Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
أمور عدمية
وفي هذا أيضًا نظر من جهة أنه عبارة عن الخطاب المتعلق ولا شك أن الكلام أمر وجودي.
وخامسها. التعليل بالعدم أولى من التعليل بالوصف التقديري لأنه عدمي أيضًا ما تقدم، ويزيد عليه بمحذور آخر وهو أنه أعطى حكم الموجود، ولأن الوصف العدمي أشبه بالعلل العقلية من الوصف التقديري فكان أولى.
وسادسها. التعليل بالوصف الإضافي أولى من الحكم الشرعي إن جعل وجوديًا لأنهما يشتركان في كونهما علتين بمعنى الأمارة. وزاد عليه الإضافي بكونه وجوديًا، وفيه نظر وهو ما تقدم فإن جعل الشرعي أيضا أمراً وجوديا فهما حينئذ سواء بل ربما يكون الحكم الشرعي أولى للكثرة.
وسابعها: التعليل بالحكم الشرعي أولى من الوصف التقديري للكثرة وللوجود إن جعل وجوديًا، ولقلة المحذور أن جعل عدميا، ومق هذا يعرف أن الوصف الإضافي أولى منه وإن جعل عدميًا.
وثامنها: تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أولى من الأقسام الثلاثة لأن العلية والمعلولية وصفان وجوديان، فحملها على المعدوم لا يمكن إلا إذا قدر المعدوم موجودًا وهو خلاف الأصل.
وتعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي أولى من القسمين الباقيين للمشابهة
стр. 3467
هكذا ذكره الإمام موجودًا وهو خلاف الأصل، وفيه نظر؛ لأن مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين فكان يجب أن يكون مرجوحًا بالنسبة إليهما، لكن لعل هذا لزيادة المشابهة والمناسبة وإلا فمخالفة الأصل فيه أكثر لكن زيادة المناسبة والمشابهة لا تقاوم مخالفة الأصل فضلاً عن أن تترجح عليه، ولان العلية والمعلولية صفتان وجوديتان على ما ذكر فيستحيل قيامهما بالمعدومين، فإن لم يقتض ذلك عدم جواز هذا القسم فلا أقل من أن يقضى المرجوحية.
وتعليل العدمي بالوجودي أولى من عكسه؛ لأن المحذور في عكسه أشد لحصوله في أشرف الجهتين وهو العلية، ولأن الناس اختلفوا في أن الإعدام هل يجوز أن يكون أثرًا أم لا؟ ولم يختلف أحد من العقلاء في أن العدم لا يجوز أن يكون مؤثرًا في الوجود، ولان كونه مؤثرًا ينافى كونه معدوما، وكونه أثرًا لا ينافى كونه معدوما فظهر أن المحذور في عكسه أشد.
وتاسعها: التعليل بالعلة المفردة أولى من، التعليل بالعلة المركبة.
أما أولاً: فلكونه متفقا عليه بين القائسين والثاني مختلف فيه.
وأما ثانيًا: فلان احتمال وجوده أكثر ضرورة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه المركبة من وجود أجزائها.
وأما ثالثًا: فلان احتمال عدمه أقل من المركبة ضرورة أن المركبة من هذين الذى هو أول درجات التركيب ينعدم باحتمالات ثلاثة، والمفرد لا ينعدم إلا باحتمال واحد فكان التعليل بالمفردة أولى.
стр. 3468
وأما رابعاً: فلأنه أقرب إلى الضبط.
وعاشرها: العلة بمعنى الباعث أولى من العلة بمعنى الأمارة لكونه متفقًا عليه، ولأن قبول الطباع لها أكثر، ولان فعل حكمه أسهل وأيسر.
المسألة الثانية
في ترجيح القياس بحسب الدليل الدال على وجود علته واعلم أن العلة التي علم وجودها مقدمة على ما ظن وجودها سواء كان العلم بوجودها بديهيا أو ضروريا، أو نظريًا، عقليًا كان، أو نقليًا أو مركبا منهما، وسواء قلت المقدمات أو كثرت، وهذا ظاهر لا شك فيه، وليس هو من قبيل ما نحن فيه من الترجيحات، وإنما الغرض أن ما علم وجوده بطريق من هذه الطرق هل يترجح على ما علم وجوده بطريق آخر من هذه الطرق آم لا؟ مثلاً: ما علم وجوده بطريق البداهة، أو الحس، هل يترجح على ما علم وجوده بالنظر والاستدلال أم لا؟ فذهب بعضهم وهم الأكثرون إلى أنه لا يجري الترجيح بين العلتين المعلومتين، سواء كانت إحداهما معلومة بالبديهة والأخرى بالنظر والاستدلال، وهذا على قياس ما سبق في النص فإنا قد ذكرنا أنه لا يجرى الترجيح بين المعلومات بناء على أنه لا يقبل احتمال النقيض فلا يقبل التقوية.
وكلام أبى الحسين يدل على أن العلة المعلومة تقبل الترجيح، ولا شك في جريان ذلك في النص وإلا فلا فرق فعلى هذا لا شك أن البديهيات والحسيات راجحة على النظريات.
стр. 3469
وأما أن البديهيات تترجح على الحسيات، أو الحسيات تترجح على البديهيات فهذا في محل النظر، ولا شك أن عند هذا القائل تترجح بعض البديهيات على البعض، وكذا الضروريات.
والضابط: أن كل ما كان أجلى وأظهر عند العقل فهو راجح على ما ليس كذلك، وكذا النظريات يترجح بعضها على البعض عند هذا القائل، فإن كل ما كانت مقدماته أجلى وأقل كان راجحًا على ما ليس كذلك، فإن اختلفا في الجلاء والقلة فالاعتبار بما يفيد سكون النفس إليه إذ لا يمكن اعتبار الزيادة إذ لا زيادة بعد القطع بعدم احتمال النقيض.
واحتج من قال بالترجيح: بأن الضروري والبديهي لا يقبل الشك والشبهة، والنظري يقبلهما فكان البديهي أولى.
أجاب الإمام عنه: بأن النظري واجب الحصول عند حصول جميع مقدماته المنتجة له كما أن البديهي واجب الحصول تصور طرفيه.
وكما أن النظري يزول عند زوال أحد الأمور التي لا بد فيه في حصول مجموع مقدماته المنتجة له فكذلك الضروري يزول عند زوال [أحد] التصورات التي لا بد منها.
فإذن لا فرق في وجوب الجزم عند حصول موجباته بين البابين، بل الفرق: أن النظري يتوقف على أمور أكثر مما يتوقف عليه الضروري، فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال البديهي.
فأما في وجوب وامتناع العدم عند حصول كل ما لا بد منه فلا فرق بين البديهي والنظري البتة.
وفيه نظر، لأن النظري وإن كان واجب الحصول عند حضور موجباته،
стр. 3470
لكن تلك الموجبات أمور كثيرة من التصورات والتصديقات فالذي يمتاز به النظري عن البديهي أنه كما يتوقف على التصورات يتوقف على التصديقات أيضا بخلاف البديهي فإنه غير متوقف على التصديقات، وكل واحد من تلك التصديقات إن لم يكن بديهية تقبل الشك والشبهة والطريق الذي يؤدي إلى المطلوب قد يفيد ذلك أيضًا إذ قد يكون ذلك الطريق غير ضروري التأدية وإذا كان كذلك كان النظري متوقفا على أمور كثيرة، والضروري على أمور قليلة وما يتوقف على الأقل أولى مما يتوقف على الأكثر. فإن قلت: ما يتوقف على الأقل إنما يترجح على ما يتوقف على الأكثر إذا كان كل واحد من المتوقف عليه أو بعضها ظنيًا؛ وهذا لأنه معلل بما أن احتمال تطرق العدم إلى ما يتوقف على الأكثر أكثر، ومعلوم أن ذلك لا يتأتى إلا إذا كان كل واحد من المتوقف عليه أو بعضها ظنيا، فأما إذا كان واحد منه يقينيا كما في النظريات اليقينية فلا نسلم ذلك.
