Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
ورابعها: كي، قال الله تعالى: ﴿كيلا يكون دولةً بين الأغنياء منكم﴾.
وثالثها: الإيماء والتنبيه، وهو يدل على العلية بطريق الدلالة الالتزامية؛ لأنه تفهم العلية فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ؛ إذ اللفظ لو كان موضوعًا لها لم تكن دلالته من قبيل الإيماء بل كان صريحًا في ذلك وهو أنواع:
النوع الأول: بأن يذكر حكمًا ووصفًا ومدخل إلغاء على أحدهما فهو إذن على وجهين.
أحدهما: اذ يذكر الحكم أولًا ثم الوصف بعده مع إلغاء كقوله- ﵇ في المحرم الذي وقصت به ناقته: (لا تقربوه طيبًا فإنه يحشر يوم
стр. 3012
القيامة ملبيًا).
وثانيهما: عكسه وهو تارة في كلام الله تعالى كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقوله: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾.
وتارة في كلام الرسول ﵇ كقوله- ﵇: (ملكت نفسك فاختاري) وقوله: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له).
وتارة في كلام الراوي كقوله: (سها رسول الله ﷺ فسجد) (وزنى
стр. 3013
ماعز فرجم).
ثم الوجه الثاني أقوى دلالة على العلية من الوجه الأول؛ لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة، ثم ما كان من الوجهين من كلام الله تعالى، أو كلام رسوله فإنه أقوى دلالة على العلية من كلام الراوي من
стр. 3014
الوجهين؛ لأنه يتطرق إلى كلام الراوي من الخلل ما لا يتطرق إلى كلام الشارع.
وقيل: إن ما كان منه من كلام الله تعالى فهو أقوى دلالة من كلام الرسول- ﵇، وفيه نظر: من حيث إن الرسول معصوم عن الخطأ والغلط فيما يتعلق بتبليغ الأحكام والتشريع فلا يتطرق عليه خلل لا بحسب السهو والنسيان، ولا بسبب الظن الخطأ فلا فرق بخلاف الراوي فإنه غير معصوم عن ذلك كله.
وكلام الراوي الفقيه أقوى دلالة من كلام الراوي الغير الفقيه؛ لأن احتمال الخطأ في الثاني أكثر.
ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب على ما تقدم بيان ذلك في اللغات فدخولها على الحكم بعد الوصف يقتضى ثبوت الحكم عقيب الوصف فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه.
وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنا نسلم أن كل سبب يعقبه الحكم لكن لا نسلم أن كل ما يعقبه الحكم سبب، فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها فلابد من دلالة منفصلة على ذلك.
ثم الذي يسند به هذا الاحتمال هو أن الحكم يعقب ملازم السبب مع أنه ليس بسبب، ثم دلالة هذا النوع من الإيماء دلالة ظاهرية لتخلف الحكم في بعض محاله وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو.
стр. 3015
النوع الثاني: أن يحكم الرسول- ﵇ بحكم في محل- عند علمه بصفة فيه- فيغلب على الظن أن تلك الصفة علة لذلك الحكم.
مثاله: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى الرسول- ﵇ فقال: هلكت وأهلكت، فقال له الرسول- ﵇: ماذا صنعت؛ فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان عامدًا، فقال- ﵇: أعتق رقبة) فيظن أن الإفطار بالوقاع في نهار رمضان [سبب] لوجوب عتق الرقبة.
والدليل عليه: أن ما ذكره الرسول- ﵇ من الكلام يصلح أن يكون جوابًا عن سؤال السائل، والغالب من الكلام الذي يصلح أن يكون جوابًا عن السؤال أن يكون جوابًا عنه للاستقراء وإن كان يحتمل أن يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام منه، أو زجرًا له عن الكلام [على] ما لا يخفي أمثلتها فيغلب على الظن أن ما ذكره الرسول ﵇ جواب عن السؤال إلحاقًا للفرد بالأعم والأغلب، ولأنه لو لم يكن جوابًا عنه لزم إخلاء السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه غير جائز.
وما يقال عليه: لعله- ﵇ عرف أنه لا حاجة/ (١٦٧/أ) للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلم يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو وإن كان محتملًا لكن احتمال مرجوح لكونه نادرًا؛ إذ الغالب من السؤال أن يكون في وقت الحاجة، والظاهر عدم معرفة الرسول حال السائل وإذا كان ما ذكره الرسول جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا فيصير تقدير الكلام: واقعت في نهار رمضان فكفر، فيرجع
стр. 3016
هذا النوع إلى النوع الأول في أصل الدلالة، لكنه أضعف منه في الدلالة؛ لما أن الفاء وإعادة السؤال مقدر فيه، والمقدر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت لكنه لا يساويه في القوة، وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجة أيضًا؛ لأن معرفة كون الكلام المذكور بعد السؤال جوابًا عنه، أو ليس بجواب عنه أمر سهل لا يحتاج فيه الى تدقيق النظر، والظاهر من حال الراوي العدل لاسيما الخبير بهذا الشأن بأن لا يجزم بكونه جوابًا إلا ويكون قد عرف ذلك معرفة لا يرتاب فيها.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم [وصفًا] لو لم يكن الحكم معللًا به لما كان في ذكره فائدة وهو يفيد ظن العلية؛ لأنه لو لم يكن علة الحكم لكان ذكره عبثًا لا فائدة فيه، وذلك مما لا يوجد في كلام العقلاء إلا على سبيل الندور إن وجد، ويعد ذلك سقطًا من الكلام فكيف يوجد ذلك في كلام الله تعالى وكلام رسوله؟ فيغلب على الظن عليته وهو على أقسام:
أحدها: أن يذكر الحكم لدفع إشكال يرد على حكمه في محل آخر ويردفه بوصف فيغلب على الظن أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم كما روى أنه- ﵇ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل له: إنك تدخل على بني فلأن وعندهم هرة، فقال- ﵇: (إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات) فلو لم يكن لكونها من الطوافين أثر في الطهارة لم يكن في ذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.
стр. 3017
وثانيها: أن يذكر وصفًا ظاهرًا في محل الحكم ابتداء من غير سؤال لا حاجة إلى ذكره لو لم يكن مؤثرًا في الحكم كقوله- ﵇ في حديث ابن مسعود ليلة الجن حين توضأ بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتذاب ملوحة الماء: (ثمرة طيبة وماء طهور).
