← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وأما المجتهد فيه، فهو: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع. فالحكم كالجنس يتناول الحكم الشرعي وغيره. وأيضًا: احتراز عن الصفات الحقيقية. واحترزنا بالشرعي عن الحكم العقلي والحسى. واحترزنا بقولنا: ليس فيه قاطع عن وجوب الصلوات، والزكوات وأمثالهما مما اتفقت الأمة عليه من جليات الشرع. وعن الذى فيه القاطع لكن ظن أنه ليس فيه قاطع واستفرغ الوسع طلب حكمه فإنه ليس من المجتهد فيه. أما أولاً: فلأنه ينقض حكم الحاكم ولو كان مجتهدًا فيه لما كان كذلك. وأما ثانيًا: فلأن كون المسالة مجتهدًا فيها ليس أمرًا نسبيًا حتى يكون بالنسبة إلى شخص لم يعلم وجود القاطع فيها مجتهدًا فيها، وبالنسبة إلى شخص علم ذلك ليس كذلك. وقال أبو الحسين البصرى: (المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون في الأحكام الشرعية).

стр. 3502

قال الإمام- ﵀: وهذا ضعيف؛ لأن جواز اختلاف المجتهدين فيها مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها لزم الدور. وفى هذا التضعيف نظر؛ لأن التعريف إنما وقع بالاختلاف لا بجواز الاختلاف وهو غيره، ومثله لا يتأتى في نفس الاختلاف. لأنا نمنع أن الاختلاف فيها مشروط بكون المسالة اجتهادية، وهذا لأنه قد يقع الاختلاف في الأحكام الشرعية في غير المسألة الاجتهادية، لكن على هذا التقدير يرد عليه أن يكون غير مانع لما ذكرته من وقوع الاختلاف في غير المسائل الاجتهادية.

стр. 3503

الفصل الأول في المجتهد وفيه مسائل:

стр. 3504

المسألة الأولى اختلفوا في أن الرسول- ﵇ هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه: فذهب الشافعي وكثر أصحابه، والإمام أحمد، والقاضي أبو يوسف والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصرى إلى جواز ذلك. ثم منهم من قطع بوقوع التعبد بهذا الجائز، ومنهم من لم يقطع به. وذهب أبو على، وأبو هاشم إلى أنه لم يكن متعبدًا به.

стр. 3505

ومنهم من فصل بين الأحكام الشرعية، وبين أمور الحرب فجوزه في الثاني دون الأول. وتوقف فيه جمهور من المحققين. احتج الأولون بوجوه: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ أمر بالاعتبار لأولى الأبصار على العموم/ (٢٩٣/ أ) فكان ﵇ مندرجا تحته؛ لأنه ﵇ أعلى الناس بصيرة، وأكثرهم إصابة، لكثرة اطلاعه على شرائط القباس، وما يجب وما يجوز فيها، وذلك يقتضى اندراجه تحته بالطريق الأولى، فإن لم تكن الأولوية حاصلة فلا أقل من المساواة فكان مأمورًا بالقياس فكان [متعبدًا]، بالقياس فكان فاعلاً له، وإلا قدح ذلك في عصمته، وهذا التقرير لمن قطع بوقوع التعبد به [ووقوعه منه، فإن كل من قطع بوقوع التعبد به]، قال بوقوعه منه، وأما من قال بالجواز الشرعي ولم يقطع بوقوع التعبد به يحتاج أن يقول: أدنى درجات الأمر أن يكون للإباحة فيحمل عليها؛ إما لأنه حقيقة فيها، أو حمل اللفظ على أقل مفهوماته فيكون الاعتبار جائزًا منه وهو المطلوب.

стр. 3506

وثانيها. قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ وهو صريح بوقوع التعبد بالحكم بما أراه الله تعالى وهو يعم ما أراه بطريق التنصيص، أو بطريق الاستنباط من النص فيحمل عليها فوجب أن يكون مأمورًا بالحكم بالطريقتين وهو المطلوب. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وهو إنما يكون فيما يفعل بالرأي؛ لأن ما هو منصوص عليه فعله متعين فلم يكن للمشاورة فيه معنى. لا يقال: المراد منه الآراء والحروب والأمور الدنياوية. قلت: إنه تقييد للإطلاق فيكون خلاف الأصل لا بصار إليه إلا لدليل. ورابعها: قوله تعالى في قصة داود: ﴿ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا﴾ ومن الظاهر أن مثله لا يستعمل في المنصوص عليه فكان دور في الاجتهاد والرأي، وإذا ثبت جواز ذلك في حقهم ثبت أيضًا في حق نبينا ضرورة أنه لا قائل بالفصل. وخامسها: ما يروى عنه- ﵇ أنه قال: "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدي".