قلت: ليس اليقين فيما لا يقبل الشك والشبهة كاليقين فيما يقبلهما، فإن الإنسان يجد من نفسه تفرقة بين علمه بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أعظم من الجزء، وبين علمه بثبوت الجوهر الفرد والخلاء وغيرهما من المسائل النظرية اليقينية مع أن كل واحد منها يقيني على اعتقاده.
لا يقال: إنه وإن اعتقد ذلك في نفسه، لكنه ليس كذلك في نفس الأمر. قلت: فجاز مثله في كل نظري فلم يحصل الجزم بشيء منها، وأما إذا
стр. 3471
كان الدليل الدال على وجود العلة ظنيا فقد قيل: كلما كانت المقدمات المنتجة له أقل فهو أولى.
وهو غير مرضى على إطلاقه؛ لأنه قد تكون المقدمات المنتجة له أقل وهو مرجوح بالنسبة إلى ما تكون مقدماته كثر لكون كل واحد من تلك المقدمات مظنونًا ظنًا قويًا، وأما المقدمات القليلة فتكون مظنونة ظنًا ضعيفًا بل الأقل إنما يرجح إذا ساوى أكثر في كيفية الظن أو وإن نقص عنه في الكيفية لكن نقصانًا لا يعدله ما في الجانب الأخر من الكمية فظهر أن هذا الكلام على إطلاقه غير مرضى بل المعتبر في ذلك: أن كل ما يفيد ظنًا راجح من الذى يفيده الآخر فهو أولى ويختلف ذلك بقلة المقدمات وكثرتها وضعفها وقوتها. إذا عرفت فنقول: الدليل الظني الذى يدل على وجود العلة إما أن يكون نصا، أو إجماعا، أو قياسا، أما القياس فالكلام فيه كما في الأول، ولا يتسلسل، بل ينتهى إلى النص أو الإجماع.
أما النص فالكلام في ترجيحه قد سبق.
وأما الإجماع فإن كانا قطعيين قال الإمام: لم يقبل الترجيح بناء على أن القطعيات لم تقبل الترجيح وهو غير مرضى، لأنه يستحيل حصوله التعارض بين الإجماعين القطعين لاقتضاء ذلك أن يكون أحدهما خطا وباطلاً وهو غير جائز على الإجماع بخلاف النص فإنه يحتمل أن يكون أحدهما منسوخا والآخر ناسخا، وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا لم يقبل الترجيح أيضًا، لأن تقديم المعلوم على المظنون ليس من باب الترجيح الذى نحن فيه وهو الترجيح المظنون، وأما إذا كانا ظنيين فهما في محل الترجيح وقد سبق الكلام في ترجيح الإجماعات الظنية فلا حاجة إلى الإعادة وما لم نذكره منه فيعلم مما ذكر فعلى هذا إذا عارض الخصم قياس المستدل بقياس آخر وكان وجود
стр. 3472
[الأمر]، الذي جعل علة الحكم في الأصل في أحد القياسين معلوما وفى الآخر مظنونا كان الأول أولى لما ثبت أن القياس الذى بعض مقدماته معلوم راجح على ما يكون كل مقدماته مظنونًا.
المسألة الثالثة
في ترجيح القياس بسبب الدليل الدال على علية الوصف في الأصل وهو
من وجوه:
أحدها: ما نص على عليته كقوله: علة الحكم هذا، أو ثبت الحكم لعلة هذا، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا فهو مقدم على كل ما عداه من الطرق الدالة على علية الوصف عقليًا كان أو نقليًا، لأنه نص في الباب لا يحتمل النقيض فكان أولى.
وثانيها: ما نص على علته بألفاظ ظاهرة في إفادة العلية، كاللام، وإن، والباء، فهو مقدم على غيره من الطرق العقلية "والنقلية سوى. طريقة النص لأنه ظاهر جدًا في العلية، ثم اللام منها مقدم على الباء، لأن؛ لأنه أظهر منهما في التعليل؛ لأن الباء قد تكون للإلصاق وقد تفيد كونه محكومًا به كقولك: أنا أقضى بالظاهر، وغير ذلك من المحامل التي تقدم ذكرها في اللغات، وإن للتأكيد وهي قليلة الاستعمال في التعليل بخلاف اللام فإنها كثيرة الاستعمال في التعليل قليلة المحامل في غير التعليل فكان أولى منهما، ثم الباء مقدم على إن، لكونها كثر استعمالا في التعليل من إن للاستقراء
стр. 3473
وثالثها: الأظهر أن الإيماءات راجحة على الطرق العقلية عند من لا يشترط المناسبة في الوصف المومى إليه، وأما من يشترط ذلك فالذي يليق بمذهبه أنه يرجح بعض الطرق العقلية عليها كالمناسبة لأنها تستقل بإثبات العلية بخلاف الإيماء، فإنه لا يستقل بذلك بدونها فكانت أولى.
ونقل الإمام اتفاق الجمهور على أن ما ظهرت عليته بالإيماء، راجح على ما ظهرت عليته بالطرق العقلية مطلقًا من غير فصل، ثم قال: وفى هذا نظر، ذلك لأن الإيماء [لما]، لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية فلابد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ، ولما بحثنا ولم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة: المناسبة، والدوران، والسبر على ما مر شرح ذلك في باب الإيماءات.
وإذا ثبت أن الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق الثلاثة كانت هي الأصل، والأصل لا محالة أقوى من الفرع، فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات.
وهو ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكره هو من الدليل وهو استقباح أهل العرف قول القائل: كرم الجاهل، وأهن العالم على أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية دليل آخر غير هذه الثلاثة فلم يلزم افتقار دلالة الإيماءات إلى الطرق الثلاثة لا محالة فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلاً لها فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها.
وثانيهما: أنه اختار أنه لا يشترط في الوصف المومى إليه المناسبة ولا في
стр. 3474
غيره من وجوه الإيماءات ولم يشترط فيه الدوران والسبر وفاقا، فجاز أن توجد عليته بدون هذه الطرق الثلاثة فلم يستقم قوله: لم نجد شيئا يدل على عليته سوى أحد الثلاثة المذكورة.
رابعها: أن فرعنا على عدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه فلا شك أن الوصف المومى إليه إذا كلان مناسبا فهو راجح على ما لا يكون مناسبا للانتقال عليه، ولإجماع الطريقتين المستقلتين فيه.
وخامسها: إيماء الدلالة اليقينية راجحة على إيماء الدلالة الظنية، لما سبق أن الدليل الذى بعض مقدماته يقيني، والبعض ظني راجح على ما يكون كل مقدماته ظنيا، وأما إذا ثبت علية الوصفين بإيماء الدليلين الظنين فأي ما كلان منهما راجحا على الأخر راجح على إيماء الآخر وقد عرفت ذلك فيما سبق من الكلام في ترجيح النصوص الظنية.
وسادسها: الإيماء الذى يلزم من ترك العمل به العبث والحشو في الكلام أولى من غيره نحو ما رتب فيه الحكم على الوصف بغاء التعقيب، لأنه يلزم منه العبث والإلغاء في كلام الشارع وهو أشد محذورًا من غيره، وبالجملة الكلام في ترجيح وجوه الإيماءات باسرها بعضها على بعض يطول، لأنها أقسام عديدة تندرج تحت كل واحد منها أقسام كثيرة، وقد سبق الكلام في بعض أقسامها في فصل الإيماء وهنا فلا يخفى الكلام في الباقي منها بعد الإحاطة بما سبق.
