← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

الثامن والعشرون: دلالة الاقتضاء راجحة على دلالة "الإشارة والتنبيه والإيماء ومفهوم المخالفة، ودلالة الإشارة والتنبيه والإيماء راجحة على دلالة مفهوم المخالفة. التاسع والعشرون: دلالة الإيماء الذى يلزم منه العبث لو لم يكن الوصف المذكور فيه علة للحكم راجحة على بقية الدلالة من الإيماء، ولا يخفى رجحان بعضها على بعض بما سبق. الثلاثون: العام المخصوص أولى من الخاص والعام المؤولين، لكثرة التخصيص، وقلة التأويل، والكثرة تدل على قلة المفسدة، والخاص المؤول أولى من العام المؤول، والمقيد أولى من المطلق، والمطلق أولى من العام، والعام المخصوص أولى من المطلق المؤول، وما فيه جهتا العموم والخصوص هو أولى من العام المخصوص، وما فيه جهة الإطلاق والتقييد فهو أولى مما فيه الإطلاق فقط، والمقيد راجح على المطلق وعلى المقيد من وجه دون وجه، والنكرة المنفية من جهة العموم أولى من جميع أنواع العموم من الشرط والجزاء والجمع المحلى بالألف واللام، والثاني أولى من الثالث وهو أولى من بقية أنواع العموم نحو اسم الجنس، والمفرد المعرف، والجمع المنكر عند القائلين به، وما فيه عموم البدلية أولى مما فيه عموم الشمول لأنه أقرب إلى الخصوص، واسم الجنس المحلى بالألف واللام أولى من المفرد المحلى بالألف واللام. الحادي والثلاثون: غير المضطرب أولى من المضطرب.

стр. 3432

الثاني والثلاثون: أن يكون أحد الخبرين مشتملاً على زيادة لم يتعرض الآخر لها. مثل ما روى عنه- ﵇ "أنه كبر في صلاة العيد سبعًا" فإنه يقدم على ما روى عنه- ﵇ أنه كبر فيها أربعاً،

стр. 3433

لاشتماله على زيادة علم ربما خفى على الآخر. الثالث والثلاثون: الإجماع الذى يفيد الظن مقدم على النص الذى يفيده، لأنهما لان اشتركا في إفادة الظن لكن الإجماع مأمون عن النسخ بخلاف النص. ويمكن أن يقال: أن النص يترجح من وجه آخر وهو أنه أصل والإجماع فرعه. الرابع والثلاثون: الإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه، فعلى هذا الإجماع الذى اشتمل على قول كل الأمة من المجتهدين والعوام، أولى من الذى اشتمل على قول المجتهدين فقط. والإجماع المشتمل على قول أهل الحل والعقد، وقول الفقهاء الذين ليسوا أصوليين، أو الأصوليين الذين ليسوا فقهاء دون قول العوام أولى من الإجماع المشتمل على قول أهل الحل والعقد وقول العوام فقط، لأن الظن في الصورة الأولى أكثر لمعرفتهم بالأحكام الشرعية أو بأصولها بخلاف الثاني فإن العوام ليس لهم تلك المعرفة، والمشتمل على قول الأصولي أولى من المشتمل على قول الفقهاء، لتمكن الأصولي من استنباط الأحكام من أصولها دون الفقيه، وإجماع الصحابة أولى من إجماع غيرهم، لأن عدالتهم ثابتة بتأكيد الله تعالى ورسوله- ﵇ بخلاف عدالة غيرهم، ولأنه متفق عليه بين القائلين بكون الإجماع حجة، ولأن اطلاعهم على أدلة الأحكام وعلى ناسخها ومنسوخها أقرب من اطلاع غيرهم، ولأن رغبتهم على تحقيق

стр. 3434

الحق وإبطال الباطل أثمد من الغير فكان قولهم أقرب إلى الحق. لإجماع التابعين أولى من إجماع غيرهم لبعض ما معبق، ولقوله ﵇: (خير القرون القرن الذى أنا فيه ثم الذى يليه ثم الذى يليه" ومنه يعرف الترجيح في بقية الإجماعات فلا نطول بالذكر. واعلم أن هذا لا يتصور في الإجماعين القاطعين، لأنه لا ترجيح بين القاطعين، ولأنه لا يتصور التعارض بينهما بل لو تصور ذلك في نما يتصور بين الإجماعين الظنيين وإنما تكلمنا في ترجيح بعض الإجماعات على البعض في هذه المسالة مع أنها مترجمة في ترجيح الخبر باعتبار اللفظ، لأنا تكلمنا في ترجيح الإجماع على الخبر الذى يفيد الظن باعتبار دلالته اللفظية، فتكلمنا في بقية الإجماعات لئلا يفود له فصل آخر. الخامس والثلاثون: إذا تعارض خبران ودلالة ألفاظهما على حكميهما متساويان في إفادة الظن لكن أحدهما تكد بدلالة سياق الكلام، مهو راجح على غير المتأكد، وكذا إذا ترجح أحدهما بكونه مقطوع المتن. السادس والثلاثون: الخبر الذى إعرابه مرافق لقاعدة العربية أولى من الذى يخالفه ولو بوجه ما. السابع والثلاثون: الخبر الذى لفظه أو معنى لفظه أشهر راجح على الذى ليس كذلك. الثامن والثلاثون: الخبر المشتمل على لغة قريش، أو أهل نجد راجح على الذى ليس كذلك. التاسع والثلاثون. ما دل من غير تقديم ولا تأخير راجح على الذي يدل كذلك.

стр. 3435

الأربعون: دلالة الاقتضاء راجح على مفهوم المخالفة لكونه متفقا عليه، ولكونه محتاجا إليه لضرورة الكلام، وكذا على مفهوم الموافقة، لأنه لو لم يعمل بدلالة الاقتضاء لتعطل النص ضرورة أنه من ضرورة الكلام بخلاف مفهوم الموافقة فإنه إن لم يعمل به كان النص معمولا به في محل النطق فكان الأول أولى. المسألة الخامسة في ترجيح الخبر باعتبار مدلوله وهو الحكم وهو من وجوه: أحدها: إذا كان أحد الخبرين مقَررًا لحكم الأصل، والثاني ناقلا فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل. وذهب بعضهم واختاره الإمام أنه يجب ترجيح المقرر. مثاله: خبر من روى عنه ﵇ "أنه سئل عنه فقال" (إذ مس أحدكم ذكره فليتوضأ "، وخبر من روى عنه ﵇ [أنه سئل عنه] فقال: (هل هو إلا بضعة منك، فإن الأول ناقل عن حكم الأصل والثاني مقرر.

