Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
على ما روى الثاني.
وثاني عشرها: تزكية العدل ذي المنصب العلى راجحه على تزكية من ليس كذلك لأن منصبه يمنعه من الكذب كما يمنعه دينه.
تنبيهان
أحدهما: أعلم أن واحدًا مما ذكرناه من التراجيح لو حصل في مرتبة من مراتب الرواية أعنى الابتداء والواسطة والدوام كان ذلك الخبر راجحًا على ما لم يحصل فيه ذلك المرجح".
وثانيهما: أنه قد يقع التعارض بين هذه المرجحات كما بين كثرة الرواة مثلاً وبين قوة عدالة الراوي وشهوتها، فرب عدل أقوى في النفس من عدلين فينبغي أن يعتمد المجتهد في ذلك على ما يغلب على ظنه، وكذلك إذا ظهرت عدالة راوي بتزكية جمع قليل لكن بخبرة باطنه، وعدالة الأخر بتزكية جمع كثير لكن لا في مثل تلك الخبرة الباطنة، فإن الأول ربما يغلب على ظن صدقه فليحكم المجتهد فيه وأمثاله ظنه.
النوع الثاني
الترجيح الحاصل بعلم الراوي وهو من وجوه:
أحدها: أن يكون أحد الراوين عالماً، سواء كان عالما بالفقه أو بالأصول، والآخر ليس بعالم، فرواية العالم راجحة سواء كانت الرواية باللفظ
стр. 3397
أو بالمعنى خلافاً لقوم في الأول.
لنا: أن العالم يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، فإذا سمع كلامًا لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه وسأل عن مقدمته، وسبب نزوله، فحينئذ يطلع على الأمر الذى يزول به الإشكال، بخلاف من هو جاهل فإنه لا ينتبه لمحل الإشكال، ولا يبحث عنه، ولا يسأل عن مقدمته ولا عن سبب نزوله فينقل القدر الذى سمعه فربما كان ذلك القدر وحده سبب للضلال.
وثانيها: الأعلم إذا روى كانت روايته راجحة على رواية العالم، كما في الأورع بالنسبة إلى الورع.
وسببه: زيادة الثقة بخبوه وغلبة الظن بنفي خطئه وغلطه.
وثالثها: رواية العالم بالعربية أولى من رواية من هو جاهل بها، لافي العالم بها [يتمكن من التحفظ]، عن مواقع الزلل والخطأ، دون غير العالم بها فكان الوثوق بروايته أكثر.
ويحتمل أن يقال: هي مرجوحة، لأن الواقف على اللسان يعتمد على معرفته، ولا يبالغ في الحفظ اعتمادًا على خاطره، بخلاف الجاهل باللسان فإنه يكون خائفا من الذهول عنه والخطأ فيه فيبالغ في الحفظ.
فعلى الأول رواية الأعلم بها راجحة على رواية العالم بها كما مضى في الفقه.
وعلى الثاني روايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية العالم بها على قياس رواية الجاهل بها.
стр. 3398
ورابعها: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فيما يرويه، فيكون خبره راجحًا على خبره من ليس كذلك.
وبهذا رجحت الصحابة- رضى الله عنهم- خبر عائشة- رضى الله عنها- في التقاء الختانين على خبر أبى هريرة: (الماء من الماء).
ورجح الشافعي- رضى الله عنه- خبر أبى رافع، على خبر
стр. 3399
ابن عباس في تزويج ميمونة أنه ﵇ نكحها وهو محرم، لأن أبا رافع كان السفير في ذلك فكان أعرف بالقصة.
وخامسها: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي- ﵇ حالة سماعه الخبر الذى يرويه من الآخر فروايته راجحة على رواية الأخر مطلقًا، وهو كرواية ابن عمر إفراد النبي- ﵇ بالحج، وكرواية الآخر القران، إذ روى أنه، رضى الله عنه- كان تحت ناقته- ﵇ وأنه سمع احرامه بالإفراد.
وسادسها: أحد الراويين مخالطته للمحدثين أكثر، فروايته راجحة على
стр. 3400
رواية من ليس كذلك وكميته ظاهرة.
وسابعها: أن يكون أحد الراوين حالة روايته عالما بروايته عن شيخه غير معتمد في ذلك على نسخة سماعه، والآخر معتمد على نسخة سماعه فرواية الأول أولى.
وثامنها: أن يكون طويق أحد الراويين أقوى، وذلك بأن يروى ما يقل فيه اللبس كما إذا روى أنه شاهد زيدًا ببغداد وقت الظهر، والآخر روى أنه شاهده وقت السحو بالبصرة، فرواية الأول أولى لقلة الاشتباه واللبس فيه بخلاف رواية الثاني.
تنبيه
اعلم أنه قد يقع التعارض بين التراجيح الحاصلة من هذا النوع، وبين التراجيح الحاصلة من النوع الأول/ (٢٦٣/ أ) فلا يجب القطع برجحان النوع الأول على الثاني بناء على أن الورع في هذا الباب أكثر اعتبارًا من العلم، بدليل أن فاقده لا تقبل روايته، وفاقد العلم إذا كان ورعا تقبل روايته، لأن الظنون قد تختلف إذ ذاك فينبغي أن يعتمد المجتهد في ذلك غلبة ظنه لا غير.
النوع الثالث
الترجيح الحاصل بسبب الحفظ والذكاء والضبط، والمعنى منه شدة تحفظه لما حفظ وهو من وجوه:-
أحدهما: رواية الحافظ [راجحة على رواية من ليس بحافظ.
стр. 3401
وثانيها: رواية] الأحفظ راجحة على رواية من ليس كذلك [وسببها ظاهر].
وثالثها: [رواية الذكي راجحة على رواية من ليس كذلك].
ورابعها: رواية الأذكى راجحة على رواية الذكي لما تقدم.
وخامسها: رواية الضابط راجحة على رواية من ليس كذلك.
وسادسها: رواية الأضبط راجحة على رواية الضابط.
