← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

إنه لا يجوز تعليل الحكم بها الحكم الذى هو غير السببية وإلا لزم جواز تعليل السببية على التقدير الأول من غير حاجة إلى بيان عدم الاحتياج إلى توسط الوصف. قوله في المعارضة الثانية: لا بد وأن يكون بينهما وصف مشترك. قلنا: اولًا: لا نسلم ذلك وهذا؛ لأنه يجوز أن يكون المشترك هو الحكمة لا الوصف. سلمناه لكن لا نسلم امتناعه. قوله: لأن السبب والموجب حينئذ هو ذلك المشترك لا الزنا وحينئذ يلزم أن لا يبقى السبب سببًا. قلنا: لا نسلم لزوم ذلك؛ وهذا لأن الذى يلزم منه هو أن ذلك المشترك يكون سبب السبب، فلم قلتم أنه يلزم منه أن يكون سبب الحكم حتى يلزم ما ذكرتم؟ سلمناه لكن لا نسلم أنه يلزم منه أن لا يبقى السبب سببًا [بل الذى يلزم منه هو أن لا يبقى مورد النص وهو الزنا في مثالنا سببًا] بخصوصيته بعد البحث والاطلاع على ذلك المشترك لكن لا نسلم امتناعه؛ فإن هذا شأن كل إلحاق يكون بإلغاء الفارق، ألا ترى أنكم لما ألحقتم الإفطار بالأكل والشرب بالجماع بإلغاء الفارق قلتم: إن ذلك الحكم وهو وجوب الكفارة ليس هو حكم الجماع بل هو حكم الجماع بل هو حكم الإفطار فلم يبق مورد النص موجبًا للحكم بل الموجب له هو مطلق الإفطار فكذا ما نحن فيه حذو القذة بالقذة، غاية ما في الباب أنكم لا تسمون هذا النوع من الإلحاق قياسًا بل تسمونه استدلالًا، وذلك نزاع لفظي غير قادح في المعنى، فإنا نجري مثل هذا

стр. 2977

النوع من الإلحاق في الأسباب سواء سمى قياسًا، أو استدلالًا، فإن ساعدتمونا فقد حصل الغرض وإلا صرتم محجوجين بما تقدم من الأدلة.

стр. 2978

المسألة الرابعة ذهب أصحابنا وأكثر الأثمة إلى: أنه يجوز إثبات الحدود/ (١٦١/ أ) والكفارات، والرخص، والتقديرات بالأقيسة خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله تعالى -. لنا: ما تقدم من أدلة القياس، فإنه يدل على جواز القياس في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، فالتخصيص بباب دون باب خلاف لإطلاق تلك الأدلة فكان باطلًا. ويخص المسألة ما روى أن الصحابة اجتهدوا في حد شارب الخمر فقال على - رضى الله عنه -: "أراه ثمانين، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون" ولا شك في أنه قياس؛ إذ ليس هو من قبيل الاجتهاد في النص، والبراءة الأصلية، ولا هو إجماع فهو إذن قياس، ثم إن أحدًا منهم لم ينكر عليه في أنه كيف يثبت الحد بالقياس بل ارتضوه وعملوا به فكان ذلك إجماعًا منهم على جواز القياس في الحدود.

стр. 2979

فإن قيل: تدعى أن تلك الأدلة تدل على جريان القياس في الأحكام الشرعية مطلقًا سواء وجدت أركان القياس وشرائطه أو لم توجد، أو تدعى أن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الأركان والشرائط، والأول ظاهر ولا يقوله عاقل، والثاني مسلم، لكن لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه. سلمناه لكن لا نسلم حصولها فيما نحن فيه؛ وهذا لأن الحدود والكفارات، والتقديرات أمور مقدرة لا يهتدى العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها فلا تعقل فيها العلة، وحينئذ لا يمكن أن يجرى القياس فيها. وأما الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن مواردها، وحينئذ يمتنع أن يقاس عليها، ثم ما ذكرتم معارض بوجهين: أحدهما: أن القياس لا يفيد القطع بل يفيد الظن، فيحتمل أن يكون الأمر على خلاف ما اقتضاه وذلك شبهة وهى مسقطة للحد بعد ثبوت سببه للحديث، والإجماع فكيف يجوز إثبات سببه بالشبهة؟ وثانيهما: أن مدار القياس على الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، على ما تبين ذلك من قبل، وشرعية الكفارات والحدود على خلاف هذا، فإن القاف بالزنا يوجد الحد، والقذف بالكفر مع أنه أعظم جريمة من الزنا لا يوجبه، والسرقة توجب القطع، ومكاتبة الكفار بما يطلع على عورات المسلمين مع أنها أعظم جريمة من السرقة لا توجبه، والقتل يوجب الكفارة، والكفر مع أنه أعظم جريمة منه لا يوجبها، والظهار لكونه منكرًا من القول وزورًا يوجب الكفارة، والشهادة بالزور في حقوق الله تعالى او في حقوق العباد مع حصول ما ذكر من العلة فيها لا يوجبها فيمتنع جريان القياس فيها.