стр. 3436

احتج الأولون بوجوه: أحدها: أن في تقديم المقرر على الناقل زيادة النسخ، لأنه إنما يقدم عليه بناء على تأخره عن المقرر وحينئذ يلزم النسخ مرتين، لان الناقل نسخ حكم العقل، ثم أن المقرر أزال حكم الناقل فيلزم النسخ مرتين لكن أحدهما عقلي، والثاني شرعي، بخلاف ما إذا قدمنا الناقل فإنه لم يلزم منه إلا النسخ مرة واحدة، لأنه حينئذ إنما يقدم على المقرر بناء على تأخره عنه، وحينئذ يكون المقرر واردًا أولا مؤكدًا لحكم العقل، ثم أن الناقل ورد بعده مزيلاً لحكمه فلم يلزم النسخ إلا مرة واحدة فكان أولى. وأجيب عنه: بانا لا نسلم أنه يلزم من تقديم المقرر تكثير النسخ، وهذا لان دلالة العقل مشروطة بعدم دليل السمع، فإذا وجد لا يبقى دليل العقل لزوال ضرطه فلم يكن دليل السمع مزيلاً لحكم العقل، بل مبينا لانتهائه، فلا يكون ذلك خلاف الأصل. وأيضًا: فإن ما ذكرتم معارض بوجه آخر، وهر: أنا لو جعلنا المبقى حكما مقدما في الورود لكان المنسوخ حكما ثابتا بدليلين: العقل والخبر وهو أشد مخالفة من النسخ مرتن لأنه يلزم منه نسخ الأقوى

стр. 3437

بالأضعف، وهو غير جائز. بخلاف ما إذا قدمنا الناقل في الورود فإنه لا يلزم منه هذا المحذور فكان تقدير تقدم الناقل في الورود أولى. وهو ضعيف. أما الأول: فلان هذا الاحتمال بعينه قائم في نسخ الحكم الشرعي لاسيما عند هذا القائل فإن النسخ عنده عبارة عن: بيان انتهاء مدة الحكم، وليس هو عبارة عن إزالة الحكم ورفعه فكان ينبغي أن لا يكون خلاف الأصل، وأيضا؛ توقيف دلالة الدليل على الشرط خلاف الأصل فيما يفضى إليه أيضا خلاف الأصل. وأما الثاني: فلان ما ذكر من دلالة العقل مشروطة بعدم، دليل السمع يقتضى أن لا يكون دليل العقل دالاً على ذلك الحكم عند ورود المقرر، فإنه دليل سمعي فينبغي أن تنتفي دلالة العقل على الحكم عند وروده لزوال شرطه فلم يلزم نسخ الأقوى بالأضعف، ولئن سلم أن دلالته غير مشروطه بعدم دليل السمع، بل دلالته باقية بعد وروده لكن لا يصير الحكم قطعيا إذا كان الذى صرد من الدليل السمعي ظنيا بسبب دلالتهما عليه بل يبقى ظنيا، وحينئذ لا نسلم أنه لا يجوز نسخه بالظني الذى هو أضعف منه، فإن الضعف والقوة إذا كانا من نوعين مختلفين كما في العلم والظن لا يجوز نسخ الأقوى بالأضعف، فأما إذا كانا من نوع واحد كما إذا أفاد دليل ظني ظنًا قويا ثم ورد بعده ظني آخر يقتضى نسخه، فانه وإن كان أضعف منه فإنه يجوز النسخ به، وأيضا: فإن دليلكم منتقض بما إذا علم تقدم ورود المقرر وتأخر الناقل فإنه لا خلاف في تقديمه على المقرر مع أنه يلزم ما ذكرتم من المحذور وهو نسخ الأقوى بالأضعف.

стр. 3438

وثانيها: أنا لو اعتبرنا الناقل لكنا استفدنا منه ما لا يعلم من غيره ولو اعتبرنا المبقى لكنا استفدنا منه ما يعلم من غيره وهو العقل فكان اعتبار الناقل أولى. وأجيب عنه: بانه يقتضي تقديم المقور فانا لو قدمنا الناقل عليه لكان المقرر قد ورد قبل الناقل وحينئذ يكون المستفاد منه حكمًا يتمكن العقل من معرفته ولو قدمنا المقرر لكان الناقل قد ورد قبله فيكون المستفاد من كل واحد منهما حينئذ حكما لا يمكن معرفته من غيره فكان تقديم المقور أولى وستعرف ما عليه من الكلام. وثالثها: أن الناقل معه زيادة علم فكان أولى بالاعتبار. وجوابه: أن الفائدة في تقديم المقرر أكثر لأنه حينئذ يستفاد من كل واحد منهما حين وروده ما لا يعلم إلا منه فكان أولى. واحتج من قال بتقديم المقرر. بانا لو قدمنا الناقل فإنما نقدمه لكوننا نقدر وروده بعد المقرر وحينئذ يكون ورود المقرر قبل الناقل فيكون واردأ حيث لا يحتاج إليه وليس له فائدة إلا التأكيد والتقرير ولو قدمناه فإنما نقدمه لكوننا نقدر وروده بعد الناقل وحينئذ يكون واردأ حيث يحتاج إليه وتكون فائدته التأسيس فكان الحمل عليه أولى لما تقدم غير مرة أن حمل كلام الشارع على الفائدة التأسيسية أولى. وجوابه: أنا لا نسلم حينئذ يكون واردأ حيث لا يحتاج إليه، وهذا لأن كون ذلك الحكم شرعيا يحتاج إليه وهو إنما يصير شرعيا إذا قوره الشارع على ما كان عليه أو نقله، ولهذا كان قبل التقرير يجوز رفعه بكل دليل شرعي كالقياس وغيره، فأما بعده فلا يجوز إلا بنص من جنسه أو أقوى منه كالمتواتر

стр. 3439

وحينئذ يكون واردا في محل الحاجة وتكون فائدته بالنسبة إلى كون ذلك الحكم شرعيا فائدة تأسيسية كما في الناقل فلم يكن الحمل على أنه ورد بعد الناقل أولى من الحمل على أنه ورد قبله بل هذا أولى، لأنهما اشتركا في إثبات الفائدة التأسيسية وزاد هذا على الاحتمال الأول بقلة النسخ. سلمنا عدم حصول الفائدة التأسيسية من المقرر على "تقدير" تقدمه لكن لا يعارض هذا مفسدة زيادة النسخ فكان تقديم الناقل أولى. فإن قلت: كلامكم في الدلالة من الجانبين يشعر بأن العمل الناقل أو المقرر على اختلاف المذهبين من باب الناسخ " فهل هو من بابه، أو من باب الترجيح؟ وبتقدير أن يكون من باب الناسخ" كيف أوردتموه في باب الترجيح فإن العمل بالناسخ ليس من باب الترجيح؟ قلت: قال القاضي عبد الجبار: أنه ليس من باب الترجيح، واستدل عليه بوجهيها: الأول: أنا نعمل بالناقل على أنه ناسخ، والعمل بالناسخ ليس من باب الترجيح. الثاني: أن العمل بالناقل لو كان من باب الترجيح لوجب أن يعمل بالخبر الآخر لولاه، لأن هذا حكم كل خبرين رجح أحدهما على الآخر، ومعلوم أنه لولا الخبر الناقل لكنا إنما نحكم بحكم الأصل لدلالة العقل لا لأجل الخبر.

стр. 3440

وهما ضعيفان: أما الأول: فلأنا لا نقطع على أن الناقل أو المقرر متأخر وناسخ حيث يقدم أحدهما على الأخر حتى يكون العمل بأحدهما إذ ذاك من باب النسخ، بل نقول: الظاهر ذلك لئلا تلزم المفسدة المذكورة في الدلالتين وإن كان يجوز أن لا يكون كذلك فهو إذن داخل في باب الأولى وهو ترجيح. وأما الثاني: فلانا لا نسلم أنه لولا الخبر الناقل لكان العمل بحكم الأصل كدلالة العقل بل للخبر المقرر لحكم الأصل، ألا ترى أنا نجعله حكما شرعيا، ولهذا لا يصح دفعه إلا بما يصح به رفع الحكم الشرعي فلولا أنه بعد ورود الخبر صار شرعيًا، وإلا لما كان كذلك. وإذا ظهر ضعف الوجهين بطل أن يكون العمل بأحدهما من باب النسخ بل الحق أنه من باب الترجيح. وثانيها: إذا كان أحد الخبرين إثباتًا والأخر نفيًا وهما شرعيان كخبر بلال وأسامة فإن أحدهما روى أنه ﵇ دخل البيت وصلى، وروى؛ الأخر أنه ﵇ دخل البيت ولم يصل، فالنافي مقدم على المثبت عند

