Полный текст (3 770 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وسابعها: أن يكون اللفظ له معنى حقيقي متفق عليه، وله تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا تعلق له بذلك الغير كان مجازا.
مثاله: القدرة. فإنها حقيقة في الصفة المؤثرة في الإيجاد، ولها تعلق بالقادر، والمقدور، وإذا استعملت في نفس المقدور، كما في قولهم: هذا قدرة الله في النبات الحسن، لم يكن له ذلك التعلق. فيعلم أنه مجاز فيه، وهذا إنما يتم بما ذكرنا من أن الأصل عدم الاشتراك، وإلا فيجوز أن يكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق دون الأخرى.
ولقائل أن يقول: هذا وما قبله إذا كان لا يتم إلا بأن الأصل عدم الاشتراك وهو وحده دليل تام على التجوز مهما استعمل اللفظ في معنيين، وثبت أنه حقيقة في أحدهما، فالتعرض لاختلاف الجمع وكون مسماه متعلقا بالغير وصحة النفي يكون ضائعا.
وثامنها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ولم يعلم أنه حقيقة في أيهما أو فيهما، لكن استعماله في أحدهما يتوقف على استعماله في الآخر، فيعلم أنه مجاز في المتوقف فيه، لأن توقف استعماله فيه على استعماله في غيره يصير كالقرينة، وأنها آية التجوز، ولكن لا يعلم من هذا أنه حقيقة في غير المتوقف، فإذا ضم إليه دليل آخر نحو تبادر الفهم إليه، أو دل دليل مثل الإجماع وغيره على أنه ليس بحقيقة في غيرهما، فيعلم أنه حقيقة فيه مثاله: المكر [فإن استعماله في الله تعالى بمعنى إجراء المكر يتوقف على] استعماله
стр. 352
في العباد بمعنى الخداع من غير عكس، فيعلم أنه مجاز.
وتاسعها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ويشتق منه بحسب أحد المعنيين ما يمكن الاشتقاق منه، من اسم الفاعل والمفعول وغيرهما، ولا يشتق منه ذلك بحسب المعنى الآخر، مع عدم المانع منه فيعلم أنه مجاز فيه، وحقيقة في الأول، مثاله: لفظ "الأمر" فإنه مستعمل في القول المخصوص والفعل- كما سيأتي إن شاء الله تعالى- لكنه لما كان حقيقة في القول المخصوص "لا جرم اشتق منه / (٦١/أ) الأمر المأمور به، ولما لم يكن حقيقة في الفعل" لم يشتق منه شيء من ذلك، وإنما قيدنا بعدم المانع منه، احترازا عن مثل "القارورة" فإنها مشتقة من قرار المائع، وهو موجود في الخوابي والجرار مع أنه لا يقال لها بقارورة لوجود المانع منه، إما عن أهل اللغة أو العرف.
ولا يرد على طرد هذه العلامة "الرائحة"، فإنها وإن كانت حقيقة في معناها لكن إنما لا يشتق منها، لأنه لا يمكن الاشتقاق منها إذ ليس فيها معنى الحدث، ألا ترى أن التزوج لما أمكن الاشتقاق منه اشتق منه المتزوج.
فإن قلت: ولئن سلم: أن الاشتقاق دليل الحقيقة، لكن لا نسلم أن عدمه دليل التجوز، لجواز أن يكون الاسم بحسب إحدى الحقيقتين اشتقاق دون
стр. 353
الأخرى.
قلت الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: ما سبق من أن الأصل عدم الاشتراك.
وثانيهما: أنا لما وجدنا عدم الاشتقاق مرتبا على المجاز المناسب له لئلا يلزم تكثير المخالفة فيما ذكرنا من الصور، غلب على ظننا أن علته هي كونه مجازا، ولا تثبت مجازية ما ذكرنا من الصورة بهذه العلامة لئلا يلزم الدور بل بغيرها من العلامات، فحينئذ يكون عدم الاشتقاق معلول كونه مجازا فيستدل به على التجوز استدلالا بالمعلول على علته.
