيه لفقد الفرع لا لفقد الأصل، ولا لفقد شرط من شروطه والحكم فيه يشبه الحكم المعلل بالعلة القاصرة.
وإن وقع في كلام بعضهم عد هذا القسم من جملة أقسام الخارج عن القياس كما وقع في كلام الشيخ الغزالي- ﵀ فهو نوع من التجوز العيد وكيف لا وقد صرح الشيخ الغزالي- ﵀ أن تسمية القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل معناها مع تعذر القياس عليها بالخارج عن القياس مجاز.
فتحصلنا مما ذكرناه على أقسام خمسة من أقسام الخارج عن قاعدة القياس وغير الخارج عنها:
أحدها: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يقتطع عن أصول أخر ولا يعقل معناها كأعداد الركعات، ونصب الزكوات، ومقادير الحدود والكفارات، وهذا القسم يمتنع القياس عليها لفقد العلة التي هي ركن القياس.
قال الغزالي: "وتسميته بالخارج عن القياس مجاز؛ لأنه لم يسبقها عموم قياس يمنع منها، ولا يستثنى عن أصول أخر حتى يسمى بالخارج عن
стр. 2952
القياس بل معناه أنه ليس بمنقاس".
وثانيها: ما شرع على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة والأصول الممهدة المتقررة ولا يعقل معناه، ولا يقال [على] هذا القسم أيضًا لفقد العلة ولإبطال التخصيص المعلوم بالنص بالقياس.
وتسميته بالخارج عن القياس والمستثنى عنه حقيقة لا شك في ذلك، وذلك كتخصيص الرسول خزيمة بقبول شهادته وحده.
стр. 2953
وتخصيصه أبا بردة بجواز أن يضحى بالعناق بقوله: (تجزئ عنك ولا تجزئ عن غيرك).
стр. 2954
وثالثها: ما شرع على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة ومخالفًا للأصول الممهدة وهو معقول المعنى، فهذا القسم يشبه أن يكون هو المختلف فيه بين العلماء:
فذهب أكثر أصحابنا وبعض الحنفية إلى جواز القياس عليه مطلقًا.
وقال الكرخى: لا يجوز إلا لإحدى خصال ثلاث:
إحداها: أن يكون قد نص على علية ذلك الحكم.
مثاله: قوله- ﵇: "إنها من الطوافين (عليكم) والطوافات" فإن القياس يقتضي أن يكون سؤر الهرة كسؤر سائر السباع، فلما حكم بطهارتها وعلله بما جاز أن يقاس عليه سائر الحشرات.
وثانيها: أن تجتمع الأمة على تعليل ذلك الحكم، وإن اختلفوا في علته، ويلزمهم على/ (١٥٦/ أ) هذا أن يجيزوا قياس الكلام ناسيًا في الصلاة على
стр. 2955
الأكل ناسيًا في الصوم في عدم الإفساد، إذ الإجماع ينعقد على أن ذلك معلل بعذر النسيان.
وثالثها: أن يكون القياس عليه موافقًا للقياس على أصول آخر، وهو كالتحالف في البيع عند اختلاف المتابعين في اليمين فإنه وإن كان مخالفًا لقياس الأصول؛ لأن قياس الأصول يقتضي أن القول قول المنكر، لكن أصل آخر يوافقه وهو أنه ملك المبيع عليه فالقول قول من ملك عليه كالشفيع مع المشترى، ولذلك قسنا الإجازة عليه.
مثال ما شرع على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة ومخالفًا للأصول الممهدة: ما شرع [من تجويز بيع الرطب بالتمر في العرايا فإنه على خلاف قاعدة] الربا عندنا ونعلم أنه لم يشرع ناسخًا لها بل على وجه الاستثناء والاقتطاع عنها لحاجة المحاويج فنقيس العنب على الرطب لأنا نراه في معناه.