وسابعها: إذا كان أحدهما أسرع حفظًا، وأسرع نسيانًا، والأخر أبطأ حفظًا، وأبطأ نسيانًا، فهما متعارضان، ويحتمل أن يقال: الثاني أولى، لأن نسيانه بعد التحفظ بطيء، وهو إنما يروى بعد الحفظ فبقاؤه بعد الحفظ أغلب على الظن، ولأن الاستقراء يحققه فإن انتفاع صاحب هذا الطبع بما حفظ من العلوم أكثر من الانتفاع صاحب الطبع الأول لما حفظه منها، ولا يخفى أنه إذا كان أحدهما أسرع حفظًا وأشد ضبطًا، والأخر ليس كذلك بان يكون أبطأ حفظًا [وأقل ضبطًا، ومعناه أسرع نسيانًا، أو يكون أسرع حفظًا وأسرع نسيانًا، فإن رواية الأول راجحة على الكل، وأن رواية القسمين الأخيرين راجحة على رواية القسم الثالث، والكلام في القسمين الباقين ما تقدم.
والمراد من قلة الضبط وكثرة النسيان في هذه الأقسام: هو الذى لا يمنع من قبول الرواية على ما تقدم بيانه في كتاب الإخبار.
وثامنها: أن يكون أحدهما كثر حفظا لألفاظ الرسول، فإن روايته راجحة
стр. 3402
على رواية من ليس كذلك، إذ الغالب فيما يرويه أن يكون لفظ الرسول والحجة في الحقيقة ليست إلا في لفظه- ﵇.
وتاسعها: أن يكون أحدهما أقوى حفظا لكلامه- ﵇ فإن روايته راجحة على رواية من ليس كذلك.
وعاشرها. أن يكون أحد الراوين جازما فيما يرويه، والآخر ظانًا فيه فرواية الجا زم. أولى.
وحادي عشرها: أن يكون أحد الراوين قد اختلط عقله في بعض الأوقات أو جن ثم لا يدرى أنه روي هذا الخبر حال سلامة العقل، أو حال اختلاله، والآخر ليس كذلك بل لم يزل سليم العقل فرواية الثاني أولى.
وثاني عشرها: أن يكون أحد الراوين يعول على حفظه فيما يرويه، والآخر يعول على المكتوب، فرواية الأول أولى، وفيه احتمال من حيث إن النسيان والغلط يتطرق إلى المحفوظ كثيرًا بخلاف المكتوب، فإنه لا يخاف عليه إلا من جهة الالتباس بخط آخر فإن الخط يشبه الخط لكنه نادر فيكون ظن عدم التغيير أكثر لاسيما فيما لا غرض فيه.
النوع الرابع
الترجيح الحاصل من الاشتهار وهو من وجوه:
أحدها: أن يكون الراوي من كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة، لأن دينه كما يمنعه من الكذب، فكذا منصبه العالي يمنعه عنه ولذلك كان على- رضى الله عنه- يحلف الرواة، وكان يقبل رواية الصديق من غير تحليف.
стр. 3403
وثانيها: رواية غير المدلس راجحة على رواية المدلس إن كان بحيث تقبل روايته، صالا فليس هو من باب الترجيح.
وثالثها: رواية من اشتهر باسم واحد راجحة على رواية ذي الاسمين، لاحتمال أنه مجروح بأحدهما.
ورابعها: معروف النسب روايته راجحة على رواية مجهول النسب. وخامسها: أن يكون في رواية أحد الخبرين رجال تلتبس أسماؤهم بأسماء قوم ضعفاء، ويصعب التمييز فيترجح على رواية الخبر الذى ليس كذلك.
النوع الخامس
الترجيح الراجع إلى زمان الرواية وتحمله الاسلام وهو من وجوه:
أحدها: إذا كان أحد الراوين مقدم الإسلام، فروايته راجحة على متأخر الإسلام، إذ صدقه أغلب على الظن لزيادة أصالته في الإسلام.
стр. 3404
وثانيها: إذا كان أحد الراويين يحتمل أن يكون إسلامه متقدمًا (٢٦٤/ أ) على راوي الخبر الأخر، ويحتمل أن يكون معه ولا يحتمل تأخر إسلامه عن إسلامه فرواية محتمل التقدم راجحة على رواية الآخر وكميته ظاهرة من نظائره.
وثالثها: إذا كان أحد الراويين روي في زمان الصبا، وغير زمان الصبا والآخر لم يرو إلا في زمان البلوغ، فرواية الثاني راجحة على رواية الأول.
ورابعها: إذا كان أحد الراوين قد تحمل الحديث في زمان الصبا وزمان البلوغ لكن لم يرو إلا في زمان البلوغ، والآخر لم يتحمل ولم يرو إلا في زمان البلوغ فرواية الثاني راجحة على رواية الأول.
وخامسها: من احتمل فيه هذان الوجهان كانت روايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية من لم يحملها.
وسادسها: من روى في حالة الكفر والإسلام فروايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية من لم يرو إلا في حالة الإسلام.
وسابعها: من تحمل في حال الكفر والإسلام لكن لم يرو إلا في حالة الإسلام فروايته مرجوحة بالنسبة إلى من لم يحتمل إلا في حالة الإسلام.
وثامنها: من احتمل فيه هذان الوجهان كانت روايته مرجوحة بالنسبة إلى من لم يحتملها، وعنده التعارض بين التراجيح الحاصلة في هذه الأنواع أو من الأنواع التي يأتي ذكرها ينبغي أن يحكم المجتهد ظنه، إذ التنصيص على جميعها مما يمتنع للتطويل البالغ إلى الغاية.
стр. 3405
المسألة الثانية
في ترجيح الخبر بكيفية الرواية ، وهو من وجوه:
أحدها: إذا كان أحد الخبرين متواترًا، والآخر أحادًا فالمتواتر أولى لإفادته اليقن، ولو سلم أنه لا يفيده فهو أيضا أولى، لأن الظن فيه أغلب فعلى الأول يكون الترجيح من باب المقطوع، وعلى الثاني من باب المظنون.
وثانيها: أن يقع الخلاف في أحدهما أنه موقوف على الراوي، أو مرفوع إلى النبي ﷺ ، والأخر لم يقع فيه هذا الخلاف، بل اتفقوا كلى أنه رفوع إليه ﵇ فالثاني أولى.
وثالثها: أن يكون أحد الخبرين منسوبًا إلى النبي- ﵇ قولاً، والأخر اجتهادًا بأن يروى: أنه وقع ذلك في مجلسه- ﵇ فلم
стр. 3406
ينكر عليه فالأول أولى، لأنه أقل احتمالاً لما ينافى الحجية.