وسابعها: ما دل على عليته المناسبة فهو أولى من الذى دل على عليته الدوران.
стр. 3475
وقال قوم: ما دل على عليته الدوران فهو أولى، وعبروا عنه: بان العلة المطردة المنعكسة أقوى مما لا يكون كذلك.
لنا وجهان:
أحدهما: أن المناسبة علة لعلية العلة، فتأثير العلة في الحكم لمناسبتها وليس الدوران كذلك.
أما أولاً: فلان الدوران أمارة العلية لا نفس ما به العلية.
وأما ثانيًا: فلان الدوران ليس من لوارم العلية، لأن العلة إذا كانت أخص
من المعلول كانت العلة منفكة عن الدوران العدمي وإن كانت غير منفكة عن الدوران الوجودي، وإذا كانت موجودة مع المانع كانت منفكة عن الدورانين أعنى الدوران الوجودي والعدمي وكذلك الدوران ينفك عن العلة وذلك في فصل الدوران، وإذا كان كذلك الاستدلال بالمناسبة على العلية أولى.
وثانيهما: أن الظن الحاصل بعلية الوصف من المناسبة كثر من الدوران. للاستقراء فوجب أن يجب العمل بالمناسب لما سبق غير مرة ولا نعنى برجحانه سوى هذا.
واحتج الخصم بوجوه:
أحدها: [أن العلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فتكون أولى.
وجوابه]: أنا لا نسلم أن العكس واجب في العلل العقلية، وهذا لأن الاختلاف بين المختلفات، والتضاد بين المتضادات معللة بماهية كل واحد
стр. 3476
من المختلفين والمتضادين وهو أمر وجودي وحينئذ يكون العكس غير واجب.
سلمناه لكن لا نسلم أن الأشبه بالعلل العقلية أولى، وهذا لأن العقلية موجبة، والشرعية معرفة أو داعية، وعلى التقديرين بينهما فرق في المعنى فلم يمكن اعتبار الشرعية بالعقلية.
سلمنا أن المطردة والمنعكسة أولى لكن متى إذا كانت مع ذلك مناسبة أم مطلقا سواء كانت مناسبة أو لا تكون مناسبة؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن الطرد غير معتبر، والعكس غير واجب في العلل الشرعية، مقتضى هذا أن لا يكون الدوران حجة ترك العمل به في الدوران الخالي عن المعارض المتناسب فيبقى معمولاً به عنده.
وثانيها: أن علل الشرع مُعَرِّفات، والطرد والعكس أدخل في التعريف من المناسبة، ضرورة أنه يعوف من جهتي الوجود والعدم فكان أولى.
وجوابه: منعه، وهذا لأن المناسبة والحكمة وحدها وإن كانت غير منضبطة
في نفسها لكن إذا تضمنها الوصف صارت منضبطة به فيكون معرفا مضبوطا، وهو أيضا يعوف من الجهتين، لأنه لما دل الدليل على أنه لا يجوز التعليل بالطردي دل انتفاء المناسبة على العدم فحينئذ يمتنع أن يكون الدوران أدخل في التعريف منها.
سلمناه لكنه معارض بما في المناسبة من الفوائد نحو سرعة قبول الطباع، فإن الأحكام المعللة بالمناسبة والحكمة أقرب إلى الطبع من الأحكام التعبدية وإذعان المكلفين لها، وكون فعلهما غير ثقيل على فاعليه.
وثالثها: أنهم أجمعوا على صحة المطرد والمنعكس، ومن الناس من أنكر العلة التي لا تكون منعكسة فكان المتفق عليه أولى.
стр. 3477
وجوابه: أن المناسب أيضا متفق عليه بين القائسين، وما ذكرتم يقتضى رجحان المناسب المطرد والمنعكس على المناسب المطرد غير المنعكس، أو رجحان المطرد المنعكس غير المناسب على المطرد الذى لا يكون مناسبا ولا منعكسا، ولا يقتضى رجحان المطرد المنعكس الغير مناسب على المناسب المطرد الغير المنعكس.
وثامنها: المناسبة أقوى من التأثير؟ لأنه لا معنى للتأثير إلا أنه عرف تأثير هذا الوصف في نوع الحكم أو في جنسه، وكون الشيء مؤثرًا في شيء لا يوجب كونه مؤثرًا فيما يشاركه في جنسه أو في فرعه بخلاف كون الوصف مناسبًا فإنه يؤثر بمناسبته لا لشيء آخر فكان أولى.
ولأن المناسبة لا تفتقر إلى كونه مؤثرًا؛ لأنه يجوز أن يكون الوصف مناسبًا أو علة من غير أن يكون مؤثرًا وكونه مؤثرًا يفتقر إلى المناسبة فكانت كنية عنه فكانت أولى.
وتاسعها: إذا كان طريق علية أحد الوصفين المناسبة وطريق علية الوصف الآخر السبر والتقسيم، فما كان طريق عليته المناسبة أولى خلافا لقوم، وليس هذا الخلاف في السبر المقطوع به فإن العمل به متعين، وليس هو من قبيل الترجيح لما عرفت أن تقديم المقطوع به على المظنون ليس من قبيل الترجيح المظنون، بل في السبر المظنون الذى كل مقدماته ظني، فأما الذى يكون بعض مقدماته ظنيا والبعض قطعيا فذلك يختلف باختلاف القطع والظن، فإن كان الظن الحاصل من السبر الذى بعض مقدماته قطعيا كثر من الظن الحاصل من لمناسبة فهو أولى [وإلا فهما متساويان أو المناسبة أولى].
стр. 3478
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: السبر والتقسيم يفتقر إلى ثلاث مقدمات، لأنه لا يتم إلا إذا دل دليل على أن الحكم في الأصل معلل، وأن العلة إما هذا الوصف أو ذاك، وإنه ليس ذاك فيتعين/ (٢٨٥/ ١) هذا فهذه ثلاث مقدمات لابد للسبر منها، فالذي يدل على هذه الثلاثة ليس نصا قاطعا صريح الدلالة وإلا لكانت المقدمات قطعية وليس كلامنا في السبر الذى مقدماته قطعية بل إما نص ظني، أو إيماء، أو طرق عقلية من المناسبة أو الدوران أو غيرهما [فإن كانت طرقا عقلية فإما أن تكون تلك الطرق المناسبة أو غيرها فإن كانت هي المناسبة أو غيرها] فإن كانت هي المناسبة فهي أولى من السبر.
أما أولاً: فلافتقار السبر إليها حينئذ واستغنائها عنه.
وأما ثانيا. فلأن المناسبة وحدها كافية في إثبات الحكم في صورة إثبات الحكم بالمناسبة وهى غير كافية وحدها في صورة إثبات الحكم بالسبر فكانت المناسبة أولى.
وأما إن كانت تلك الطرق غيرها فالمناسبة أيضا أولى. لأنها أولى من سائر الطرق العقلية مع أنها [وحدها]، كافية في إثبات الحكم.
وإن كان دليل تلك المقدمات الإيماء فإن شرط في الوصف المومي إليه المناسبة فالمناسبة أولى لما تقدم، وإن لم يشترط فكذلك لقلة المقدمات في المناسبة وكثرتها في السبر، فإن مع تلك المقدمات الثلاث يحتاج إلى مقدمات الإيماء الذى يدل على تلك المقدمات الثلاث ومجموعها يزيد على مقدمات المناسبة فكانت المناسبة الأولى.