وكذلك ما شرع من رد المصراة ورد صاع من التمر معها بدل اللبن الموجود في ضرعها، فإنه ما شرع هادمًا لقاعدة ضمان المثليات بالمثل والمتقومات بالقيمة لكنه على وجه الاستثناء والاقتطاع عن تلك القاعدة لمسيس الحاجة إليه؛ وذلك لأن اللبن الكائن في الضرع لدى البيع اختلط بالحادث بعده ولا يمكن التمييز بينهما، ولا إلى معرفة القدر الموجود في الضرع لدى البيع،
стр. 2956
وكان الأمر فيه متعلقًا بمطعوم يقرب الأمر فيه خلص الشارع المتبايعين من المنازعة والوقوع في ورطة الجهل بالتقدير بصاع من التمر، لكونه مطعومًا مثله يعم وجوده في بلادهم وقيمتهما متقاربتين، كما قدر دية الجنين بغرة عبد أو أمة مع اختلاف الجنين بالذكورة والأنوثة، ولما عقلنا هذا المعنى لا جرم قلنا: أنه لو رد المصراة بعيب آخر غير التصرية رد معها أيضًا صاعا من التمر بدل اللبن [الموجود في الضرع ولا شك أنه قياس؛ إذ الخبر ورد فيما إذا ردت المصراة بعيب التصرية فإلحاق عيب آخر] بها في وجوب الضمان بالتمر يكون على وجه القياس.
ومثاله من أصلهم: أن التوضأ بنبيذ التمر ورد على خلاف قياس الأصول ولم يقيسوا عليه نبيذ الزبيب مع إيماء اللفظ إلى العلة وحصولها فيه.
ثم الإمام- ﵀ ذكر في ذلك تفصيلًا، وقال: "الحق أن يقال: ما ورد بخلاف قياس الأصول، إما أن يكون دليله مقطوعًا به، أو لا يكون مقطوعًا به.
فإن كان الأول: كان أصلًا بنفسه؛ لأن مرادنا بالأصل في هذا الموضع: هذا، فكان القياس عليه كالقياس على غيره فوجب أن يرجح المجتهدين القياسين.
يؤكده: أنه إذا لم يمنع العموم من قياس يخصه فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعًا من قياس يخالفه؛ لأن العموم أقوى من القياس على العموم.
وإن كان الثاني فإن لم تكن علته منصوصة ولا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول: فلا شبهة أن القياس على الأصول أولى من القياس عليه؛ لأن القياس على ما طريق حكمه معلوم أولى من القياس على ما طريق
стр. 2957
حكمه غير معلوم.
وإن كانت منصوصة: فالأقرب أنه يستوي القياسان، لأن القياس على الأصول يختص بأن طريق حكمه معلوم، وإن طريق علته غير معلوم، وإن طريق علته غير معلوم وهذا القياس طريق حكمه مظنون، وطريق علته معلوم، وكل واحد منهما قد اختص بحظ من القوة".
وفيه نظر، أما أولًا: فلأنه إن عنى بقوله: أن مرادنا بالأصل في هذا الموضع هذا اصطلاح نفسه، فلا يناقش في ذلك، لكن الخصم يمنع أن يكون مثل هذا الأصل يقاس عليه، ويمنع أن القياس عليه كالقياس على غيره، فإن كل مصادرة على المطلوب، وعند هذا يظهر أن قوله: "يؤكده ش ليس محمولًا على ظاهره؛ لأن ما سبقه ليس دليلًا حتى يكون ذلك تأكيدًا له، ثم قوله: "أن العموم إذا لم يمنع من قياسه يخصه، فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعًا من قياس يخالفه، لأن العموم أقوى من القياس على العموم ممنوع؛ وهذا لأن عموم القياس أقوى من العموم؛ لأنه غير قابل للتخصيص بناء على عدم جواز تخصيص العلة، والعموم قابل لذلك وفاقًا،
стр. 2958
فكان هو أقوى، وإذا كان عموم القياس أقوى من العموم لم يلزم من عدم منع العموم كقياس تخطئة عدم منع القياس من القياس على ما يخالفه.
وإن عنى به إصلاح المختلفين في هذه المسألة فممنوع؛ وهذا لأن الأصل ما يقاس عليه، فمن منع القياس على المعدول عن سنن القياس سواء ثبت بدليل مقطوع به، أو غير مقطوع به كيف يكون هذا أصلا عنده.
وإن ذكر ذلك ضابطًا على مذهب القائلين بجواز القياس على المعدول عن سنن القياس فليس كذلك أيضًا؛ لأنه [لو] ثبت المعدول عن سنن القياس بدليل ظني وعقل معناه/ (١٥٧/ أ) والمعدول عنه بدليل قطعي جاز القياس عليه عندهم أيضًا يدل عليه تفاريعهم، فإن رد المصراة ورد صاع من التمر معها بدلًا عن اللبن الموجود في الضرع ثبت بدليل ظني، وهو مخالف لما ثبت بدليل قطعي وهو الإجماع: من أن ضمان المثلى بالمثل، وضمان المتقوم بالقيمة، واللبن إن كان من ذوات الأمثال كان ينبغي أن يكون الواجب فيه مثله، وإن كان من ذوات القيم كان ينبغي أن يكون الواجب فيه القيمة، فإيجاب صاع من التمر مخالف للقاعدة على التقديرين مع أنه يجوز القياس عليه كما تقدم.