وثالثها: أن يسأل الرسول- ﵇ عن حكم شيء فيسال- ﵇ عن وصف له فإذا أخبر عنه حكم فيه بحكم فيفيد ان ذلك الوصف علة الحكم.
مثاله: ما روى أنه- ﵇ سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر فقال- ﵇: (أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال- ﵇: فلا، إذن) فلو لم يكن نقصان الرطب بالجفاف علة منع بيعه رطبًا لم يكن للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة، وهو يدل على العلية بوجهين آخرين:
أحدهما: أنه رتب الحكم على الوصف بالفاء.
وثانيهما: أنه قرنه بإذن وهى من صيغ التعليل.
ورابعها: أن يسأل- ﵇ عن حكم واقعة فيقرر- ﵇ على حكم نظير لها، وينبه على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما فيفيد أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم.
ومثاله قوله- ﵇ لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ "
وما قيل إن هذا ليس من قبيل ما نحن فيه؛ إذ ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعًا من الإفطار بل غايته أن لا يفطر بل هو نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد ضعيف؛ لأن قوله- ﵇: (أرأيت لو
стр. 3018
تمضمضت بماء ثم مججته كنت شاربه) تنبيهًا على الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منهما وهو يصلح أن يكون علة؛ إذ لا يشترط المناسبة في الوصف المومئ إليه على ما سيأتي ذلك على ما شاهد عليه هذا القائل فإنه اختار أنه لا يشترط المناسبة في إيماء غير ذكر الجامع الوصف المناسب، وبتقدير اشتراطها فإنه لا يشترط ظهور الحكمة بل يكفى في ذلك أن يكون الوصف مظنة لذلك، وما ذكر من الجامع كذلك فيصلح أن يكون علة فيكون من قبيل ما نحن فيه.
وقوله للخثعمية حين سألته عن حجها لأبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه؟ فقالت: نعم فقال ﵇: فدين الله أحق بالقضاء" فأجاب عن الواقعتين المسئولتين بتقرير الحكم في نظيرتهما على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما وهو عدم حصول ما هو المطلوب من المقدمتين وكون كل واحد منهما دينا، ولو لم يفد هذا الكلام علية المشترك لما حصل الجواب عن المسؤول بهذا الكلام فيلزم أن يقال: إنه- ﵇ ما أجاب عن السؤال وأخر البيان عن وقت الحاجة واشتغل بالعبث؛ إذ الاشتغال بالكلام الخالي عن الفائدة عبث وكل ذلك غير لائق بآحاد العقلاء فكيف بالنبي- ﵇.
النوع الرابع: أن يفرق الشارع بين الشيئين في الحكم بذكر صفة، وذلك يفيد أن تلك الصفة علة التفرقة؛ إذ التفرقة لا بد لها من علة إذ لو لم تكن تلك الصفة علة التفرقة لم يكن لذكرها إذ ذاك فائدة بل فيه مفسدة وهو إيهام ما ليس بعلة علة/ (١٦٩ / أ).
стр. 3019
وهذا النوع ينقسم إلى ما يكون حكم أحدهما مذكورًا في خطاب [وحكم الآخر في خطاب آخر كقوله ﵇: (القاتل لا يرث) فإنه قد تقدم بيان الوارث وإرثهم في خطاب آخر،] وإنما في هذا الخطاب بيان أن القاتل منهم لا يرث، وإلى ما يكون حكمهما مذكورًا في خطاب واحد هو يقع على أوجه:
أحدها: أن تقع التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء كقوله- ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر) إلى قوله (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد).
وثانيها: أن تقع التفرقة بلفظ الغاية كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾.
وثالثها: أن تقع التفرقة بلفظ الاستثناء كقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾.
ورابعها: أن تقع التفرقة بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم
стр. 3020
الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.
وخامسها: أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله- ﵇: (للراجل سهم وللفارس سهمان).
النوع الخامس: أمر الشارع في أثناء خطابه بترك شيء أجنبي عما لأجله أصدر ذلك الخطاب يفيد أنه إنما أمر بتركه لكونه مانعًا من تحصيل ذلك الغرض فعلة نهيه إنما هو كونه مانعًا منه.
والدليل عليه: أنا لو لم نقدر ذلك لكان النهي عنه والحالة هذه غير جائز لكونه يخل بجزالة الكلام وفصاحته، بل يخل: بجنسه لكونه معدودًا من ركاكة الكلام واضطرابه، وذلك مما يجب تنزيه الشارع عنه.
مثاله: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
стр. 3021
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فالآية أصدرت لبيان وجوب الجمعة وأحكامها والحث على فعلها، فالأمر بترك البيع في خلال هذا الخطاب مع أنه لا يناسب أوله وآخره لو لم يكن لكون الاشتغال به مانعًا من السعي إليها لما حسن.
النوع السادس: ترتيب الحكم على الاسم المشتق فإنه يدل على علية ما منه الاشتقاق.
فهذه جملة أقسام الإيماءات التي تستفاد من اللفظ.
стр. 3022
فروع
الأول: لا تشترط المناسبة في علية الوصف المومئ إليه في كل ما تقدم من أقسام الإيماء عند المحققين.
وقال قوم: تشترط في كلها.
وقيل: تشترط في النوع السادس
لنا وجوه:
أحدها: أن الوصف المومئ إليه الخالي من المناسبة إن لم يكن علة الحكم فإما أن لا يكون للحكم علة، أو يكون له علة أخرى غير ذلك الوصف المومئ إليه [والقسمان باطلان فبطل أن لا يكون الوصف المومئ إليه علة]، وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن لا يكون للحكم علة أصلًا لوجهين:
أحدهما: أن الحكم مع علته أكثر فائدة مما إذا لم يكن كذلك، وحمل تصرفات الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى.
وثانيهما: أن الحكم بدون العلة والغرض عبث، وهو على الله تعالى محال؛ وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون غير هذا الوصف علة؛ لأن غير هذا الوصف كان معدومًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان فيغلب على الظن بقاؤه على العدم استصحابًا للحال.