فإن قلت: الاستدلال بالمعلول المعين على العلة المعينة مشروط ببيان انحصار الغلبة في تلك العلة المعينة، لجواز أن يكون الحكم الواحد معللا بعلتين مختلفتين بالنوع، وأنتم ما فعلتم ذلك.
قلت: إنا وإن جوزنا تعليل الحكم الواحد النوعي بعلتين مختلفتين بالماهية النوعية، لكن الأصل في ذلك الاتحاد فيكفينا أن نتمسك بهذا الأصل، لأن المثبت به الظن لا القطع.
المسألة الثانية
في بيان أن اللفظ الدال على معنى قد لا يكون حقيقة ولا مجازا لغويا فمن ذلك: الأعلام المنقولة: فإنها ليست بحقيقة، ولا مجاز.
стр. 354
أما الأول: فظاهر، إذ الواضع لم يضعها لتلك المسميات.
وأما الثاني: فلأن النقل ليس لمناسبة بين المعنى الأول، وبين المعنى الثاني.
ومنه الأسماء المخترعة: ممن ليس له الوضع، سواء كانت أعلاما أو أجناسا، أما أنها ليست بحقيقة، فلأن واضع اللغة لم يضعها لشيء أصلا، ولا أهل اللسان يعرفها حتى تجعل عرفية عامة أو خاصة.
وأما أنها ليست مجازا فلأن المجاز يستدعي وضعا سابقا عليه / (٦١/ب) على ما عرفت ذلك في تحديده، وهو غير حاصل فيها.
ومنه اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وضع له: فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز فيه.
أما الأول: فلعدم الاستعمال فيه.
وأما الثاني: فلعدم النقل.
وأما في غيره فيمكن أن يكون مجازا فيه، إذ الاستعمال فيه لمناسبة بينه وبين الموضوع الأول قبل الاستعمال فيه ممكن.
ومن هذا تعرف أن المجاز لا يستدعي سبق الحقيقة، بل سبق الوضع فقط.
ولا يلتفت إلى قول من يقول: إنه لو لم يستدع الحقيقة لعرى الوضع عن الفائدة، لأن الفائدة غير منحصرة في استعمال اللفظ فيما وضع له، نعم
стр. 355
المقصود الأصلي [من الوضع، ذلك لكنه قد يحصل بعد استعماله في غير ما وضع له، وحينئذ لا يلزم خلوه عن المقصود الأصلي] أيضا، وأما غير هذه الألفاظ من الألفاظ الدالة على المعاني فإنها لا تخلو عن كونها حقيقة أو مجازا.
المسألة الثالثة
في أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة أو مجازا
"أما بالنسبة إلى معنيين فظاهر، وأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار الوضعين فقد يكون أيضا حقيقة ومجازا"، لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام، إذا خصه العرف العام، أو الشرع ببعض أنواعه، كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى العام حقيقة لغوية [ومجازا عرفيا، وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس. ومن هذا تعرف أن الحقيقة قد تصير] مجازا، وأن المجاز قد يصير حقيقة.
وأما أنه يكون كذلك بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحد، فذلك غير ممكن لاستحالة اجتماع النفي والإثبات.
стр. 356
﴿الفصل الخامس عشر﴾
في الحروف
стр. 357
الفصل الخامس عشر
في الحروف
إنها لما كانت من جملة كلام العرب، وجب على الباحث عنه أن يبحث عنها وكيف لا؟ والأحكام الفقهية قد تختلف بسبب اختلاف معانيها، لكن فيها كثرة يطول ذكر جميعها، فلنذكر منها ما تمس الحاجة إليه.
المسألة الأولى
في الحروف العاطفة
[الواو]
ولنبدأ بالواو منها، فإنها أصل الباب. فنقول:
اتفق الأكثرون من الأدباء والفقهاء على أنها لمطلق الجمع، من غير أشعار بالترتيب والمعية. ونص سيبويه عليه في مواضع من كتابه.
وقال بعضهم إنها للترتيب، ونسب الحنفية ذلك إلى الشافعي- رضي
стр. 358
الله عنه- من غير ثبت بل ظنا منهم، أنه إنما أوجب الترتيب في الوضوء، لكون الواو العاطفة مقتضيا له.