وأما ثانيًا: فلأن قوله: وإن كانت علته منصوصة [فالأقرب أنه يستوي القياسان، إن أراد به أن يثبت ذلك النص بطريق قطعي وهو الذي يدل عليه آخر كلامه فتستحيل المسألة]؛ لأن كون دليل الحكم ظنيًا مع أن النص الدال على علته قطعي محال ضرورة أنه مهما علم النص الدال على علة الحكم كان الحكم معلومًا قطعًا، فدليله قطعي لا محالة، وإن أراد به أعم من ذلك أي: سواء ثبت ذلك النص بطريق قطعي أو ظني بطل قوله في آخر كلامه: "وهذا القياس طريق حكمه مظنون، وطريق علته معلوم".
стр. 2959
والأولى أن يقال: في الضابط: أن ما ثبت على خلاف الأصول وعقل معناه ووجد في غيره جاز القياس عليه، ما لم يظهر من الشارع قصد تخصيص الحكم بذلك المحل، وما لم يترجح قياس الأصول عليه، فإن ترجح بما يترجح بعض الأقيسة على البعض لم يجز القياس عليه، لحصول المعارض الراجح لا لأنه لم يصلح أن يقاس عليه.
ثم الدليل على جواز القياس عليه والحالة هذه: أنه حكم شرعي معقول المعنى معلل به إما بالنص أو بالطريق العقلي فجاز القياس عليه كالقياس على غيره من الأصول الغير المعدول به عن سنن القياس.
فإن قلت: القياس على المعدول عن سنن القياس تكثير لمخالفة الدليل؛ لأن قياس الأصول يقتضي أن يكون حكم المعدول عن سنن القياس كحكمه، لكن النص أخرجه عنه فيبقى ما عداه على وفقه فإخراج غيره عن حكمه تكثير لمخالفته بخلاف القياس على الأصول الغير المعدول بها عن سنن القياس فإنه لا يلزم منه مخالفة الدليل.
قلت: لا نسلم أن القياس على الأصول الغير المعدول بها عن سنن القياس والحالة هذه لا يلزم منه مخالفة الدليل؛ وهذا لأنه إذا اقتضى النص إخراج ما ورد فيه ودل نص آخر أو أمارة عقلية على علته اقتضى إخراج ما وجد فيه ذلك المعنى، فإلحاقه بالأصول الغير المعدول بها مخالفة لهذا الدليل، ثم ليس مخالفة لأجل عدم تكثير تلك المخالفة أولى من العكس بل العكس أولى؛ لأن زيادة المخالفة أقل محذورًا من أصل المخالفة، ألا ترى أن زيادة التخصيص قد ثبتت بما لا يثبت به أصل التخصيص عند كثير من الأصوليين، ولأن تأثر الضعيف المباشر أقرب عند العقل من تأثر الغير المباشر فكان الإلحاق بالمعدول أولى من الإلحاق بالأصول.
стр. 2960
ورابعها: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير أن يقتطع عن أصول أخر، وهي معقولة المعنى لكنها عديمة النظير، وذلك بأن لا يكون له نظير خارج عما يتناوله الدليل الدال على تلك الأحكام فلا يقاس عليها لتعذر الفرع الذي هو ركن من أركان القياس، وتسمية هذا بالخارج بعيد جدًا.
مثاله: رخصة القصر لعذر السفر فإنه معلل بالمشقة المخصوصة وهي غير حاصلة في حق غير المسافر الذي تناوله النص فقط لا غير إذ لا يمكن إنكار أصل تعليله، فإن المشقة مناسبة ظاهرة لذلك الحكم، ولا يمكن تعليله بمطلق المشقة، وإلا لوجب ثبوته في حق المريض فلم يبق إلا تعليله بالمشقة المخصوصة التي هي غير حاصلة في حق الغير.
ونحوه أيضًا: رخصة المسح على الخفين، فإنه معلل بمسيس الحاجة إلي استصحابه، وعسر نزعه في كل وقت لا يمكن إنكار ذلك، ولكن لا يساويه في هذا المعنى شيء مما يشبهه من بعض الوجوه كالعمامة والقفازين، وما لا يستر جميع القدم، فلذلك لم يجز قياس شيء منها عليه.