ورابعها: أن يذكر أحد الراوين سبب نزول ذلك الحكم الذى تضمنه الخبر، ولم يذكره الآخر فرواية الأول راجحة على رواية الثاني لأنه يدل على شدة اهتمامه بمعرفة ذلك الحكم.
وخامسها: أن يروى أحد الراويين الخبر بلفظه، والآخر بمعناه، أو يحتمل أن يكون تد. رواه بمعناه فراوية الأول أولى.
وسادسها: أن يروى أحد الراوين حديثا يعاضده سياقه، أو حديث آخر، والآخر يروى ما ليسن كذلك فرواية الأول أولى.
وسابعها: الحديث الذى لم ينكره راوي الأصل راجح على الذى ينكره راوي الأصل إذا كان ذلك الإنكار لا يوجب الرد، فأما إذا أوجب ذلك فليس هو حينئذ من هذا الباب، وتد عرفت في باب الإخبار الانكار الذى يوجب الرد والذى لا يوجبه.
وثامنها: أن يكون أحد الحديثين مرويا بطريق العنعنة، والأخر مروى بطريق الشهرة، أو بالإسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالأول أولى، لأنه أغلب على الظن صدقه بالنسبة إلى الثاني، ولا يخفى تعليله، وإذا وقع التعارض بين ما طريقه الشهرة، وبين ما طريقه الإسناد إلى كتاب من كتب المحدثين: فإن لم يكن ذلك الكتاب من الكتب المشهورة لهم فالثاني أولى، لأن احتمال تطرق الكذب إليه أبعد ولهذا فإن كثيرًا من المشاهير كذلك ومردود عندهم.
وتاسعها: إذا كان أحدهما مسندًا إلى كتاب مشهور والأخر ليس كذلك
стр. 3407
فالأول أولى، وإذا كان كلاهما مسندين إلى كتابين مشهورين لكن أحدهما محكوم عليه بالصحة كالصحيحين، والأخر ليس كذلك كسنن أبى داود فالأول أولى.
وعاشرها: ما طريق روايته قراءة الشيخ عليه راجح على ما طريقه ليس كذلك، وما طريق روايته قراءته على الشيخ راجح على ما طريق روايته [المناولة، أو الإجازة، أو الكتابة، وما طريق روايته المناولة راجح على ما طريق روايته]، الإجارة، أو الكتابة، لأن المناولة إجازة وزيادة، فإنه يقول فيها: خذ هذا الكتاب وحدث به عنى، فقد سمعته من فلان وهذا إجازة/ (٢٦٥/ أ) وزيادة، وما طريق روايته الإجارة راجح على ما طريق روايته الكتابة، وهو أن ترى على الكتاب خط الشيخ بالسماع والإذن له بالحديث عنه، لأن الخط يشبه الخط، ولا يؤمن فيه من التزوير بخلاف ما إذا سمع ذلك من الشيخ.
وحادي عشرها: ما طريق روايته السماع من غير حجاب راجح على ما طريق روايته السماع بحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة - رضى الله عنهم- من غير حجاب، لأنها عمة له: أن بريرة أعتقت وكان
стр. 3408
زوجها عبداً راجحة على رواية من روى عنها أن زوجها حر، لأنه سمعها منها من وراء حجاب وكيته ظاهرة.
وثاني عشرها: إذا كانت احدى الروايتين قد اختلف فيها، والأخرى لم يختلف فيها فالثانية أولى للاتفاق.
стр. 3409
وثالث عشرها: المسند راجح على المرسل أن قبل المرسل، وقال قوم نحو عيسى بن أبان: المرسل أولى.
وقال قوم منه القاضي عبد الجبار: أنهما يستويان.
لنا: أن عدالة المروى عنه في صورة الإرسال معلومة لرجل واحد، وهو الذى روى عنه، وفى صورة الإسناد عدالته معلومة لكل أحد لكونه متمكنا من البحث عن أسباب جرحه وعدالته، ولا يخفى أن من لم تظهر عدالته إلا لرجل واحد مرجوح بالنسبة إلى من تظهر عدالته لكل أحد لاحتمال أن يكون قد يخفى حال الرجل على إنسان واحد، ويبعد ذلك على الكل فثبت أن المسند أولى.
стр. 3410
واحتج من قال بترجيح المرسل على المسند بوجهين:
أحدهما: أن الراوي العدل إذا أسند الخبر وذكر المروى عنه فإنه لم يحكم بصحة الخبر، ولم يزد على حكاية أن فلانا زعم أن رسول الله- ﷺ قال ذلك الخبر فليس فيه قطع ولا غلبة ظن، بصحته بخلاف ما إذا أرسل الثقة فإنه حكم على ذلك الخبر بالصحة، وحكم على الرسول بانه قال، فيكون حاكمًا عليه: ﵇ بالتحليل، أو التحريم، وذلك لا يكون إلا عن قطع، أو قريب من القطع، فكان الظن بصدق الخبر في صورة الإرسال أكثر.
وجوابه: أن قوله: قال رسول الله- ﷺ لا يمكن إيراده علا ظاهره، لأنه يقتضى الجزم بصحة خبر الواحد، وهو جهل غير جائز على العدل العالم، فوجب حمله على أن المراد منه. إني أظن أن رسول الله- ﷺ قال ذلك الخبر، وإذا كان كذلك كان الإسناد أولى منه، لأن في صورة الإسناد يحصل ظن العدالة للكل، وفى كحورة الإرسال لا يحصل ذلك الظن إلا للواحد، ومعلوم أن ما تشهد له الظنون الكثيرة أولى مما يشهد له الظن الواحد.
وثانيهما: روى عن الحسن- رحمه الله تعالى- أنه قال: (حدثني أربعة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ بحديث، تركتهم وقلت: قال رسول الله ﷺ .
стр. 3411
ووجه الاستدلال به ظاهر فإنه أخبر عن نفسه أنه لا يستجيز هذا الإطلاق إلا عند فرط غلبة الظن.
وجوابه: ما سبق. ويخصه أن هذا يقتضى أن تكون مراسيل الحسن مقبولة وراجحة لا كل المراسيل، ونحق ربما نقول به أنه إذا علم من حال الراوي أنه لا يروي إلا عن عدل، ولا يوسل إلا إذا كان ظنه أغلب من صور الإسناد أن مرسله راجح على المسند.