стр. 3441

قوم. والمثبت مقدم على النافي عند الفقهاء. وفصل بعضهم كإمام الحرمين فقال: (النافي أن ذكر لفظا معناه النفي فهما سواء)، وأن نفى الفعل أو القول كقوله: لم يفعل أو لم يقل فالمثبت مقدم. وفال القاضي عبد الجبار. أنهما سواء وضرب لذلك أمثلة ثلاثة: أحدها: أن يقتضى العقل حظر الفعل، ثم ورد خبران في إباحته ووجوبه. وثانيها: أن يقتضى العقل وجوب الفعل، ثم ورد خبران في حظره وإباحته. وثالثها: أن يقتضى العقل إباحة العقل، ثم ورد خبران في وجوبه وحظره. واعلم أن الحكم بتسويتهما حيث يكون للعقل فيه حكم كما في الأمثلة التي ضربها القاضي غير مستقيم على رأيه ورأى أصحابه، لأن العقل إذا اقتضى الحظر مثلاً كما في المثال الأول الذى ضربه ثم ورد فيه خبران أحدهما يقتضى الوجوب وثانيهما يقتضى الإباحة، فالوجوب ناقل عن الحظر من

стр. 3442

وجهين وهو جواز الفعل، وعدم جواز الترك، والإباحة ناقل من وجه واحد وهو جواز الفعل. فمن رجح المقرر على الناقل يجب أن يرجح خبر الإباحة لأنه مقرر للحظر من وجه وهو جواز الترك، لاذا كان فيه التقرير من وجه كان راجحا، لأن ما فيه جهة الرجحان راجح على ما ليس فيه جهة الرجحان. ومن رجح الناقل ينبغي أن يرجح خبر الوجوب؛ لأنه ناقل من الحظر من وجهن: وهو جواز الفعل وعدم جواز الترك، فكان راجحا على خبر الإباحة لتعدد جهة الرجحان فيه.، وعلى هذا القياس الكلام في المثالين الباقين، إن كان كل واحد من المثبت والنافي مقررًا من وجه وناقلا من وجه كما إذا اقتضى العقل الإباحة، وأحد الخبرين يقتضى الوجوب والأخر الحظر فإنهما يستويان لاجتماع جهتي الرجحانية والمرجوحية في كل واحد منهما فظهر أن القول بالتسوية بينهما غير لائق بأصول المعتزلة، نعم يليق ذلك بأصول أصحابنا بمعنى أنه لا ينافيه، لا أنه يجب أن يكون كذلك. واحتج القاضي على التسوية بان المثبت معه زيادة غلم، والثاني متأكد بالأصل فيستويان. وجوابه: أن كونه مشتملا على زيادة علم راجح على ما ذكرتم، لأن نسيان ما جرى والذهول عنه أقرب من تخيل ما لم يجر جاريًا. واحتج من قدم النافي: بان تقرير وروده بعد المثبت يفيد فائدة تأسيسية، وتقدير وروده قبله يفيد فائدة تأكيدية فكان الحمل على الأول أولى لما مر غير مرة. وهو غير آت في جميع الصور، لأنه غير آت فيما قدمناه من المثال فتكون

стр. 3443

الدعوى عامة والدليل خاصا، وهو باطل، سلمناه لكن لا نسلم أن على التقدير الثاني يفيد فائدة تأكيدية وقد عرفت سنده فيما تقدم. واحتج من فصَّل: بأن الذى يبقى إن كان نقل لفظًا معناه النفي إذا نقل أنه لا يحل، ونقل الأخر أنه يحل فهما سواء لأن كل واحد منهما مثبت، وإن لم يكن كذلك بل أثبت أحدهما فعلا أو قولاً، ونفاه الأخر فها هنا المثبت أولى لما تقدم. احتج من قدم الإثبات بأن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق والنافي غير مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق والغالب من الشارع أنه لا يتولى إلا بيان الحكم الشرعي. وهو أبضا ضعيف. أما أولاً: فلما عرفت أن التقرير على العدم الأصلي حكم شرعي. وأما ثانيًا: فلأن الحكم الشرعي غير مقصود بالذات وإنما هو مقصود للحكمة التي تترتب عليه فهو. مقصود بكونه وسيلة إليها، وإذا كان كذلك فالحكمة التي تترتب على الإثبات كما هي مقصودة، فكذا الحكمة التي تترتب على النفي فلا يفترق الحال بين النفي والإثبات. وأما ثالثًا: فلان التقرير على العدم الأصلي والإبقاء على ما كان عليه الشيء من الشارع أكثر من التغيير فعلى هذا الخبر المقرر للنفي الأصلي يكون أولى من المغير. وثالثها: إذا تعارض خبران في إثبات الحظر والإباحة وكانا شرعيين: فذهب أكثر الفقهاء نحو طائفة من فقهائنا والحنفية كأبي بكر

стр. 3444

الرازي والإمام أحمد بن حنبل والكرخي إلى أن خبو الحظر أولى. وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى أنهما يستويان. احتج الأولون بوجوه: أحدها: ما روى عنه ﵇ أنه قال:" ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال). وقوله ﵇:؛"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ووجه الاستدلال بالأول ظاهر، فإنه قد اجتمع في الفعل ما حمله وما يحرمه، فوجب أن يغلب ما يحرمه للحديث، وكذا الثاني فإن جواز ترك الفعل الذى نحن ميه مما لا يريب، لأنه إن كان حرامًا كان الترك واجبا، وإن كان مباحًا كان جائزًا بخلاف جواز فعله فإنه مما يريب، فإن بتقدير أن يكون حرامًا لا يجوز دفله فوجب تركه للأمر بترك ما يريب.

стр. 3445

فإن قلت: المراد من الخبر الأول: ما اجتمع فيه جهتا الحل والحرمة كالمتولد بين ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل، وكالذي جهلَ حاله أنه مذبوح، أو ميت، فإن كونه مذبوحًا يوجب حقه وكونه ميتًا يوجب حرمته، وكما إذا اشتبه المذبوح بالميتة فإن كونه مذبوحًا يوجب حله، وكونه مشتبهًا بالميتة يوجب حرمته فوجب تركه، فأما ما لا يكون كذلك مثل ما نحن فيه فإنه ليس في الفعل جهتا الحل والحرمة بل ورد فيه خبران أحدهما يوجب حله والآخر حرمته، وليس يجب أن يكون ذلك بناء على جهتين فيه فإنه لو كان بناء على ذلك لقلنا به، وإذا كان كذلك فلا نسلم أن الخبر يقتضي حرمه الفعل الذى نحن فيه. قلت: لا فرق بين جهتي الحل والحرمة وبن الخبرين، فإن تنيك الجهتين لا توجبان الحل والحرمة لذاتيها لمساعدة الخصم عليه، أو لبطلان قاعدة التحسن والتقبيح إن لم يساعد عليه، واذا كان كذلك فما عرف كونهما جهتي الحل والحرمة إلا بالنص، فإذا كان اجتماعهما موجبًا للحرمة فلان يكون اجتماع الخبرين موجبا لذلك بالطريق الأولى. فإن قلت: الجهتان حاصلتان على ذلك الشيء حصو، حقيقا وموجبهما للحرمة والحل فيه متحقق معا، بخلاف الخبرين فإنهما غير حاصلين فيه إلا على سبيل البدلية واقتضاؤهما للحل والحرمة غير متحقق معًا بل الذى يتحقق غالبًا أن أحدهما منسوج بالأخر، ولا يلزم من حرمة ما فيه جهتا الحل والحرمة حرمة ما ورد فيه خبر الحل والحرمة. قلت: هذا لو استقام فإنما يستقيم في المثال الأول دون المثالين الباقيين، فإن الذي شك فيه أنه مذبوح أو ميت لم يتحقق فيه إلا أحد الأمرين، وكذا فيما إذا اشتبه المذبوح بالميتة فإن ما هو ميت فهو ميت لم يتحقق فيه الذبح،