وثانيها: الرجل إذا قال: "أكرم الجهال، وأهن العلماء" فإنه يستقبح قوله في العرف، فهذا الاستقباح لا يخلو إما أن يكون لأجل أنه فهم منه:
стр. 3023
أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام، والعالم مستحقًا للإهانة في الجملة، أو لأنه فهم منه أنه جعل الجاهل مستحقًا للإكرام لجهله، وجعل العالم مستحقًا للإهانة لعلمه، والأول باطل؛ لأن ذلك لا يقتضى الاستقباح؛ إذ الجاهل قد يستحق الإكرام لنسبه وكرمه وشجاعته، والعالم قد يستحق الإهانة لفسقه وبخله وخيانته فيتعين الأول، وذلك يدل على أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وإن لم يكن الوصف مناسبًا للحكم، إذ الجهل لا يناسب الإكرام مع أنه فهم من هذا الكلام العلية، ولذلك استقبح وإلا لم يكن للاستقباح معنى، وإذا فهمت العلية منه في هذه الصورة [وجب أن يكون حقيقة فيها لما سبق غير مرة وإذا كان حقيقة فيها] وجب أن لا يكون حقيقة في غيرها وإلا لزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب وأنه خلاف الأصل، وفي التزام التجوز في غيرها تسليم للمقصود، ولأنه لا قائل بالفصل بين صورة وصورة.
لا يقال: الاستقباح إنما هو لأجل أنه أثبت الحكم مع المانع له؛ فإن الجهل مانع من الإكرام، فإثبات الإكرام معه إثبات للحكم مع المانع له وأنه قبيح؛ لأنا لا نسلم أن الجهل مانع منه إذ المانع من الشيء هو الذي لا يحسن التصريح بالجمع بينه وبين ما هو مانع له، وليس الجهل مع الإكرام للجاهل بهذه المناسبة؛ لأنه لو قال: أكرم الجاهل لشجاعته، أو لكرمه فإنه لا يقبح ذلك ولو كان مانعًا له مطلقًا لما حسن ذلك.
وثالثها: أنه يفهم السببية من مثل قوله- ﵇: (من مس ذكره فليتوضأ) وإن لم يناسب الوصف الحكم ووجود المشروط بدون الشرط محال.
стр. 3024
الفرع الثاني
ثم دلالة هذه الأقسام/ (١٧٠ /أ) من الإيماءات على علية الوصف المذكور إنما هي دلالة ظاهرية، إلا ما كان منها بصيغة الشرط والجزاء ورتب الحكم فيه بالفاء نحو قوله ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه). فإنه يدل قطعًا على أن المرتب عليه معتبر في الحكم أما أن ذلك الاعتبار على أي وجه هو بطريق العلية، أو جزؤ العلية، أو شرط العلية، أو كون ذلك الوصف متضمنًا للعلة بطريق الملازمة فذلك مما يدل عليه قطعًا بل قد يدل على بعضها بطريق الظهور دون الاحتمالات الأخر على سبيل الاختلاف بحسب المحال، ثم تلك الدلالة الظاهرية قد تترك لقيام الدليل الدال على أن ذلك الوصف بخصوصيته غير معتبر بل المعتبر ما يتضمنه من المعنى المشترك بينه وبين غيره، فالعلة بالحقيقة إنما هو ذلك المعنى المشترك والوصف المذكور علة بمعنى أنه مشتمل عليه.
مثاله: قوله ﵇: (لا يقضى القاضي وهو غضبان).
стр. 3025
ظاهره يدل على أن العلة هي الغضب، لكن لما علم أن اليسير منه لا يمنع القضاء؛ لأنه لا يمنع من استيفاء الفكر، وأن الجوع المفرط، والألم المفرط يمنعان من القضاء؛ لأنهما يمنعان من استيفاء الفكر علم أن الغضب ليس هو العلة بل العلة ما يشوش الفكر.
وما يقال: من أن الغضب علة لكونه مشوشًا فغير سديد؛ لأن الحكم لما دار مع تشويش الفكر وجودًا وعدمًا، وانقطع عن الغضب وجودًا وعدمًا وليس بين ما يشوش الفكر وبين الغضب ملازمة لوجود كل واحد منهما منفكًا عن الآخر لم يكن للحكم بكون الغضب علة معنى لو أطلق على الغضب اسم العلة على وجه التجوز لما أنه مشتمل على العلة كان ذلك جائزًا.
стр. 3026
الفرع الثالث
اعلم أن ما تقدم من أقسام الإيماءات إنما هو فيما [إذا كان الحكم والوصف مذكورين بالصراحة، وأما إذا لم يكن كذلك، فإما أن يكون الحكم] مذكورًا بالصراحة والوصف مستنبط منه أو عكسه.
فإن كان الأول فلا إيماء له وفاقًا.
وصرح بعضهم بنقل الخلاف فيه أيضًا وهو بعيد من جهة النقل والمعنى؛ لأنه يقتضى أن تكون العلة والإيماء متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وإن كان الثاني وهو: أن يكون الوصف مذكورًا بالصراحة والحكم مستنبط منه كالصحة المستنبطة من حل البيع والنكاح وأمثالها، فإن حل البيع والنكاح مصرح به في النص، والصحة غير مصرح بها لكنها مستنبطة منه.
ووجه الاستنباط:
أن نقول: يلزم من حله صحته؛ إذ لو لم يكن صحيحًا لما ترتب عليه آثاره إذ هو معنى نفي الصحة، وحينئذ يكون تعاطيه عبثًا إذ العبث هو الفعل الخالي عن الفائدة، [والعبث لا بوصف بالحل فيلزم من عدم الصحة عدم الحل لكن عدم الحل غير ثابت ضرورة ثبوت الحل] فيلزم انتفاء عدم الصحة، ويلزم منه ثبوت الصحة [فثبوت الحل يستلزم ثبوت الصحة فهل للنص الدال على ثبوت الحل إيماء إلى ثبوت الصحة؟].
стр. 3027
اختلفوا فيه:
فذهب قوم إلى إثباته وهو الأولى؛ لأن الصحة لازمة للحل على ما تقرر ذلك فالحل مدلول اللفظ بطريق الوضع؛ فاللفظ الدال عليه بطريق الوضع يدل على إرادة ثبوت الصحة بطريق الالتزام ضرورة كونها لازمة للمسمى فيكون للنص إيماء إليه كما إذا كان الحكم والوصف مذكورين بالمطابقة فإنه لا اختلاف بينهما إلا في طريق الثبوت وذلك لا يقتضى الاختلاف في أصل الثبوت وفيما يلزمه من الأحكام.