стр. 3479
ومن هذا يعرف أيضا رجحان المناسبة على السبر إذا كان دليل مقدماته نصا ظنيا، لأن دلالته عليها تتوقف على مقدمات آخر نحو بيان صحة متنه، وكيفية دلالته، وعدم سائر الاحتمالات التي تقدح في الدلالة اللفظية تحو عدم التخصيص، والمجاز، والنسخ، فتكثر مقدمات السبر؛ ولهذا رجحنا دلالة القياس على دلالة عموم اللفظ حتى جوزنا تخصيصه به وإن كان متنه قاطعا، وإذا كان كذلك كانت المناسبة أولى.
وثانيها: القياس على تقديم دلالة القياس على دلالة عموم النص وإن كان متنه قاطعا بل بالطريق الأولى فإنه إذا قدم القياس على عموم دلالة النص وإن كان متنه قاطعا مع أن مقدمات النص أقل من مقدمات القياس فلأن تقدم المناسبة التي مقدماتها أقل على السبر الذى مقدماته أثر بالطريق الأولى.
وثالثها: أن الاستدلال بالمناسبة على العلة استدلال بالوصف اللازم على الملزوم، لأن العلة لابد وأن تكون مناسبة، أو شبيهة، والاستدلال بالسبر ليس كذلك فكان الأول أولى.
واحتج الخصم: بأن المناسبة إنما تفيد ظن العلية وليس فيها دلالة على المعارض بخلاف السبر والتقسيم فإنه يفيد ظن علية الوصف ونفى معارضه، ولا شك أن ثبوت الحكم بالمناسبة في الفرع كما يتوقف على وجود معنى مقتضى له في الأصل يتوقف على نفى ما يعارضه فيه فكان السبر أولى لتكلفه ببيان الأمرين جميعا.
وجوابه: أنا نمنع أنه ليس في صورة التعليل بالمناسبة دلالة على نفى المعارض؛ وهذا لان المناسبة لما دلت على علية الوصف المناسب المعن وثبت أن التعليل بعلتين مستنبطتين غير جائز لزم منه عدم جواز التعليل بغير ذلك
стр. 3480
الوصف فمجموع هذين الأمرين يدل على ذلك.
سلمنا أنه ليس فيها دلالة على نفى المعارض من هذا الوجه لكن ظن نفى المعارض حاصل باستصحاب العدم الأصلي في صورة التعليل [بالمناسبة في الفرع]، ففي صورة التعليل بالمناسبة يحصل ظن علية الوصف، ويحصل ظن عدم المعارض مع فوائد التعليل بالمناسبة التي تقدم ذكرها غاية ما في الباب أنه لا يحصل ظن عدم المعارض من نفس المناسبة بل بدليل آخر ملازم لها، ربئ صورة السبر التقسيم لا تحصل تلك الفوائد لكن يحصل ظنه نفى المعارض من نفس الدليل، ومن المعلوم أنه ليس في ذلك ما يعارض تلك الفوائد فكان الإثبات بالمناسبة أولى.
سلمنا أنه ليس في صورة التعليل بالمناسبة دلالة على نفس المعارض لا من نفس المناسبة ولا من غيرها لكن هذه الفائدة معارضة بفوائد التعليل بالمناسبة فلم قلتم أن تلك الفائدة راجحة على هذه الفوائد وعليكم الترجيح لأنكم المستدلون ثم إنه معناة لأن تلك الفوائد متعددة وهذه فائدة واحدة والواحدة لا تعارض المتعددة إلا إذا كانت تلك تزيد/ (٢٨٦/ أ) على مجموعها وهو خلاف الظاهر فمن ادعى ذلك فعليه بيانه على أنا نقول: المحذور في ترك المناسبة أشد من المحذور في ترك السبر؛ لأن في الأول ترك المناسبة التي هي شرط العلية بعد ظهورها بطريق تفصيلي وفى الثاني تركها بعد ظن وجودها بدليل غير تفصيلي، ومعلوم أن ذلك أشد محذروًا من هذا فكان إعمال المناسبة أولى، واذا ظهر رجحان المناسبة بالنسبة إلى الدوران والمؤثر والسبر والتقسيم كان رجحانه بالنسبة إلى الطرق الباقية نحو الشبه والطرد أظهر، ثم المناسبات مع اشتراكها في الرجحان على غيرها تختلف مراتبها ويترجح بعضها على
стр. 3481
بعض فلنتكلم في أقسامها فنقول:
المناسبة التي في محل الضرورة راجحة على التي في محل الحاجة والزينة والتتمة، والتي من كمالات المصالح الضرورية راجحة على التي من أصول الحاجات هي وإن كانت تابعة والتي من أصول الحاجات أصلية مستقلة كنها ملحقة بأصلها التي في محل الضرورة ولهذا أعطيت حكمها، إلا ترى أنه يجب من الحد بشرب جرعة من الخمر ما يجب بشرب ما يسكر منها، وكذا ما يكون من كمالات الحاجة راجحة على التي في محل التتمة والزينة.
ثم التي في محل الضرورة كحفظ الدين راجحة على غيرها من المصالح الضرورية كحفظ النفس والعقل؛ لأن مقصوده وثمرته نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين، ومعلوم أن شيئا من بقية الضروريات لا يجدى هذا النفع، ولأن سائر المقاصد والمطالب كحفظ النفس والعقل والنسب مقصودة من أجله على ما قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾.
لا يقال: المناسبة التي في محل الضرورة كحفظ النفس أولى، لأن ذلك حق الآدمي، وحفظ الدين حق الله تعالى، وحق الآدمي مقدم على حق الله تعالى، لأنه مبنى على الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبنى على المسامحة والمساهلة، ولأن التحامل على جانب الغنى الكريم المستغنى عن كل شيء أولى من التحامل على جانب الفقير اللئيم المحتاج إلى كل شيء؛ ولهذا كان حق الآدمي مقدما على حق الله تعالى لما ازدحم الحقان في محل واحد وتعذر استيفاؤهما منه كما في الزكاة على الأظهر وكما إذا ارتد وقتل عمداً عدوانًا
стр. 3482
فإنه يقتل قصاصا لا على ارتداد، بل لو أمكن الاستيفاء لكن مع مشقة فإنه أيضا يقدم جانبه كما في حق المسافر فإنه أسقط عنه ركعتان [وتحتم الصوم]، وتحتم الوضوء وغيرها من رخص السفر مراعاة لحقه ومحافظة لتخصيص مصلحته من غير مشقة، وكذا في حق المريض فإنه لان أمكنه الصلاة قائما والصوم لكن مع نوع من المشقة الشديدة المذهلة عن سنن الصوم والصلاة، فإنه يجوز له الإفطار والصلاة قاعدًا، وبالجملة فمراعاة جانب العبد عند الازدحام وعند المشقة معلومة من استقراء الشرائع.
لأنا نقول: ما ذكرتم كله يدل على أن فروع الدين كلها مبنية على المساهلة والمسامحة ولا نهل فيه، ولا يدل ذلك على أن أصله كذلك بل كل ذلك إنما شرع كذلك لبقاء أصل الدين وحفظه فإنه لو بنيت على الشح والمضايقة ربما أفضى ذلك إلى عدم قبول أصل الدين، أو إلى الخروج عنه لعظم المشقة وعدم الطاقة بتكاليفه.