стр. 3446

وما هو مذبوح فهو كذلك لم يتحقق فيه الموت غاية ما يقال: إن الموجب لحرمته ليس هو كونه ميتا بل كونه مشتبهًا بالميت وهو حاصل فيه، وكذا ليس الموجب لحرمته هو كونه ميتًا بل كونه مشكوكًا فيه غير معلوم الحال وهو حاصل فيه، وهو بعينه حاصل فيما نحن فيه فإن الموجب لحرمته هو كونه مقولا فيه بالحرمة، والموجب لإباحته هو كونه مقولاً فيه بالإباحة، وهذان الوصفان حاصلان فيه حسب حصوله في غيره فلم يظهر فرق بينه وبينما حصل فيه جهتا الحل والحرمة. وثانيها: ما روى عن عثمان- رضى الله عنه- أنه قال في الأختين المملوكتين: "أحلتمها آية، وحرمتهما آية، والتحريم أولى" واشتهر ذلك عنه وشاع ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا. وثالثها: أن من طلق إحدى نسائه، ونسيها يحرم عليه وطء جميع نسائه، وكذلك لو أعتق إحدى إمائه، وكذا لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية أو المحرم لها، أو المذبوحة بالميتة، ففي هذه الصور كلها تغلب الحرمة على الحل، فكذا ما نحن فيه بجامع أن تغليب الحرمة على الحل يدفع ضرر خوف العقاب عن النفس. ورابعها: أنه متردد بين أن يرتكب المحرم، أو يترك المباح، فكان ترك المباح أولى احتياطا وترجيحا لدفع المفسدة على غيره فإنه قد يترجح على تحصيل المصلحة فكيف لا يترجح على ما لا مصلحة في فعله ولا في تركه، وأما المفسدة الناشئة من الاعتقاد فمشترك، فإن بتقدير أن يعتقد الإباحة وهو

стр. 3447

محرم كان اعتقاده جهلاً، كما أنه لو اعتقد التحريم وهو مباح كان جهلاً. واحتج الذي رجح الإباحة على التحريم بوجهين: أحدهما: أنه لو عمل بما مقتضاه الإباحة لم يلزم منه فوات مقصود الحظر فيما يتعلق بالامتناع عنه، لأن الغالب أنه إن كان مباحًا فلابد وأن يكون لمفسدة ظاهرة، وعند ذلك فالغالب اطلاع المكلف عليه وامتناعه عنه؛ لأنه قادر على الامتناع عنه، والداعي إليه موجود لاطلاعه على ما فيه من المفسدة فيبعد لزوم المحذور ويحصل ما هو المقصود منه وهو الامتناع عنه، ولو عمل بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات مقصود الإباحة فيما يتعلق بجواز فعله وتركه لأنه حينئذ لم يقدم عليه لان رأى في فعله ما يدعوه إليه فحينئذ يفوت المقصود. وجوابه: أنه مبنى على وجوب تعليل الأحكام ورعاية المصالح وهو باطل عندنا. سلمناه لكنه متناقض لأنه لا يعمل بما مقتضاه الإباحة إلا وليس في الفعل مفسدة ظاهرة موجبة للتحريم، لأن بتقدير أن يكون كذلك لا يجوز الحكم بكونه مباحا فبتقدير مفسدة ظاهرة فيه على تقدير كونه مباحا في نفس الأمر متناقض. وثانيهما: أن الإباحة تستفاد من التخيير قطعا بخلاف استفادة الحرمة من النهى لتردده بين الحرمة والكراهة فكان الأول أولى لعدم الإجمال. وهو ضعيف، لأنه ليس من ضرورة الحرمة أن تكون مستفادة من النهي،

стр. 3448

بل جاز أن تكون مستفادة من صراحة لفظ التحريم والحظر وغيرهما من الألفاظ التي لا إجمال فيها. ورابعها: إذا تعارض خبران في إثبات الحظر والكراهة، أو الندب " أو الوجوب فخبر الحظر أولى، أما بالنسبة إلى خبر الكراهة والندب فظاهر، وأما بالنسبة إلى خبر الوجوب فذلك لوجهين: أحدهما: أن الوجوب يعتمد على تحصيل المصلحة، والتحريم يعتمد على دفع المفسدة، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفسدة أكثر وأتم من تحصيل المصالح، ولهذا فإن الدواعي تنبعث لدفع المفسدة وإن كانت قليلة، ولا تنبعث لتحصيل المصلحة إلا إذا كانت معتبرة. وأيضًا: فإن الشارع رتب من العقوبات والزواجر على فعل المحرم ما لا يترتبه على ترك الواجب، فإن الرجم والقتل مرتب على زنا المحصن والقتل العمد والعدوان والجلد والتغريب مرتب على الزنا، وقطع اليد على السرقة، ولم يترتب مثله على ترك الحج والصوم والزكاة، نعم القتل مرتب على ترك الصلاة على مذهب الإمام الشافعي- رضى الله عنه- على خلاف قياس سائر الفرائض للنص وهو نادر، وإذا كان كذلك كان ترجيح خبر الحظر أولى. وثانيهما: أن ما هو المقصود من التحريم يحصل بالترك بسهولة من غير كلفة عمل ومن غير قصد، بخلاف ما هو المقصود من الواجب فإنه لا يحصل إلا بكلفة العمل والقصد، ولهذا كان تحريم الشيء يقتضى الامتناع عنه دائما بخلاف إيجابه فإنه لا يقتضى فعله دائما، وإذا كان كذلك كلان المصير إلى الأخذ بما يقتضى التحريم أولى لنفى الحرج والمشقة، ولكونه أفضى إلى حصول مقصود الشارع. وخامسها: إذا تعارض خبران وأحدهما يقتضي الوجوب، والآخر يقتضي

стр. 3449

الندب أو الإباحة، أو الكراهة، فالمقتضى للوجوب أولى. أما أولاً. فلطريقة الاحتياط. وأما ثانيًا: فلان اهتمام الشارع بالواجب أكثر لكثرة ما يترتب على فعله من المصالح وعلى تركه من المفاسد بخلاف الأحكام الثلاثة، وكذا اهتمام العقلاء بفعل ما لابد منه أكثر من اهتمامهم بفعل ما عنه بد، فكان الأول أولى. وأما ثالثًا: فلان داعية المكلف إلى فعل الواجب أكثر من فعل الندب، أو الإباحة، أو ترك الكراهة لأنه يحرص عليه من وجهين: أحدهما: بالثواب الكثير والأجر الجزيل على فعله. وثانيهما: بالعقاب على تركه بخلاف الأحكام الثلاثة فإنه ليس في واحد منها مثل هذا التحريض، فكان الأخذ بما يقتضى الوجوب أولى. وإذا وقع التعارض بين خبري الندب والكراهة فخبر الكراهة أولى لبعض ما سبق. وإذا وقع التعارض بين خبري الندب والإباحة صبر الندب أولى لبعض ما سبق. ويمكن أن يرجح خبر الإباحة عليه بكونه متأيدًا بالأصل في جانب الفعل والترك، وبكونه أعم وأسهل من حيث أنه مفوض إلى خبرة المكلف، ومن حيث أنه لا إجمال في الصيغة الدالة عليه بخلاف الندب فأنه يثبت بصيغة الأمر وفيها الإجمال، وقد عرفت ما على هذا من الكلام. وسادسها: إذا كان أحد الخبرين يثبت حكمًا معقولاً، والآخر غير معقود،