ونسب ذلك إلى الفراء.
стр. 359
أيضا.
[ونقل عنه أيضا]، أنها للترتيب حيث يتعذر الجمع.
وقيل: أنها للجمع بصفة المعية: ونسب ذلك إلى أبي يوسف ومحمد. رحمهما الله.
واستدل عليه بما قال: إنه لو قال الرجل لامرأته قبل الدخول بها: إن
стр. 360
دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت بانت بالثلاث، كما لو قال لها: أنت طالق/ (٦٢/أ) ثلاثا، أن دخلت الدار.
ومما قال: إن زوج الأختين في عقد واحد من غير إذن الزوج فبلغه الخبر، فإن أجاز نكاحهما معا بطل نكاحهما، وإن أجاز نكاح أحديهما قبل الأخرى بطل نكاح الثانية، وإن قال: أجزت نكاح فلانة، وفلانة، فهو كما لو قال: أجزت نكاحهما معا.
ولا يخفى عليك ما في هذا الاستدلال من الضعف هذا كله في "الواو" العاطفة.
стр. 361
[واو المعية]
أما "الواو" بمعنى مع في المنقول معه، فلا خلاف أنها تقتضى الجمع صفة المعية كما في قولهم: جاء البرد والطيالسة.
احتج الأكثرون بوجوه:
أحدها: أن "الواو" لو كانت للترتيب لما جاز دخلوها فيما لا يتصور فيه الترتيب"، كقولهم "تقاتل زيد وعمرو"، إذ المفاعلة حقيقة في صدور الفعل من الجانبين معا كما لا يجوز دخول "الفاء وثم" فيه لكنه يجوز، فوجب أن لا يكون للترتيب.
فإن قلت: ماذا تعنى بقولك: لو كانت الواو للترتيب لما جاز دخولها فيما لا يتصور فيه الترتيب، تعنى به مطلقا، أما بطريق الحقيقة؟
فإن عنيت به الأول فممنوع، وأما القياس على "الفاء" و "ثم" فغير مفيد.
أما أولا: فلأنه قياس في اللغة، وهو ممتنع على ما تقدم.
ولئن سلمنا: صحته في الجملة، ولكن لا نسلم صحة هذا القياس، إذ الفرق قائم وهو "بيان" أنهما يقتضيان الترتيب بصفة التعقيب والتراخي والواو ليست كذلك، بل هي لمطلق الترتيب، ومع قيام الفرق لا يصح القياس.
стр. 362
وأما ثانيا: فلأن المجاز غير لازم الاطراد لاسيما مع اختلاف اللفظ.
وإن عنيت به الثاني: فنقول: ما المراد من قولك: "لو كانت حقيقة في الترتيب لما جاز دخلوها فيه"؟ تريد به أنها لو كانت للترتيب بطريق الانفراد، أم بطريق الاشتراك.
فإن أردت به الأول: فهو مسلم لكن القياس على "الفاء" و "ثم" حينئذ يكون مستدركا، لأنا نعلم بالضرورة أنها لو كانت للترتيب بطريق الانفراد لما جاز دخولها بطريق الحقيقة على غير الترتيب.
وإن أردت به الثاني فممنوع، لجواز أن يكون حقيقة في الترتيب وفي الجمع المطلق، بالاشتراك اللفظي، فلا يمتنع دخولها حينئذ فيما لا يتصور فيه الترتيب بطريق الحقيقة، بمعنى مطلق الجمع.
سلمنا: صحة دليلكم، لكنه يقتضى أن لا تكون الواو للترتيب فقط ولا يقتضى أن لا تكون حقيقة فيه بطريق الاشتراك.
قلت: نعني به عدم جواز الدخول مطلقا والدليل عليه وجهان:-
أحدهما: هو ما ذكرناه. قوله: أنه قياس في اللغة.
قلنا: لا نسلم/ (٦٢/ب) بل هو استدلال لعدم جواز استعمال اللفظ في معنى "على" عدم جواز استعمال ما هو مثله فيه، وليس ذلك من القياس في شيء، بس هو معلوم بالضرورة، كاطراد أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات، ووجوب قيام كل واحد من المترادفين مقام الآخر، إذا كان من لغة واحدة.