стр. 3507

ومثله لا يقال ديما كان بالوحى. وروى عنه ﵇ أنه كان يقضى في القضية. والقرآن ينزل والحكم بغير القرآن، وهو لا يكون إلا بالاجتهاد. وهذا فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون بوحى غير متلو ولا شك أنه غير القرآن. ومن هذا الجنس التمسك على المسالة بقوله- ﵇: [(كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) وقوله: ﵇ (كنت نهيتكم عن تحريم)] الأضاحي لأجل الدافة ألا فأدخروها" فإنه يجوز أن يكون كل واحد من الحكمين الناسخ والمنسوخ بوحى غير متلو. وسادسها: أنه إذا غلب على ظنه- ﵇ كون الحكم في الأصل معللاً بوصف، ثم علم أو ظن- ﵇ حصول ذلك الوصف في صورة أخرى فلابد أن يظن أن حكم الله تعالى في الفرع مثل حكمه في الأصل، وترجيح الراجح عبى المرجوح من مقتضيات بدائه العقول، وهذا

стр. 3508

يقتضي أن يجب عليه العمل بالقياس. ولقائل أن يقول: لا نزل في أن ترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات بدائه المحقول، لكن لم لا يجوز أن يقال: لا يجوز له العمل بهذا الراجح لقدرته على ما هو أرجح منه؟ وهو النص فإن عند القدرة على الارجح لا يجوز العمل بالراجح؟ وسابعها. أن السنن مضافة إلى الرسول- ﵇ ولو كان الكل بالوحى لم يبق لتلك الإضافة معنى كما أن الشافعي- ﵁ مثلا إذا أثبت حكما بصراحة النص بحيث لا يحتاج فيه إلى اجتهاد وفكر فإنه لا يقال فيه: إن ذلك مذهب الشافعي- رضى الله عنه- ولهذا لم يحسن أن يقال: مذهب الشافعي- رضى الله عنه- وجوب الصلوات الخمس ووجوب صوم رمضان فأما إذا أثبته بضرب من الاجتهاد والنظر فإنه يقال فيه ذلك فكذا مانحن فيه. وهذا ليس بقوى؛ لاحتمال أن يقال: إنه إنما يضاف إليه- ﵇ لأن كان منصوصًا عليه، لكونه لم يشرع مثل ذلك لغيره فصحت الإضافة معتمدة على الاختصاص، وإنما لا يضاف إلى الشافعي- رضى الله عنه- ما ذكرتم لأنه لا اختصاص له به؛ ولهذا لو أثبت حكما مختصا به فإنه يضاف إليه وإن كان بصريح النص كما لو أثبت حكما بنص صريح بحيث لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد والنظر واعتقد غيره نسخ ذلك النص فإنه يضاف ذلك الحكم/ (٢٩٤/ أ) إليه وإن لم يكن فيه اجتهاد ونظر، لما أنه مختص به.

стр. 3509

وثامنها: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص فيكون أكثر ثوابا، لقوله ﵇: "أفضل الأعمال أحمزها" أي أشقها، فلو لم يعمل الرسول ﵇ بالاجتهاد مع أن أمته عملوا به لزم أن يكون آحاد الأمة مختصا بفضيلة لا توجد فيه فيلزم أن يكون آحاد الأمة أفضل منه في تلك الفضيلة وهو محال لأن آحاد الأمة لا يكون أفضل منه في شيء أصلاً. لا يقال: إن هذا إنما يمتنع إن لو لم يكن الرسول- ﵇ متصفا بفضيلة أخرى أعلى منها بآرائه، فأما إذا كان متصفا بآرائه بفضيلة أخرى أعلى منها فلا نسلم امتناعه وها هنا كذلك، لأنه متصف باستدراك الأحكام من جهة الوحى، وهذا المنصب أعلى من رتبة استدراك الأحكام بطريق الاجتهاد. سلمناه، لكن يقتضى أن لا يعمل الرسول- ﵇ إلا بالاجتهاد، ضرورة أن ذلك أفضل لكونه أشق؛ لأنا نقول: الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أنه لا معنى للنبوة إلا إبلاع أثناء الله تعالى وأحكامه بطريق الوحى إلى خلقه، وحينئذ يصير تقدير كلامكم: إنه إنما يمتنع ذلك إن لو لم يكن الرسول رسولاً، فأما بتقدير ذلك فلا نسلم امتناعه، ومعلوم أن ذلك

стр. 3510

باطل من جهة اللفظ والمعنى. وثانيهما: أن استدراك الاحكام بطريق الوحى، وإن كان أعلى درجة من الاجتهاد لكن ليس فيه تحمل المشقة في استدراك الحكم، ولا يظهر فيه أثر دقة الخاطر، وجودة القريحة، وإذا كان هذا نوعا مفردًا من الفضيلة لم يجز خلو الوصول عنها بالكلية. وعن الثاني: أن ذلك غير ممكن؟ لأن العمل بالاجتهاد في كل الشريعة ممتنع، لأن العمل بالاجتهاد مشروط بالتنصيص على أحكام الأصول، وإذا كان كذلك كان العمل بالاجتهاد في كل الشريعة [ممتنعًا]. ولقائل: أن يقول: هب أن العمل به كل الشريعة]، متعذر لكن لا يمتنع العمل به في كثر الشريعة وهو ما عدا الأصول المنصوصة عليها، فكان يجب أن لا يعمل في أكثر إلا بالاجتهاد، ومعلوم أن ذلك غير متعذر، لكنه ليس كذلك، فإن أكثر أحكام الشرع ليس صادرًا عن اجتهاد الرسول وفاقًا فالأولى في ذلك أن يقال: مقتضى هذا الدليل إن يكون الامو كما ذكوتم ترك العمل به في الأكثر فوجب أن يبقى. معمولاً به في الأقل. وتاسعها: قوله ﵇: "العلماء ورثة الأنبياء"، وهذا يوجب أن يكون له في الاجتهاد في الأحكام الشرعية ليرثوا عنه، إذ لو ثبت ذلك لهم