واحتج القاضي على صحة ما ذهب إليه: أن في صورة الإسناد حصل نوع من القوة وهو أن عدالة المروى عنه معلومة للسامع لتمكنه من البحث عنها، وفى صورة الإرسال حصل نوع آخر من القوة وهو أنه حصل للراوي غلبة الظن بعدالة المروى عنه وإلا لما أرسل فيستويان ويتعارضان.
وجوابه: منع التساوي، وهذا فإن الظن بعدالة المروى عنه في صورة الإسناد أكثر، لكون السامع بحث عنها واختبرها لإرسال الراوي عنه كالتزكية له، وقد بينا أن العدالة المظنونة بالبحث والاختبار راجحة على المظنونة بالتزكية.
فروع ثلاثة
أحدها: لو صح رجحان المرسل على المسند فإنما يصح حيث يقول الراوي: قال رسول الله- ﷺ فأما إذا لم يقل ذلك بل قال ما يحتمله كقوله: عن النبي- ﷺ فالأظهر أنه لا يترجح عليه، لأنه في معنى المسند، ولهذا قبله من لم يقبل المرسل.
стр. 3412
وأما ما قيل: إنه في معنى قوله [روى] عن رسول الله- ﷺ فذلك يوجب المرجوحية أو الرد، لأنه ظاهر/ (٢٦٦/ أ) أنه بلغه من سماع ولم يذكر عمن بلغه، ولم يصدر منه ما ينبى عن حصول غلبة الظن له فلم تقبل روايته.
وثانيها: مراسيل الصحابة إن جعلت من صورة الخلاف فهو أولى من مراسيل التابعين وغيره، لأن الظاهر روايته من بعضهم، ومراسيل التابعين أولى من غيرهم، لأن الظاهر روايته عن الصحابي، والصحابة كلهم عدول على ما تقدم تقريره، وكل ما علم من مراسيل أن الوسائط فيه أقل فهو راجح على ما لم يعلم ذلك فيه، فعلى هذا مراسيل كل عصر أولى من مراسيل عصر بعده.
وثالثها: إذا علم من حال الشخص العدل أنه لا يرسل إلا إذا كان المروى عنه عد، كمراسيل سعيد بن المسيب فهو والمسند سواء، وأما إذا علم من حاله أنه لا يرسل إلا إذا حصلت له غلبة الظن بصدق الخبر فمرسله راجح على مسنده.
стр. 3413
خاتمة
رجح قوم الخبر بالحرية والذكورة قياسًا على الشهادة وفيه احتمال ظاهر
стр. 3414
المسألة الثالثة
في الترجيح بحال وروده ، وهو من وجوه:
أحدها: الخبر المدني راجح على المكي اعتبارًا بالغالب، فإن الغالب على المكيات التقدم والمتأخر منها عن المدنيات فقليل جدًا، والفرد المتردد بين الغالب والنادر يلحق بالغالب أبدًا.
وثانيها. ما يحتمل أن يكون مدنيًا راجح على ما لا يحتمل ذلك بل هو مكى قطعًا.
وثالثها: الخبر الذى يظهر وروده بعد قوة الرسول وعلو شانه راجح على الذى لا يكون كذلك، لأن ذلك يدل على تأخره، فإن قوة الرسول وعلو شانه كان في آخر أمره- ﵇.
قال الإمام: ما ليس كذلك ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما يعلم من حاله أنه ورد في حال الضعف.
وثانيهما: ما لا يعلم ذلك من حاله أيضا، فتقديم ما علم أنه ورد في حال القوة على الأول مسلم، وعلى الثاني ممنوع.
وهو مندفع، لأن ما يحتمل الراجح راجح على ما لا يحتمله، وما يقطع برجحانه راجح على ما يحتمله. ومن هذا يعرف أن الثاني من القسمين
стр. 3415
راجح على الأول منهما، ولأنه حكم في أمثاله بالتقديم.
ورابعها: أن يكون راوي أحد الخبرين متأخّر الإسلام، ويعلم أن سماعه
كان بعد إسلامه، وراوي الخبر الأخر متقدم الإسلام، فيقدم الأول، لأنه أظهر تأخرًا.
والأولى أن يفصل فيقال: المتقدم اذا كان موجودًا مع المتأخر لم يمتنع أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر.
فأما إذا علمنا أنه مات المتقدم قبل إسلام المتأخر، "أو علمنا أن أكثر روايات المتقدم متقدمة على روايات المتأخر منها هنا نحكم برجحان روايات المتأخر على روايات المتقدم،" لأن النادر يلحق بالغالب، وحيث لا تقدم روايات المتأخر على المتقدم فروايات المتقدم أولى لسبق الإسلام كما تقدم ذلك في الترجيح بأحوال الراوي.
وخامسها: أن يحصل إسلام الراوين معًا كإسلام خالد وعمرو بن
العاص، لكن يعلم أن سماع أحدهما بعد إسلامه، ولا يعلم ذلك في سماع الآخر، فيقدم الأول، لأنه أظهر تأخرًا.
وهذا يستقيم لو كان ذلك الخبر الذى وقع التعارض فيه على ما ذكر من الوصف، أو كان يعلم أن كثر روايات أحدهما كان سماعه بعد إسلامه، فإما إذا لم يكن على هذين الوجهين فلا يستقيم ذلك
стр. 3416
وسادسها: أن يكون أحد الخبرين مؤرخا بتاريخ مضيق "والآخر خاليا عن التاريخ بل ورد مطلقا فالأول أولى، لأن المؤرخ بتاريخ مضيق "أظهر تأخرًا عن المطلق.
مثاله: (ما روى أنه ﵇ صلى بالناس في مرضه الذى توفى فيه قاعدًا والناس قيامًا فهذا يقتضى جواز اقتداء القائم بالقاعد.
ما روى عنه- ﵇ أنه قال: إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين فيقتضى عدم جواز ذلك فرجحنا الأول، لأنه كان
стр. 3417
في آخر أحوال الرسول ﵇، وأما الآخر فيحتمل أنه كان قبل المرض.
وسابعها: إذا كان أحد الخبرين مؤرخا بتاريخ متقدم، والآخر خاليا عنه فالخالي عنه أولى، لأنه أشبه بالمتأخر.
وثامنها: أن يكون أحد الخبرين واردأ في حادثة كان الرسول- ﵇ يغلظ فيها زجرًا لهم عن العادات القديمة، ثم خفف فيها نوع تخفيف فيرجح التخفيف على التغليظ، لأنه أظهر تأخرًا.