[فإن] قلت: "الواو" بتقدير أن تكون للترتيب فهي ليست بمعنى
стр. 363
"الفاء" و "ثم" فلم يكن الاستدلال من قبيل ما ذكرتم من الدلالة.
قلت: الأمر وان كان على ما ذكرتم، لكن من المعلوم بالضرورة أنه إنما امتنع عن استعمال "الفاء" و "ثم" فيما لا يتصور فيه الترتيب لكونهما دالين على الترتيب المنافي للمعية، لا بخصوصية التعقيب والتراخي، و "الواو" بتقدير أن تكون للترتيب يشاركها في كونها دالة عليه فتكون "الواو" وكـ "الفاء" و "ثم" في هذا الأمر.
سلمنا: أنه قياس في اللغة، لكن قد ذكرنا ما يدل على صحته، وأما الفرق فيد تقدم جوابه.
قوله: ثانيا المجاز غير لازم الاطراد، قلنا: ليس هذا الباب منه في شيء.
وثانيهما: أنها لو دخلت على ذلك التقدير فيما لا يتصور فيه الترتيب، فإما أن يكون بطريق الحقيقة، وحينئذ يلزم الاشتراك، وهو على خلاف الأصل، وبطريق التجوز، وهو أيضا خلاف الأصل، فلا يجوز دخولها مطلقا.
وثانيها: لو كانت "الواو" للترتيب، لكان قوله تعالى في البقرة: ﴿ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ مناقضا لقوله تعالى في الأعراف: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾ لاتحاد القصة، واللازم باطل فالملزوم مثله.
стр. 364
وثالثها: لو كانت "الواو" للترتيب، لكان قولنا: "جاء زيد وعمرو بعده" تكريرا و "قبله" نقضا، ولكان قولنا "جاز زيد وعمرو" كذبا عند مجيئهما معا.
ورابعها: لأنها لا تفيد الترتيب في قوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي﴾ لتقديم الركوع على السجود، وفي قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وفي قوله تعالى ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ والأصل هو الحقيقة الواحدة فوجب أن لا تكون للترتيب.
وخامسها: السيد إذا قال لعبده: اشتر اللحم والخبز لم يذم العبد لو اشترى الخبز أولا ثم اشترى اللحم، ولو كانت "الواو" للترتيب لذم لمخالفته السيد، كما إذا قال: اشتر اللحم أولا ثم اشتر الخبز.
وسادسها: لو كانت للترتيب لما حسن الاستفسار في قول القائل: جاء زيد
стр. 365
وعمرو عن تقدم أحدهما/ (٦٣/أ) وتأخر الآخر.
وسابعها: قوله ﵇:"أبدأوا بما بدأ الله" حين سئل عما
стр. 366
يبدأ في السعي، أبالصفا والمروة؟ ولو كانت للترتيب لما سئل عنه لوجود ما يدل عليه، ولا يعارض هذا بمثله، وهو أنها لو كانت لمطلق الجمع لما احتاجوا إلى السؤال أيضا، لأن السؤال حينئذ يكون واقعا عما لا يتعرض له اللفظ "نفيا وإثباتا، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك من الأنواع لا دلالة له على تلك الأنواع" لا نفيا ولا إثباتا، فلا يكون السؤال واقعا حينئذ عن شيء مع وجود دليله، بل غايته أنه لا حاجة إلى السؤال، لأنه يخرج عن عهدة التكليف بأيهما يبدأ نظرا إلى البراءة الأصلية، لكنه يجوز أن يسأل للاحتياط ودفعا للمجاز القريب، وهو إطلاق العام وإرادة الخاص، وأما على التقدير الأول يكون السؤال واقعا عما وجد دليله والسؤال
стр. 367
عن مثله عيب.
وثامنها: أن أهل اللغة قالوا: "واو العطف" في الأسماء المختلفة "كواو الجمع" في الأسماء المتفقة و "واو الجمع" لا تفيد الترتيب وفاقا، فكذا "واو العطف" وإلا لم تكن كهي.