ثم كيف يقاس أصل الدين بفروعه مع اشتداد الشارع في أصله دون فروعه فإنه أباح الدماء والأموال، وجوز أسر الأولاد والأهل، وسوغ كل عقوبة ونكال في مفارقة أصله وعدم قبوله، ولم يرتب شيئا من ذلك على فروعه إلا القتل على ترك الصلاة على مذهب الشافعي - رضى الله عنه- على خلاف الأصل، ولهذا اضطربت الأقوال في أنه متى يقتل أبترك صلاة واحدة، أو بصلاتين، أو أكثر من ذلك؟ وعلى الأقوال كلها يشترط أن يستمر على امتناع قضائها، ثم أنا لا نسلم أن تقديم ما يوجب حفظ الدين إنما هو لكونه حقا لته تعالى فقط بل هو مراعاة لجانب العبد فإنه بفواته تفوته السعادة الأبدية والعصمة/ (٢٨٧/ أ) الدنياوية، والله لا يضره
стр. 3483
كفر ولا كفران ولا يسره شكر ولا إيمان، بل هما بالنسبة إليه سيان، وإنما هو لمصلحة العبد، وليس فروع الإسلام كذلك، فإنه وإن فاته بفواتها الثواب العظيم والأجر الجسيم، لكن لا يحصل له العقاب الدائم والخزي الأبدي فلا تساوى بل لا تقارب مفسدة فواتها بمفسدة فوات أصل الدين فكان حفظه عليه أولى وأنفع من حفظ نفسه عليه.
ثم التي في محل الضرورة لحفظ النفس أولى من الثلاثة الباقية وهو ظاهر غنى عن البيان، ثم التي في محل الضرورة لحفظ الأنساب، ثم التي في محل الضرورة لحفظ العقل، ثم التي في محل الضرورة لحفظ المال، ولا يخفى عليك تعليل هذه الأحكام بعد الإحاطة بما سلف في باب المناسبة في تعليل هذه الضرورات، ثم الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسبا لنوع الحكم، وقد يكون مناسبا لجنسه، وقد يكون جنسه مناسبا لنوع الحكم، وقد يكون مناسبا لجنسه، ولا يخفى أن القسم الأول مقدم على الثلاثة الباقية، وأن القسم الرابع مؤخر عن الثلاثة الأول، وإنما الكلام في القسمين المتوسطين.
فقال الإمام: هما كالمتعارضين.
والأظهر: أن ما يكون نوع الوصف مناسبا لجنس ألحكم فهو أولى من العكس لحصول الخصوصية، وقلة الإبهام في أشرف الجهتين وهى العلية دون عكسه، ثم الأجناس والأنواع تختلف مراتبها فكل ما كان أقرب إلى الخصوصية وقلة الإبهام فهو أولى من الذى ليس كذلك، ثم كل واحد من
стр. 3484
هذه الأقسام ما تكون مناسبته جلية، ومنه ما تكون خفية، ولا شك أن الجلية أولى من الخفية، وقد عرفت فيما سبق ما معنى الجلية وما معنى الخفية.
وأما المناسبات التي تقع في محل الحاجة، فكل ما كان مسيس الحاجة إليه أكثر فهو أولى من الذى ليس كذلك، وكذا ما يقع في محل الزينة والتتمة فكل ما كان مقصود الباب فيه أكثر وأتم فهو أولى، هذا كله في ترجيح المناسبات بعضها على بعض بحسب ذواتها وماهياتها.
وقد ترجح بأمور خارجية عنها: نحو أن المناسبة المتأيدة بغيرها من الطرق نحو الإيماء والدوران والسبر والمؤثر راجحة على ما لا تكون كذلك وهو راجع إلى الترجيح بمثرة الأدلة، وكالمناسبة الخالية عن المعارض راجحة على التي ليست كذلك إن قلنا المناسبة لا تبطل بالمعارضة، وكالمناسبة التي تناسب الحكم من جهتين راجحة على التي ليست كذلك بل تناسبه من جهة واحدة فعلى هذا كلما كانت الجهات أكثر كانت أرجح، وكالمناسبة الغير المتخصصة راجحة على المتخصصة وكل ما كان التخصيص أقل كان أولى.
وعاشرها. إذا كأن طريق إحدى العلتين السبر، والأخرى الدوران، فما كان طريقه السبر أولى، لإفادته تعين العلة ونفى المعارض وهو راجح على بقية الطرق، والظاهر أن الدوران راجح على المؤثر والشبه، ولا شك في رجحانه على الطرد وفى المؤثر والشبه نظر وهما راجحان على الطرد قطعًا.
وحادي عشرها: أن يكون نفى الفارق بين الأصل والفرع مقطوعا به في إحدى القياسين، وفى الآخر مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق فهو أولى لكونه قياسًا إحدى مقدماته قطعية.
стр. 3485
وثاني عشرها: إذا كان طريق علة أحد القياسين إجماعا، والآخر، النص، أو الإيماء، أو غيرهما فما طريق علته الإجماع فهو أولى، لكون الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ والنص محتمل لذلك.
وثالث عشرها: إذا كان طريق علة أحد القياسين الدوران الحاصل في صورة واحدة، وطريق علة الآخر الدرزان الحاصل في صورتن فالأول أولى، لأن احتمال الخطأ في الدوران الحاصل في الصورة الواحدة أقل من احتمال الخطأ في الدوران الحاصل في الصورتين، ومتى كان احتمال الخطأ أقل كان الظن أقوى.
أما الأول: فلأنا نقطع فيه بعدم علته ما عدا ذلك الوصف الذى وجد الحكم عند وجوده، والعدم عند عدمه وإلا لزم وجود/ (٢٨٨/ أ) العلة بدون الحكم وليس كذلك في الصورتين، إذ لا يمكن القطع بذلك، ألا ترى أن الحنفي إذا قال في مسالة الحلى [كونه]، ذهبا موجب للزكاة، لأن التبر لما كان ذهبا وجبت الزكاة فيه، وثياب البذلة والمهنة وعبيد الخدمة لما لم يكن ذهبا لم تجب فيها الزكاة لم يمكن القطع بان ما عدا كونه ذهبا [ليس علة لوجوب الزكاة لاحتمال أن يكون للتركيب من كونه ذهبا]، وكونه مُعَدًا للنماء بإعداد الله تعالى غير مصروف عنه إلى جهة الاستعمال علة لوجوب الزكاة ولا شك أنه غير كونه ذهبا، وأما الثاني فظاهر.
ورابع عشرها: الدوران المعتضد بالمناسبة أو المؤثرية أو الشبه راجح على ما ليس كذلك وهو ظاهر.
стр. 3486
وخامس عشرها: الدوران الوجودي والعدمي المسمى بالطرد والعكس راجح على الدوران [الوجودي فقط وهو المسمى بالطرد وعلى الدوران] العدمي فقط وهو المسمى بالعكس، والدوران الوجودي راجح على العدمي لأن العكس غير معتبر ولو اعتبر كان اعتبار الطرد أولى لأنه متفق عليه.
وسادس عشرها: الشبه في الحكم الشرعي والصورة راجح على الشبه بأحدهما، أما إذا كان أحد القياسين باعتبار المشابهة في الحكم، والآخر باعتبار المشابهة في الصورة فإيهما أولى وأرجح؟
اختلفوا فيه:
فبعضهم رجح الثاني وهو الشبه في الصورة؛ لأنها أشبه بالعلل العقلية.
وبعضهم رجح الأول؛ لأن اعتبار الحكم الشرعي بالحكم الشرعي أولى. والحق أن ما غلب على الظن أنه مناط ذلك الحكم فالإلحاق به أولى.
المسألة الرابعة
في ترجيح القياس بسبب وصف العلة وهو من وجوه:
أحدها: العلة المطردة أولى من المتخصصة؛ لأنها متفق عليها، ولأن العام الغير المخصوص لما كان أولى من المخصوص كانت العلة العامة التي هي مجرأة على العموم والاطراد أولى من المتخصصة بالطريق الاولى.
ثم المتخصصة لمانع أو لفقد شرط أولى من التي لا يعقل في تخصصها ذلك والمتخصصة على سبيل الاستثناء أولى من التي ليست كذلك.
وثانيها: العلة المتعدية أولى من العلة الغير المتعدية، والمتعدية إلى الأكثر
стр. 3487
أولى من المتعدية إلى الأقل.
وثالثها: العلة الغير المنكسرة أولى من المنكسرة وتعليلهما مما سبق من أنه متفق عليهما.