стр. 2980

الجواب عن الأول هو: أنا ندعى جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط. قوله: إمكان حصول ذلك فيها ممنوع. قلنا: الدليل عليه هو: أن صريح العقل حاكم بأنه لا متناع في أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة في صورة لأمر مناسب، ثم أنه يوجد ذلك المناسب في صورة اخرى، فليس وضع الحد والكفارة منافيًا لهذا المعنى حتى يمتنع لأجله. قوله: هب أنه ممكن لكنه غير حاصل. قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه حينئذ ارتفع النزاع الأصولي؛ فإنا لا نجوز القياس في شيء من الأحكام الشرعية بدون حصول الشرائط والأركان بل عند حصولهما، فإن جوزتم فيها القياس عند حصول شرائطه وأركانه فحينئذ حصل الوفاق، فإما ادعاؤكم بعد هذا أنه غير حاصل فيها، فذلك إنما ثبت بعد البحث والاستقراء أن عن كل واحدة من مسائلها، فإن وجدت العلة صح القياس فيها، وإلا فلا كغيرها من المسائل، فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وبين غيره من هذا الوجه فيجب التسوية بينها وبين غيرها في جريان القياس. وثانيهما: أن نبين [معنى] مناسب في الصور التي ورد النص فيها بوجوب الكفارة أو الحد ولا معنى لعلة الحكم إلا المعنى المخيل الذى يغلب

стр. 2981

على الظن أنه ما شرع الحكم إلا لأجله، ثم نبين وجوده في صورة النزاع فيلزم ثبوت وجوب الكفارة أو الحد في صورة النزاع كما في سائر الأحكام. مثاله: أن نقول: الحد إنما وجب في شرب الخمر لكونه مزيلًا للعقل الذى هو مناط التكليف، ووازع الإنسان عن فعل القبائح والمناهي والتسبب إلى إزالة هذا الأمر الشريف مناسب للزجر والمناسبة مع الاقتران يفيد ظن العلية، فيلزم أن يكون هذا هو العلة في وجوب الحد، ثم أن هذا المعنى حاصل في شرب النبيذ فوجب أن يجب فيه الحد أيضًا. وعند هذا ظهر أن حصول أركان القياس وشرائطه في هذا الباب كما هو في سائر الأبواب فلا معنى للتفرقة بينهما ومنع حصولهما فيما نحن فيه. قوله: الرخص منح من الله فلا يقاس عليها. قلنا: شرعية الشرائع بأسرها منح من الله تعالى فكان ينبغي أن لا يجري القياس في شيء من أحكامها. وعن المعارضة الأولى: النقض بخبر الواحد فإنه لا يفيد القطع ويحتمل أن يكون الأمر على خلافه مع أنه يجوز إثبات الحدود والكفارات/ (١٦٢/ ١) به عندكم أيضًا، والنقض بالقصاص أيضًا، فإنه يجوز إثباته بالقياس عندكم مع أنه يدرأ بالشبهات. سلمنا سلامته عن النقض لكن وجوب العمل بالقياس لما كان معلومًا بالقاطع لم يحتمل أن يكون ذلك خطأ.

стр. 2982

وعن الثانية ما تقدم في جواب شبهة النظام ثم [أعلم] أن الشافعي- رضى الله عنه- ذكر مناقضتهم في هذا الباب فقال: "أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى تعدوها إلى الاستحسان، فإنهم زعموا في شهود الزوايا أن المشهود عليه يجب رجمه إن كان محصنًا وإلا فالجلد استحسانًا مع أنه خلاف العقل- فلأن يعمل بما يوافق العقل كان أولى. واعلم ان هذا يصير نقضًا عليهم لو فسروا الاستحسان بالقياس أو يقولون أنه وإن كان مغايرًا له لكنه أضعف منه، فأما إذا لم يفسروا به ولا يثبتونه مدركًا أضعف من القياس فلا يتم. وأما في " الكفارات" فقد قاسوا الإفطار بالأكل والشرب، على الإفطار بالوقاع، وقاسوا قتل الصيد ناسيًا على قتله عمدًا مع تقيد النص به في قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ وهذا نقض عليهم بحسب ما هو الواقع في نفس الأمر فإن الحق [أن] هذا النوع من الإلحاق أعنى به ما يكون بإلغاء الفارق قياس في نفس الأمر وإن لم

стр. 2983

يعتقده القوم ذلك [ولا يسمونه به] بل يسمونه استدلالًا؛ لأنه لا معنى للقياس إلا إلحاق المسكوت بالمنطوق به لعلة شاملة لهما سواء علمت العلة أو ظنت بالمناسبة أو بالدوران أو إلغاء الغير بطريق السبر والتقسيم وليس لهم أن يقولوا: إن القياس فيما ذكرتم من الصورتين يقيني ونحن إنما نمنع من جريان القياس فيما نحن فيه، فأما اليقيني فإنه جار في جميع الأحكام؛ لأن من المعلوم أن القياس فيهما ليس يقينيًا، فإن لخصوصية كونه إفطارًا بالجماع، وكونه قتلًا متعمدًا مناسبة ظاهرة لإيجاب الكفارة والجزاء من حيث إن الامتناع عن الجماع عند هيجان شهوته أشق على النفس من الامتناع عن الأكل والشرب عند اشتهائهما، فربما لا تنزجر النفس عنه بمجرد وازع الدين فيحتاج معه إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل والشرب، فإنه لكون الاصطبار عنهما لا يشق على النفس تلك المشقة اكتفى فيهما بمجرد وازع الدين، ومن حيث إن الجناية مع التعمد أعظم جريمة من الجناية خطأ بدليل حصول الإثم في الأولى دون الثانية، فلا يلزم من وجوب البدل والجزاء في أعظم الجنايتين وجوبه في أصغرهما ومع ظهور هذا الفارق المناسب كيف يمكن ادعاء أن هذا القياس يقيني. وأما المقدرات، فهو كتقدير النصاب والزكاة والمواقيت في الصلاة فقد قاسوا فيها أيضًا كما في تقديراتهم في "الدلو والبئر" فإن ذلك ليس عن