стр. 3511

ابتداء لم يكونوا وارثين عنه في ذلك. وفيه نظر، وهذا لأنا قد نسلم أن قولنا: فلان وارث فلان يقتضى أن جميع ما للمورث يكون للوارث، لكن لا نسلم أن جميع ما للوارث يكون من الموروث، فلم يلزم من جواز العمل بالاجتهاد للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء جوازه لهم- ﵈. فإن قلت: الظاهر من قوله- ﵇ "العلماء ورثة الأنبياء"، أنهم ورثته فيما اختصوا به من العلم مطلقًا وحينئذ لو لم تكن علومهم الاجتهادية مورثة عن الأنبياء لكان ذلك تقييدًا للمطلق، وتخصيصًا للعام من غير ضرورة، وهو خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لدليل. قلت: لا نسلم المعنى على ما ذكرتم فضلاً عن أن يكون ذلك ظاهره وهذا لأن معناه: أن العلماء ورثة الأنبياء فيما كان للأنبياء من العلوم وعلى هذا التقدير، وإن كان يلزم منه التخصيص ضرورة أنهم ليسوا ورثته في العلوم التي هي مختصمة بالنبوة، لكنه خير من المجاز الذي ذكرتموه؛ فإن ما ذكرتم ليس حقيقة اللفظ بدليل أنه لا يفهم من قول القائل: زيد وارث عمرو وأنه وارثه فيما اختص [به، بل الذى يفهم منه أن زيدًا وارث عمرو فيما اختص]، بعمرو.

стр. 3512

سلمنا أن علومهم الاجتهادية موروثة من الأنبياء، لكن لا يلزم من حصول هذه العلوم لهم جواز العمل بالاجتهاد وهذا هو المتنازع فيه دون الأول، وهذا كما أنه يجوز أن يحصل للمجتهد العلوم الاجتهادية، ثم لا يجوز له العمل في بعض المسائل لاقتداره على تحصيل العلم به، أو الظن بطريق النص، فكذا / (٢٩٥/أ) في حق الأنبياء- ﵈ لاقتدارهم على معرفة الأحكام بطريق الوحى. وعاشرها: أنه صدر منه أحكام اجتهادية، وهو دليل الجواز والوقوع وإلا فدح ذلك في عصمته. بيان الأول بصور أحدها: أنه قال في مكة؛ لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها فقال العباس: إلا الإذخر فقال- ﵇: "إلا الإذخر" ومعلوم أن الوحي لم ينزل في تلك الحالة بالاستثناء؛ لقلة ذلك

стр. 3513

الزمان، ولعدم إمارة الوحى فكان الاستثناء بالاجتهاد. وثانيها: أنه أمر يوم فتح مكة بقتل مقيس بن صبابة. وابن أبى سرح. وإن وجدا متعلقين بأستار الكعبة [مع تقدم قوله: "من تعلق بالشار الكعبة فهو آمن]،، ثم أنه- ﵇ عفى عن ابن أبي سرح

стр. 3514

بشفاعة عثمان فكان ذلك بالاجتهاد، إذ لو كان ذلك بالتنصيص لما عفى عنه إلا بوحى آخر، وهو لم يوجد لما سبق من الوجهين، ولأن النسخ خلاف الأصل ولا يحمل عليه بمجرد الاحتمال. وثالثها: أنه أمر بالنداء يوم فتح مكة (أن لا هجرة بعد الفتح)، فنودى حتى استفاض ذلك، فبينما المسلمون كذلك إذ أقبل مجاشع بن مسعود بالعباس شفيعًا ليجعله مهاجرًا بعد الفتح فقال ﵇: "اشفع عمي ولا

стр. 3515

هجرة بعد الفتح" ولم يكن ذلك بالوحى لما سبق فكان ذلك بالاجتهاد فثبت أنه صدر منه أحكام اجتهادية في الشرع وهو المطلوب. وفى هذا الوجه نظر ستعوف ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما الذى يدل على جواز اجتهاده في أمور الحرب وقوعه منه، فإنه اجتهد في أخذ الفداء عن أسارى بدر. فكان يراجعهم في تلك الحالة، وذلك لا

стр. 3516

يكون إلا عن اجتهاد. ويؤكده: ما عاتبه الله في ذلك بقوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ الآية. ولو كان بطريق الوحى لما عوتب على ذلك. وأيضًا قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ يدل على أن ذلك الإذن كان عن اجتهاد إذ لو كان بالوحى لما كان ذنبًا أو تركًا للأولى فما كان يحسن أن يقال: ﴿عفا الله عنك﴾، ولأن ذلك لو كان بالوحى لكان امتثاله يوجب إاستحقاق المدح والثناء لا الذم والتوبيخ. وأيضًا: روى أن بعض الصحابة راجعه في منزل نزلة، فقال. إن كان هذا بوحي فالسمع والطاعة، وإلا فليس هو بمنزل مكيدة، فقال: بل الرأي نرحل عنها.

стр. 3517

وهذا يدل بصراحته على أن ذلك ليس بوحى. ولأنه رحل عنها بقوله، ولو كان عن وحى لما رحل عنها بقوله، ولما جاز له أيضا مراجعته فهو إذن عن اجتهاد. واحتج المانعون منه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحي﴾ دلت الآية على أن [كل]، ما ينطق به فهو عن وحى، ترك العمل بها في النطق بالأمور العادية فوجب أن يبقى معمولاً بها في الأحكام الشرعية، ولا يحسن أن نتمسك بصدر الآية فإن من الظاهر أن النطق عن الاجتهاد ليس بهوى، لأن النطق عن الهوى مذموم، والنطق عن الاجتهاد والنظر مأمور به، وإنما الذى يحسن التمسك منها إنما هو بقوله: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. وجوابه: أنه إنما يتناول النطق دون اجتهاده الذى هو من فعله لا من نطقه، والنزل إنما هو في الاجتهاد. سلمناه لكن لما أمر بالاجتهاد والابلاغ بمقتضاه والعمل به لم يكن ذلك نطقا بغير الوحى بل هو به.