ورابعها: العلة المطردة والمنعكسة أولى من غير المنعكسة لما سبق.
وخامسها: المطردة فقط أولى من المنعكسة فقط؛ لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس فإن اعتباره مختلف فيه.
وسادسها: العلة التي وجدت مع الحكم أولى من التي وجدت قبل الحكم ثم وجد الحكم بعدها ومن التي وجدت بعد الحكم؛ لأنه متفق عليها والباقيتان ليستا كذلك، وأما أن آية واحدة من هاتين الاثنتين أولى وأرجح فهو في محل النظر.
فيحتمل أن يقال: إن الأولى أولى؛ لأن غاية ما يلزم منه إنما هو تخصيص العلة والخلاف في تخصيص العلة مشهور.
وأما الثاني فالخلاف فيه غير مشهور فإن المشهور إنما هو عدم جواز ذلك. ويحتمل أن يقال: إن الثانية أولى؛ لأن الأصح أن العلة مفسرة بمعنى المُعرَّف وتأخر المعرِّف عن المعرَّف غير ممتنع ولا بعيد.
وسابعها: إذا كانت إحدى العلتين متضمنة للحكمة لم توجد بدونها، والأخرى مظنة لها قد توجد بدونها فالأولى أولى.
وثامنها: ضابط الحكمة إذا كان جامعا مانعًا أولى من الضابط الذى ليس كذلك.
وتاسعها: العلة التي لا ينعكس أصلها أولى من التي ينعكس أصلها، والمعنى من الأصل هنا كل واحد من النص والحكم فلو اقتضت رفع الحكم أو بعضه أو رفع شيء من مقتضى النص كانت عاكسة.
وعاشرها: العلة التي لا توجب حكما على خلاف نص، أو أثر، أو
стр. 3488
قياس، أو احتياط، أو تفسير [أو قياس]، الراوي، أو غيرها من الطرق المستقلة، أو المرجحة، أو كانت مستنبطة من أصول عدة، أو لم يكن لها في الأصل مزاحم أولى من التي لا تكون كذلك.
وحادي عشرها: إذا كانت علة أحد القياسين مناسبة لضد الحكم المطلوب من وجه، وعلة الآخر ليس كذلك فالثاني أولى.
وثاني عشرها: العلة/ (٢٨٩/ أ) التي تكون أفضى إلى تحصيل مقصودها أولى من التي لا تكون كذلك.
وثالث عشرها: العلة التي تتضمن مقصودًا يعم المكلفين أولى من التي تتضمن مقصودًا لا يعمهم بل يرجع إلى آحادهم.
ورابع عشرها: المستنبطة من الحكم الذى يثبت على خلاف القياس مرجوحة بالنسبة إلى المستنبطة من الحكم الذى لا يكون كذلك.
وخامس عشرها: الترجيح باعتبار الحكم الذى توجبه، والكلام فيه ما سبق في النص ولا حاجة إلى الإعادة.
стр. 3489
الفصل الرابع
في ترجيح القياس بسبب حكم الأصل
стр. 3490
الفصل الرابع
في ترجيح القياس بسبب حكم الأصل
اعلم أنه لابد للحكم في الأصل من دليل فإما أن يكون ذلك الدليل قطعيا أو ظنيًا، وعلى التقديرين فدليل حكم الأصل في القياس الثاني إما أن يكون قطعيا، أو ظنيا، فهذه أقسام ثلاثة يجب البحث عنها:
فإن كان الدليلان قطعيين فإن قلنا: بجريان الترجيح بين القطعيات جرى بين دليليهما الترجيح فما يكون دليله أجلى وأرجح عند العقل فهو راجح.
وإن لم نقل بجريان الترجيح بين القطعيات فإن كان دليل أحدهما إجماعا والأخر نصًا قاطعًا في متنه ودلالته كان ما دليله الإجماع راجحًا على الأخر؛ لأنهما وإن اشتركا في القطع في صحة المتن والدلالة لكن النص قابل للنسخ، والإجماع لا يقبله فكان أولى، وهذا على رأي من يقول: أن الإجماع حجة قاطعة، وأما من لا يرى ذلك فلا، وإن لم يكنن كذلك بل كلاهما نصان تعارضا.
وإن كان الدليلان ظنيين فإما أن يكونا لفظتين، أو إجماعين، أو قياسين إن جوز أن يكون حكم الأصل ثابتًا بالقياس أو مختلفين.
فإن كانا لفظين جرى بينهما الترجيح، وقد عرفت تراجيح النصوص فلا حاجة إلى الإعادة.
وان كانا إجماعين جرى بينهما الترجيح أيضًا، [وقد عرفت أيضًا التراجيح بين الإجماعات الظنية.
стр. 3491
وإن كانا قياسين جرى بينهما الترجيح أيضًا، وقد عرفت بعض ما يترجح به القياس، وستعرف الباقي إن شاء الله تعالى.
وإن كانا مختلفين فإن كان أحدهما نصا ظنيا والآخر إجماعا ظنيا قيل:
ما كان دليله الإجماع راجح؛ لأنه لا يقبل النسخ، والتخصيص، والدليل اللفظي يقبلهما، وهذا صحيح لكن بشرط التساوي في الدلالة، فأما إذا اختلفا في ذلك فالحق أنه يتبع فيه الاجتهاد، فما تكون إفادته للظن أكثر فهو أولى، فإن الإجماع وإن لم يقبل النسخ والتخصيص لكن ربما تضعف دلالته على المطلوب بالنسبة إلى الدلالة اللفظية فقد يجبر النقص بالزيادة وقد لا يجبر فيقع فيه الاجتهاد.
وإن كان أحدهما نصًا أو إجماعًا، والأخر قياسًا كان ما دليله النص أو الإجماع راجح على ما دليله القياس؛ لأن الذين جوزوا أن يكون حكم الأصل ثابتًا بالقياس اتفقوا على أن الأصل الذى ثبت حكمه بالنص أو بالإجماع أولى منه لكونه متفقًا عليه، ولأن الذى ثبت حكمه بالقياس لابد وأن ينتهى بالأخرة إلى ما ثبت حكمه بالنص وإلا لزم التسلسل، وهو ممتنع، فيكون الذى ثبت حكمه بالنص أصله والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
وكذا ما ثبت حكمه بالإجماع راجح على ما ثبت حكمه بالقياس، وأن كان [دليل حكم أصل أحد القياسين قطعيًا]، ودليل حكم أصل القياس الأخر ظنيا عمل بالأول؛ لأنه قياس أحد مقدماته قطعي والأخر كل مقدماته
стр. 3492
ظني فترجح عليه لما سبق، لكن بشرط أن لا يزيد مجموع الظنيات على الذى بعض مقدماته قطعي في زيادة إفادة الظن بان يكون كل واحد من مقدماته قوية والمقدمات الظنية في ذلك القياس الذى ثبت حكم أصله بدليل قطعي ضعيف بحيث يكون ظن القياس المركب منها أضعف من ظن ذلك القياس الآخر هذا هو الكلام الكلى في هذا الباب ولا باس أن نذكر بعض تفاريعه مفصلاً فنقول: ترجيح القياس باعتبار حكم الأصل من وجوه:
أحدها: إذا كان حكم الأصل في أحد القياسين غير ممنوع، وحكم الأصل في القياس الأخر ممنوع، فالقياس الذى حكم أصله غير ممنوع أولى؛ لأن ما يتطرق من الخلل بسبب منع حكم الأصل في/ (٢٩٠/ أ) القياس الثاني منتف عنه فكان أغلب على الظن فكان أولى.