стр. 2984

نص ولا إجماع ولا عن أثر فيكون عن قياس ولو صح في البعض منها أثر كما يزعمه القوم فلا شك في أن ذلك لم يصح في جميع مسائلها فيكون القول بذلك في البعض الآخر بالقياس. وأما المعدول عن القياس، فقد قاسوا فيه أيضًا، فإن الوضوء بنبيذ التمر ورد على خلاف القياس، ولهذا لم يلحقوا نبيذ الزبيب به مع إيماء اللفظ إلى العلة الموجودة فيه وهو قوله ﵇: (ثمرة طيبة وماء طيب)

стр. 2985

وقد ألحقوا به الغسل. وكون القهقهة حدثًا في الصلاة أيضًا على خلاف قياس الأحداث ولهذا لم يقيسوا عليه صلاة الجنازة ثم أنهم ألحقوا النفل بالفرائض وليس ذلك إلا بطريق القياس. وأما الرخص، فقد قاسوا فيها أيضًا، فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص، ثم أنهم حكموا بذلك في كل النجاسات نادرة كانت، أو معتادة، وانتهوا فيها إلى نفى إيجاب استعمال الأحجار وجعلوه أصلًا لغير ذلك المحل حتى قالوا: يعفى بقدره من النجاسة في أي عضو كان. وأما إثباتهم الرخصة في سفر المعصية، فليس ذلك من قبيل القياس حتى يرد عليهم أن يقال: أنهم قاسوا في الرخص وأثبتوا به الرخصة حيث يقتضى القياس نفيها؛ فإن القياس يقتضى أن لا يترخص العاصي بسفره من حيث إن

стр. 2986

القصر والفطر في السفر إعانة، والمعصية لا تناسب الإعانة، بل هو من قبل الاستدلال بإطلاق النصوص المثبتة لتلك الرخص.

стр. 2987

المسألة الخامسة ذهب أصحابنا إلى أنه يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس خلافًا للحنفية والجبائي من المعتزلة ، وبنوا عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس. لنا: أدلة القياس، والقياس على سائر الاحكام بجامع ما يشتركان فيه من المصالح الناشئة من القياس. وأيضًا إن لم يجوزوا القياس فيها، فإما: لأنه لم يعقل فيها المعنى فهذا باطل لما تقدم، أو لأن القياس لا يفيد إلا الظن والمعتبر فيها القطع فهو أيضًا باطل، لأنه منتقض بقبول خبر الواحد فيها، وعدم قبوله بعيد جدًا، وبالوتر، إذ لم يوجد فيه القطع، [ولا نسلم اعتبار القطع/ (١٦٧ / أ) فيها]، ولا نسلم أنه كان يجب على الرسول إبلاغه مبينًا بيانًا شافيًا إلى أهل التواتر حتى يصير متواترًا، أو وإن جاز الأخذ بالظن فيها لكن مع ذلك لا يجوز القياس فيها فهو أيضًا باطل لأنه تحكم محض. فإن قيل: لو اكتفى في أصول العبادات بالظن نفيًا وإثباتًا لم يكن لنا سبيل إلى القطع بعدم وجوب الصلاة السادسة، وعدم وجوب صوم شوال، لاحتمال أن يقال: أنه ﵇ بينه لآحاد الناس ثم أنهم أخلوا بنقله. قلنا: المعتمد في نفى ذلك إجماع الأمة.

стр. 2988

احتجوا: بأنه لو جرى القياس فيها لأمكن إثبات عبادة مستقلة قياسًا على العبادات المشروعة بجامع المصالح المتعلقة بالعبادات. قلنا: ليس ذلك من القياس في شيء بل هو تشريع غير جائز من المجتهدين.

стр. 2989

المسألة السادسة الأمور العادية والخلقية: كأقل الحيض وأكثره، وأقل مدة الحمل وأكثره لا يجوز إثباته بالقياس . وكذا ما لا يطلب فيه الظن بل المطلوب فيه العلم لا يجوز إثباته بالقياس. ومنه ما لا يتعلق به عمل كقران النبي وإفراده، ودخوله مكة عنوةً أو صلحًا لا يجوز إثباته بالقياس. وفى المثال نظر والدليل عليه: أن المطلوب من القياس إنما هو الظن الناشئ من تعليل الحكم بعلة، وحصولها في الفرع وذلك غير حاصل في بعض الصور، وغير مطلوب في البعض الأخر فلم يجز القياس فيها. بيان الأول: أن أسباب الأمور العادية والخلقية غير معلومة ولا مظنونة وأن الظن غير مطلوب في المطالب العلمية فلم يجز القياس فيهما.

стр. 2990

المسألة السابعة يجوز أن تثبت الأحكام الشرعية بأسرها بالنصوص ؛ إذ لا امتناع في أن ينص الشارع على الأحكام الكلية بحيث لا يشذ فرد من افرادها عنها. وأما إثباتها بالقياس فممتنع لوجهين: أحدهما: أن القياس لا يتم إلا بعد ثبوت حكم الاصل فإثبات حكمه إما بالنص، أو بالقياس فإن كان الأول فقد حصل الغرض، وهو أنه لم يمكن إثبات كلها بالقياس، وإن كان الثاني فالكلام في أصله كالكلام فيه فيلزم إما التسلسل، أو الدور وهما محالان، فيلزم إثبات حكم الأصل بالآخرة بغير القياس، وهو المطلوب. وثانيهما: أن جملة من الأحكام تعبدية لا يعقل معناها كمقادير العبادات، وكيفياتها، وكمياتها، ومواقيتها، ونصب الزكوات،.فإثبات تلك الأحكام بالقياس غير ممكن. واحتج المخالف: بأن الأحكام من حيث الحكم متماثلة، وما صح على الشيء صح على مثله، وإذا جاز إثبات بعض منها بالقياس جاز إثبات البعض الآخر به. وجوابه: النقض بأفراد الأنواع المختلفة المندرجة تحت جنس واحد فإنها متماثلة من حيث الجنس مع أنه لا يصح على كلها ما صح على بعضها.