وأعترض عليه: بأنه- ﵇ ما كان يغلظ إلا عند علو شأنه وهو في آخر الأمر، وأما التخفيف فكان أول أمره- ﵇ فسيجب أن يرجح التغليظ.
وجوابه: منع المقدمتين فإن كثيرًا من التغليظات، شرع أول الأمر، وكثيراً
стр. 3418
من التخفيفات شرع آخر الأمر بل الأكثر منها كان في آخر الأمر بالاستقراء.
وتاسعها: إذا كان أحد الخبرين عاما غير وارد على سبب بل ورد ابتداء والآخر وارد على سبب، فالوارد على السبب أولى، لأنه إن قيل: الوارد على السبب مختص به فظاهر، لأنه حينئذ يكون خاصا والخاص مقدم على العام، وإن لم يقل به فكذلك، لأن دلالته على السبب الذى ورد عليه أقوى، ولهذا لا يجوز تخصيصه بالنسبة إليه والأقوى راجح، ومن الظاهر أن هذا الترجيح إنما يتأتى بالنسبة إلى ذلك السبب، " وأما بالنسبة إلى سائر الأفراد المندرجة تحت العامين فلا.
والمراد من قولهم: العام الوارد على السبب راجح أي بالنسبة إلى السبب"
لا بالنسبة إلى سائر الأفراد وإن كان كلامهم مطلقا غير مقيد بصورة دون صورة. لكن الدلالة تفيد.
واعلم أن بعض هذه الوجوه قد تفيد ظنًا قويًا، وبعضها ظنا ضعيفًا جداً، وعند تعارض بعضها للبعض ينبغي أن يعتمد المجتهد على ما يفيده ظنا غالبًا.
المسألة الرابعة
في ترجيح الخبر باعتبار اللفظ ، وهو من وجوه:
أحدها: أن يكون أحد الخبرين عن لفظ النبي- ﵇ وصيغته، والآخر عن فعله، فخبر اللفظ أولى، لأن دلالة اللفظ غير مختلف فيها،
стр. 3419
ودلالة الفعل مختلف فيها فكان الأول أولى، ولأن ما يفعله الرسول- ﵇ يحتمل أن يكون مختصًا به، ويحتمل أن لا يختص به ولا يتميز أحدها عن الآخر إلا بمنفصل، بخلاف اللفظ فإنه متميز في نفسه، فإن منه ما لا يحتمل أن يكون مختصا به، وهو كما ورد بخطاب المشافهة، أو بصيغة العموم، أو غيرهما، ومنه ما لا يحتمل إلا التخصيص به، ومنه ما يحتملها وهو قليل جدًا بخلاف الفعل فإن جميع أنواعه محتمل لذلك، فكان الإبهام فيه أكثر فيه أكثر فكان الأول أولى، ولأن المختص به من أفعاله كثر من أقواله، ولأن تطرق الغفلة إلى الإنسان في فعله أكثر منها في كلامه ولهذا قل ما يتكلم به الإنسان غافلاً بخلاف الفعل.
وثانيها: أن يكون اللفظ في أحد الخبرين بعيدًا عن الاستعمال، وفيه ركاكة، وفى الخبر الآخر اللفظ المستعمل الفصيح،- فالخبر المشتمل على الألفاظ المستعملة الفصيحة الأولى إن قبل غير المستعمل الركيك وإلا فليس هو مما نحن فيه.
وثالثها: قيل الأفصح مقدم على الفضيح على قياس ما تقدم.
وقيل: لا، لأن الفصيح لا يجب أن يكون كل كلامه أفصح، ولهذا نرى تفاوتا في فصاحة آيات القرآن.
ورابعها: أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصًا، فالخاص مقدم على العام وقد سبق تقريره.
стр. 3420
وخامسها: قيل: يقدم يكون بلفظ الخبر حقيقة، لأنه يكون أظهر دلالة من المجاز.
وهذا ليس على إطلاقه، فإن المجاز إذا كان غالبا كان أظهر دلالة منها فلا تقدم الحقيقة عليه.
وأما ما قيل: بان المجاز المستعار أظهر دلالة من الحقيقة أيضا فإن قولنا: فلان بحر أقوى من دلالة قولنا: سخى فليس بجيد، لأنه ليس المعنى من قولنا: أظهر دلالة أقوى دلالة، أو أبلغ دلالة، بل المراد منه: أن تبادر الحقيقة إلى الفهم أكثر، ولا نسلم أن الاستعارة كذلك فضلاً عن أن يكون أظهر منها.
وسادسها: أن يكون أحد الخبرين مشتملاً على الحقيقة الظاهرة المعروفة بمعناها لكثرة ناقليها، "أو لكون ناقليها"، أقوى وأتقى من ناقلي الخبر الآخر فالأول أولى.
وسابعها: أن يكون أحد الخبرين مشتملاً على حقيقة حصل الاتفاق على كونها موضوعة لمسماها، دون الخبر الآخر فالأول راجح.
[وثامنها: الخبر الذي لا يشتمل على اللفظ المشترك، أو الإضمار، أو النقل راجح] على الذي يشتمل على أحدها، وأي واحد منها خير من الباقي فذلك قد عرفته في اللغات.
стр. 3421
وتاسعها: الخبر المشتمل على الحقيقة الشرعية، أو العرفية أولى من المشتمل على الحقيقة اللغوية، وهذا يستقيم إذا كان اللفظ واحدًا لكن في أحد الخبرين يدل على المعنى الشرعي وفي الخر على المعنى اللغوي، أما إذا كان لفظان أحدهما حقيقة شرعية في خبر، والآخر حقيقة لغوية في خبر آخر ولم ينقله الشرع عن عرف اللغة إلى عرفه فلا نسلم ترجح الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية، بل الحقيقة اللغوية أولى، وهذا لان الحقيقة اللغوية إذا لم ينقلها الشرع فهي لغوية لا شرعية عرفية معا لتقرير الشرع والعرف على المعنى اللغوي بخلاف الحقيقة الشرعية فإنها شرعية فقط وليس لغوى ولا عرفي، والنقل خلاف الأصل فكان اللفظ اللغوي أولى.
وعاشرها: إذا تعارض مجازان أو كثر فقد عرفت أنهما أولى في باب اللغات فلا حاجة إلى الإعادة.