ومنه شرعية القسامة، فإنه معلل بشرف الدم، ولا يوجد ذلك في غيره، فالحاصل أن تعذر القياس في هذا النوع لتعذر الفرع، لا لكونه خارجًا عن القياس لا بمعنى أنه غير معقول المعنى، ولا بمعنى انه مقتطع عن أصول أخر، وعند هذا ظهر خطأ قول من يقول من الفقهاء: إن توقيت الإجازة مثلا خارج عن قياس الأصول، كالبيع والنكاح، لأنه ليس جعل أحدهما أصلًا والآخر خارجًا عنه أولى من العكس، بل كل واحد منها أصل بنفسه لا نظير له.
стр. 2961
وخامسها: ما شرع من الأحكام ابتداء من غير اقتطاع عن اصول أخر، وهى معقولة المعنى، ولها نظير، وفروع، فهذا هو الذى يجرى فيه القياس باتفاق القائسين/ (١٥٨/ أ) وهو قم غير خارج عن قاعدة القياس باعتبار ما وبوجه من الوجوه.
стр. 2962
المسألة الثانية
لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه بحنب الخصوصية نوعية كانت أو شخصية، بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه فإنه يجوز أن يقاس عليه.
والدليل: [ما سبق من أدلة كون القياس حجة، فإنها تدل على جواز القياس عليه مطلقًا] من غير اعتبار هذا الشرط، ولأن الصحابة حين قاسوا في مسألة الحرام، وحد شارب الخمر، وغيرهما لم يعتبروا هذا الشرط بدليل انهم ما بحثوا عنه أصلًا في موضع ما بدليل عدم نقله.
وخالف فيه عثمان البتى فإنه زعم أنه لا يقاس على الأصل حتى تقوم الدلالة على جواز القياس عليه.
стр. 2963
فإن أراد به: الدلالة عليه بحسب الشخصية فباطل قطعًا ـ وان أراد به حسب النوع فيقرب مذهبه من مذهب الحنفية في آن الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص، والمعدول عن قياس الأصول لا يقاس عليه، ويزيد بزيادة غير معتبرة في ذلك؛ لأن حاصل ما ذكروه في ذلك يرجع إلى أنهم اعتبروا أن لا يدل دليل على عدم جواز القياس على الأصل بحسب النوع، لأن كون تلك الأحكام في مظنة أن لا يعقل معناها دليل على عدم جواز القياس عليها [وهو يعتبر أن يدل دليل على جواز القياس] على كل أصل بحسب النوع، ولا شك في أنه غير معتبر لما تقدم من الدليل.
стр. 2964
المسألة الثالثة
لا يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل ، أو وإن ثبتت علته عنها بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق العقلية الظنية جاز القياس عليه بما سبق من الأدلة.
وخالف فيه بشر المريسى وزعم أنه لا يقاس على أصل حتى يدل نص على عين علة ذلك الحكم، أو انعقد الإجماع على كون حكمه معللًا، وهر باطل أيضًا، لما سبق.
وكذلك لا يشترط في الأصل أن لا يكون محصورًا بالعدد بل يجوز القياس عليه سواء كان محصورًا أو لم يكن محصورًا.
وقال قوم: المحصور بالعدد لا يجوز القياس عليه، ولهذا قالوا: لا يجوز القياس على جواز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم لأنهن محصورات في قوله ﵇: خمس يقتلن في الحل والحرم).
стр. 2965
ثم الدليل على جواز القياس عليه ما سبق من الادلة فإنها تدل على جواز القياس مطلقًا من غير اعتبار هذا الشرط.
وما يقال: بأنه لو امتنع القياس عليه لامتنع القياس على الاشياء الستة في تحريم الربا ضرورة حصرها في قوله ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر) إلى آخره ضعيف؛ لأنهن غير محصورات باسم العدد، بل هي محصورات في الذكر وليس هو محل النزاع، بل النزاع فيما إذا كان الاصل محصورًا في اللفظ في عدد معين.
واحتجوا: بأن مفهوم العدد حجة وذلك يدل على نفي الحكم عما عداه.
وجوابه: منع أن مثل هذا المفهوم من العدد حجة.
سلمناه لكن القياس أقوى من المفهوم.
واحتجوا ايضًا: بأن جواز القياس عليه يبطل الحصر فلم يجز، كما إذا كان القياس يرفع شيئًا من مدلولات النص الدال على حكم الاصل. وجوابه: منع أن القياس عليه يرفع شيئًا من مدلولات النص بحسب الدلالة النطقية بل لو أبطل فإنما يبطل ما دل عليه بحسب المفهوم وقد تقدم جوابه.