стр. 3450

فالأول أولى، لأن انقياد المكلف له أكثر فيكون أسرع إلى القبول، وأفضى إلى الوقوع فيكون حصول مقصود الشارع أتم وأكمل، ولهذا لو دار الحكم بين أن يكون معقول المعنى، وبين أن يكون غير معقول المعنى، كان المصير إلى كونه معقول المعنى أولى. وأيضا: فإن معقول المعنى كثر فائدة وعائدة من غير معقول المعنى من جهة أنه يمكن الإلحاق بطريق القياس دون الثاني فكان الأول أولى. فإن قلت: الثواب بتلقي الحكم الذى هو غير معقول المعنى أكثر لزيادة المشقة من جهة أن الطبع ينافي قبوله فقبوله له مع إباء الطبع كثر مشقة فيكون كثر ثوابا للحديث. قلت: اعتبار مقصود الشارع أولى، وقد ذكرنا أن حصول مقصود الشارع على تقدير كونه معقول المعنى أتم وكمل فكان اعتباره أولى من حصول زيادة الثواب للمكلف على أن ذلك معارض بما أنه ربما ينفر طبعه عن قبوله والعياذ بالله فيكفر. وسابعها: إذا كان أحد الخبرين موجبا لحكمين، والأخر موجبا لحكم واحد، فالذي يوجب حكمين أولى، لأنه يشتمل على زيادة لم ينفها الثاني فكان اعتباره أولى، ولأن ترجيح الثاني عليه يقتضى إبطال أحد حكمي الأول المدلول عليه بصريح اللفظ، وترجيح الأول لا يقتضى بطلان شيء من منطوق الثاني فكان أولى. وثامنها: المثبت للطلاق والعتاق يقدم على النافي لهما [عند قوم منهم الكرخي.

стр. 3451

وقال بعضهم: يسوى بينهما. وقيل: يقدم النافي] احتج الأولون: بأن ملك النكاح واليمن مشروع على خلاف الأصل، فيكون مزيلهما على وفق الأصل، والخبر المتؤيد بموافقة الأصل راجح على الذى على خلافه. واحتج الذي قال بالتسوية بينهما: بأن كونه مثبتًا للطلاق والعتاق يوجب الرجحان لما ذكرتم، وكون الخبر الأخر نافيًا يقتضي رجحانه لما تقدم أن النافي للحكم أولى من المثبت فاستويا. واحتي من قدم النافي: بأن النافي لهما على وفق الدليل الشرعي المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين، فكان أولى بالنسبة إلى المثبت لهما وإن كانا على وفق الأصل، لأن مرافقة الدليل الشرعي أولى. وتاسعها: المثبت للحكم الوضعي أولى من المثبت للحكم التكليفي. وقيل بالعكس واحتج من قال بالأول: أن الحكم الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب، وفهمه، وتمكنه من الفعل فكان أولى، لأن غير المتوقف أولى من المتوقف. واحتج من رجح الحكم التكليفي: بانه كثر مثوبة، وأنه مقصود الشارع بالذات، وأنه أكثر من الأحكام فكان أولى.

стр. 3452

وعاشرها: النافي للحد والقصاص مقدم على المثبت لهما عند قوم وأنكره المتكلمون. احتج الأولون من وجوه: أحدها: الحد ضرر، فيكون النافي له راجحا. ثانيها: أن ورود الخبر في نفى الحد مع المعارض له يفيد شبهة فيه، وإذا حصلت الشبهة سقط الحد لقوله- ﵇: "ادرؤوا الحدود بالشبهات وفيه نظر، إذ يمكن أن يقال: إن هذا ليس تقديًما للنافي بل هو إسقاط للخد للشبهة، غاية ما في الباب أن المنافي موجب

стр. 3453

للشبهة عند وجود المعارض له وهو غير مقتضى النافي، لأن مقتضاه عدم وجود الحد بالأصالة، وهذا يقتضى سقوطه للشبهة وهو غير نفى الوجوب بالأصالة، اللهم إلا أن يراد بالنافي للحد أعم من أن يكون نافيا له بالأصالة، أو بطريق الشبهة فحينئذ ربما يتجه ذلك. وثالثها: إذا كلان الحد يسقط بتعارض البينتين مع ثبوته في أصل الشرع فلان يسقط بتعارض الخبرين في الجملة، ولم يتقدم له ثبوت أصلا كان أولى، وهذا يؤكد ما ذكرنا من الاعتراض على الدليل المتقدم، فإن هذا يشعر إشعارًا ظاهرًا بان السقوط للشبهة يقتضى ثبوت أصل الحد والنافي إنما هو لأصله فلم يكن السقوط للشبهة عملا بالنافي بل يستلزمه، وأما الاعتراض على هذا الدليل الثالث: فهو أنه لا نزل في سقوط الحد؛ إذ المخالف لا يقول بتقديم المثبت بل هما متساويان [عنده] لكن نقول: إنه من جهة تعارض الدليلين فإن الدليلين إذا تعارضا تساقطا ويجب الرجوع إلى غيرهما إن كلان هناك دليل شرعي آخر دالا بقى الأمر على ما كان عليه في الأصل فيلزم نفى الحد لكنه ليس ذلك تقديما للنافي، على المثبت، وأما تقديم النافي على المثبت فإنما يكون لو حصل عدم الحكم بالنافي لا بالبقاء على العدم الأصلي حتى يصير عدم وجوب الحد حكما شرعيا لا يجوز رفعه إلا بما يرفع الحكم الشرعي، ومعلوم أن الدليل المذكور لا يفيده فلا يفيد المدعي، نعم لو قال المخالف يتقدى المثبت بناء على أنه مثبت للحكم الشرعي فيكون أولى من النافي الذى هو مقرر للحكم العقلي فربما اتجه هذا. رابعها: أن النافي متأيد بالأصل فوجب أن يكون راجحًا.

стр. 3454

وحادي عشرها: إذا كان حكم أحد الخبرين أخف، وحكم الخبر الآخر أثقل فقيل: إذا الأول أولى، وقيل بالعكس. احتج الأولون. بأن الشريعة مبناها على التخفيف على ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة. والاستقراء يدل عليه أيضا: فإن أكثر أحكام الشرائع سهل غير مشق على المكلف؛ بحيث يحتاج فيه إلى بذل جهده واستفراغ وسعه فيغلب ذلك على الظن بان هذا الحكم يكون مشروعًا على وجه السهولة والخفة، فإن ما جهل حاله من أفراد النوع الواحد يلحق بالأكثر منه. والمعقول يدل أيضا على أن الأخف أولى، لأن الله كريم رحيم غنى عن العباد وطاعتهم ومن يكعون كذلك لا يشرع في حق عبيده الضعاف المحتاجين ما يثقل عليهم ويذهب طاقتهم. واحتج النافون: بما روى "أن الحق ثقيل مرى، والباطل خفيف". وبأنه أكثر ثوابا لزيادة المشقة، ولأن الغالب تأخره عن الأخف لكونه يدل

стр. 3455

على أنه في حال ظهوره، وقوته ﵇ وهو في آخر الأمر، ولكون العادة جارية أن من قصد تحصيل مصلحة بفعل من الأفعال، ولم تحصل به فإنه يقصده بما هو أعلى منه في التحصيل، والغالب أن الأثقل أعلى من الأخف إذا كانا من نوع واحد في تحصيل ما هو المقصود من ذلك النوع. وقولنا: ولم يحصل به: احترزنا به عما إذا حصل به المقصود فإنه لا يمكن إزالته إلا بطريق النسخ بالأثقل والأخف. الجواب عن الأول: أنه لا دلالة فيه؛ إذ لا يلزم من كون كل الحق ثقيلاً أن يكون كل الثقيل حقًا ولو أحد جزئه لم يفد، لأنا نسلم أن بعض الثقيل حق لكن لا يحصل به المطلوب. وعن الثاني: أن اعتبار مقصود الشارع أولى، وبتقدير أن يرجع الأخف كان ذلك أفضى إلى الوقوع وفى ذلك حصول مقصود الشارع [أولى، وبتقدير. وعن الثالث: أن التثقيل والتشديد كلان في أول الأمر أكثر لقطع المألوف والعادة. وعن الرابع: أنه كما يجوز النسخ بعد حصول المقصود فكذا يجوز قبله، لكن بعد حضور وقت العمل به فجار أن يكون الأخف متأخرًا. وثاني عشرهما: أن يكون حكم أحد الخبرين مما لا تعم به البلوى، أو الآخر مما تعم به البلوى، "وكل واحد منهما خبر واحد، فالأول راجح على الثاني؛ لأن الأول متفق عليه بين القائلين بأخبار الآحاد، والثاني مختلف فيه فيكون أولى، ولأنه أبعد عن احتمال الكذب بخلاف الثاني فإن تفرد الواحد