стр. 2991

المسألة الثامنة قد عرفت مما سبق من أدلة القياس أن القياس مأمور به، فهو إذن إما واجب، أو مندوب ، لإجماع القائلين بالقياس على أنه ليس بمباح متساوي الفعل والترك، والواجب إما واجب على العين، أو على الكفاية. ولا شك أنه ليس بواجب على العين على كل المكلفين بل على بعضهم وهو من نزل به الواقعة من المجتهدين ولم يجد فيها نصًا ولا إجماعًا، فإنه يتعين عليه الاجتهاد [إذ لا يجوز له ان يقلد الغير، أو نزلت بمكلف ولم يوجد هناك مجتهد إلا واحد فإنه يتعين عليه الاجتهاد]. وأما وجوبه على الكفاية فهو بالنسبة إلى المجتهدين عند نزول الواقعة بشخص دون غيرهم من سائر المكلفين، فإنه لو ترك الكل لأثموا دون غيرهم من المكلفين. وأما ندبيته فهو أيضًا بالنسبة إليهم لكن قبل نزول الواقعة [ليكون حاضر الجواب عند نزول الواقعة]. وهل يصف بكونه دينًا لله تعالى؟ اختلفوا فيه: فوصفه به بعضهم كالقاضي عبد الجبار.

стр. 2992

وأنكره بعضهم كأبي الهذيل. وفصل بعضهم كالجبائي بين ما إذا كان واجبًا، وبين ما إذا كان ندبًا فوصفه بذلك فيما إذا كان واجبًا دون ما إذا كان ندبًا. والحق: أنه إن عنى بكونه دينًا لله أن اعتقاد التعبد به معتبر في تحقق الدين كما في الأركان الخمسة، وكما في النصوص حتى يكفر منكروه، فإن ما يكون شأنه ذلك يوصف بكونه دينًا كما في قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ إلى قوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾ فالقياس ليس بدين؛ إذ لا يكفر منكروه، وإن عنى به ما يكون مشروعًا في الدين فإن غير المشروع يقال: إنه ليس من الدين كما في قوله ﵇: (من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه) فالقياس يوصف بكونه دينًا مطلقًا.

стр. 2993

خاتمة ذهب الأكثرون إلى صحة القياس في العقليات، وأنكره الغلاة من الحشوية والظاهرية، ومنكروا النظر. ومنه نوع يسمى إلحاق الغائب بالشاهد، وبناء الغائب على الشاهد وما يجرى مجراهما. واتفق القائلون به على أنه لا بد فيه من جامع عقلي، وإلا لكان الجمع تحكمًا محضًا فكان باطلًا، وهو كقياس أهل البدع والضلال نحو

стр. 2994

المشبهة فإنهم قالوا: فاعل فوجب أن يكون على شكل وصورة كما في الشاهد. ونحو الدهرية فإنهم قالوا: لا نعقل في الشاهد موجودًا ليس/ (١٦٤ / أ) في الجهة ولا في الحيز، ولا في داخل العالم ولا في خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا يناسب موجودًا ألبتة فوجب أن يكون في الغائب كذلك، فهذان القياسان وأمثالهما من أقيستهم خالية عن الجامع ثم حصروا الجامع في العلة، والحقيقة والشرط، والدليل. أما الجمع بالعلة: فكقول أصحابنا: كون العالم عالمًا في الشاهد معلل بالعلم فوجب أن [يكون] في الغائب كذلك. واعترض عليه بانه غير مطابق؛ لأن هذا جمع بالمعلول لا بالعلة فإنه جمع فيه بين الشاهد والغائب بكونه عالمًا، وهو معلول العلم لا علته. والمثال المطابق له أن يقال على رأى أصحابنا: أن كون الشيء يصح أن يكون مرئيًا في الشاهد معلل بالوجود فكذا في الغائب. وأما الجمع بالحقيقة فكقول أصحابنا: حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فوجب أن يكون في الغائب كذلك.

стр. 2995

[وأما الجمع بالشرط فهو أيضًا كقولهم: العلم في الشاهد مشروط بالحياة، فوجب أن يكون في الغائب كذلك]. واعترض عليه: بأن هذا جمع بالمشروط لا بالشرط، فإن كونه عالماً وهو الذي وقع به الجمع مشروط لا شرط. والمثال المطابق لذلك كقول المعتزلة: شرط صحة كون الشيء مرئيًا في الشاهد أن يكون مقابلًا وفي حكم المقابل، فوجب أن يكون في الغائب كذلك. وأما الجمع بالدليل فهو كقول أصحابنا والمعتزلة ملي الفلاسفة: الإتقان والتخصيص يدلان على العلم والإرادة في الشاهد فكذا في الغائب. ثم المحققون على أن هذا القياس ظني غير مفيد للقطع في الأكثر. وقال إمام الحرمين: "إنه باطل، واستدل عليه بأن الإلحاق إن لم يكن بجامع كان تحكمًا محضًا كما ذكر فكان باطلًا، وإن كان لجامع فلا شك أن الجمع بالعلة والحقيقة أقوى من الجمع بالأخرين وهما باطلان؛ لأن الجمع بهما مبني على القول بالحال وهو باطل". وقال الإمام: "الجمع بالعلة أقوى من الكل وهو غير مفيد للقطع؛ لأن إفادته للقطع متوقف على حصول القطع لنا بأن الحكم في الأصل ثبت لعلة كذا، وأن تلك العلة بتمامها حاصلة في صورة كذا لأنهما مقدمتا القياس،