وثانيها. إذا كان حكم الأصل في أحد القياسين مقطوعا به أو كان ثابتًا بدليل ظني راجح نحو إيماء الخبر المتواتر، وفى القياس الأخر حكم الأصل مظنونًا أو كان ثابتًا بدليل ظني مروح نحو إيماء خبر الواحد والإيماءان متساويان كان الأول أولى.
وثالثها: إذا كان حكم الأصل في أحد القياسين مما اختلف في نسخه وفى الأخر غير مختلف فيه في ذلك بل أطبقوا على ثبوته كان الثاني أولى. ورابعها: القياس الذى حكم أصله غير معدول عن سق القياس راجح على الذى حكم أصله معدول عنه، وتعليله ظاهر، وكلما كان العدول فيه أكثر كان أضعف.
وخامسها: القياس الذى قام على تعليل حكم أصله وعلى جواز القياس عليه دليل خاص أولى من الذى ليس كذلك.
وسادسها: القياس الذى حكم أصله معلل بالاتفاق راجح على الذى اختلف في تعليل حكم أصله، وكذا القياس الذى اتفق على جواز القياس على أصله أولى من الذى اختلف في جواز القياس على حكم أصله.
стр. 3493
وسابعها: القياس الذى حكم أصله على وفق أصول أخر راجح على الذى ليس كذلك، وكلما كانت الموافقة للأصول أكثر كان أرجح.
وثامنها: القياس الذى حكم أصله [مما تعم به البلوى وهو ثابت بخبر الواحد مرجوح بالنسبة إلى القياس الذى حكم أصله، مما لا تعم به البلوى، أو مما تعم به البلوى لكنه ثابت بدليل قاطع وعلى هذا فقس غير المذكور [على المذكور]، وإذا اختلف جهتا القوة والضعف في كل واحد من حكمي الأصل، للقياسين كما إذا كان حكم أصل أحد القياسين مجمعًا عليه لكنه معدول عن سنن القياس، وحكم أصل القياس الثاني غير مجمع عليه بل هو ثابت بدليل ظني لكنه غير معدول عن سق القياس فليتبع المجتهد فيه اجتهاده فكل ما يفيده غلبة الظن اتبعه.
وأما ترجيح القياس بسبب كيفية حكم أصله فهو على ما سبق في النص فلا حاجة إلى الإعادة فعلى هذا القياس الذى يثبت الحظر مثلاً راجح على الذى يثبت الإباحة، وكذا القياس الذى يثبت العتق والطلاق راجح على الذى يثبت الرق والنكاح كما سبق في ترجيح النص بسبب حكمه.
стр. 3494
الفصل الخامس
في ترجيح القياس بسبب الفرع
стр. 3495
الفصل الخامس
في ترجيح القياس بسبب الفرع وهو من وجوه
أحدها: القياس الذى لا يلزم من ثبوت مقتضاه وهو الحكم في الفرع محذور كتخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو ترك العمل بظاهر أو حقيقة، أو معارضة قياس آخر له راجح على الذى يلزم من ثبوت مقتضاه شيء من ذلك وكميته ظاهرة.
وثانيها: القياس الذى يثبت الحكم في كل الفروع أولى من الذى يثبت في بعض الفروع دون البعض؛ لأنه حينئذ يلزم تخصيص العلة وهو جهة المرجوحية كما تقدم.
وثالثها: القياس الذى يشارك فرعه أصله في عين الحكم وعين العلة راجح على القياس الذى لا يكون كذلك وهو أقسام ثلاثة:
أحدها: ما شارك فرعه أصله في عين العلة وجنس الحكم.
وثانيها: عكسه.
وثالثها: ما يشارك فرعه أصله في العلة وجنس الحكم.
والقسم الأول من الأقسام الثلاثة أولى من القسمين الباقين، والقسم الثاني منها أولى من الثالث.
وتعليل هذه الأقسام ظاهر: أما الأول: فلأن التعدية باعتبار الاشتراك [في المعنى الأخص أغلب على الظن من التعدية باعتبار الاشتراك] في المعنى الأعم وأما الثاني: فلأن تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو باعتبار تعدية العلة فهي الأصل في التعدية والحكم فرعها باعتبار خصوصها أولى.
стр. 3496
وأما الثالث بالنسبة إلى الرابع فلحصول الخصوص في الحكم الذى هو معلول العلة بخلاف القسم الرابع فإن العموم حاصل فيه في جهتي العلة والمعلول فكان الثالث أولى من الرابع.
ورابعها: القياس الذى فرعه متأخر عن أصله أولى من الذى فرعه متقدم على أصله.
وخامسها: القياس الذى علم وجود العلة في فرعه أولى من الذى ظن وجودها فيه، والذى ظن وجودها فيه ظنا غالبا أولى من الذى لا يكون كذلك.
وسادسًا: القياس الذى دل النص على ثبوت الحكم في فرعه جملة لا تفصيلاً أولى من الذى لا يكون كذلك؛ لأن الأول متفق عليه بين القائسين دون الثاني، ولأن ظن ثبوت الحكم/ (٢٩١/ أ) فيه أكثر فيكون أولى.
وسابعها: القياس الذى لا يلزم من ثبوت الحكم في فرعه بطلان الحصر الذى في دليل أصله أولى من الذى يلزم منه ذلك.
مثاله: قوله ﵇: "خمس يقتلن في الحل والحرم" فقياس جواز قتل مؤذ آخر في الحل والحرم عليهن يبطل الحصر المذكور فيكون مرجوحا بالنسبة إلى قياس آخر يقتضى عدم جواز قتله.
وثامنها: القياس الذى لا يوجد في فرعه معنى مناسب يقتضى عدم ثبوت الحكم المطلوب من القياس ولو من وجه أولى من الذى لا يكون كذلك.
стр. 3497
وتاسعها: القياس الذى له فروع كثيرة أولى من الذى لا يكون كذلك؛ لأنه تكثر فائدتها فيكون أولى.
ومنهم أنكر الترجيح بهذا محتجا بوجوه:
أحدها: أن كثرة الفروع ليست أمرًا شرعيًا، والترجيح إنما هو بكثرة
[الفوائد الشرعية، وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم ذلك بل هو عندنا بكثرة الفوائد] الشرعية أو بما يلزم منه كثرة الفوائد الشرعية وها هنا كذلك فيكون أولى [بسبب كثرة مدلوله].
وثانيها: لو كان القياس مرجوحًا بسبب كثرة فروعه لكان النص أيضا مرجحًا بسبب كثرة مدلوله فيلزم أن يكون العام أولى من الخاص.
وجوابه: أنه إنما لم يرجح الخطاب بكثرة مدلوله؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية، وتقديم الخاص عليه لا يلزم منه ذلك فكان الجمع بين الدليلين أولى بخلاف القياس فإنه إذا انتهى الأمر فيه إلى الترجيح فإنه لابد من إلغاء أحدهما لا محالة فكان إلغاء ما هو أقل فائدة أولى.
وثالثها: التعدية فرع الصحة، والأصل لا يرجح بالفرع.
وجوابه: منعه؛ وهذا فإن الاصل قد يرجح بكثرة فروعه لكونها دالة على قوته ولو قيل هكذا: التعدية فرع الصحة في الأصل فلو توقفت صحتها في الأصل على التعدية لزم الدور.
فجوابه: ما تقدم من ضعف هذا الدليل في القياس في مسالة جواز التعليل بالعلة القاصرة، ويخصه ها هنا جواب آخر وهو أنا نسلم أن كثرة التعدية فرع الصحة في الأصل لكن لا نسلم توقف صحتها في الأصل على كثرة التعدية،
стр. 3498
وهذا لأن العلة صحيحة وإنما الكلام في الرجحان ولا يلزم من كونها مرجوحة كونها غير صحيحة بل المرجوحية فرع الصحة ومستلزمها فبطل الدور.