стр. 3456

بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله مما يقرب إلى احتمال كونه كذبًا فكان الأول أولى. المسالة السادسة في ترجيح الخبر بالأمور الخارجية وهو من وجوه: أحدها: أن يكون أحد الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو عقل، أو حس، أو غيرها من المدارك، والأخر غير موافق لشيء منها،. فالموافق أولى وقد تقدم تقريره. وثانيها: أن يترك بعض أئمة الصحابة العمل بأحد الخبرين، أو راوي

стр. 3457

الخبر، أو أهل المدينة، أو أكثر الأمة، أو عملوا على خلافه، والخبر لا يجوز إخفاؤه عليهم، والآخر ليس كذلك، فالثاني راجح على الأول خلافا لبعضهم كالغزالي في غير أهل المدينة، فإن ما ليس بدليل لا تكون موافقته مرجحه عندهم. والحق أنه يصلح أن يكون مرجحا وكميته ظاهرة هذا إذا لم يجعل ترك بعض الصحابة أو أهل المدينة الخبر دليلاً على نسخه، أو أنه لا أصل له وهو الحق، وكذا اتفاق الأكثر على مقتضى الخبر لا يجعل إجماعًا، فأما إذا جعل كذلك في الكل فليس هو من هذا القبيل بل هو من باب تقديم الدليل على ما ليس بدليل، وإذا اعتضد كل واحد من الدليلين بغير ما اعتضد به الأخر، لكن ما عضد أحدهما راجح على ما عضده الأخر، فما عضده الراجح راجح على ما ليس كذلك، فعلى هذا لو عملن بكل واحد من الخبرين بعض الأمة لكن أحد البعضين أعرف بمواقع الوحى والتنزيل، وبكيفية الدلالة والتأويل، فما وافقه البعض الذى شأنه ما ذكرنا أولى من الذى ليس كذلك، وكذلك إذا كان كل واحد من الخبرين مؤولا لكن أخد التأويلين بعيد، والآخر قريب، أو دليل تأويل أحدهما راجح على الأخر. وثالثها: إذا دل أحد الخبرين على الحكم وعلته، والأخر على الحكم فقط أو على العلة فقط، فما دله على الأمرين راجح على ما دل على أحلى هما، أما بالنسبة إلى الأول فلانه يوجب سرعة الانقياد وسهولة القبول فيحصل حينئذ مطلوب الشارع من تحصيل ذلك الفعل من المكلفين. وأما بالنسبة إلى الثاني فقط، فلان اقتضاء العلة الحكم يوقف على وجود الشرائط وانتقاه الموانع فلا يحصل ظن الحكم إلا بعد الشرائط وانتفاء الموانع

стр. 3458

بخلاف ما إذا كان كل واحد منهما مصرحا به فإنه لا يحتاج إلى هذا النظر فكان أولى. وأما بالنسبة إليهما، فلان كل واحد من الحكم وعلته مذكور بصراحته في الأول بخلاف الصورتين الباقيتين فكان أولى، وأما إذا كان في أحد. الخبرين الحكم مذكورًا فقط وفى الأخر العلة فقط فالظاهر أن الذى ذكر فيه الحكم أولى أصول العلم بالمقصود وانتفاء وجوب " النظر المذكور فيه وإن كلان الآخر يترجح عليه باقتضاء سرعة الانقياد وسهولة القبول، وما دل على الحكم أو العلة: بجهتين فهو أولى من الذى دل عليه بجهة واحدة، وكذا ما دل على العلة بجهة أقوى من جهة دلالة الأخر عليها. رابعها: الذى دل على الحكم بصيغة الإخبار أولى من الذي ليس كذلك، والذى دل بخطاب المشافهة راجح على الذى ليس كذلك، هذا بالنسبة إلى المخاطبين، وأما بالنسبة إلى غيرهم: فالذي ليس كذلك أولى، لأن خطاب المشافهة مختص بالحاضرين من وجهين: أحدهما: من جهة الاسم. وثانيهما: من جهة خطاب المشافهة وما ليس كذلك يختص بالموجودين من جهة الاسم لا غير فكان أولى. وخامسها: أن يكون أحد الخبرين مما يجوز أن يتطرق إليه النسخ، أو قد اختلف في جواز تطرقه إليه، والآخر مما لا يجوز أن يتطرق إليه فالثاني أولى لقلة تطرق الاحتمالات المزيلة إليه. وسادسها: أن يكون أحد الخبرين عامًا قد عمل به في بعض الصور والآخر

стр. 3459

عام لم يعمل به في صورة ما، فالعمل بالثاني أولى، لأنه لو لم يعمل به وعمل بالعام الأول لزم تعطيل هذا العام، ولو عمل بالعام الثاني لم يلزم منه تعطيل العام الأول فكان العمل بالعام الثاني أولى. فإن قلت: العام الذى عمل به قد يغلب على الظن زيادة اعتباره فكان العمل به أولى. قلت: المحافظة على صون الكلام عن التعطيل أولى من المحافظة على العمل بزيادة الاعتبار فكان العمل بالعام الذى لم يعمل به في صورة أولى. وسابعها: أن يكون أحد الخبرين قد قصد به بيان الحكم الذى وقع النزل فيه والأخر لم يقصد به ذلك ولكن يلزم منه الحكم، فالذي قصد به بيان الحكم أولى. مثاله: قوله ﵇:" أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولم يفرق فيه بين ما يؤكل لحمه، وبين ما لا يؤكل لحمه، فدلالة عمومه على طهارة جلد ما لا يؤكل لحمه أولى من دلالة نهيه- ﵇ عن افتراش جلود السباع على نجاسته، لأنه ما سيق لبيان النجاسة والطهارة، وليس أيضًا من ضرورة النهى عن الافتراش الحكم بالنجاسة لجواز أن ينهى عنه للخيلاء أو لخاصية لا نعقلها. ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ في قوله تعالى: ﴿أو ملكت أيمانكم﴾ فإن دلالة الآية الأولى على تحريم

стр. 3460

الجمع بينهما في الوطء سواء كان بملك النكاح أو بملك اليمن أولى من دلالة قوله تعالى "إلا ما ملكت أيمانكم" على جواز الجمع في الوطء بملك اليمين، لأن هذه الآية ما سيقت لبيان حكم الجمع. وثامنها: إذا كان أحد الخبرين على وفق الاحتياط أو أقرب إليه دون الآخر فالأول أولى، لأنه أقرب إلى تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة وهو قريب من الترجيح بكثرة الأدلة. وتاسعها. إذا كان أحد الخبرين يوجب غضا من منصب الصحابة دون الآخر فالثاني أولى مثاله: (ما روى من أمر الرسول- ﵇ الصحابة بإعادة الوضوء عند القهقهة) وما روى الصحابة عنه- ﵇ (أنه كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة لكن من بول أو غائط أو نوم " ولم يذكر فيه القهقهة، فكان هذا أولى، إذ ليس فيه ما يوجب غضًا من منصبهم بخلاف ما ذكر من الحديث، فان فيه تجهيلهم ونسبتهم إلى الضحك في الصلاة مع عدم الاستغراق بها. وعاشرها: إذا تضمن أحد الخبرين إثبات ما ظهر تأثيره في الحكم دون الآخر فالأول أولى. مثاله (ما روى أن بريرة اعتقت تحت عبد) وروى أنها (اعتقت تحت حر)