فإن قلت: تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضى الاشتراك في كل الأمور، بل يكفى فيه اشتراكهما في أمر من الأمور و "واو الجمع" و "العطف" يشتركان في إفادة الاشتراك في الحكم فيكفى ذلك في صدق قولهم: وحينئذ لا يلزم أن لا يكون "واو للعطف" للترتيب.
قلت: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنهم نصوا على أن فائدة أحدهما عين فائدة الأخرى، وذلك يقتضى ألا يقع الاكتفاء بالاشتراك في أمر من الأمور.
وثانيهما: أن نسلم أن الاشتراك في أمر من الأمور كاف في التشبيه، لكن نقول: لا يطلق التشبيه في الأغلب إلا إذا كان الاشتراك واقعا في كل الأمور وفي الأكثر، وإلا فيقيد بذلك النوع المخصوص، فإطلاقهم التشبيه يدل ظاهرا على أنها ليست للترتيب، والمباحث اللغوية لا تنتهي إلى
стр. 368
القطع فيكتفى به.
وتاسعها: أن الجمع المطلق معنى معقول تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فالظاهر أن الواضع وضع له لفظا، وليس ذلك غير "الواو" بالإجماع فهو "هي". ويلزم من هذا أن لا تكون للترتيب دفعا للاشتراك.
ولو عورض هذا بمثله، وقيل "أن" الترتيب المطلق أيضا معنى معقول تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فالظاهر أن الواضع وضع له لفظا مفردا وليس ذلك غير "الواو" وفاقا فتعين أن يكون هو "الواو" ويلزم من/ (٦٣/ب) هذا أن لا يكون لمطلق الجمع دفعا للاشتراك. فنحن نرجع الأول: بأنه أعم فتكون الحاجة إليه أكثر.
وعاشرها: لو أفادت "الواو" الترتيب لصح دخولها في جواب الشرط، لكن لا يصح، فوجب أن لا يفيده، وأما انتفاء اللازم فبين.
وأما الملازمة فلأن الشرط لا يقتضى إلا كونه مرتبا عليه "والواو" تفيد [هذا] القدر فوجب القول بصحة الدخول قياسا على صحة دخول سائر الألفاظ الملائمة معناها لمعنى الترتيب.
واحتج من قال أنها للترتيب بوجوه:
стр. 369
أحدها: قوله تعالى: ﴿واركعوا واسجدوا﴾.
وثانيها: ما روى عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لمن قام خطيبا بين يديه وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى: "بئس خطيب القوم أنت، قل من عصى الله ورسوله فقد غوى" ولو لم تكن الواو للترتيب
стр. 370
لم يكن بين العبارتين فرق.
стр. 371
وثالثها: قوله ﵇ للصحابة: "أبدأوا بما بدأ الله" حين سئل عماذا نبدأ في السعي، فإنه يدل على فهمه ﵇ الترتيب من الآية.
ورابعها: إنكار الصحابة على ابن عباس- ﵄ في أمره إياهم بالعمرة قبل الحج، واحتجاجهم عليه في ذلك، بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، فولا أنهم فهموا من الآية الترتيب لما أنكروا ذلك عليه، ولما صح احتجاجهم بها عليه، وفهمهم حجة، لأنهم من أهل
стр. 372
اللسان.
وخامسها: ما روى عن عمر ﵁ "أنه قال" لما أنشد:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً ...
стр. 373
لو قدمت الإسلام لأجزتك، وذلك يدل على فهمه ﵁ منها الترتيب.
وسادسها: ما تقدم من أن الترتيب أمر معقول تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فلابد له من لفظ دال عليه، وترجيحكم مطلق الجمع بكونه اعم، معارض بما إنا لو جعلناها حقيقة في الترتيب أمكن جعلها مجازا عن مطلق الجمع لكونه لازما [له] ولو جعلناها حقيقة في مطلق الجمع لم يمكن جعلها مجازا في الترتيب لكونه غير لازم له، وهذا على رأى من يشترط
стр. 374
اللزوم في التجوز ظاهرا، وأما على رأى من سلم يشترط ذلك بل يكفى فيه بالمناسبة، المعتبرة فإنه وإن أمكن جعلها مجازا فيه لكنه حينئذ يكون من قبيل إطلاق اسم اللازم على الملزوم، أو الجزء على الكل، وعلى التقدير الأول يكون عكسه، وقد عرفت أنه عند التعارض أولى.