стр. 3518

وثانيها: قوله تعالى: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلى﴾ وذلك يقتضى أن لا يتبع الحكم الصادر عن الاجتهاد. وجوابه: ما تقدم، ويخصه أن المراد منه: القرآن أي ما أتلو عليكم منه إلا ما يوحى إلى بقرينة قوله: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾. وثالثها: أنه لا يجوز مراجعته في الأحكام الشرعية لقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية وبالإجماع أيضًا، ويجوز مراجعته فى اجتهاده ورأية؛ لما روى أنه نزل منزلاً فقال بعض الصحابة: إن كان هذا عن وحي فالسمع والطاعة وإلا فليس هو بمنزل مكيدة، ولم ينكر- ﵇ عليه بل روى أنه رحل عنها، فيكون ذلك دليلاً على جواز مراجعته في اجتهاده ورأيه فيلزم أن لا يكون شيء من الأحكام الشرعية عن اجتهاد ورأى. وجوابه:/ (٢٩٦/ أ) منع جواز مراجعته فيما يصدر عن اجتهاده ورأيه مطلقًا بل إنما يجوز في الآراء والحروب، فلم قلتم أنه يحوز في الأحكام الشرعية الصادرة عن اجتهاد ورأى؟. ورابعها: أن مخالفه ﵇ يكفر بما تلونا من الآية، ومخالفه في الأحكام الاجتهادية لا يكفر لقوله- ﵇: (من اجتهد فأصاب فله

стр. 3519

أجران ومن أخطأ فله أجر واحد). ومن له أجر في عمل لا يكفر به وفاقا فليس شيء من أحكامه عن اجتهاد. وجوابه: منع أن مخالفة في الأحكام الاجتهادية لا يكفر؛ وهذا لأن الحكم الاجتهادي وإن كان مظنونًا لكن الرسول- ﵇ لما أفتى به صار مقطوعًا به. لأنه لا يجوز أن يقو على الخطأ كما أن الحكم الاجتهادي إذا صار مجمعا عليه صار مقطوعًا به، واجتهاده- ﵇، وتقريره- عليه "السلام- لا يتقاصر عن إجماع مجموع الأمة على الحكم الاجتهادي [فإن عصمتهم]، نتيجة عصمته- ﵇، والحديث محمول على الخطأ في الحكم الاجتهادي الذي لم يصو مقطوعًا به؛ بدليل أن الحكم الاجتهادي إذا صار مجمعًا عليه لم يستحق مخالفه على ذلك أجرًا بل ربما يضلل ويفسق.

стр. 3520

وخامسها: لو كان شيء من الأحكام الشرعية صادرًا عن اجتهاده لجاز أن يخالف فيه؛ لأن ذلك من لوازم الحكم الاجتهادي، ولجاز أن يحصل لمخالفه أجر لما تقدم من الحديث لكنه باطل بالإجماع، فوجب أن لا يكون شيء من الأحكام الشرعية مشروعا بطريق الاجتهاد من جهته ﵇. وجوابه: منع أن ذلك من لوارم الحكم الاجتهادي مطلقًا بل هو من لوازم الحكم الاجتهادي المظنون، فأما إذا صار مقطوعا به فلا. وسادسها: لو كان مأمورًا بالاجتهاد في الأحكام الشرعية لكان عاملاً به، وإلا قدح ذلك في عصمته، ولو كان عمل به لأظهره، لئلا يكون موهما شرعيته بطريق الوحى فإنه أكثر، والفرد يلحق بالأعم والأغلب فيكون مغريًا على الجهل، ولكن ليقتضي به فما فعل ذلك في غيره، ولما توقف في شيء عن الأحكام الذى سئل عنه على الوحى لتمكنه من معرفة الحكم فيه بطريق الاجتهاد والعقل وإلا كان مؤخرًا للبيان عن وقت الحاجة، فإن القدرة على تحصيل الشيء قد تجعل كحصول الشيء، كما جعلت القدرة على تحصيل الماء كحصوله في عدم جواز التيمم، وهو غير جائز لكن- ﵇ توقف عليه في كثير من المسائل كما في مسائل الظهار

стр. 3521

واللعان فدل على أنه غير مشروع في حقه. وجوابه: لعله إنما لم يظهره صريحا لعلمه- ﵇ بمعرفة الأمة ذلك من الأدلة التي ذكرناها على ذلك. سلمنا أنه لابد من الاظهار لكن لا نسلم أنه لم يظهره فلعله أظهره صريحا لكنه لم ينقل لندرته. سلمنا أنه لابد من النقل لكن لا نسلم أنه لم ينقل؛ وهذا فإنه نقل طويق الاجتهاد في حديث الخثعمية، وفي حديث عمر في قبلة الصائم، فلعل ذلك كان طويقه في معرفة ذلك الحكم فلما سئل عنه أجاب عنه بطريق اجتهاده. وأما توقفه على الوحى فلعله كان في الأحكام التي لا مجال للاجتهاد فيها. يؤكده: أنه إنما نقل عنه- ﵇ التوقف في الأصول المستقلة التي لا يمكن أن تقاس على أصول أخر بجامع معتبر بل لا يعقل معناها كما في الظهار واللعان وغيرهما دون تفاريع المسائل للأصول المستقلة. سلمنا إمكان الاجتهاد فيما توقف فيه لكن الاجتهاد إنما. يسوغ حيث علم أو ظن العجز عن وجدان النص، فلعله- ﵇ كان يتوقف ريثما يعلم