وذهب الآخرون إلى نفيه محتجين: بأن الحكم إذا كان مذكورًا بالصراحة والوصف مستنبط منه كما هو في أكثر الأقيسة لم يكن للنص الدال على الحكم إيماء إلى ذلك الوصف وفاقًا فكذا ما نحن فيه.
وجوابه: أنه قياس خال عن الجامع.
سلمنا الجامع لكن الفرق حاصل وهو أن وجود الوصف غير لازم من الحكم المصرح به ولا مناسبته له لثبوته قبل الشرع فلم يكن للنص الدال على الحكم دلالة على الوصف لا بطريق الوضع، ولا بطريق الالتزام فلم يكن له إليه إيماء بخلاف النص الدال على الوصف فإن له دلالة على الحكم المستنبط اللازم له بطريق الالتزام فلم يلزم من كون هذا من قبيل الإيماء أن يكون عكسه كذلك.
стр. 3028
الفصل الثاني
في إثبات العلية بالمناسبة والإخالة
стр. 3029
الفصل الثاني
في إثبات العلية بالمناسبة والإخالة
وهي من الطرق العقلية .
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في تعريف المناسب:
المناسبة في اللغة عبارة عن الملائمة، يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة أي تلائم جمعهما في سلك واحد، ويقال: فلان لا تناسب أفعاله أقواله أي لا تلائم حيث تكون أفعاله مخالفة لأقواله، فالمناسب في اللغة: الملائم.
وأما في الاصطلاح: فقال من لم يعلل أفعال الله تعالى: إنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات".
ومن يعللها قال: "إنه الذي يفضى إلى ما/ (١٧١/أ) يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً".
والمراد من التحصيل: جلب المنفعة، وهى عبارة عن اللذة وما يكون طريقًا إليها.
стр. 3030
إزالة المضرة، وهى الألم وما يكون طريقًا إليه.
ولا حاجة إلى تعريف اللذة والألم لكونهما من الأمور الوجدانية.
وقيل في أحدهما: "اللذة إدراك الملائم، والألم: "إدراك المنافي" وهو لا يخلو عن شائبة الدور.
ثم كون التعريف الأول تعريف من لم يعلل أفعال الله تعالى ظاهر؛ إذ لا سبيل إلى تعريفه على هذا التقدير بملائمة غرضه تعالى لتنزهه عن الأغراض، ولا بملائمة غرض الإنسان وبموافقته؛ لأنه حينئذ يكون معللًا بذلك وهذا القائل لا يقول به فلم يبق إلا أن يقال: أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء بفعله على مجارى العادة تحصيل مقصود مخصوص، أو ما يكون بحيث إذا رؤى العاقل فعل فعلًا مخصوصًا يقال أنه فعله لكذا، وكذا كون التعريف الثاني تعرف من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح ظاهر؛ إذ اعتبار إفضائه إلى ما يوافق الإنسان تحصيلًا وإبقاءً تصريح بالتعليل.
وقيل المناسب: "ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول".
قيل عليه: إن إثبات كون الوصف مناسبًا بهذا التفسير على الخصم متعذر إذ الخصم ربما يقول: إن عقلي لا يتلقى هذا المعنى بالقبول، والاستدلال على بقبول عقل غيري له ليس أولى من الاستدلال على غيري بعدم قبول عقلي له، وعلى هذا بنى هذا القائل امتناع إثبات العلة على الخصم في مقام النظر وقال: المناسبة تفيد الناظر؛ لأنه لا يكابر نفسه دون المناظر؛ لاحتمال أنه مكابر في نفسه ويظهر من نفسه خلافه حتى لا يخرج عن أن يكون أهلًا للمناظرة، فإن
стр. 3031
المكابر ليس أهلًا للمناظرة وفاقًا.
ولقائل أن يقول عليه: أن كون الشيء بحيث لا يمكن إثباته على الخصم [لا يقدح فيه وإلا لزم القدح في عدم اعتبار عدد معين في أهل التواتر لأن اعتباره بما يحصل العلم مما يتعذر إثباته على الخصم] فإن الخصم ربما يقول: لم يحصل لي العلم بمضمون هذا الخبر فلم يثبت عندي تواتره، وليس الاستدلال على بحصول العلم لغيري أولى من الاستدلال على غيري بعدم حصول العلم لي، نعم لو أمكن رد الشيء بحيث ينتفع به الناظر والمناظر معًا كان أولى.
والحق: أنه وإن عرفت المناسبة بحيث يمكن إثباتها على الخصم لكن قد يكون من أمارات العلة المصححة لها ما لا يمكن التعبير عنها، وإثبات علية هذا النوع متعذر على الخصم قطعًا.
وقال الخلافيون: المناسبة مباشرة الفعل الصالح لحكمه ومصلحة، أو صلاحية الفعل لحكمة ومصلحة.
التعريف الأول إنما يستقيم على رأى من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح والحكم، والثاني يستقيم على الرأيين معًا.
وقيل: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم
стр. 3032
على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع ذلك الحكم نفيا ًكان أو إثباتًا.
وهو ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج عنها وهو اقتران الحكم للوصف وهو خارج عن ماهية المناسب بدليل أنه يقال: المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ولو كان الاقتران داخلًا في الماهية لما صح هذا.
فإن قلت: لا نسلم أنه اعتبر اقتران الحكم للوصف في ماهية المناسب، بل اعتبر فيه كونه بحيث يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع ذلك الحكم، ولا يلزم منه أن يكون ترتيب الحكم معتبرًا في ماهيته.
قلت: يجب الاحتراز في التعريفات عن مثل هذه العنايات.
سلمنا إرادة مثل هذه العنايات لكن إن عنى بقوله: يلزم من ترتيب الحكم على وفقه كيت وكيت أنه يلزم ذلك من ترتيب ما يقتضيه الوصف من الحكم بحسب مناسبة له فحينئذ يلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأن تعريف المناسب إنما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه.
وإن عنى به غيره فليبينه.
سلمنا ذلك لكن لا حاجة إلى هذا القيد بل يكفى أن يقال: المناسب وصف ظاهر منضبط يلزم من حصوله حصول الحكم المستلزم لحصول ما يصلح
стр. 3033
أن يكون مقصودًا للشارع والمقارنة إنما تراد لاعتبار المناسبة لا لتحقق ماهيتها، وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع فذلك زائد على ماهية المناسبة فذكره في الحد نقص فيه.