стр. 2996

فإذا لم يكونا قطعيتين استحال حصول القطع بالنتيجة، وعند حصول القطع بهاتين المقدمتين يحصل القطع بالنتيجة؛ لأن المعنى من حصول العلة بتمامها أن لك ما لا بد منه في ثبوت الحكم بتلك العلة حاصل فلو لم يحصل القطع بثبوت الحكم في تلك الصورة لكان ذلك لاحتمال تخلف الحكم عنها في تلك الصورة لكن ذلك باطل؛ لأن ذلك يقتضي ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو ممتنع؛ لأن استلزام تلك العلة للحكم في الأصل دون الفرع مع أنه لم يختلف حالهما في الصورتين لا بحسب انضمام شيء إليه، ولا بحسب زوال شيء عنه ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح لكن حصول القطع بهاتين المقدمتين أمر صعب؛ لأنا وإن بينا أن الحاصل في الفرع مثل الحاصل في الاصل لكن المثلان لابد وأن يتغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا غير ذاك، وذاك غير [هذا] فيكون كل واحد منهما غير الأخر فالاثنان واحد هذا خلف، وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية فلعل ذلك التعين في أحد الجانبين جزء العلة أو شرط العلة، وفي الجانب الآخر يكون مانعًا من العلية ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع بحصول تمام العلة في الفرع على التفسير المذكور، نعم لو قامت الدلالة القاطعة على أن ما به الامتياز لا مدخل له في اقتضاء العلة للحكم حصل القطع بثبوت الحكم لكن لا يكاد يوجد ذلك في العقليات الحقيقية التي لا تختلف باختلاف تفسير اللفظ، نحو قول القائل: العالم في الشاهد من له العلم فكذا في الغائب؛ لأنا لا نعني بالعالم إلا من له العلم، ومعلوم أن هذا لا يختلف موجبه بحسب الواجب والممكن. ثم القائلون به ذكروا في تعيين العلة طرقًا:

стр. 2997

أولها وهو أقواها: الدوران الذهني، وإن لم يكن خارجيًا كقولهم: متى عرفنا كون التكليف تكليفًا بالمحال عرفنا قبحه وإن لم نعرف شيئًا آخر، ومتى لم نعرف ذلك لم نعرف قبحه وإن عرفنا سائر صفاته، فإذن العلم بالقبح دائر مع العلم بكونه تكليفًا بالمحال في الذهن، فهذا الدوران الذهني يفيد الجزم بأن المؤثر في القبح ليس إلا تعيين كونه تكليفًا بالمحال لا غير. وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه لما لزم من العلم به العلم بقبحه ومن عدم العلم به وإن علمنا سائر صفاته عدم العلم بقبحه لزم أن يكون المؤثر في القبح إنما هو كونه تكليفًا بالمحال وما الدليل عليه فإنه ليس العلم به بديهيًا لحصول التفاوت بينه وبين سائر البديهيات بل يكون نظريًا وحينئذ يحتاج إلى الدليل. سلمنا قيام الدلالة عليه لكن المقدمة الأولى منقوضة بالإضافات [فإنا متى علمنا كون الشخص أبا علمنا كون شخص آخر ابنًا له] ومتى علمنا كون الشخص ابنًا علمنا كون شخص آخر ابًا له مع أنه يستحيل أن يكون احدهما/ (١٦٥/ أ) علة للآخر فإن المضافين معًا والعلة يجب أن تكون قبل المعلول، والمقدمة الثانية مقيدة بقيد يتعذر حصول القطع به، لأنه لا يمكن القطع بها إلا إذا عرفنا سائر صفاته فإن بتقدير أن يكون بعض صفاته غير معلوم لنا لم يكن القطع معه بأن العلم بسائر صفاته [فإن بتقدير أن يكون بعض صفاته] غير كونه تكليفًا بالمحال لم يستلزم العلم بقبحه لجواز أن يكون العلم بذلك البعض يستلزم العلم بقبحه لكن لا يمكننا القطع بذلك لجواز أن يكون له صفات لا نعرفها. سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن ذلك يدل على عدم علية تلك الصفات وما