وحادي محشرها: إذا تعارض خبران ولا يمكن العمل بأحدهما إلا بمجازين والأخر يمكن العمل به بمجاز واحد فالثاني أولى سبق غير مرة.
وثاني عشرها: العام الذى لم يدخله التخصيص أولى من الذى دخله التخصيص، لأنه مجاز، ولأنه اختلف في حجته بخلاف الأول فإنه حقيقة ولم يختلف في حجيته.
ويمكن أن يقال: أنه لان كان مرجوحا من هذا الوجه لكنه راجح من وجه آخر وهو أنه خاص بالنسبة إلى ذلك العام الذى لم يدخله التخصيص والخاص أولى من العام فكان ما دخله التخصيص أولى.
стр. 3422
وثالث عشرها: أن يكون أحد اللفظين يدل على المراد من وجهي، والآخر من وجه واحد فيقدم الخبر الذى يشتمل على اللفظ الأول على الخبر الذى يشتمل على اللفظ الثاني، لأن الظن الحاصل منه أقوى لتعدد جهة الدلالة. ورابع عشرها: أن يكون أحد الحكمين مذكورًا مع علته، والأخر ليس كذلك فالأول أولى.
ومن هذا القبيل أن يكون أحدهما مقرونا بمعنى مناسب، والآخر ليس كذلك سواء كان معلقا بمجرد الاسم أو لم يكن معلقا به، لأنه أبعد عن الكذب والافتراء، ولأن الانقياد لذلك الحكم أكثر من الانقياد للحكم المجرد عن ذكر العلة وعن المعنى المناسب فكان أولى.
وخامس عشرها: أن يكون أحد الخبرين يتضمن التنصيص على الحكم مع اعتباره بمحل آخر، والأخر ليس كذلك، فالأول راجح على الثاني في المشبه والمشبه به جميعا، لأن اعتبار محل بمحل آخر إشارة إلى وجود علة جامعة. مثاله: قول الحنفية في قوله- ﵇ " أيما إهاب دبغ فقد ظهر"، كالخمر تخلل فتحل رجحانه في المشبَّه على قوله- ﵇ "لا تنتفعوا
стр. 3423
من الميتة بإهاب ولا عصبٍ "وفى المشبه به في مسألة تخليل الخمر على قوله (أرقها).
وسادس عشرها: أن تكون دلالة أحدها مؤكدة، ودلالة الآخر غير مؤكدة، فالمؤكدة أولى كقوله ﵇: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" فإنه راجح على ما ترويه الحنفية من قوله
стр. 3424
عليه السلام: "الأيم أحق بنفسها من وليها " لو سلم دلالته على المطلوب.
وسابع عشرها: أن يكون أحدها تنصيصًا على الحكم، مع ذكر المقتضى لضده والأخر ليس كذلك بل ليس فيه إلا ضد ذلك الحكم سواء كان معه ذكر المقتضى له أو لم يكن.
مثاله: قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فإنه راجح على ما ورد من الحديث الدال على تحريم زيارة القبور أو كراهته،
стр. 3425
ولأن تقديم هذا يقتضى نسخ الحكم الشرعي غير الجواز الثابت بالعمل مرتين، وتقديم الآخر يقتضى نسخ الحكم مرة أعنى غير الجواز العقلي فكان أقل نسخا فكان أولى.
وثامن عشرها: أن يكون أحد الخبرين مقرونا بنوع من التهديد فإنه يقدم على ما لا يكون كذلك، كقوله ﵇، "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" وكذلك لو كان في أحدهما زيادة تهديد.
وتاسع عشرها: المنطوق راجح على المفهوم، أعنى مفهوم المخالفة، وإلا فمفهوم الموافقة قد يترجح على المنطوق، هذا إن جعل مفهوم المخالفة حجة، وهذا إذا لم يكن المفهوم خاصا والمنطوق عاما فإن بتقدير أن يكون كذلك فالمفهوم راجح عليه، ولهذا يخص به على ما تقدم تقريره فكان أولى.
стр. 3426
ويلزم من هذا أن مفهوم الموافقة راجح على مفهوم المخالفة، ويمكن أن يرجح مفهوم المخالفة عليه بوجهين:-
أحدهما: أنه لا يتوقف على فهم المقصود من الحكم في محل النطق وبيان وجوده في محل السكوت بخلاف مفهوم الموافقة.
وثانيهما: أن فائدته تأسيسية بخلاف مفهوم الموافقة.
العشرون: أن يكون أحد الخبرين يقتضى الحكم بواسطة، والآخر يقتضى بغير واسطة، فالذي يقتضيه بغير واسطة أولى، لأن كلما قلت الوسائط الظنية كان الظن أكثر فيكون الظن بثبوت مدلول ما دل بغير واسطة أكثر فيكون أولى.
مثاله. قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" [الحديث فإنه إنما يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها بواسطة الإجماع فلا قائل بالفصل فإنه يقال فيه: إذا بطل نكاحها إذا نكحت بغير إذن وليها]، بالحديث وجب أن يبطل إذا نكحت بإذن وليها أيضا ضرورة أنه لا قائل بالفصل، والحديث الأخر الذى رويناه لهم وهو قوله ﵇: (الأيم أحق بنفسها من وليها، فإنه يدل بغير واسطة على صحة نكاحها إذا نكحت نفسها فكان هذا أولى.
الحادي والعشرون: أن يكون أحد الخبرين أمرًا، والأخر نهيًا فالنهي أولى، لأن طلب الترك فيه أشد من طلب الفعل في الأمر، ولهذا فإن كثيرًا ممن قال: الأمر لا يفيد التكرار، قال: النهى يفيده ولأن المطلوب فيه ترك المفسدة، وفى الأمو جلب المنفعة، والأول مقدم على الثاني عرفًا وشرعًا.
стр. 3427
أما الأول فظاهر، فإن من به مرض وهو قادر على كسب المال لو اشتغل به دون إزالة المرض فإن العقلاء. يستقبحون رأيه ويعدونه من الحمقى البالغين في الحماقة.
وأما الثاني، فلأن القتال يصير فرض عين إذا قصدنا الكفار لكون ذلك دفعا للمفسدة ويصير فرض كفاية إذا قصدناهم لكون ذلك جلبا للنفع، ولأن الإجمال في النهي أقل لقلة محامله وهو التحريم فقط، أو الكراهة فقط، أو كل واحد منهما أما بطريق البدلية، أو بطريق المعية على. اختلاف في اللفظ المشترك، أو القدر المشترك بينهما بخلاف الأمر فإن محامله كثيرة على ما عرفت ذلك في اللغات، وما لا إجمال فيه أو قل فهو أولى من الذى فيه الإجمال أو كثر فيه الإجمال.