стр. 2966
الباب الثالث
في الركن الثاني وهو الحكم
وفيه مسائل:
стр. 2967
الباب الثالث
في الركن الثاني وهو الحكم
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في شرطه .
وهو أن يكون شرعيًا، لم يتعبد فيه بالعلم.
وقد عرفت فيما سبق فائدة القيد الأول.
وأما قولنا: لم يتعبد فيه بالعلم، فاحترزنا به عما يتعبد فيه بالعلم كإثبات كون خبر الواحد حجة بالقياس على قبول الشهادة والفتوى على رأى من يزعم أنه من المسائل العلمية، وكون الاجتهاد جائزًا في طلب الحكم الشرعي قياسًا على جواز الاجتهاد في طلب القبلة؛ وذلك لان القياس التمثيلي [لم يفد] إلا الظن إذ تحصيل العلم بالمقدمتين أعنى كون هذا الحكم معللًا بالعلة الفلانية، وحصول تمام تلك العلة في صورة الفرع متعذر أو متعسر فإثبات المسألة العلمية به إثبات للعلمى بالظنى وهو ممتنع فلو حصل العلم بالمقدمتين على الندور لم يمتنع إثباته بالقياس التمثيلي لكنه لا يكون قياسًا شرعيًا مختلفًا فيه وهذا يستقيم إن أريد [به] تعريف الحكم
стр. 2968
الذي هو ركن في القياس الظني الذى هو مختلف فيه، فأما إن أريد به تعريف الحكم الذى هو ركن في القياس كيف كان لا يستقيم ذلك بل يجب [حذف] قيد العلم عنه.
стр. 2969
المسألة الثانية
اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف بالقياس أم لا ؟ بعد اتفاقهم على أن استصحاب حكم العقل كاف فيه.
فاختار المحققون: بأنه يعرف "بقياس الدلالة" لا "بقياس العلة".
وقياس الدلالة هو: أن يستدل بانتفاء آثار الشيء وانتفاء خواصه على عدمه.
ويدخل تحته: الاستدلال بانتفاء الحكم/ (١٥٩ / أ) عن الشيء على انتفائه عن مثله؛ لأن من جملة خواص الشيء أنه مهما ثبت لشيء ثبت لمثله.
فأما بقياس العلة فلا؛ لأن العدم الأصلي أزلي، والعلة حادثة بعده فلا يعلل بها.
وهذا إنما يتم بأمرين:
أحدهما: أن عدم العلة لا يكون علة العدم، فإن بتقدير أن يجوز ذلك فإن عدم العلة أزلي أيضًا فجاز أن يعلل به العدم الأصلي الذى هو أزلي، إذ الأزلي لا يمتنع تعليله بالأزلي الموجب.
وثانيهما: أن لا يكون المراد من العلة الشرعية "المعرف" فإن بتقدير أن
стр. 2970
يراد منها جاز ايضًا؛ لأن المتأخر يجوز أن يعرف المتقدم هذا كله في العدم الأصلي.
فأما الطارئ فإنه يجرى فيه القياسان وفاقًا؛ لأنه حكم شرعي حادث فهو كسائر الأحكام الوجودية يجرى فيه قياس العلة.
стр. 2971
المسألة الثالثة
ذهب أصحابنا إلى أن القياس يجري في أسباب الأحكام كما يجري في الأحكام خلافًا للحنفية .
مثاله: أن نقيس اللواط على الزنا في كونه موجبًا للحد، ونقيس النباش على السارق في كونه موجبًا للقطع.
ووجه إيراده أن نقول: إنما كان الزنا سببًا لوجوب الحد لكونه إيلاج فرج في فرج محرم قطعًا، مشتهى طبعًا، وهو حاصل بعينه في اللواط، فوجب جعله سببًا لوجوب الحد لوجود علة السببية فيه وإن كان لا يسمى بالزنا.
ثم الدليل على جريان القياس في الأسباب هو: أن السببية حكم شرعي على ما عرف ذلك من قبل، فماذا عقلت علتها ووجد في صورة أخرى لم يتناولها النص الذى ثبت به السببية في الأصل وجب إلحاقها به لأدلة القياس
стр. 2972
نحو قوله: ﴿فاعتبروا﴾، وحديت معاذ، والوجه المعقول وأمثالها، وقياسًا على الأحكام التي هي عين السببية.