стр. 2998

الدليل عليه. فإن قلت: لأن العلم بالعلة علة العلم بالمعلول فكل شيء لا يستلزم العلم به بشيء آخر لا يكون ذلك الشيء علة له. قلت: في هذا نظر عرف في موضعه. وثانيها: الدوران الخارجي وقد عرفت فيما تقدم انه لا يفيد إلا الظن. وثالثها: التقسيم المنتشر، فإذا قيل لهم لم لا يجوز أن تكون العلة أمرًا آخر غير ما ذكرتم؟ قالوا: اجتهدنا في طلبه وبالغنا في فحصه فما وجدناه، وعدم الوجدان بعد البحث الشديد والفحص البليغ يدل على عدم الوجود كالمبصر إذا طلب شيئًا في الدار ونظر إلى جميع جوانبها في النهار فلم يجده فإنه يقطع بعدم وجوده فيها. وهذا ضعيف جدًا؛ أما أولًا: فلأن عدم الوحدان لا يدل على العدم إذ رب موجود ما وجدناه بعد البحث والاستقصاء التام. والقياس على الصورة المذكورة قياس من غير جامع وبتقدير تحققه فهو إثبات للقياس بالقياس وهو باطل، وبتقدير صحته فالفرق ظاهر جدًا وهو أن جوانب الدار محصورة مضبوطة فإذا طلب فيها مع الإمعان فلم يجده فربما يقطع بعدم الوجود بخلاف نظر العقل فإنه في غير محصور ومضبوط فلا يحصل له القطع بعدم الوجود. فإن قلت: فالمسألة المنظور فيها أيضًا محصورة مضبوطة؟ قلت: ما لها من الصفات الصالحة للعلية غير محصورة ولا مضبوطة فلم يفد ضبط أصل المسألة.

стр. 2999

نهاية الوصول في دراية الأصول للشيخ/ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي الهندي أصل هذا الكتاب رسالتي دكتوراه من جامعة الإمام بالرياض د/ صالح بن سليمان اليوسف د/ سعد بن سالم السويح المجلد الثامن المكتبة التجارية بمكة المكرمة

стр. 3000

الباب الرابع في الركن الثالث

стр. 3001

الباب الرابع في الركن الثالث وهو العلة . وهو مرتب على أقسام: القسم الأول: في الطرق الدالة على كون الوصف علة الحكم ، وفيه مقدمة وفصول: أما المقدمة ففي تفسير العلة: اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد من العلة الشرعية: ما يكون مؤثرًا في الحكم لذاته. أما أولًا: فلما تقدم من إبطال القول بالتحسين والتقبيح. وأما ثانيًا: فلأن الحكم قديم، والوصف حادث فيستحيل تعليله به.

стр. 3002

وأما ثالثًا: فلأن ترك الواجب سبب للعقاب فلو كان معللًا به بمعنى أنه مؤثر فيه لزم أن يكون العدم علة الوجود وهو ممتنع، ولا يجعل فعل الضد المؤثر وهو وجودي؛ لأنا نمنع ملازمته للترك؛ إذ يجوز خلو القادر عن فعل الشيء، وضده كما هو رأى أبى هاشم وأبى الحسين. سلمناه لكن المستلزم للعقاب بالذات إنما هو عدم فعل الواجب لا فعل الضد؛ بدليل أنه لو فرض عدم فعل الواجب بدونه استلزم العقاب، ولو فرض فعل الضد بدون ترك الواجب لما استلزم ذلك والعلة هو المستلزم بالذات لا بالعرض فيكون الترك علة وهو ممتنع، وكذا التقدير فيما إذا كان القيد العدمي جزء علة الوجود كما في قولنا: "القتل العمد العدوان سبب للقصاص" فإن العدوانية قيد عدمي؛ إذ معناها أنه غير مستحق عليه، ولا يجعل شرطًا حتى لا يرد ذلك؛ لأنه كما لا يجوز جعل العدم جزء علة الوجود لا يجوز جعله شرط علته؛ لما أنه يلزم منه أن يكون العدم علة الوجود؛ إذ العلية أمر وجودي وهي حاصلة عند حصوله، ومنتفية عند انتفائه، ولا سبب له سواه فيضاف إليه فيكون علة، وفى هذا نظر لا يخفى. وأما رابعًا: فلأن العلل الشرعية لو كانت مؤثرات لذواتها لما جاز أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة، كما في العقلية على ما عرف ذلك في محله، لكنه جائز على ما ستعرف ذلك فوجب أن لا تكون مؤثرة لذواتها. ولا يجوز أن تكون العلة الشرعية بمعنى: الباعث.

стр. 3003

أما أولا: فلأن ذلك في حق الله تعالى محال؛ لأن من فعل فعلًا لغرض فإنه لابد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله؛ إذ لو لم يكن أولى لم يكن ذلك غرضًا له، والعلم بذلك ضروري بعد الاستقراء والتجربة، وإذا كان حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفة على فعل ذلك الفعل، كان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير فتكون ممكنة غير واجبة لذاته ضرورة أن كل ما يتوقف على الغير فإنه يكون ممكن [فيكون كماله تعالى ممكنًا] غير واجب لذاته وهو ممتنع قطعًا. وما يقال: من أن حصول ذلك الغرض ولا حصوله وان كان بالنسبة إليه على التسوية لكن بالنسبة إلى غيره ليس كذلك بل حصوله لهم أولى فيفعل الله تعالى لا لغرضه؛ بل لغرضهم وحينئذ لا يلزم منه استكمال ذاته تعالى بصفة ممكنة لا يفيد/ (١٦٦ /أ)، لأن التقسيم المذكور آت فيه بأن يقال: فعله لذلك الفعل لتحصيل غرضهم إن كان أولى له من لا فعله جاء حديث الاستكمال، وان لم يكن فتحصيل ذلك الغرض إن كان لتحصيل غرض آخر لهم كان الكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم التسلسل وهو ممتنع، وإن لم يكن لغرض آخر لهم مع أنه ليس له فيه أولوية استحال أن يكون غرضًا لما تقدم. وأيضًا: فإن من يعلل أفعاله تعالى بالمصالح ودفع القبائح (استحال أن لا يجعل له غرضًا فيه إذ عنده يصير بترك المصالح وفعل القبائح) مستحقًا للذم غير مستحق للإلهية ومع هذا كيف يقال ليس له فيه غرض؟. وأما ثانيًا: فلأن العلم الضروري حاصل بعد الاستقراء أنه لا غرض إلا