стр. 3522

أو يظن أن الله تعالى لم ينزل عليه الوحى وحينئذ لم يكن مؤخرًا للبيان عن وقت الحاجة. وسابعها: لو جاز له الاجتهاد في الأحكام الشرعية لجاز لجبريل- ﵇. وحينئذ لا يعرف أن هذا الشرع الذى جاءنا به محمد رسول الله ﷺ من وحي الله تعالى، أو من اجتهاد جبريل- ﵇. وجوابه: أنه قياس خال عن الجامع، ثم الفرق ظاهر غنى عن البيان. سلمنا عدم الفرق لكنه احتمال مدفوع بالإجماع. وثامنها: أن تجويزه له يورث التهمة في حقه وهى أنه ربما يعتقد أته- ﵇ هو الواضع / (٢٩٧/أ) للشريعة من تلقاء نفسه وهو مما يوجب النفرة ويخل بمقصود البعثة وهو باطل قطعًا. وجوابه: أن التهمة إنما تتأتي إذ لو أمكن وضع الشويعة بالاجتهاد لكن ذلك معلوم الامتناع، فتكون التهمة زائلةً محنه لعدم إمكانه. سلمناه لكن التهمة زائلة عنه في وضع الشريعة بالرأي والاجتهاد بالمعجزات الدالة على صدقه في كل ما يدعيه، ومعلوم أنه ادعى أن هذه الشريعة من جهة الله تعالى بالوحى والتنزيل لا من تلقاء نفسه فيلزم أن يكون صادقًا فيه فتكون التهمة زائلة. وتاسعها: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا الشموط مفقود في حقه

стр. 3523

عليه السلام لأنه ما من حالة إلا ويتوقع نزول الوحى فيها، وإمكان نزول الوحي في حقه كإمكان وجدان النص في حقنا فما لم يحصل له اليأس عن نزول الوحي لا يجوز له الاجتهاد كما لا يجوز لنا الاجتهاد ما لم يحصل لنا اليأس عن وجدان النص. وجوابه: منع أن إمكان نزول الوحى في حقه كإمكان وجدان النص في حقنا؛ وهذا لأن الأصل في كل معدوم دوامه واستمراره، وليس الأصل عدم وجدان الموجود، ولأن شرط صحة العمل بالاجتهاد عدم وجود، لا عدم وجدانه، غاية ما في الباب أنه إذا لم يجده جاز له العمل بالاجتهاد للضرورة، ولهذا لو علم وجود النص بعد ذلك تبينا بطلان الاجتهاد من أصله، وليس كذلك في صورة توقع نزول الوحي والنص فإنه لا يبطل العمل به إلا من حين نزول الوحي. سلمناه لكن لا يشترط في اليأس من نزوله أن يحصل له القطع بذلك بل يكفي فيه غلبة الظن فلعله- ﵇ ما كان يجتهد حتى يحصل له الظن بعدم نزول الوحي في تلك الواقعة. وعاشرها: أجمعنا على أنه لا يجوز له أن يخبر ما لا يعلم كونه صدقًا وإذ غلب على ظنه صدقه، فكذا لا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم كونه صوابًا وحقًا وإن غلب على ظنه صوابًا وحقًا. وجوابه. أنه قياس خال عن الجامع.

стр. 3524

سلمناه لكن الفرق بينهما حاصل وبيانه من حيث الإجمال والتفصيل. أما الإجمالي فهو: أن الإخبار بما لا يعلم كونه صدقا لا يؤمن فيه عن الكذب الذى هو عبارة عن الاخبار عن الشيء خلافًا ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز الإقدام عليه لأحد من الأمة فضلاً عن النبي- ﵇ بخلاف الحكم بطريق الاجتهاد فإنه وإن اختلف في جوازه للنبي- ﵇ لكنه جائز للامة وفاقا، والاختلاف في الحكم دليل على الاختلاف في الحكمة. وأما من حيث التفصيل فهو: أن الحكم بطريق الاجتهاد مما علم كونه صوابًا وحقًا لا محالة أما على قولنا: كل مجتهد مصيب فظاهر، وأما على قولنا: المصيب واحد فكذلك؛ لأن المجتهد مأمور بالعمل بما غلب على ظنه أنه حكم الله في حقه، فيكون العمل بمقتضى ما غلب على الظن حقصا وصوابًا قطعًا. سلمنا احتمال الخطأ للمجتهد في الجملة لكن الرسول ممنوع عنه؛ وهذا لأنا وإن جوزنا له الاجتهاد لكن لا يجوز له أن يخطئ في اجتهاده فليس هو كالخبر الذي لا يؤمن من فيه عن الكذب.

стр. 3525

فرع إذا جوزنا له الاجتهاد فالحق عندنا أنه لا يجوز له أن يخطئ. وقال أكثر أصحابنا يجوز لكن بشرط أن لا يقر عليه. لنا: أن تجويز الخطا عليه غض من منصبه فوجب أن لا يجوز. وأيضًا: فإن اجتهاده بتشريع الأحكام جار مجرى إبلاغ تشريعه لكما لا يجوز عليه الخطأ في ذلك فكذا فيما نحن فيه. واحتج الإمام- رحمه الله تعالى- على ذلك: بأنا مأمورون لاتباعه في الحكم لقوله تعالى. ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ فلو جاز عليه الخطأ لكنا مأمورين بالخطأ وذلك ينافي كونه خطأ.