стр. 3461

فالراوية الأولى أولى، لأن ضرر الرق في الخيار قد ظهر أثره وليس يعقل في الحر. وحادي عشرها: ما إذا كان أحد الخبرين مقرنًا بتفسير الراوي قولاً كان أو فعلاً دون الأخر، فالمقترن أولى، لأن الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما وثاني عشرها: الخبر الذى تلقته الأمة بالقبول أولى من الذى ليس كذلك. واعلم أن بعض هذه الترجيحات قد تورث ظنا قويا، وبعضها ظنا ضعيفا، فعند التساوي في الكمية ينبغي أن تعتبر الكيفية، فإن تساويا في ذلك أيضا فوجودهما كعدمهما فيطلب ترجيح آخر، وأن اختلفا في ذلك فيجب أن يعمل بالذي يفيد ظنا قويا، وعند الاختلاف فيهما ينبغي أن يقابل ما في أحد الجانبين بالكمية بما في الجانب الأخر من الكيفية فعند ذلك إن حصل ظن من أحد الجانبين أقوى من ظن جانب الأخر عمل به وإلا طلب ترجيح آخر.

стр. 3462

الفصل الثالث في ترجيح القياس بحسب علته وفيه مسائل

стр. 3463

الفصل الثالث في ترجيح القياس بحسب علته وفيه مسائل: المسألة الأولى في ترجيح القياس بحسب ماهية علته ، واعتمد بعضهم في ذلك على أمرين: أحدهما: أن العلة كلما كانت كثر مشابهة للعلة العقلية فهي أولى. وثانيهما: أن كل ما كان متفقًا عليه فهو أولى مما لم يكن كذلك، وكلما كان الاختلاف فيه أقل راجح من الذى ليس كذلك. أما الأول ففيه نظر من جهة أن العلة الشرعية غير مفسرة بالموجب حتى يمكن الترجيح بسبب المشابهة بالعلل العقلية بل هي مفسرة بالمعرَّف، وحينئذ لا يمكن اعتبارها بالعلل العقلية. وأما الثاني فحقٌ أن كل ما كان متفقًا عليه فهو أولى مما كان مختلفًا فيه، لكلن لا نسلم أن كل ما كان الخلاف فيه أقل فهو أولى، وهذا لأن هذا يصدق فيما إذا كان المخالف في المسألة ما دون نصف الأمة وفى المسألة الأخرى نصف الأمة، والترجيح بمثل هذا غير مسلم، وهذا لأنه لا يفيد القطع بالصحة ولا زيادة الظن بها، فإن الخطأ في أكثر هو أكثر بخلاف ما إذا كان متفقًا عليه فإنه يفيد القطع بصحة العلة، فحينئذ تقل المقدمات الظنية في ذلك القياس فيحصل غلبة الظن بصحة القياس فيكون أولى.

стр. 3464

وإذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل ونقول. ترجيح العلة يمكن أن يكون بوجوه: أحدها: أن يكون الوصف الحقيقي علة في أحد القياسين دون القياس الآخر، فالذي فيه الوصف الحقيقي علة أولى من سائر الأقسام نحو التعليل بالحكمة، والحكم الشرعي، لأن جواز التعليل به متفق عليه بين القائسين بخلاف سائر الأقسام فإنه فيه مختلف فيه فكان أولى، ولأنه أشبه بالعلل العقلية فكان أولى. وثانيها: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالعدم، والوصف الإضافي، والحكم الشرعي، والوصف التقديري، لأن العدم لا يكون علة للحكم إلا إذا علم اشتماله على الحكمة فيكون الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنما هو الحكمة بخصوصيته، وإذا كانت العلة هي الحكمة لا ذلك العدم لأن التعليل بالحكمة أولى أو مقتضي هذا الدليل أن يكون التعليل بالحكمة أولى، ومقتض هذا الدليل أن يكون التعليل بالحكمة راجحًا على التعليل بالوصف الوجودي الحقيقي، لكن التعليل بالحقيقي راجح عليه من جهة كونه منضبطًا، ولهذا كان متفقا عليه بخلاف التعليل بالحكمة والحاجة فإنه غير منضبط ولهذا كان مختلفا فيه والعدم لا ينضبط بنفسه بل بالإضافة إلى الوجود فهو كالحكمة من هذا الوجه والحكم الشرعي علة بمعنى الأمارة، والتعليل بالعلة بمعنى الحكمة أولى من التعليل بالعلة بمعنى الأمارة لسرعة قبول الطباع وحصول المصالح المترتبة عليه، وأما الإضافي فإن جعلت الإضافيات من الأمور العدمية فالكلام فيه ما تقدم في الوصف العدمي، وإن جعلت الأمور الوجودية فهو

стр. 3465

كالحكم الشرعي لأنه ليس فيه معنى مناسب فهو علة بمعنى الأمارة فكان التعليل بالمعنى المناسب أولى. وأما الوصف التقديري فهو الكعدمى لأنه معدوم في الخارج وإنما قدر له وجود لضرورة فما يخرجه ذلك عن كونه عدميا، ولأن التعليل بالحكمة الذى يعبر عنه أيضا التعليل بالمصلحة والحاجة تعليل بنفس المؤثر، والتعليل بالعدم والحكم الشرعي والوصف الإضافي والتقديري ليس كذلك فكان أولى، مقتضى هذا الدليل أن يترجح على الوصف الوجودي لكن ترك العمل به للإجماع فيبقى معمولاً به في غيره، ولأن الحكمة أشبه بالعلل العقلية من الحكم الشرعي والإضافيات والوصف التقديري فكان التعليل بها أولى من هذه الثلاثة. وثالثها: التعليل بالعدم أولى من الإضافيات إن جعلت أمورًا عدمية، لأنه أشبه بالعلل العقلية، ولكونه مناسبا، وأما الإضافي فقلما بكون كدلك، وأما إن جعلت أمورًا وجودية فالكلام فيه كما في الحكم الشرعي وسيأتي. ورابعها: التعليل بالعدم أولى من التعليل بالحكم الشرعي. أما أولاً: فلانه مناسب والحكم الشرعي علة بمعنى الأمارة كما تقدم، ولأنه أشبه بالعلل العقلية. واحتج من قال: أن الحكم الشرعي أولى بأن الحكم الشرعي أشبه بالوجود. ويمكن أن يجاب عنه بمنعه، وهذا لأن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية، ولهذا يجوز تبدلها وتغيرها بحسب الأشخاص والأزمان، والأمور الاعتبارية

стр. 3466

أمور عدمية وفي هذا أيضًا نظر من جهة أنه عبارة عن الخطاب المتعلق ولا شك أن الكلام أمر وجودي. وخامسها. التعليل بالعدم أولى من التعليل بالوصف التقديري لأنه عدمي أيضًا ما تقدم، ويزيد عليه بمحذور آخر وهو أنه أعطى حكم الموجود، ولأن الوصف العدمي أشبه بالعلل العقلية من الوصف التقديري فكان أولى. وسادسها. التعليل بالوصف الإضافي أولى من الحكم الشرعي إن جعل وجوديًا لأنهما يشتركان في كونهما علتين بمعنى الأمارة. وزاد عليه الإضافي بكونه وجوديًا، وفيه نظر وهو ما تقدم فإن جعل الشرعي أيضا أمراً وجوديا فهما حينئذ سواء بل ربما يكون الحكم الشرعي أولى للكثرة. وسابعها: التعليل بالحكم الشرعي أولى من الوصف التقديري للكثرة وللوجود إن جعل وجوديًا، ولقلة المحذور أن جعل عدميا، ومق هذا يعرف أن الوصف الإضافي أولى منه وإن جعل عدميًا. وثامنها: تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أولى من الأقسام الثلاثة لأن العلية والمعلولية وصفان وجوديان، فحملها على المعدوم لا يمكن إلا إذا قدر المعدوم موجودًا وهو خلاف الأصل. وتعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي أولى من القسمين الباقيين للمشابهة