стр. 3004

حصول اللذة، أو دفع الألم، أو ما يكون وسيلة إليهما، ولما امتنع على الله تعالى اللذة والألم استحال أن يكون له غرض، وبتقدير عدم امتناع ذلك عليه فإنه يستحيل أن تكون فاعليته تعالى لشيء لغرض تحصيل اللذة أو دفع الألم؛ لأن الله تعالى قادر عليهما ابتداء من غير وساطة شيء، وإذا كان كذلك يستحيل أن فاعليته تعالى لشيء لدفع الألم وجلب اللذة. أما أولًا: فلأن توسيط ما لا يتوقف الفعل عليه في تحصيله مما لا فائدة فيه وهو عبث وهو على الحكيم محال. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم ان لا تكون الواسطة واسطة للشيء [إذ المعنى من كون الشيء واسطة للشيء] وهو أن حصوله بطريق وساطته، فإذا كان الله تعالى قادرا على تحصيل ذلك الغرض ابتداء كما هو قادر على تحصيله بطريق الوسائط لم تكن الواسطة واسطة. وأما ثالثا: فلأن العلة الغائية علة لعلة الفاعلية ومعلول لها في الخارج، فيجب أن يكون بينهما ارتباط العلية بالمعلولية، ولما لم يكن كذلك حينئذ إذ لا يلزم من حصول ذلك الغرض في الخارج حصول ذلك الفعل حينئذ. ولا يلزم من عدم الفعل عدمه علمنا أنه لا يجوز تعليل ذلك الفعل بحصول ذلك الغرض حينئذ. وإذا بطل تفسير العلة الشرعية بالموجب لذاته، وبالباعث تعين تفسيرها إما "بالمعرف" لا بمعنى أنها تعرفنا حكم الأصل؛ فإن ذلك معرف بالنص بل حكم الفرع، لكن يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا:

стр. 3005

من أن حكم الأصل معلل بالعلة المشتركة بينهما وبين الفرع مع أنه غير معرف بها. وأما "بالموجب لا لذاته بل يجعل الشارع إياه موجبًا للأحكام" وهو قريب لا باس به، وجواب اعتراض الإمام على هذا قد عرف في أول الكتاب.

стр. 3006

الفصل الأول

стр. 3007

الفصل الأول: في الطرق النقلية الدالة على علية الوصف وهي عديدة: أحدها: الإجماع بأن يذكر ما يدل على حصول الإجماع قطعًا بأن ينقل نقلًا متواترًا بصريح مجموع الأمة في عصر من الأعصار بأن الوصف الفلاني علة للحكم الفلاني، أو يذكر ما يدل عليه ظنًا كما إذا نقل أن بعضهم قال: بأن [الوصف] الفلاني علة الحكم الفلاني مع علم الباقين بذلك، وعدم إنكارهم عليه، ولا يلزم من إجماعهم على عليه وصف أن لا يقع خلاف معها لجواز أن يكون وجودها في الأصل أو في الفرع متنازع فيه، أو يكون في حصول شرطها أو مانعها نزع، وهذا على رأى من يجوز تخصيص العلة، فأما إذا وقع الاتفاق على ذلك كله فلا يتصور مع الخلاف. وثانيها: النص وهو ينقسم إلى صريح، كقولنا: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لمؤثر كذا أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، أو من أجل كذا

стр. 3008

قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾. وقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة" وما يجرى مجراها في التصريح بالتأثير. وإلى ظاهر يحتمل غيرها، وهو بدخول الحروف الموضوعة للتعليل وهى "اللام" كقولنا: "ثبت لكذا" قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وكونها لغير التعليل في مثل قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ فإن ذلك ليس غرضًا وفاقًا؛ فإن الناس على قولين: منهم من لم يعلل أفعال الله تعالى بشيء أصلًا. ومنهم من يعللها بالمصالح.

стр. 3009

فأما تعليلها بالمضار والعقوبات فذلك مما لم يقل به أحد من العقلاء. وفي قول الشاعر: لدوا للموت ... وابنوا للخراب لا يحتمل العلية بأن الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب. وفي قول المصلى: أصلي لله تعالى. فإن ذات الله لا تصلح أن تكون غرضا للصلاة، وفي قولهم: ثبت هذا الحكم لعلة كذا، فإنها لو كانت للعلية لزم التكرار لا ينفي كونها ظاهرة في التعليل كما في سائر الألفاظ المستعملة في مجازاتها فإن ذلك لا ينفي كونها ظواهر في حقائقها. فإن قلت: لا نزع في أن استعمالها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرة في التعليل لو ثبت كون الكلام حقيقة في التعليل لكن ما ثبت ذلك بعد، فإن غاية ما استدللتم عليه إنما هو الاستعمال وقد عارضناه باستعمالات أخر، فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على كونها حقيقة في التعليل ومجازًا في غيره أولى من الاستدلال لما ذكرنا من الاستعمال على أنه حقيقة في غيره ومجاز فيه. قلت: الاستدلال بما ذكرنا من الاستعمال أولى لأنه/ (١٦٧ /أ) موافق