وثانيهما: أنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائز على/ (١٧٢/أ) ما اختاره قائل هذا الحد، والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة.
стр. 3034
المسألة الثانية
اعلم أن الحكم إذا شرع للمناسبة فلابد وأن يكون محصلًا للمصلحة أو دافعًا للمفسدة، أو محصلًا للمصلحة ودافعًا للمفسدة معًا سواء علل أفعال الله أو لم تعلل [ثم كونه محصلًا] أو دافعًا إما يقيني أو ظني، أو يستوى فيه الأمران أعنى الحصول [أو] اللاحصول أو يترجح اللاحصول على الحصول فهذه أقسام:
أحدهما: ما يكون محصلًا للمصلحة يقينًا كالحكم بصحة البيع لحصول الملك وصحة التصرف.
وثانيها: ما يكون كذلك ظنًا كشرعية وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لإبقاء النفوس المعصومة، وصيانةً لها عن التلف، فإن ذلك ليس مقطوع الحصول؛ إذ يحصل إهلاكها مع شرعية القصاص لكن يغلب على الظن حصوله، إذ الظاهر من حال العاقل أنه لا يقدم على القتل إذا علم أنه يقتل بسببه.
وثالثها: ما يستوى فيه الأمران قيل: هو كشرعية وجوب الحد على شارب الخمر فإنه محصل لمصلحة حفظ العقل، لكن كونه كذلك يستوى فيه الأمران أعنى الوجود والعدم؛ لأنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه من غير ترجيح وغلبة لأحد الفريقين في العادة وفيه نظر، ذلك أنا لو سلمنا ذلك فإنما كان كذلك للتهاون والتسامح في إقامة الحد فأما مع
стр. 3035
إقامته فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مفضيًا إلى المقصود أو لا يكون مفضيًا إليه على تقدير رعاية المشروع، فأما بمجرد تشريع الحكم مع قطع النظر عن ذلك فلا.
ورابعها: ما يكون حصول المقصود منه مرجوحًا كشرعية نكاح الآيسة لمصلحة التوالد والتناسل، فإنه وإن كان ممكنًا عقلًا لكنه بعيد على مجرى العادة فكان مرجوحًا.
ولا يخفى أن الأول أقوى المراتب، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. والأولان لا نزاع فيهما عند القائلين بالقياس.
وأما الثالث والرابع مختلف فيهما، والأصح أنه يجوز التعليل بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك الوصف في أغلب الصور من الجنس مفضيًا إلى المقصود وإلا فلا.
والدليل عليه ما تقدم من جواز شرعية نكاح الآيسة لغرض التناسل وكذا تحقق رخصة السفر في حق الملك المترفه الذي لم يتحقق بالنسبة إليه مشقة، وكذا غيرهما من المظان الذي رتب الحكم عليها مع انتفاء ما هو مظنة له.
فإما إذا قطع بخلوه عنه لم يجز التعليل به خلافًا للحنفية، وهو كلحوق نسب المشرقي من زوجته المغربية التي لم يرها، وكوجوب الاستبراء
стр. 3036
في الجارية التي اشتراها في المجلس بعد أن باعها فيه، فإنا نعلم قطعًا عدم العلوق منه، وكذا نعلم براءة رحمها من ماء غيره، والدليل عليه: أنه غير محتمل في هذه الصورة فلا يكون الوصف مفضيًا إليه قطعًا، وما شأنه كذلك لا يكون مناسبًا فلا يصح التعليل به.
وعلى هذا القياس تكون الأمثلة في جانب دفع المفسدة، فإن الحكم بفساد النكاح والبيع في الأنكحة والبياعات الفاسدة يدفع المفسدة الناشئة من الحكم بصحتهما قطعًا، والحكم بوجوب حد الزنا يدفع مفسدة الزنا ظنًا غالبًا، والحكم بوجوب التعزيز في الصغائر التي تدعو النفس إليه غالبًا مما يستوي فيه الأمران، والحكم برد الشهادة بتكثير اللعب بالشطرنج يفضى إلى دفع المفسدة الناشئة من القليل منه على سبيل المرجوحية.
стр. 3037
المسألة الثالثة
في تقسيم المناسب .
وهو من وجوه:
أحدها: أن المناسب إما حقيقي، وإما إقناعي، ويظهر لك معنى الحقيقي عند تفسيرنا الإقناعي إذ قيل: بضدها تتبين الأشياء.
والحقيقي إما لمصلحة تتعلق بالدنيا، أو لمصلحة تتعلق بالآخرة أولهما.
أما الأول فهو على أقسام: وذلك لأن رعاية تلك المصلحة، إما أن تكون في محل الضرورة أو لا تكون، والتي لا تكون في محل الضرورة فإما أن تكون تابعة ومكملة للتي في محل الضرورة [أو لا تكون، والتي لا تكون مكملة للتي في محل الضرورة] فإما أن تكون في محل الحاجة أو لا تكون في محل الحاجة، والتي لا تكون في محل الحاجة فإما أن تكون مكملة للتي في محل الحاجة [أو لا تكون كذلك بل هي جارية مجرى التحسينات والتزيينات، وهي إما أن تكون على] خلاف قاعدة معتبرة أو لا، فهذه أقسام ستة:
أولها: التي في محل الضرورة، وهي التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لا تختلف فيها الشرائع والملل بل هي مطبقة على حفظها
стр. 3038
ورعايتها وهي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والنسب والمال.
أما الدين فقط حفظ بشرع قتل المرتد، وقتال الكفار، وكون الذمي لا يقتل ولا يقاتل لا يخل بهذا المقصود؛ لأنه استسلم لأحكام الشرع فليس له دعوة باطنًا، ولا شوكة ظاهرًا يفسد على الناس دينهم بخلاف الحربى.
وأما النفس فقد حفظت بشرع القصاص قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.
وأما العقل فقد حفظ بتحريم المسكر وترتيب الحد على شربه/ (١٧٣/ أ)
وأما النسل والنسب فقد حفظ بتحريم اللواط والزنا، وشرع الحد والعقوبة على فعليهما؛ إذ المزاحمة على الأبضاع تفضي إلى اختلاط الأنساب، المفضي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد المفضي إلى إهلاكهم.