стр. 3526

ولقائل أن يقول: الأمر باتباعه إنما يكون بعد أن يقر عليه، فأما قبله فلا يتصور ذلك. إذ المعنى منه أنه لا يقر عليه بحيث إن / (٢٩٨/ أ) يحكم به وبشرعه بل ينبه عليه قبل ذلك والخصم لا يجوز أن يقر عليه فلم ينتهض ما ذكره دليلاً عليه. واحتج على ذلك أيضًا: بأن مجموع الأمة معصومة عن الخطأ في اجتهادها فكذلك النبي ﵇ بل بالطريق الأولى؟ لأن عصمتهم مستفادة من عصمته- ﵇، ولأنه أكرم عند الله تعالى منهم. وفيه أيضًا نظر؛ من حيث إن ذلك إنما لا يجوز لأن الأمة لو أخطأت لم يمكن أن يقال: إنهم لا يقرون على ذلك لانقطاع الوحى بعد الرسول ﵇ فيفضى ذلك إلى أن يبقى الخطأ شرعًا دائمًا، وليس كذلك في حق الرسول- ﵇، فإنه إذا اتفق ذلك منه- ﵇ نبه عليه بالتنزيل والوحي فافترقا. واحتج الخصم بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ والعفو لا يكون إلا عن خطأ. وجوابه: أنا لا نسلم أن ذلك كان عن اجتهاد. سلمناه لكن ذلك في أمر الأمراء والحروب والمصالح الدنيوية، والخصم ربما يجوز ذلك، فلم قلت: يجوز مثله في الأحكام؟

стр. 3527

سلمناه، لكن لا نسلم أن العفو لا يكون إلا عن خطأ، فلم لا يجوز أن يكون عن ترك الأولى؟ فإن سيئات المقربين حسنات الأبرار. وثانيها: قوله تعالى في أسارى بدر: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ وقال ﵇ "لو نزل عذاب من الله لما نجا إلا ابن الخطاب".

стр. 3528

وهذا يدل على أنه ﵇ أخطأ في أخذ الفداء. وجوابه: بعض ما سبق. وثالثها: قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ فلما جاز الخطأ على غيره جاز أيضًا عليه. وجوابه: أنه لا يلزم من التساوي في البشرية التساوي في جواز الخطأ، فإن الافتراق بينه- ﵇ وبين غيره من البشر واقع في أمور كثيرة. ورأسها: قوله ﵇: "إنكم لتختصمون لدى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من غيره فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار"، فلو لم يجز أن يقضي لأحد إلا بحقه لم يفد هذا.

стр. 3529

وجوابه: أن ذلك ليس مما نحن فيه [في] شيء؛ لأن الحديث محمول على إقامة شهادة الزور ونحوها، وهو ليس من اجتهاده- ﵇ في شيء. وخامسها: أنه يجوز أن يغلط في أفعاله، فيجوز أن يغلط في أقواله كغيره من المجتهدين. وجوابه: منع الحكم في الأصل. سلمناه لكنه قياس خال عن الجامع. سلمنا حصول الجامع لكن يجوز عليه الخطأ والغلط في أفعاله، ولا يجوز أن يغلط في أقواله كغيره من المجتهدين. وجوابه: منع الحكم في الأصل. سلمناه لكنه قياس خال عن الجامع. سلمنا حصول الجامع لكن يجوز عليه الخطأ والغلط في أفعاله، ولا يجوز ذلك في أقواله فيما يتعلق في الإبلاغ عن الله تعالى، وتشريع الشريعة التي أوحى بها إليه وفاقًا، فليس الأقوال كالأفعال فلم يصح قياسها عليه.

стр. 3530

المسألة الثانية اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد الرسول- ﵇ . فأما عصره- ﵇ فقد اختلفوا فيه فمنهم من جوزه مطلقا وهو المختار. ومنهم من منع منه مطلقًا. ومنهم من فصل. وهؤلاء فرق. أحدهما: الذين قالوا بجواز ذلك للغائبين عن حضرة الرسول من القضاة والولاة دون الحاضرين. وثانيها: الذين جوزوا ذلك للغائبين مطلقا دون الحاضرين.

стр. 3531

وثالثها: الذين قالوا بجواز ذلك مطلقًا إذا لم يوجد من ذلك منع فأما إذا وجد ذلك فلا. وهذا ليس بمرض؛ لأن ما بعده أيضًا كذلك فلم يكن له خصوصية بزمانه ﵇ ورابعها: الذين قالوا: إن ورد الاذن بذلك جاز وإلا فلا، ثم منهم من نزل السكوت عن المنع منه مع العلم بوقوعه، منزلة الإذن، ومنهم من لم ينزله منزلته بل اعتبر صريح الإذن فيه. ثم القائلون بجواز الاجتهاد اختلفوا في وقوع التعبد به سمعًا. فمنهم من قال. إن الاجتهاد كان متعبدًا [به]، للحاضرين والغائبين وهو المختار ومنهم من منعه مطلقًا كأبي علي وأبي هاشم. ومنهم من توقف في ذلك بالنسبة إلى الفريقين. ومنهم من توقف في حق الحاضرين دون الغائبين وهذا اختيار والقاضي عبد الجبار.