فإن قلت: دليلكم على جريان القياس في الأسباب مبني على تعقل علة مستقيمة صالحة لأن تعلل بها السببية، ولا نسلم حصول هذا الشرط فيها بل هو لازم الانتفاء عندنا؛ وهذا لأن علة السببية إنما هي الحكمة، وهي ثمرة الحكم المتأخرة عن الحكم المتأخر عن السبب فلا يصلح لأن تعلل بها السببية، وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه بمرتبتين.
سلمنا سلامتها عن هذا الطعن لكن لا تصلح للعلية من وجه آخر وهى:
كونها خفية مضطربة غير مضبوطة، ولهذا لا يجوز تعليل الحكم بها.
سلمنا حصول الشرط ودلالة ما ذكرتم من الدليل على المطلوب لكنه معارض بوجهين:
أحدهما: أنه لو جرى القياس في الأسباب لكانت الأسباب معللة بعلة ضرورة أن لا يعقل القياس بدون العلة، ولكانت تلك العلة هي الحكمة إما في أول المرتبة أو بالآخرة، وإلا لو كان لوصف آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو باطل، فوجب الانتهاء بالآخرة إلى الحكمة، فثبت أنه لو جرى القياس فيها لكانت معللة بالحكمة لكن ذلك باطل؛ لأن تلك الحكمة إن كانت منضبطة بنفسها ظاهرة غير مضطربة وجوزنا تعليل الحكم بها كانت مستقلة باقتضاء الحكم المرتب على السبب فلا حاجة إلى توسط الوصف الذى هو سبب الاستغناء عنه، ولكونه قد يكون منشأ لزيادة الغلط، وإن لم يكن كذلك لم يجز تعليل السببية بها؛ لأن ذلك لم إن كان بانتفاء الضبط والظهور وحصول الاضطراب والخفاء فظاهر، وإن كان بانتفاء جواز تعليل
стр. 2973
الحكم بها فكذلك ضرورة أن السببية حكم من أحكام الشرع.
وثانيهما: أن قياس الشيء على الشيء يقتضى أن يكون بينهما وصف مشترك هو علة الحكم ضرورة أن القياس لا يقعل بدون العلة المشتركة، فلو قسنا مثلًا اللواط على الزنا في كونه موجبًا للحد فلابد وأن يكون بينهما وصف مشترك هو علة للموجبة والسببية، وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك لا الزنا على سبيل الخصوصية فيخرج كل واحد من الزنا واللواط موجبًا وسببًا؛ لأن الحكم لما استند إلى المشترك بينهما استحال أن يكون معه مستندًا إلى خصوصية كل واحد منهما، وقد علم أن من شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل؛ لأن المقيس عليه حينئذ يخرج أن يكون مقيسًا عليه، فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضى أن لا يكون السبب الذى هو أصل سببًا هذا خلف.
ولا ينقض هذا بالقياس في الأحكام؛ لأن ذلك لا ينافي كون الأصل فيه اصلًا؛ لأن الأصل في قياس الأحكام غير موجب للحكم وإضافة الموجبة إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه اصلًا بخلاف السبب فإنه موجب للحكم فإضافة الموجبة إلى القدر المشترك منافية/ (١٦٠/ ١) للإضافة إلى السبب الذى هو الأصل على سبيل الخصوصية.
لا يقال: يجوز أن يكون المشترك له تأثير في عملية الوصفين، وليس له تأثير في الحكم فلا يلزم من اشتراك الوصفين في وصف موجب للسببية أن يكون هو السبب؛ لأنا نقول هذا باطل؛ لأن ما يصلح لعلية العلة كان صالحًا لعلية الحكم فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة.
стр. 2974
الجواب
قوله: الدليل مبني على تعقل العلة.
قلنا: نعم وكيف لا فإن تعقل ماهية القياس بدون تعقل العلة ممتنع.
قوله: لا نسلم حصول هذا الشرط فيها.
قلنا: الدليل عليه هو: أنا نجد في الزنا وصفا مناسبا لكونه سببًا لوجوب الحد وهو ما تقدم ذكره وهو بعينه حاصل في اللواط، ولا شك في صلاحيته للموجبية، ولا معنى لكون العلة صالحة لأن تعلل بها السببية إلا أن يكون وصفًا مناسبًا للموجبة.
فإن قلت: فعلى هذا لم يكن الزنا سببًا بل السبب هو ذلك المشترك.