وأما المال فقد حفظ بتحريم الغصب والاختلاس والسرقة وشرع الزواجر والحد على تعاطيها، فهذه الخمسة هي المصالح الضرورية التي هي أعلى مراتب المصالح والمناسبات.
وثانيها: التي تكون مكملة للضرورية، وذلك كالمبالغة في حفظ الدين
стр. 3039
بتحريم البدعة، وعقوبة المبتدع الداعي إليها، وكالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب قليل المسكر وترتيب الحد عليه، وكالمبالغة في حفظ النسب والنسل بتحريم النظر والمس وترتيب الزجر على ذلك.
وثالثها: التي تكون في محل الحاجة فكتمكين الولي من تزويج الصغيرة؛ فإن مصالح النكاح غير ضرورية لها في الحال لكن الحاجة داعية إلى ذلك، إذ الكفء الموافق لا يوجد في كل حال، فلو لم يقيده بالنكاح فربما فات لا إلى بدل عند الحاجة إليه، ومثلا تجويز البيع والإجارة وغيرهما في عموم الأحوال وإن كان منه ما ينتهي إلى حد الضرورة كتمكين الولي من شراء الطعام والملبوس للصغير الذي في معرض التلف من الجوع والبرد وكتمكينه من استئجار المرضعة له.
ورابعها: التي تكون مكملة للتي في محل الحاجة وهي كرعاية الكفاءة، ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل الحاجة حاصلة بدون ذلك.
وخامسها: التي تكون جارية مجرى التحسينات من غير أن تعارضها قاعدة معتبرة كتحريم تناول المستخبثات، وسلب أهلية الشهادة عن العبيد.
أما الأول: فلأن تناولها من جملة المستقبحات فيكون اجتنابها من المستحسنات، وتحريمها مما يفضى إلى الاجتناب فيكون من المستحسنات.
وأما الثاني: فلأن العبد نازل القدر، وضيع المنزلة على ما لا يخفي
стр. 3040
تعليل ذلك، والشهادة منصب شريف فلا يليق بحاله جريًا على ما اعتاده الناس من محاسن العادات فإنهم يرون إثبات المنصب الشريف لو ضيع الحال من قبيح التصرفات.
وأما سلب ولايته على من يلي أمره لو كان حرًا فليس من هذا القبيل، بل هو من قبيل الحاجات لمناسبة المصلحة؛ إذ الولاية عليه تستدعي الفراغ والخلو عن الأشغال حتى يتفرغ للنظر في حاله وقضاء مهماته في غالب الأوقات، والعبد غير متفرغ لذلك لاشتغاله بخدمة السيد، ولو فرض الخلو عنها في أكثر الأوقات فإنه لا يناسب الإثبات أيضًا؛ إذ لا يؤمن عن ذلك في كل وقت لما أنه تحت تسخيره في كل وقت بخلاف الشهادة فإنها لا تتفق في غالب الأوقات بل في نادره.
وسادسها: التي من قبيل التحسينات لكنها تعارضها قاعدة معتبرة وهي "كالكتابة" فإنها وإن كانت مستحسنة في العادات ومعدودة من المكرمات لكنها في الحقيقة بيع الرجل ما له بماله وهو غير معقول.
وأما القسم الثاني: فهو ما يتعلق بالمصالح الأخروية، وهي المصالح التي يحصل برعايتها تزكية النفوس عن الرذائل، وتحليتها بالفضائل، وتهذيب الأخلاق، وحصول الثواب ودفع العقاب في الدار الآخرة.
وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بالمصالح الدنيوية والأخروية معًا، فهي التي يحصل برعايتها بعض ما تقدم من مصالح الدنيوية والأخروية كإيجاب الكفارات، فإنه يحصل به الزجر عن تعاطي تلك الأفعال التي بسببها وجبت الكفارات، ويحصل تكفير الذنوب، وتلافى التقصير الذي حصل له من
стр. 3041
فعلها
ثم اعلم أنه قد يقع في كل قسم من هذه الأقسام ما يظهر كونه منه، وقد يقع فيه ما لا يظهر كونه منه.
أما الأول فهو كوجوب القصاص بالقتل بالمثقل، فإنه يظهر أنه من قبيل المصلحة الضرورية في حفظ النفوس؛ لأنه لو لم يوجب القصاص به لما حصل حفظ النفوس وأن شرع القصاص في المحدد؛ لأن كل من يريد أن يقتل انسانًا فإنه يعدل عن المحدد الى المثقل، دفعًا للقصاص عن نفسه؛ إذ ليس في المثقل زيادة مؤنة ليست في المحدد حتى يمكن أن يقال إنه لا يكثر به القتل بسبب تلك المؤنة كما يكثر في المحدد فعدم وجوب القصاص فيه لا يفضى الى الهرج والمرج كما في المحدد بل كان المثقل أسهل من المحدد لوجوده من غير عوض، فكل شرع روعي فيه حفظ النفوس لا يجوز أن يخلو عن وجوب القصاص بالمثقل.
وأما الثاني فهو ما لا يظهر كونه من ذلك القسم، وهذا ينقسم إلى ما يظهر منه أنه ليس من ذلك القسم [وإلى ما لا يظهر منه ذلك أيضًا بل يتساوى فيه الأمران أعنى كونه من ذلك القسم] أو ليس منه.
أما الأول: فهو كإيجاب القصاص بالقتل بغرز الإبرة في غير مقتل بحيث لا يعقب ألمًا وورمًا ظاهرًا، فإنه يظهر منه أنه ليس من قبيل رعاية المصالح الضرورية؛ إذ لا يفضى ذلك إلى إهدار النفوس إلا على الندور فلم يكن إيجاب القصاص فيه من قبيل رعاية المصالح الضرورية في حفظ النفوس.
وأما الثاني/ (١٧٤/أ) فهو كإيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة فإنه
стр. 3042
يحتمل أن يكون من قبيل رعاية المصلحة الضرورية؛ إذ لو لم يوجب ذلك لأدى الأمر إلى أن كل من أراد قطع يد إنسان استعان بشريك، ليدفع عن نفسه القصاص وحينئذ تبطل فائدة شرعية القصاص.
ويحتمل أن لا يكون منه؛ لأنه يحتاج فيه إلى أن يشاركه فيه غيره والظاهر من حال ذلك الغير أن لا يساعده عليه فلم تكن المصلحة في وجوب القصاص ها هنا كالمصلحة في وجوب القصاص في المنفرد.