стр. 3532

والدليل على جوازه مطلقًا: أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرع؛ إذ لا يلزم من قول الرسول ﵇ لبعض من حضره: لقد أوحى [إلى]، أنك مأمور بالاجتهاد، ومأمور بأن تعمل بما غلب على ظنك محال/ (٢٩٩/ أ) لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرع لا لذاته وهو [ظاهر]، جدًا، ولا لغيره إذ الأصل عدمه فمن ادعى فعليه البيان، فوجب أن يثبت جوازه إذ لا معنى للجائز إلا ذلك. وأيضًا: إن ما جار به الحكم في غير حضرة الرسول جاز به الحكم في حضرته كالكتاب والسنة. واحتج الخصم بوجوه: أحدها: أن الاجتهاد في معرض الخطأ والغلط، والنص آمن منه، ومن هو في عصره- ﵇ قادر على التوصل إلى الحكم بطريق النص، وحينئذ يكون آمنًا من الخطأ والغلط، وسلوك الطريق المخوف مع القدرة على سلوك الطريق الآمن قبيح عقلاً، والقبيح غير جائز عقلاً. وجوابه: منع المقدمة الأولى؛ وهذا لأن الشرع لما قال له: أنت مأمور بالاجتهاد وبالعمل بما غلب على ظنك كان آمنا من الغلط، لأنه بعد الاجتهاد يكون آتيًا بما أمر به. سلمنا لكن لا نسلم أنه قادر على التوصل إلى النص؛ وهذا لأن ورود النص ليس باختيار المكلف ومسألته، بل جار أن يسال عن القضية ولا يرد فيها نص بأن يؤمر بالعمل فيها بما يغلب على ظنه، ولا يمكنكم نفى هذا الاحتمال إلا إذا أثبتم نفى جواز الاجتهاد فبيان نفي جواز الاجتهاد بناء على

стр. 3533

نفي هذا الاحتمال دور. سلمناه لكن لا نسلم أن ترك العمل بمقتضى الاحتياط قبيح. سلمناه لكن لا نسلم أن القبيح غير جائز عقلاً. وثانيها: أن الصحابة- رضى الله عنهم- كانوا يفزعون إلى الرسول- ﵇ عند حدوث الوقائع، ولو كلان الاجتهاد جائزًا لهم لرجعوا إليه وحينئذ يجب أن ينقل كاجتهادهم بعده- ﵇. وجوابه: لعل ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد ولو سلم ظهور ذلك لكن سلوك إحدى الطريقتين المفضية إلى المقصود على سبيل السهولة لا يقتضي امتناع إفضاء الطريقة الأخرى إلى المقصود. سلمناه لكن لا نسلم أنهم ما رجعوا إليه؛ فلعلهم رجعوا إليه وإنما سألوا الرسول- ﵇ بعد اجتهادهم، ليتأكد اجتهادهم بنص الرسول- ﵇ ولم تنقل تلك الاجتهادات، إما لقلتها، أو لأنهم لم يظهروها، أو اكتفاء بالنص. وثالثها: أن الحكم بالاجتهاد في حضرة الرسول- ﵇ يعد من باب التعاطي والافتيات عليه فوجب أن لا يجوز. وجوابه: أنا لا نسلم أنه معدود منه وإنما يعد ذلك أن لو كان ذلك بغير الإذن، فأما إذا كان بإذنه كان ذلك امتثالاً لأمره [لا] افتياتًا.

стр. 3534

وأما الدليل على وقوع التعبد به سمعا فمن وجوه: أحدها: قول الصديق- رضى الله عنه- لأبي قتادة: (لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه) فقال- ﵇: "صدق" صدقه في فتواه ولم يكن ذلك عن نص وإلا لم يكن لتصديقه معنى، ولكان الصديق أسنده لكونه أقرب إلى الإذعان والانقياد فهو إذن عق رأيه واجتهاده. وثانيها: ما روى عنه- ﵇ أنه حكم سعد بن معاذ في بنى قريظة، فحكم بقتل مقاتلتهم، وسبي نسائهم وذراريهم، فقال عليه

стр. 3535

السلام: "لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة". وثالثها. ما روى عنه- ﵇ أنه قد أمر لعمرو بن العاص وعقبة ابن عامر أن يحكما بين خصمين وقال لهما: [إن أصبتما فلكما عشر

стр. 3536

حسنات وأن أخطأتما فلكما حسنة واحدة. وقد روى على غير هذا الوجه؛ وهو صريح الدلالة في جواز الاجتهاد بحضرته بالإذن. وأما ما يدل على جواز ذلك للغائب عن حضرته فقصة معاذ حين بعثه قاضيًا إلى اليمن، وعتاب بن أسيد حين ولاه مكة. فإن قلت: هذه أخبار آحاد فلا تفيد القطع فلا يجوز التمسك بها فيما نحن فيه، لأنها من المسائل العلمية. سلمناه لكن إنما يدل على من منع ذلك مطلقًا، فأما من جوز ذلك بشرط الإذن فلا. سلمناه لكنها أخبار خاصة في حق بعض الناس فلا يثبت بها جواز الاجتهاد على سبيل العموم. قلت: هذه الأخبار وإن كانت أخبار أحاد لكن تلقته الأمه بالقبول فجاز أن يقال أنها تفيد القطع للاتفاق عليه. سلمنا أن كل واحد منها لا يفيد القطع لكن لم/ (٣٠٠/ أ) قلت: إن مجموع [ما ورد] في هذا الباب لا يفيد