قلت: الجواب عنه ما هو الجواب عن المعارضة الثانية وسيأتي:
سلمنا أنا لا نجد بين الأسباب وصفًا مشتركًا يصلح للعلية فلم لا يجوز أن يكون معللًا بالحكمة؟
قوله: الحكمة ثمرة الحكم فتكون متأخرة عنه فلا يجوز التعليل بها.
قلنا: إذا كان علل الشرع معرفات جاز تعليل المتقدم بالمتأخر لما تقدم غير مرة.
سلما امتناع ذلك، لكن التعليل إنما هو الحاجة إلى حصول الحكمة وهى متقدمة على الحكم كما يقال: اتجر لحصول الغني فإن الغني كان يحصل بعد التجارة لكن الحاجة إلى حصوله متقدمة على التجارة، وهو مطرد في كل العلة الغائبة.
стр. 2975
ولهذا قيل: إن أول الفكر أخر العمل.
قوله: الحكمة خفية مضطربة فلا يجوز التعليل بها.
قلنا: سيأتي الجواب عنه في مسألة جواز تعليل الحكم بالحكمة.
قوله في المعارضة الأولى: لو جرى القياس في الأسباب لكانت معللة بالحكمة.
قلنا ممنوع؛ وهذا لأنه يجوز أن تكون معللة بالوصف كما تقدم والتسلسل غير لازم، لأنا لا نقول بوجوب تعليل الأسباب بل بجوازه فجاز أن يكون السبب معللًا بوصف مشترك بينه وبين غيره ولا يكون ذلك الوصف معللًا بوصف آخر وحينئذ لا يلزم التسلسل.
سلمنا الانتهاء بالآخرة الى الحكمة، لكن لا نسلم بطلان التعليل بها.
قوله: لأن تلك الحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها غير مضطربة وجوز تعليل الحكم بها كانت مستقلة باقتضاء الحكم المرتب على السبب فلم يحتج إلى توسط السبب للاستغناء عنه.
قلنا: إنه وإن جوز تعليل الحكم بالحكمة، لكن التعليل بالوصف لكونه أظهر وأضبط جائز بالإجماع فلم يكن توسطه غير محتاج إليه.
سلمنا انه حينئذ غير محتاج إليه، لكن لا نسلم أنه اذا لم يجز تعليل الحكم بها لم يجز تعليل السببية بها؛ وهذا لأنه يجوز أن يقال: إنما لا يجوز تعليل الحكم بها لكون الوصف أغنى عنها، وأما السببية لما لم يوجد فيها ما يوجب الاستغناء عنه لا جرم جاز التعليل بها، والمراد من الحكم في قولنا:
стр. 2976
إنه لا يجوز تعليل الحكم بها الحكم الذى هو غير السببية وإلا لزم جواز تعليل السببية على التقدير الأول من غير حاجة إلى بيان عدم الاحتياج إلى توسط الوصف.
قوله في المعارضة الثانية: لا بد وأن يكون بينهما وصف مشترك.
قلنا: اولًا: لا نسلم ذلك وهذا؛ لأنه يجوز أن يكون المشترك هو الحكمة لا الوصف.
سلمناه لكن لا نسلم امتناعه.
قوله: لأن السبب والموجب حينئذ هو ذلك المشترك لا الزنا وحينئذ يلزم أن لا يبقى السبب سببًا.
قلنا: لا نسلم لزوم ذلك؛ وهذا لأن الذى يلزم منه هو أن ذلك المشترك يكون سبب السبب، فلم قلتم أنه يلزم منه أن يكون سبب الحكم حتى يلزم ما ذكرتم؟
سلمناه لكن لا نسلم أنه يلزم منه أن لا يبقى السبب سببًا [بل الذى يلزم منه هو أن لا يبقى مورد النص وهو الزنا في مثالنا سببًا] بخصوصيته بعد البحث والاطلاع على ذلك المشترك لكن لا نسلم امتناعه؛ فإن هذا شأن كل إلحاق يكون بإلغاء الفارق، ألا ترى أنكم لما ألحقتم الإفطار بالأكل والشرب بالجماع بإلغاء الفارق قلتم: إن ذلك الحكم وهو وجوب الكفارة ليس هو حكم الجماع بل هو حكم الجماع بل هو حكم الإفطار فلم يبق مورد النص موجبًا للحكم بل الموجب له هو مطلق الإفطار فكذا ما نحن فيه حذو القذة بالقذة، غاية ما في الباب أنكم لا تسمون هذا النوع من الإلحاق قياسًا بل تسمونه استدلالًا، وذلك نزاع لفظي غير قادح في المعنى، فإنا نجري مثل هذا
стр. 2977
النوع من الإلحاق في الأسباب سواء سمى قياسًا، أو استدلالًا، فإن ساعدتمونا فقد حصل الغرض وإلا صرتم محجوجين بما تقدم من الأدلة.