وأما المناسب الإقناعي فهو الذي يظهر منه في بادئ الأمر أنه مناسب لكن إذا بحث عنه حق البحث يظهر أنه غير مناسب.
مثاله: ما يقوله أصحابنا في عدم جواز بيع الكلب والسرقين، قياسًا على الخمر والميتة والعذرة: إن كون الشيء نجسًا يناسب إذلاله ومقابلته بالمال في البيع إعزاز له فالجمع بينهما متناقض، فإذا كان هذا الوصف يناسب عدم جواز البيع، وقد اقترن هذا الحكم به في المقيس عليه وجب أن يكون هذا الوصف علة لعدم جواز البيع؛ لأن المناسبة مع الاقتران دليل العلية، ثم
стр. 3043
ثم الوصف حاصل في الفرع فوجب أن لا يجوز البيع، فهذا وإن كان يظهر منه المناسبة في أول الأمر، لكنه عند حصول إمعان النظر فيه يظهر أنه ليس كذلك؛ إذ لا معنى لكون الشيء نجسًا إلا أنه لا تجوز الصلاة معه، ولا مناسبة بين هذا المعنى وبين عدم جواز البيع.
وثانيها: الوصف المناسب بحسب شهادة الشرع لاعتباره وعدم اعتباره ينقسم إلي ثلاثة أقسام:
وذلك لأنه إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو لا يعلم ذلك، وحينئذ إما أن يعلم أنه ألغاه أو لا يعلم واحد منهما.
وأما الأول فهو على أقسام:
وذلك لأنه إما أن يعلم أنه اعتبره الشارع بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بهما معًا.
وعلى التقديرات الثلاثة فإما أن يكون في عين الحكم، أو في جنسه أو فيهما معًا، فإذا ضربت الثلاثة الأول في الثلاثة الأخيرة حصلت أقسام تسعة فهذه الأقسام بحسب القسمة العقلية، وأما الواقع منها في الشرع فإنما هو أقسام خمسة هي:
أولها: ما عرف اعتباره في الشرع بخصوص الوصف في خصوص الحكم، وبعموم الوصف في عموم الحكم، وهو كقياس القتل بالمثقل على الجارح في وجوب القصاص بجامع كونه قتلًا عمدًا عدوانًا، وأنه قد عرف تأثير خصوص كونه قتلًا عمدًا عدوانًا في خصوص الحكم، وهو وجوب القصاص في النفس في المحدد، وعرف تأثير جنسه وهو عموم كونه جناية على المحل المعصوم في عموم الحكم وهو وجوب القصاص كما في الأطراف،
стр. 3044
وهذا القسم يسمى بالمناسب الملائم وهو متفق عليه بين القائسين.
وثانيها: ما عرف اعتباره بخصوص كونه وصفًا في خصوص الحكم وهو كقياس تحريم النبيذ على تحريم الخمر بجامع كونها مسكرة، فإنه عرف تأثير. وصف الإسكار في التحريم في الخمر، ولم يعرف تأثيره في جنس الحكم، ولا تأثير جنسه في عين الحكم، ولا تأثير جنسه في جنسه.
ولا يخفي عليك أن انتفاء هذه الأقسام تارة بانتفاء التأثير، وتارة بانتفاء الجنسية، وهذا القسم يسمي بالمناسب الغير الملائم، وبالمناسب الغريب، وهذا على تقدير أن لا يرد فيه نص ولا إيماء دال على كون السكر علة التحريم فأما على تقدير ورود ذلك خرج هذا عن أن يكون من هذا القسم إذ عرفت عليته حينئذ بالنص أو بالإيماء لا بالمناسبة، وهذا القسم مختلف فيه بين القائسين:
فمنهم من أنكر العمل به.
ومنهم من اعترف به وهو الأولي؛ لأنه يفيد ظن العلية؛ إذ لا تفاوت بين السكر وبين الحرمتين، واختلاف المحل لا مدخل له في الحكم ظاهرًا فأينما ثبت السكر ثبت التحريم، ولأن الحكم لا بد له من علة إذ الحكم بلا علة إما ممتنع عقلًا أو عادةً- على اختلاف المذهبين- وتلك العلة إما ظاهرة لنا أو غير ظاهرة لنا، الثاني باطل؛ لأنه يلزم منه كون ذلك الحكم تعبديًا وهو خلاف الأصل وفاقًا، فيتعين الثاني، ولزم منه أن يكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم وهو المطلوب.
وثالثها: ما عرف اعتباره بخصوص كونه وصفًا في عموم الحكم، وهو
стр. 3045
كقياس تقديم الأخوة من الأب والأم على الأخوة من الأب في النكاح على تقديمهم عليهم في الإرث والصلاة، فإن الأخوة من الأب والأم نوع واحد في الصورتين ولم يعرف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح لكن عرف تأثيره في جنسه وهو التقديم عليهم فيما يثبت لكل واحد منهما عند عدم الآخر كما في الإرث والصلاة.
وهذا القسم دون الثاني؛ لأن الاختلاف بين الخاصين أقل من الاختلاف بين الخاص والعام، فكان ظن العلية في الأول أكثر.
ورابعها: عكسه وهو ما عرف اعتباره بعموم الوصفية في خصوص الحكم، وهو كقياس إسقاط القضاء عن الحائض على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر تعليلًا بالمشقة، والمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة/ (١٧٥/ أ) نوع واحد يشتمل على صنفين، إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض، وقد ظهر تأثيرها في هذا النوع ضرورة تأثيرها في إسقاط قضاء الركعتين.
وهذا القسم والثالث متقاربان لكن الثالث أولي؛ لأن الإبهام في العلة أكثر محذورًا من الإبهام في المعلول.
وخامسها: ما عرف اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم وهو كتعليل [كون] حد الشرب ثمانين بأنه مظنة القذف ضرورة أنه مظنة الافتراء فوجب أن يقام مقامه قياسًا على الخلوة، فإنها لما كانت مظنة الوطء، أقيمت
стр. 3046
مقامه في الحرمة فكذا ما نحن فيه، والجامع كون كل واحد منهما مظنة.