стр. 3537

القطع فالمقصود إفادة القطع من مجموعها لا من كل واحد منها. سلمناه لكن المدعى إنما هو حصول الظن لا القطع. وأما قوله. إنها تفيد جوازه بشرط الإذن. قلنا: بل تفيد جوازه مطلقًا فإن حديث أبى بكر- رضى الله عنه- يدل على المطلوب مطلقًا، لأنه ما كان مسبوقًا بالإذن. قوله: لا يثبت به الجواز في حق عموم الناس. قلنا: بل يثبت، وهذا لأنه إذا ثبت جواز في حق بعض من عاصره ممن هو بحضرته ﵇ ثبت ذلك في حق غيرهم ضرورة أنه لا قائل بالفصل. سلمنا عدم دلالته على العموم، لكن ليس المطلوب ذلك بل المطلوب بيان وقوع الاجتهاد ممن هو بحضرته، سواء كان بالإذن أو بغيره وقد ثبت فيكون المطلوب حاصلاً). وأما الاستدلال على المسألة بقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ من حيث إنه كان- ﵇ مأمورًا بالمشاورة، ولا فائدة في ذلك إلا جواز الحكم على حسب اجتهادهم فضعيف، لاحتمال أن يقال: إن ذلك في الحروب والآراء ومصالح الدنيا لا في أحكام الشرع.

стр. 3538

المسأله الثالثة في شرائط المجتهد أعلم أن المعتبر في ذلك أن يكون المكلف متمكنًا من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الشرعية، ولا تحصل له هذه المكنة إلا بأمور: أحدها. أن يكون عارفًا بمعاني الألفاظ ومقتضياتها؟ لأنه لو لم يعرف ذلك لم يفهم منه شيئًا، ولما كان اللفظ قد يفيد معنى بحسب المطابقة، أو التضمن أو الالتزام، وكل واحد منهما إما بحسب الوضع اللغوي أو العرفي، أو الشرعي، وجب أن يعرف هذه الدلالات بهذه الاعتبارات، وكذلك يجب عليه أن يعوف سائر وجوه دلالات اللفظ كدلالة اقتضائه، وإشارته، وايمائه، ومفهومه المخالف، والموافق، وكذلك يجب عليه أن يعرف [ما يتعلق بها من أحكام هذه الدلالة نحو أن يعرف]، ما يجوز منها أن يجتمع صمع مع الأخرى، وما لا يجوز، وأن التي يجوز الاجتماع بينها يجب أن يحصل اللفظ عليها بأسرها عند تجرده عن القرينة المعينة لإحدى الدلالات منها.

стр. 3539

وثانيها: أن يعرف من حال المخاطب أنه يعنى باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرد عق القرينة العينة، وإن كان معها قرينة مما تقتضيه القرينة؛ لأنه لولا ذلك لما حصل الوثوق بشيء من الأحكام، ولا بالخبر ولا بالوعد والوعيد، لجواز أن يقال: إنه عنى بالخطاب الذى يدل ظاهره على حكم أو خبر أو وعد أو وعيد غير ظاهره مع أنه لم ينبه عليه. واختلفوا في طريق العلم إلى ذلك: فقالت المعتزلة: إنما يعرف ذلك بحكمة المتكلم، أو بعصمته أما الأول فمبنى على أنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بغنائه عنه، ومتى كان كذلك يستحيل منه فعله لعدم الداعي إليه. وأما أصحابنا لما لم يقولوا بالتحسين والتقبيح العقلي لم يمكنهم بناء ذلك عليه بل قالوا: إنا وإن جوزنا ذلك من الله تعالى بناء أنه لم يقبح شيء من الله تعالى بل كل شيء منه، لكن مع ذلك بأنه لم يقع فإن حسن الشيء لا يقتضى وقوعه، وهذا كما أنا نجوز انقلاب ماء الأدوية دمًا عبيطًا، وانقلاب الأحجار ذهبًا إبريزًار، وتولد الإنسان الشيخ من الأبوين دفعة، ومع ذلك فإنا نقطع بأنه لا يقع فكذا ما نحن فيه، فإنا وإن جوزنا من الله تعالى كل شيء، لكن الله تعالى خلق فينا علمًا ضروريًا بأنه لا يعنى من هذه الألفاظ إلا ظواهرها، فلذلك آمنا من وقوع التلبيس.

стр. 3540

تنبيه قد عرفت أن اللفظ إذا كان معه قرينة كان المراد منه ما تدل عليه القرينة فيجب على المجتهد أن يبحث عن القرينة إلى أن يغلب على الظن وجودها أو عدمها فيعمل بمقتضاها إن وجدها وإلا فيما يقتضيه اللفظ ظاهرًا. ثم القرينة قد تكون سمعية، وقد تكون غير سمعية، وهى إما عقلية، أو حالية. أما السمعية فهي تبين جواز ما يراد من اللفظ، وما لا يراد منه، وتبين أيضًا ما هو المراد منه، وما هو غير المراد منه بخلاف القرينة العقلية فإنها لا تبين إلا الجواز دون الوقوع. ثم السمعية إما مخصصة، وإما معممة، والمخصصة إما مخصصة للأعيان وهو المسمى بالتخصيص، وإما للأزمان وهو المسمى بالنسخ. والمعممة/ (٣٠١، أ) هي التي تقتضي تعميم الخاص وهو القياس. وأما القرينة الحالية فإنها تبين الوقوع دون الجواز إذ لا دلالة للأقوال على ما يجوز من الأحوال وما لا يجوز منها، نعم لها دلالة على الوقوع بسبب شهادة الحال ثم الدلائل السمعية [وقرائنها السمعية] والحالية قد تكون غائبة عن المجتهد، فلابد وأن يكون لنقلها إليه طريق وهى: إما الأحاد، أو التواتر، والأول يفيد الظن، والثاني يفيد القطع، لكن بشرائط [ولابد وأن يكون عارفا بشرائط] كل واحد من الطريقتين.
следующие страницы →