стр. 2978
المسألة الرابعة
ذهب أصحابنا وأكثر الأثمة إلى: أنه يجوز إثبات الحدود/ (١٦١/ أ) والكفارات، والرخص، والتقديرات بالأقيسة خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله تعالى -.
لنا: ما تقدم من أدلة القياس، فإنه يدل على جواز القياس في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، فالتخصيص بباب دون باب خلاف لإطلاق تلك الأدلة فكان باطلًا.
ويخص المسألة ما روى أن الصحابة اجتهدوا في حد شارب الخمر فقال على - رضى الله عنه -: "أراه ثمانين، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون" ولا شك في أنه قياس؛ إذ ليس هو من قبيل الاجتهاد في النص، والبراءة الأصلية، ولا هو إجماع فهو إذن قياس، ثم إن أحدًا منهم لم ينكر عليه في أنه كيف يثبت الحد بالقياس بل ارتضوه وعملوا به فكان ذلك إجماعًا منهم على جواز القياس في الحدود.
стр. 2979
فإن قيل: تدعى أن تلك الأدلة تدل على جريان القياس في الأحكام الشرعية مطلقًا سواء وجدت أركان القياس وشرائطه أو لم توجد، أو تدعى أن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الأركان والشرائط، والأول ظاهر ولا يقوله عاقل، والثاني مسلم، لكن لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه.
سلمناه لكن لا نسلم حصولها فيما نحن فيه؛ وهذا لأن الحدود والكفارات، والتقديرات أمور مقدرة لا يهتدى العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها فلا تعقل فيها العلة، وحينئذ لا يمكن أن يجرى القياس فيها.
وأما الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن مواردها، وحينئذ يمتنع أن يقاس عليها، ثم ما ذكرتم معارض بوجهين:
أحدهما: أن القياس لا يفيد القطع بل يفيد الظن، فيحتمل أن يكون الأمر على خلاف ما اقتضاه وذلك شبهة وهى مسقطة للحد بعد ثبوت سببه للحديث، والإجماع فكيف يجوز إثبات سببه بالشبهة؟
وثانيهما: أن مدار القياس على الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، على ما تبين ذلك من قبل، وشرعية الكفارات والحدود على خلاف هذا، فإن القاف بالزنا يوجد الحد، والقذف بالكفر مع أنه أعظم جريمة من الزنا لا يوجبه، والسرقة توجب القطع، ومكاتبة الكفار بما يطلع على عورات المسلمين مع أنها أعظم جريمة من السرقة لا توجبه، والقتل يوجب الكفارة، والكفر مع أنه أعظم جريمة منه لا يوجبها، والظهار لكونه منكرًا من القول وزورًا يوجب الكفارة، والشهادة بالزور في حقوق الله تعالى او في حقوق العباد مع حصول ما ذكر من العلة فيها لا يوجبها فيمتنع جريان القياس فيها.
стр. 2980
الجواب
عن الأول هو: أنا ندعى جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط.
قوله: إمكان حصول ذلك فيها ممنوع.
قلنا: الدليل عليه هو: أن صريح العقل حاكم بأنه لا متناع في أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة في صورة لأمر مناسب، ثم أنه يوجد ذلك المناسب في صورة اخرى، فليس وضع الحد والكفارة منافيًا لهذا المعنى حتى يمتنع لأجله.
قوله: هب أنه ممكن لكنه غير حاصل.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه حينئذ ارتفع النزاع الأصولي؛ فإنا لا نجوز القياس في شيء من الأحكام الشرعية بدون حصول الشرائط والأركان بل عند حصولهما، فإن جوزتم فيها القياس عند حصول شرائطه وأركانه فحينئذ حصل الوفاق، فإما ادعاؤكم بعد هذا أنه غير حاصل فيها، فذلك إنما ثبت بعد البحث والاستقراء أن عن كل واحدة من مسائلها، فإن وجدت العلة صح القياس فيها، وإلا فلا كغيرها من المسائل، فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وبين غيره من هذا الوجه فيجب التسوية بينها وبين غيرها في جريان القياس.
وثانيهما: أن نبين [معنى] مناسب في الصور التي ورد النص فيها بوجوب الكفارة أو الحد ولا معنى لعلة الحكم إلا المعنى المخيل الذى يغلب
следующие страницы →