стр. 3010

لتصريح أهل اللغة بأنها للتعليل، ولكونه اسبق إلى الفهم، ولأنه لو جعل حقيقة في التعليل أمكن جعلها مجازا في الصيرورة، والتخصيص بنفي التشريك كما في الشعر وقول المصلى، لأن العلية يلزمها الصيرورة والتخصيص، ولو جعلت حقيقة فيهما لم يمكن جعلها مجازا في التعليل لعدم ملازمته لهما. وثانيهما: الباء كقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ وقوله: ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾. وقول الإمام يفيد كونها للتعليل مجازا إذ قال: إذ أصل "الباء" للإلصاق، وذات العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك فحسن استعمالها [فيه مجاز، وهو مخالف لما ذكره غيره ولما اشعر به كلامه] أيضًا إذ صرح أن دلالة "اللام" و "إن" و "الباء" على التعليل ظاهر به من غير تفرقة يهما، ثم إنه صرح أن دلالة اللام على التعليل بطريق الحقيقة وذلك يشعر بالتسوية في الدلالة، ولأن دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق غلبة الاستعمال أو القرينة، فكان يجب عليه أن يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع. وثالثها: إنَّ كقوله: "إنها من الطوافين أو الطوافات" وكقوله: "إنها دم عرق انفجرت".

стр. 3011

ورابعها: كي، قال الله تعالى: ﴿كيلا يكون دولةً بين الأغنياء منكم﴾. وثالثها: الإيماء والتنبيه، وهو يدل على العلية بطريق الدلالة الالتزامية؛ لأنه تفهم العلية فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ؛ إذ اللفظ لو كان موضوعًا لها لم تكن دلالته من قبيل الإيماء بل كان صريحًا في ذلك وهو أنواع: النوع الأول: بأن يذكر حكمًا ووصفًا ومدخل إلغاء على أحدهما فهو إذن على وجهين. أحدهما: اذ يذكر الحكم أولًا ثم الوصف بعده مع إلغاء كقوله- ﵇ في المحرم الذي وقصت به ناقته: (لا تقربوه طيبًا فإنه يحشر يوم

стр. 3012

القيامة ملبيًا). وثانيهما: عكسه وهو تارة في كلام الله تعالى كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقوله: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾. وتارة في كلام الرسول ﵇ كقوله- ﵇: (ملكت نفسك فاختاري) وقوله: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له). وتارة في كلام الراوي كقوله: (سها رسول الله ﷺ فسجد) (وزنى

стр. 3013

ماعز فرجم). ثم الوجه الثاني أقوى دلالة على العلية من الوجه الأول؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة، ثم ما كان من الوجهين من كلام الله تعالى، أو كلام رسوله فإنه أقوى دلالة على العلية من كلام الراوي من

стр. 3014

الوجهين؛ لأنه يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يتطرق إلى كلام الشارع. وقيل: إن ما كان منه من كلام الله تعالى فهو أقوى دلالة من كلام الرسول- ﵇، وفيه نظر: من حيث إن الرسول معصوم عن الخطأ والغلط فيما يتعلق بتبليغ الأحكام والتشريع فلا يتطرق عليه خلل لا بحسب السهو والنسيان، ولا بسبب الظن الخطأ فلا فرق بخلاف الراوي فإنه غير معصوم عن ذلك كله. وكلام الراوي الفقيه أقوى دلالة من كلام الراوي الغير الفقيه؛ لأن احتمال الخطأ في الثاني أكثر. ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب على ما تقدم بيان ذلك في اللغات فدخولها على الحكم بعد الوصف يقتضى ثبوت الحكم عقيب الوصف فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه. وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنا نسلم أن كل سبب يعقبه الحكم لكن لا نسلم أن كل ما يعقبه الحكم سبب، فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها فلابد من دلالة منفصلة على ذلك. ثم الذي يسند به هذا الاحتمال هو أن الحكم يعقب ملازم السبب مع أنه ليس بسبب، ثم دلالة هذا النوع من الإيماء دلالة ظاهرية لتخلف الحكم في بعض محاله وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو.

стр. 3015

النوع الثاني: أن يحكم الرسول- ﵇ بحكم في محل- عند علمه بصفة فيه- فيغلب على الظن أن تلك الصفة علة لذلك الحكم. مثاله: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى الرسول- ﵇ فقال: هلكت وأهلكت، فقال له الرسول- ﵇: ماذا صنعت؛ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عامدًا، فقال- ﵇: أعتق رقبة) فيظن أن الإفطار بالوقاع في نهار رمضان [سبب] لوجوب عتق الرقبة. والدليل عليه: أن ما ذكره الرسول- ﵇ من الكلام يصلح أن يكون جوابًا عن سؤال السائل، والغالب من الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال أن يكون جوابًا عنه للاستقراء وإن كان يحتمل أن يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام منه، أو زجرًا له عن الكلام [على] ما لا يخفي أمثلتها فيغلب على الظن أن ما ذكره الرسول ﵇ جواب عن السؤال إلحاقًا للفرد بالأعم والأغلب، ولأنه لو لم يكن جوابًا عنه لزم إخلاء السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه غير جائز. وما يقال عليه: لعله- ﵇ عرف أنه لا حاجة/ (١٦٧/أ) للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلم يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو وإن كان محتملًا لكن احتمال مرجوح لكونه نادرًا؛ إذ الغالب من السؤال أن يكون في وقت الحاجة، والظاهر عدم معرفة الرسول حال السائل وإذا كان ما ذكره الرسول جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا فيصير تقدير الكلام: واقعت في نهار رمضان فكفر، فيرجع
следующие страницы →