ولأن الإتيان بمقتضاه أسهل من الإتيان بمقتضى الأمر فكان أولى لقوله ﵇، "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" الحديث.
الثاني والعشرون إذا كان أحد الخبرين أمرًا والآخر مبيحًا فالمبيح أولى. وقيل بترجيح الأول.
احتج القائلون بترجيح الإباحة بوجوه:
إحداها: أنه لو رجح الأمر على المبيح لزم منه تعطيل المبيح بالكلية، ولو رجح المبيح عليه لزم تأويل الأمر بصرفه عن ظاهره إلى المحل البعيد وهو الإباحة، ومعلوم أن التأويل أولى من التعطيل.
стр. 3428
وهو ضعيف لأنا لا نسلم أنه لو رجح الأمر على المبيح لزم التعطيل، وهذا لأنه يمكن حمل المبيح على جواز التعطيل فقط، وحينئذ لا يكون منافيا للأمر، وحينئذ لا يلزم منه التعطيل بل يلزم منه التأويل فاستويا.
لا يقال: المبيح دل على جواز الفعل وعلى جواز الترك بصراحته نحو قوله: يجوز لك أن تفعل الفعل الفلاني، ويجوز لك أن تتركه وتأويل مثل ذلك لمه بالحمل على الجواز فقط غير جائز، لأنا نقول: ليس من شرط المبيح أن يكون واردأ على تلك الصيغة بل جاز أن يرد بلفظ الإباحة نحو أن يقال: أبحت لك الفعل الفلاني "، وقبوله للتأويل المذكور كقبول الأمر فلا فرق. وثانيها: أنه لا إجمال في الإباحة لكون المعنى متحدًا فيها بخلاف الأمر فإن فيه الإجمال لتعدد معناه فكان الأول أولى.
وثالثها: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته للآخر ورجحانه عليه، أما على التقدير الثاني فظاهر، وإما على التقدير الأول فلأنه يتخير بين الأخذ بمقتضى الأمر وبين الأخذ بمقتضى الإباحة وهو تخيير بين الفعل والترك وهو ترجيح الإباحة، وأما الأمر فإنه لا يمكن العمل به إلا عند ترجيحه، وما يمكن العمل به على تقديرين أولى مما لا يمكن العمل به إلا على تقدير واحد.
وهو أيضًا ضعيف، لأن التخيير الحاصل بين الفعل والترك عند التعارض غير التخيير الحاصل بين الفعل والترك عند ترجيح المبيح فإن الأول مشروط بالأخذ بالمبيح دون الأخذ بالأمر فإن عند الأخذ به لا يجوز له الترك فلا يكون ذلك ترجيحا للمبيح بعينه.
ورابعها: أن المبيح أسهل بخلاف الأمر فكان أولى لما سبق.
стр. 3429
وخامسها: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودًا للمكلف لا يخل بالمقصود لكونه جائزًا الفعل له، والعمل بالأمر يخل بالمقصود بتقدير أن يكون الترك مقصودًا للمكلف ضرورة أنه غير جائز الترك حينئذ فكان المبيح أولى. واحتج من قال بترجيح الأمر بوجهين.
أحدهما: أن ذلك أحوط فيجب المصير إليه لقوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وثانيهما: أن العمل بالأمر حمل لكلام الشارع على الحكم التكليفي والشرعي، والعمل بالمبيح حمل لكلامه على ما ليس كذلك لما سبق أن المباح ليس حكما شرعيا، ولا هو من التكليف فكان الأول أولى.
الثالث والعشرون: إذا كان أحد الخبرين أمرأ والأخر خبرًا فالخبر أولى لوجوه:
أحدها: أنه لا إجمال فيه لاتحاد معناه بخلاف الأمر، فإن فيه الإجمال لتعدد المعنى فكان الأول أولى.
وثانيها: أن الخبر أقوى في الدلالة؛ ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء بخلاف الأمر
وهذا ضعيف، لان الخبر الذي لا يجوز نسخه إنما هو الخبر الذى لا يتضمن إثبات الحكم الشرعي، فأما الذى يتضمنه فذلك يجوز نسخه وفاقا كما تقدم ذكره، نعم هو أقوى دلالة من وجه آخر وهو أن دلالة الخبر على الثبوت والتحقق أقوى من دلالة غيره عليه.
стр. 3430
وثالثها: أنه لو لم يعمل بالخبر لزم الخلف في خبر الشارع وهو ممتنع، ولو لم يعمل بمقتضى الأمر لم يلزم من جهة الشارع خلف ولا نقض، غاية ما يلزم فوات مقصود الشارع، وهو حاصل في الخبر الذى يتضمن إثبات الحكم الشرعي مع زيادة محذور وهو الخلف في خبره فكان الخبر الأول دفعًا لزيادة المحذور.
[الرابع والعشرون: أن يكون أحدهما نهيا والآخر مبيحًا، فالمبيح مقدم لبعض ما مر في الأمر].
الخامس والعشرون: أن يكون أحدهما خبرًا والأخر نهيًا، فالأول أولى لما مر في الأمر.
السادس والعشرون: أن يكون أحدهما خبرًا والأخر مبيحًا، فالخبر أولى لبعض ما مر
السابع والعشرون: أن ما ليس فيه دلالة الاقتضاء راجح على ما فيه دلالة الاقتضاء وهو ظاهر، وما فيه دلالة الاقتضاء سواء كان ضرورة صدق المتكلم، أو ضرورة وقوع الملفوظ به شوعًا أو عقلاً راجح على المجاز والإضمار وما فيه دلالة الاقتضاء ضرورة صدق المتكلم راجح على ما فيه دلالة الاقتضاء ضرورة وقوع الملفوظ به شرعًا وما لديه دلالة الاقتضاء ضرورة وقوع الملفوظ به عقلاً راجح على ما فيه دلالة الأحكام ظاهر.
стр. 3431
الثامن والعشرون: دلالة الاقتضاء راجحة على دلالة "الإشارة والتنبيه والإيماء ومفهوم المخالفة، ودلالة الإشارة والتنبيه والإيماء راجحة على دلالة مفهوم المخالفة.