وسابعها: أن الترتيب في الذكر، لابد وأن يكون له سبب، والترتيب [في] الوجود يصلح أن يكون سببا له فيضاف إليه.
لا يقال/ (٦٤/أ): هذا الدليل يقتضى أن يكون ما ليس بمتقدم متقدما، وما ليس بمتأخر متأخرا، لأنه إذا علم حصول المعطوف والمعطوف عليه. أو بالترتيب لكن قدم في اللفظ ما هو المتأخر في الوجود أمكن سرد هذا الدليل فيه فيلزم المحذور المذكور.
لأنا نقول: ترك مقتضى الدليل لمعارض لا يقدح فيه.
وثامنها: لو قال الزوج لغير المدخول بها: "أنت طالق، وطالق، وطالق" طلقت واحدة، ولو كانت للمجمع لوقع الثلاثة، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا.
والجواب عن الأول: أن لا نسلم تقدم الركوع على السجود مستفاد من الآية، بل من فعله ﵇، وقوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
стр. 375
وغيره من الأدلة الدالة على وجوب التأسي به.
وعن الثاني: بمنع الملازمة، وهذا فإن "الواو" وإن كان لمطلق الجمع كان بين العبارتين فرق، وهو أن الإفراد في الذكر أدخل في التعظيم، ثم الذي
стр. 376
يدل على أن الأمر يتغير كان كذلك هو أن الترتيب غير متصور بين معصية الله ومعصية الرسول ﷺ لكونهما متلازمتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى والأمر لا يرد بتحصيل مثله فيتعين أن يكون الأمر بما ذكرنا، إما لعدم احتمال معنى آخر أو وإن كان محتملا لكن الأصل عدمه.
وعن الثالث: منع أنه ﵇ فهم الترتيب من الآية. وهذا لأنه لو كان كذلك لعلل بالـ "الواو" لا بالابتداء.
وعن الرابع: بمنع الملازمة فإنه وإن جعل "الواو" لمطلق الجمع كان الإنكار مستقيما أيضا، والاحتجاج بالآية على نفي وجوب تقديم العمرة على الحج صحيح، نعم لو احتجوا بالآية على قد ما كان يأمرهم به، وهو تقديم الحج على العمرة لا على نفي ما كان يأمرهم به، لم يكن ذلك دليلا أيضا على أنهم فهموا الترتيب من "الواو" حتى تكون "الواو" للترتيب لجواز أن يكون ذلك سبب الابتداء بالذكر كما فهمه ﵇ من آية السعي.
ولئن سلم: صحة الملازمة لكن فهمهم الترتيب منها معارض بعدم فهمه- ﵁ إذ لو فهم الترتيب منها، فأمره بتقديم العمرة على الحج لابد وأن يكون لدليل آخر غير الآية، وإلا لكان ذلك مخالفة للدليل من غير دليل، وهو باطل.
стр. 377
وحينئذ يلزم التعارض وهو خلاف الأصل، ولما كان اللازم باطلا فالملزوم مثله، ولا يجاب عنه بأن فهم الترتيب، معارض بأمر ابن عباس- ﵁ إياهم بتقديم العمرة على الحج، كما أجاب به الإمام وغيره/ (٦٤/ب). لأن ذلك غير مستفاد من الآية، سواء كانت "الواو" للجمع أو للترتيب فلا يكون معارضا له.
وعن الخامس: لأن ذلك بناء على أن الأدب، تقديم الأفضل بالذكر، لأن ما يستحق الترتيب طبعا يستحق التقديم وضعا.
وعن السادس: المعارضة بكثرة الاستعمال، فإن كثرة استعمالها في الجمع يدل على أنها حقيقة فيه، وإلا لزم تكثير المجاز وهو خلاف الأصل.
وعن السابع: أنه دليل مستقل على أن الابتداء بالذكر يفيد الترتيب، لا أن "الواو" تفيده.