وعاشرها: القياس الذى يرد الفرع إلى ما هو من جنسه أولى من القياس الذى يرده إلى غير جنسه.
مئاله: قياس الحنفية الحلى على التبر أولى من قياسه على سائر ما ينتفع به ويستعمل في الحاجات من الأموال كثياب البذلة والمهنة، وعبيد الخدمة، والخيول المسومة؛ لأن القياس الأول يرده إلى ما هو من جنسه [والثاني يرده إلى غير جنسه]. باعتبار وصف عرضي خارجي وهو كونه مستعملاً في الحاجات ومنتفعا به، والاتحاد بين المتجانس، أتم من الاتحاد بين المتغايرين في الجنسية المتحدين في وصف عرضي خارجي، ومهما كان الاتحاد أتم كان ظن الاشتراك في الحكم أكثر فكان أولى.
وأعلم أن بعض هذه الوجوه قد يناسب إيراده في الفصل الذى أوردناه، وقد يناسب إيراده في غير ذلك الفصل، وإنما أوردناه حيث أوردناه، إما لأنه أكثر مناسبة، أو بطريق الاتفاق، والأمر في ذلك قريب.
стр. 3499
النوع السابع عشر في الاجتهاد
وهو مرتب على مقدمة وفصول:
أما المقدمة: ففي تفسير الاجتهاد والمجتهد فيه:
أما الأول: فهو في اللغة عبارة: عن استفراغ الوسع في أي فعل كان. وأعلم أن قولنا: في أي فعل كان ظاهره العموم نظرًا إلى لفظه، لكنه متخصص بقولنا: هو عبارة عن استفراغ الوسع، فإن هذا لا يتحقق في كل فعل، بل إنما يتحقق ذلك في أفعال المشقة، والأعمال التي تستلزم الكلفة، فهذا هو المراد منه؛ ولهذا يقال: استفرغ وسعه في حمل الحمل أو الحجر، وفى العدو، والكلام الكثير، ولا يقال: استفرغ الوسع في حمل الرغيف، أو في حمل المنديل، ولا في الكلام القليل؛ لما أن استفرغ الوسع لا يتحقق في/ (٢٩٢/ أ) ذلك.
وأما في اصطلاح الأصوليين فهو: عبارة عن استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغ اوسع فيه.
واحترزنا بقولنا: فيما لا يلحقه، وإن استفرغ الوسع في النظر، في طلب الحق فيها إذا لم يصادف الحق على المشهور الذى عليه الجمهور.
فإن قلت: هذه الفائدة حاصلة بقولنا، فيما لا يلحقه فيه دوم فإن مسائل الاصول يلحق فيها اللوم مهما لم يصادف الحق سواء استفرغ الوسع أو
стр. 3500
يستفرغ، فما الفائدة في ذكر قوده: مع استفراغ الوسع فيه؟
قلت: لو لم يذكر ذلك القيد، واقتصر على ما ذكرتم لم يكن الحد جامعًا لأن كان مانعًا، بل لا يكون متناولا لشيء من المسائل الاجتهادية؛ وهذا لأنه ليس اللوم منتفيًا عن المسائل الاجتهادية مطلقا فإنه إذا لم يستفرغ الوسع في النظر فيها فإنه يلام مطلقا على المذهبين، أعنى المصوبة، والقائلين بأن المصيب واحد، وأن صادف حكم الله تعالى على رأى هؤلاء، فلو اقتصر على ما ذكرتم لاقتضى ذلك انتقاء، للوم عنها مطلقا، فلم يكن متناولا لشيء منها فلم يكن الحد جامعًا فكان باطلاً.
وقيل: هو عبارة عن استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجزَ عن المزيد فيه، ولا يخفى الاحترازات التي فيها.
وفيه نظر من حيث إنه غير مانع؛ لأنه يندرج تحته ما فيه قاطع ولم يحس الطالب به وهو استفراغ وسعه في طلب حكمه بحيث إنه أحس من نفسه العجز عن المزيد فيه، وهو ليس باجتهاد، وإلا لكانت المسالة مجتهدًا فيها لكنه ليس كذلك لوجود القاطع فيها.
стр. 3501
وأما المجتهد فيه، فهو: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع. فالحكم كالجنس يتناول الحكم الشرعي وغيره.
وأيضًا: احتراز عن الصفات الحقيقية.
واحترزنا بالشرعي عن الحكم العقلي والحسى.
واحترزنا بقولنا: ليس فيه قاطع عن وجوب الصلوات، والزكوات وأمثالهما مما اتفقت الأمة عليه من جليات الشرع.
وعن الذى فيه القاطع لكن ظن أنه ليس فيه قاطع واستفرغ الوسع طلب حكمه فإنه ليس من المجتهد فيه.
أما أولاً: فلأنه ينقض حكم الحاكم ولو كان مجتهدًا فيه لما كان كذلك.
وأما ثانيًا: فلأن كون المسالة مجتهدًا فيها ليس أمرًا نسبيًا حتى يكون بالنسبة إلى شخص لم يعلم وجود القاطع فيها مجتهدًا فيها، وبالنسبة إلى شخص علم ذلك ليس كذلك.
وقال أبو الحسين البصرى: (المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون في الأحكام الشرعية).
стр. 3502
قال الإمام- ﵀: وهذا ضعيف؛ لأن جواز اختلاف المجتهدين فيها مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزم الدور.
وفى هذا التضعيف نظر؛ لأن التعريف إنما وقع بالاختلاف لا بجواز الاختلاف وهو غيره، ومثله لا يتأتى في نفس الاختلاف. لأنا نمنع أن الاختلاف فيها مشروط بكون المسالة اجتهادية، وهذا لأنه قد يقع الاختلاف في الأحكام الشرعية في غير المسألة الاجتهادية، لكن على هذا التقدير يرد عليه أن يكون غير مانع لما ذكرته من وقوع الاختلاف في غير المسائل الاجتهادية.
стр. 3503
الفصل الأول
في المجتهد
وفيه مسائل:
стр. 3504
المسألة الأولى
اختلفوا في أن الرسول- ﵇ هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه:
فذهب الشافعي وكثر أصحابه، والإمام أحمد، والقاضي أبو يوسف والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصرى إلى جواز ذلك. ثم منهم من قطع بوقوع التعبد بهذا الجائز، ومنهم من لم يقطع به. وذهب أبو على، وأبو هاشم إلى أنه لم يكن متعبدًا به.
стр. 3505
ومنهم من فصل بين الأحكام الشرعية، وبين أمور الحرب فجوزه في الثاني دون الأول.
وتوقف فيه جمهور من المحققين.
احتج الأولون بوجوه:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ أمر بالاعتبار لأولى الأبصار على العموم/ (٢٩٣/ أ) فكان ﵇ مندرجا تحته؛ لأنه ﵇ أعلى الناس بصيرة، وأكثرهم إصابة، لكثرة اطلاعه على شرائط القباس، وما يجب وما يجوز فيها، وذلك يقتضى اندراجه تحته بالطريق الأولى، فإن لم تكن الأولوية حاصلة فلا أقل من المساواة فكان مأمورًا بالقياس فكان [متعبدًا]، بالقياس فكان فاعلاً له، وإلا قدح ذلك في عصمته، وهذا التقرير لمن قطع بوقوع التعبد به [ووقوعه منه، فإن كل من قطع بوقوع التعبد به]، قال بوقوعه منه، وأما من قال بالجواز الشرعي ولم يقطع بوقوع التعبد به يحتاج أن يقول: أدنى درجات الأمر أن يكون للإباحة فيحمل عليها؛ إما لأنه حقيقة فيها، أو حمل اللفظ على أقل مفهوماته فيكون الاعتبار جائزًا منه وهو المطلوب.
следующие страницы →