стр. 3467

هكذا ذكره الإمام موجودًا وهو خلاف الأصل، وفيه نظر؛ لأن مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين فكان يجب أن يكون مرجوحًا بالنسبة إليهما، لكن لعل هذا لزيادة المشابهة والمناسبة وإلا فمخالفة الأصل فيه أكثر لكن زيادة المناسبة والمشابهة لا تقاوم مخالفة الأصل فضلاً عن أن تترجح عليه، ولان العلية والمعلولية صفتان وجوديتان على ما ذكر فيستحيل قيامهما بالمعدومين، فإن لم يقتض ذلك عدم جواز هذا القسم فلا أقل من أن يقضى المرجوحية. وتعليل العدمي بالوجودي أولى من عكسه؛ لأن المحذور في عكسه أشد لحصوله في أشرف الجهتين وهو العلية، ولأن الناس اختلفوا في أن الإعدام هل يجوز أن يكون أثرًا أم لا؟ ولم يختلف أحد من العقلاء في أن العدم لا يجوز أن يكون مؤثرًا في الوجود، ولان كونه مؤثرًا ينافى كونه معدوما، وكونه أثرًا لا ينافى كونه معدوما فظهر أن المحذور في عكسه أشد. وتاسعها: التعليل بالعلة المفردة أولى من، التعليل بالعلة المركبة. أما أولاً: فلكونه متفقا عليه بين القائسين والثاني مختلف فيه. وأما ثانيًا: فلان احتمال وجوده أكثر ضرورة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه المركبة من وجود أجزائها. وأما ثالثًا: فلان احتمال عدمه أقل من المركبة ضرورة أن المركبة من هذين الذى هو أول درجات التركيب ينعدم باحتمالات ثلاثة، والمفرد لا ينعدم إلا باحتمال واحد فكان التعليل بالمفردة أولى.

стр. 3468

وأما رابعاً: فلأنه أقرب إلى الضبط. وعاشرها: العلة بمعنى الباعث أولى من العلة بمعنى الأمارة لكونه متفقًا عليه، ولأن قبول الطباع لها أكثر، ولان فعل حكمه أسهل وأيسر. المسألة الثانية في ترجيح القياس بحسب الدليل الدال على وجود علته واعلم أن العلة التي علم وجودها مقدمة على ما ظن وجودها سواء كان العلم بوجودها بديهيا أو ضروريا، أو نظريًا، عقليًا كان، أو نقليًا أو مركبا منهما، وسواء قلت المقدمات أو كثرت، وهذا ظاهر لا شك فيه، وليس هو من قبيل ما نحن فيه من الترجيحات، وإنما الغرض أن ما علم وجوده بطريق من هذه الطرق هل يترجح على ما علم وجوده بطريق آخر من هذه الطرق آم لا؟ مثلاً: ما علم وجوده بطريق البداهة، أو الحس، هل يترجح على ما علم وجوده بالنظر والاستدلال أم لا؟ فذهب بعضهم وهم الأكثرون إلى أنه لا يجري الترجيح بين العلتين المعلومتين، سواء كانت إحداهما معلومة بالبديهة والأخرى بالنظر والاستدلال، وهذا على قياس ما سبق في النص فإنا قد ذكرنا أنه لا يجرى الترجيح بين المعلومات بناء على أنه لا يقبل احتمال النقيض فلا يقبل التقوية. وكلام أبى الحسين يدل على أن العلة المعلومة تقبل الترجيح، ولا شك في جريان ذلك في النص وإلا فلا فرق فعلى هذا لا شك أن البديهيات والحسيات راجحة على النظريات.

стр. 3469

وأما أن البديهيات تترجح على الحسيات، أو الحسيات تترجح على البديهيات فهذا في محل النظر، ولا شك أن عند هذا القائل تترجح بعض البديهيات على البعض، وكذا الضروريات. والضابط: أن كل ما كان أجلى وأظهر عند العقل فهو راجح على ما ليس كذلك، وكذا النظريات يترجح بعضها على البعض عند هذا القائل، فإن كل ما كانت مقدماته أجلى وأقل كان راجحًا على ما ليس كذلك، فإن اختلفا في الجلاء والقلة فالاعتبار بما يفيد سكون النفس إليه إذ لا يمكن اعتبار الزيادة إذ لا زيادة بعد القطع بعدم احتمال النقيض. واحتج من قال بالترجيح: بأن الضروري والبديهي لا يقبل الشك والشبهة، والنظري يقبلهما فكان البديهي أولى. أجاب الإمام عنه: بأن النظري واجب الحصول عند حصول جميع مقدماته المنتجة له كما أن البديهي واجب الحصول تصور طرفيه. وكما أن النظري يزول عند زوال أحد الأمور التي لا بد فيه في حصول مجموع مقدماته المنتجة له فكذلك الضروري يزول عند زوال [أحد] التصورات التي لا بد منها. فإذن لا فرق في وجوب الجزم عند حصول موجباته بين البابين، بل الفرق: أن النظري يتوقف على أمور أكثر مما يتوقف عليه الضروري، فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال البديهي. فأما في وجوب وامتناع العدم عند حصول كل ما لا بد منه فلا فرق بين البديهي والنظري البتة. وفيه نظر، لأن النظري وإن كان واجب الحصول عند حضور موجباته،

стр. 3470

لكن تلك الموجبات أمور كثيرة من التصورات والتصديقات فالذي يمتاز به النظري عن البديهي أنه كما يتوقف على التصورات يتوقف على التصديقات أيضا بخلاف البديهي فإنه غير متوقف على التصديقات، وكل واحد من تلك التصديقات إن لم يكن بديهية تقبل الشك والشبهة والطريق الذي يؤدي إلى المطلوب قد يفيد ذلك أيضًا إذ قد يكون ذلك الطريق غير ضروري التأدية وإذا كان كذلك كان النظري متوقفا على أمور كثيرة، والضروري على أمور قليلة وما يتوقف على الأقل أولى مما يتوقف على الأكثر. فإن قلت: ما يتوقف على الأقل إنما يترجح على ما يتوقف على الأكثر إذا كان كل واحد من المتوقف عليه أو بعضها ظنيًا؛ وهذا لأنه معلل بما أن احتمال تطرق العدم إلى ما يتوقف على الأكثر أكثر، ومعلوم أن ذلك لا يتأتى إلا إذا كان كل واحد من المتوقف عليه أو بعضها ظنيا، فأما إذا كان واحد منه يقينيا كما في النظريات اليقينية فلا نسلم ذلك. قلت: ليس اليقين فيما لا يقبل الشك والشبهة كاليقين فيما يقبلهما، فإن الإنسان يجد من نفسه تفرقة بين علمه بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أعظم من الجزء، وبين علمه بثبوت الجوهر الفرد والخلاء وغيرهما من المسائل النظرية اليقينية مع أن كل واحد منها يقيني على اعتقاده. لا يقال: إنه وإن اعتقد ذلك في نفسه، لكنه ليس كذلك في نفس الأمر. قلت: فجاز مثله في كل نظري فلم يحصل الجزم بشيء منها، وأما إذا
следующие страницы →