ولئن سلمنا: ذلك لكنه لا يفيد كون "الواو" للترتيب من جهة الوضع بل من جهة أخرى، والنزاع إنما وقع في كونها هل تفيد الترتيب من جهة الوضع أم لا؟ وما ذكرتموه لا يفيده.
стр. 378
وعن الثامن: بمنع الحكم. فإن عند البعض، كمالك، وأحمد وأبي حنيفة- ﵃ يقع الثلاث.
ولئن سلمنا: لكن إنما لا يقع الثلاث، لأن الكلام الثاني والثالث ليسا مفسرين للأول حتى يتم به، والمرأة قد بانت بالطلقة الأولى، فلم تلحقها الثانية والثالثة، بخلاف قوله: "أنت طالق طلقتين" أو "ثلاثا"، فإن الثاني تفسير للأول، والكلام إنما يتم بآخره.
стр. 379
المسألة الثانية
في بقية الحروف العاطفة
[الفاء]
فمنها "الفاء": وهي التعقيب بحسب ما يمكن.
والدليل عليه إجماع أهل اللغة.
واستدل عليه أيضا بأنها لو لم تكن للتعقيب، لما وجب دخلوها على الجزاء، إذا لم تكن جملة فعلية، لأنها حينئذ لم تكن ملائمة للدخول على الجزاء، إذ الجزاء يجب أن يوجد عقيب الشرط، وهي غير مفيدة لهذا المعنى فلا تكون ملائمة، وإذا لم تكن ملائمة لم يجب دخولها عليه كسائر الحروف، بل كان يجب أن لا يجوز دخولها عليه، كما لا يجوز دخول سائر الحروف الغير المفيدة للتعقيب، فإنه لا يجوز أن يقال: "من زارني وله درهم"، أو "ثم له درهم" أو "حتى له درهم" لكن دخولها واجب فهي للتعقيب.
لا يقال: لا نسلم أن دخولها واجب، وسنده قول الشاعر:
стр. 380
من يفعل الحسنات الله يشكرها لأنا نجيب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه شاذ معدول عن القياس لا تنخرم به القاعدة.
وثانيهما: أن بعضهم أنكره وزعم أن الرواية الصحيحة:
стр. 381
من يفعل الخير فالرحمن يشكره ..
وإذا ثبت أن الفاء للتعقيب فحيث ورد ولم تفده، كما في قوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناهم فجاءها بأسنا﴾ والبأس لا يتأخر عن الإهلاك، وفي قوله تعالى: ﴿لا تفتروا على الله كذبا فسيتحكم بعذاب﴾، والإسحات قد يتأخر عن القرية، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ والرهن قد لا يحصل عقيب المداينة، وفي قوله امرئ القيس:
بسقط/ (٦٥/أ) اللوى بين الدخول فحومل.
стр. 382
يجب حمله على التجوز جمعا بين النقل والاستعمال.
стр. 383
[ثم]
ومنها: "ثم" وهي للتراخي، بالنقل والاستعمال.
أما النقل فظاهر، وأما الاستعمال كما في قوله تعالى: ﴿ثم انشأناه خلقا آخر﴾، وقوله تعالى: ﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين﴾، ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم﴾ وغيرها من الآيات.
وحيث ورد للتراخي كما في قوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾، وقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن ومن عمل صالحا ثم اهتدى﴾ و ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾، ﴿ثم الله شهيد﴾
стр. 384
يجب حمله على التجوز، إما بمعنى التراخي في الحكم، أو بمعنى "الواو" لما سبق.
[حتى]
ومنها: "حتى": وهى بمعنى "ثم".
إلا أنه يشترط في المعطوف بها أن يكون جزءا من المعطوف عليه، لأن العطف بها يقتضى أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها ومخالف له في القوة والضعف، وذلك إنما يحصل إذا كان المعطوف داخلا في المعطوف عليه مثاله في القوة: "مات الناس حتى الأنبياء"، وفي الضعف "قدم الحجاج حتى المشاة".
стр. 385
[أو وأما وأم]
ومنها: "أو"
و"أما" و "أم".
وهذه الثلاثة مشتركة في أنها تقتضى إثبات الحكم فيهما لأحد المذكورين وتفترق فيما عداه.