التاسع والعشرون: دلالة الإيماء الذى يلزم منه العبث لو لم يكن الوصف المذكور فيه علة للحكم راجحة على بقية الدلالة من الإيماء، ولا يخفى رجحان بعضها على بعض بما سبق.
الثلاثون: العام المخصوص أولى من الخاص والعام المؤولين، لكثرة التخصيص، وقلة التأويل، والكثرة تدل على قلة المفسدة، والخاص المؤول أولى من العام المؤول، والمقيد أولى من المطلق، والمطلق أولى من العام، والعام المخصوص أولى من المطلق المؤول، وما فيه جهتا العموم والخصوص هو أولى من العام المخصوص، وما فيه جهة الإطلاق والتقييد فهو أولى مما فيه الإطلاق فقط، والمقيد راجح على المطلق وعلى المقيد من وجه دون وجه، والنكرة المنفية من جهة العموم أولى من جميع أنواع العموم من الشرط والجزاء والجمع المحلى بالألف واللام، والثاني أولى من الثالث وهو أولى من بقية أنواع العموم نحو اسم الجنس، والمفرد المعرف، والجمع المنكر عند القائلين به، وما فيه عموم البدلية أولى مما فيه عموم الشمول لأنه أقرب إلى الخصوص، واسم الجنس المحلى بالألف واللام أولى من المفرد المحلى بالألف واللام.
الحادي والثلاثون: غير المضطرب أولى من المضطرب.
стр. 3432
الثاني والثلاثون: أن يكون أحد الخبرين مشتملاً على زيادة لم يتعرض الآخر لها. مثل ما روى عنه- ﵇ "أنه كبر في صلاة العيد سبعًا" فإنه يقدم على ما روى عنه- ﵇ أنه كبر فيها أربعاً،
стр. 3433
لاشتماله على زيادة علم ربما خفى على الآخر.
الثالث والثلاثون: الإجماع الذى يفيد الظن مقدم على النص الذى يفيده، لأنهما لان اشتركا في إفادة الظن لكن الإجماع مأمون عن النسخ بخلاف النص.
ويمكن أن يقال: أن النص يترجح من وجه آخر وهو أنه أصل والإجماع فرعه.
الرابع والثلاثون: الإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه، فعلى هذا الإجماع الذى اشتمل على قول كل الأمة من المجتهدين والعوام، أولى من الذى اشتمل على قول المجتهدين فقط.
والإجماع المشتمل على قول أهل الحل والعقد، وقول الفقهاء الذين ليسوا أصوليين، أو الأصوليين الذين ليسوا فقهاء دون قول العوام أولى من الإجماع المشتمل على قول أهل الحل والعقد وقول العوام فقط، لأن الظن في الصورة الأولى أكثر لمعرفتهم بالأحكام الشرعية أو بأصولها بخلاف الثاني فإن العوام ليس لهم تلك المعرفة، والمشتمل على قول الأصولي أولى من المشتمل على قول الفقهاء، لتمكن الأصولي من استنباط الأحكام من أصولها دون الفقيه، وإجماع الصحابة أولى من إجماع غيرهم، لأن عدالتهم ثابتة بتأكيد الله تعالى ورسوله- ﵇ بخلاف عدالة غيرهم، ولأنه متفق عليه بين القائلين بكون الإجماع حجة، ولأن اطلاعهم على أدلة الأحكام وعلى ناسخها ومنسوخها أقرب من اطلاع غيرهم، ولأن رغبتهم على تحقيق
стр. 3434
الحق وإبطال الباطل أثمد من الغير فكان قولهم أقرب إلى الحق.
لإجماع التابعين أولى من إجماع غيرهم لبعض ما معبق، ولقوله ﵇: (خير القرون القرن الذى أنا فيه ثم الذى يليه ثم الذى يليه" ومنه يعرف الترجيح في بقية الإجماعات فلا نطول بالذكر.
واعلم أن هذا لا يتصور في الإجماعين القاطعين، لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يتصور التعارض بينهما بل لو تصور ذلك في نما يتصور بين الإجماعين الظنيين وإنما تكلمنا في ترجيح بعض الإجماعات على البعض في هذه المسالة مع أنها مترجمة في ترجيح الخبر باعتبار اللفظ، لأنا تكلمنا في ترجيح الإجماع على الخبر الذى يفيد الظن باعتبار دلالته اللفظية، فتكلمنا في بقية الإجماعات لئلا يفود له فصل آخر.
الخامس والثلاثون: إذا تعارض خبران ودلالة ألفاظهما على حكميهما متساويان في إفادة الظن لكن أحدهما تكد بدلالة سياق الكلام، مهو راجح على غير المتأكد، وكذا إذا ترجح أحدهما بكونه مقطوع المتن.
السادس والثلاثون: الخبر الذى إعرابه مرافق لقاعدة العربية أولى من الذى يخالفه ولو بوجه ما.
السابع والثلاثون: الخبر الذى لفظه أو معنى لفظه أشهر راجح على الذى ليس كذلك.
الثامن والثلاثون: الخبر المشتمل على لغة قريش، أو أهل نجد راجح على الذى ليس كذلك.
التاسع والثلاثون. ما دل من غير تقديم ولا تأخير راجح على الذي يدل كذلك.
стр. 3435
الأربعون: دلالة الاقتضاء راجح على مفهوم المخالفة لكونه متفقا عليه، ولكونه محتاجا إليه لضرورة الكلام، وكذا على مفهوم الموافقة، لأنه لو لم يعمل بدلالة الاقتضاء لتعطل النص ضرورة أنه من ضرورة الكلام بخلاف مفهوم الموافقة فإنه إن لم يعمل به كان النص معمولا به في محل النطق فكان الأول أولى.
المسألة الخامسة
في ترجيح الخبر باعتبار مدلوله وهو الحكم وهو من وجوه:
أحدها: إذا كان أحد الخبرين مقَررًا لحكم الأصل، والثاني ناقلا فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل.
وذهب بعضهم واختاره الإمام أنه يجب ترجيح المقرر.
مثاله: خبر من روى عنه ﵇ "أنه سئل عنه فقال" (إذ مس أحدكم ذكره فليتوضأ "، وخبر من روى عنه ﵇ [أنه سئل عنه] فقال: (هل هو إلا بضعة منك، فإن الأول ناقل عن حكم الأصل والثاني مقرر.
следующие страницы →