ثم قد عرف أن الجنس ينقسم إلى عال ليس فوقه جنس، وإلي متوسط فوقه وتحته جنس، وإلي سافل ليس تحته جنس وفوقه جنس [فأعم أوصاف الوصف هو كونه وصفًا يناط به الحكم فيندرج تحته المناسب وغيره وأخص منه المناسب] فيخرج منه غيره، وأخص منه الضروري فيخرج منه ما ليس بضروري، وأخص من الضروري في حفظ الدين أو النفس فيخرج منه ما عداه، وأعم أوصاف الحكم هو كونه حكمًا شرعيًا، وأخص منه كونه واجبًا أو ندبًا أو محرمًا، وأخص منه كونه عبادة وغيرها، وأخص منها كونه صلاة وغيرها، وأخص منها الفرض والنقل هكذا وقع في كلام بعضهم، ولا يستقيم ذلك إلا إذا حمل الخصوص على الخصوص من وجه دون وجه، وإلا لزم حصول الوجوب في صلاة النفل ضرورة أن العام حاصل في الخاص وهو ممتنع.
ثم كل ما كان الخصوص فيه أكثر من جهة الوصف والحكم من هذه المراتب كان ظن كونه معتبرًا في ذلك الحكم أكثر.
وأما القسم الثاني وهو المناسب الذي يعلم أن الشارع ألغاه فهو كقول بعض العلماء لبعض الملوك لما سأله عما ذا يجب عليه وقد أفطر في نهار رمضان بالوقاع عمدًا؟ يجب عليك صوم شهرين متتابعين. فقيل له: أليس أن هذه الكفارة مرتبة أولها العتق فهلا أمرته بذلك مع سعة قدرته عليه؟ فقال: لو أمرته بذلك لهان عليه الأمر فربما كان لا ينزجر عن ذلك، وأقدم
стр. 3047
على مثله مرات أخر واستحقر ذلك في قضاء شهوة الوقاع، فكانت المصلحة في إيجاب صوم الشهرين لينزجر عن مثله كرة أخرى، فهذا وإن كان مناسبًا لكن ألغاه الشارع ولم يلتفت إليه حيث أوجب هذه الكفارة بصريح النص [مرتبة من غير فصل بين المكلفين والقول به مخالفة للنص*] فيكون باطلًا، وكيف لا وفتح هذا الباب يفضى إلي [تغيير] قواعد الشرع وقوانينها عند تغير الأحوال هذا مع ما أنه يتضمن مفسدة تربو على ما تخيله من المصلحة وهي عدم الثقة للمكلفين بمقول العلماء وعدم الاعتماد على فتواهم، فإنه إذا عرف ذلك من صنيعهم لم يحصل الظن بصدقهم فيما يفتون به، وذلك يفضى أن لا يعمل العامي بالشرع أصلًا.
وأما القسم الثالث وهو المناسب الذي لا يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه فهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق وهذا هو المسمى (بالمصالح المرسلة) وستعرف هل هي حجة أم لا؟
واعلم أن هذا إنما يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفًا مصلحيًا
стр. 3048
وإلا فعموم كونه وصفًا مصلحيًا مشهود له بالاعتبار، فلا يتصور أن لا يشهد له أصل معين باعتباره بل كل الأصول تشهد له بذلك الاعتبار.
стр. 3049
التقسيم الثالث
المناسب إما مؤثر أو غير مؤثر، وغير المؤثر إما ملائم أو غير ملائم، وغير الملائم إما غريب، أو مرسل، أو ملغى؛ وذلك لأن المناسب إما معتبر أو غير معتبر والمعتبر إما عين الوصف في عين الحكم، أو عينه في جنسه أو جنسه في عين الحكم أو جنسه فإن كان الأول والثاني فإما أن يكون اعتباره فيهما بالنص أو بالإجماع أو بالإيماء والتنبيه أو لا بل بالمناسبة أو غيرها من الطرق العقلية.
فإن كان الأول فهو المؤثر يسمى بذلك لأنه ظهر تأثيره فيهما فلا يحتاج فيه إلى المناسبة، وهو كتعليل الولاية في النكاح بالصغر دون البكارة. فإنه قد ظهر تأثيره في الولاية عليه في عين النكاح بالإجماع.
ومنهم من قال: إن ما يعرف اعتباره بالإيماء والشبه فليس بمؤثر بل هو ملائم أو غريب.
وإن كان الثاني فالأول منهما هو المناسب الغريب وهو كالمسكر في تحريم الخمر على الوجه الذي تقدم ذكره، والثاني منهما هو الملائم، وإن كان الثالث والرابع فهما أيضًا معدودان من الملائم.
وغير المعتبر إما ملغى وهو الذي ثبت أنه ألغاه الشارع كما تقدم مثاله، أو غير ملغى هو المناسب المرسل وهو إن ثبت عدم مجانسة جنسه القريب فمردود وفاقًا وإلا فمختلف فيه على ما سيأتي شرح ذلك- إن شاء الله تعالى-.
стр. 3050
التقسيم الرابع
المناسب إما محصل للمصلحة الدنيوية أو الدينية أو لهما معًا.
أما الأول فإما أن يكون محصلًا لأصل المقصود، أو تكميل المقصود وكل واحد منهما إما محصل له في الابتداء أو في الدوام فهو إذن أقسام أربعة:
أولهما/ (١٧٦/ أ): ما يحصل أصل المقصود ابتداءً، وهو كالبيع والنكاح والإجارة الصادرة من الأهل المضافة إلى المحل، فإنها تحصل ما يترتب عليها من المقاصد الأصلية كملك العين والبضع، والمنفعة.
وثانيها: ما يحصل أصل المقصود دوامًا وهو كشرعية القصاص في القطع والقتل فإنه يحصل المقصود الأصلي وهو حفظ النفس لكن في الدوام.
وثالثها: ما يحصل تكميل المقصود في الابتداء كاشتراط طهارة البدن والمكان، وتوجه القبلة، وستر العورة في الصلاة؛ وذلك لأن المقصود الأصلي من الصلاة إنما هو تعظيم الرب ، وكون العبد ذاكرًا في كل ساعة بأن له خالقًا يستحق العبادة والتعظيم، ولا شك في أن هذا المقصود يكمل باشتراط هذه الأمور في ابتداء الشروع.
ورابعها: ما يحصل المقصود التكميلي وهو كاشتراط عدم الكلام في الدوام، فإنه لو أبيح له ذلك لأخل بكمال التعظيم في الدوام.
следующие страницы →