"فأو"، و "أما" يفارقان "أم" في أنهما يدخلان في الأمر، والخبر، والاستفهام.
و"أم"، لا يدخل إلا في الاستفهام: تقول في الأمر: "إفعل هذا أو هذا" ومثله "بأما" فيهما، وتقول في الخبر: "جاء زيد أو عمر" وكذا "بأما فيهما، في الاستفهام، "أخوك زيد أو عمرو"؟ وكذا "بأما" فيهما.
стр. 386
ثم إنهما في الأمر يقتضيان التخيير تارة، كقولك: "خذ هذا أو ذاك"، و "خذ إما هذا وإما هذا".
والإباحة أخرى، كقولك: "جالس الحسن أو ابن سيرين، وإذا وقعتا في الاستفهام فالفرق بينهما وبين "أم" أن السائل فيهما غير عالم بثبوت الحكم في أحدهما فهو طالب له بهما، وأما السائل "بأو" فهو عالم بثبوت الحكم في أحدهما على سبيل الإيهام، وإنما يسأل عن التعيين، وكذلك كان الجواب المطابق في الأول: "بنعم"، أو "لا"، وفي الثاني: بالتعيين هذا كله في "أم" المتصلة.
وأما: "أم" المنقطعة فهي بمعنى "بل والهمزة" وستعرفها.
وأما الفرق بينهما فهو "إن" أما [ا] لملازمة للمعطوف وللمعطوف عليه إذا عطف بهما، وتدخل الواو عليه بخلاف "أو" فإنه
стр. 387
لا يلزمها أما ولا، أو في المعطوف عليه إذا عطف بها، وإن كان يجوز دخول "أما" عليه فهما يفترقان في اللزوم ويشتركان في الجواز.
[لا، بل، لكن]
ومنها: "لا" و "بل" و "لكن".
وهذه الثلاثة / (٦٥/ب) تشترك في أن حكم أحدهما مخالف لحكم الآخر.
والفرق بين "بل ولكن" أن "بل" للإضراب عن الأول: موجبا كان الكلام أو نفيا، و "لكن" للاستدراك بعد النفي خاصة.
стр. 388
المسألة الثالثة
في الحروف الجارة
[من]
منها: "من". وهي تكون لابتداء الغاية تارة، كقولك: "سرت من الدار إلى السوق"، وتعرف في الأغلب بصلاحية ذكر الانتهاء في مقابلته.
ولتبيين الجنس، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.
وتعرف بصلاحية [إقامة اسم الموصول مقامه]، وللتبعيض كقولك: أخذت من الدراهم، وتعرف بصلاحية إقامة البعض مقامه.
وقد تكون صلة، كقولك: "ما جاءني من أحد". وتعرف، بأن حذفها لا يغير المعنى هذا في النفي.
стр. 389
وأما في الإثبات فلم يجز مجيئها صلة عند قوم وجوزه الكوفيون.
قال الإمام: والحق عندي أنها لتبيين، لوجوده في جميع موارد استعمالها، وهو منقدح، لكن حيث جاءت لمعنى، فإن كونها للتبيين أو لغيره فرع لكونها لمعنى وإلا فليس في قولك: "ما جاءني من أحد" بيان بالنسبة إلى قولك: "ما جاءني أحد" وإن كان كلامه يشعر بخلافه.
واعلم أن من زعم منهم كونها مشتركة بين المعاني المذكورة بالاشتراك اللفظي فإنما زعم ذلك لكون الأغلب في الحروف الاشتراك.
стр. 390
[إلى]
ومنها: "إلى". وهي لانتهاء الغاية، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها بطريق الحقيقة.
ثم منهم من ذكر ضابطا في الدخول، [وعدم] الدخول: وهو أن ما بعدها إذا لم يتميز عما قبلها بمفصل حسي كـ "المرفق" دخل، لأنه ليس بعض المقادير أولى من البعض فوجب دخول الكل.
وأما إذا تميز عنه بمفصل حسي كـ "الليل" عن "النهار" فلا يدخل.
ومنهم من لم يعتبر الضابط المذكور واعتبر في الدخول حيث دخل دليلا منفصلا يدل على الدخول.
следующие страницы →