← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

حسنات وأن أخطأتما فلكما حسنة واحدة. وقد روى على غير هذا الوجه؛ وهو صريح الدلالة في جواز الاجتهاد بحضرته بالإذن. وأما ما يدل على جواز ذلك للغائب عن حضرته فقصة معاذ حين بعثه قاضيًا إلى اليمن، وعتاب بن أسيد حين ولاه مكة. فإن قلت: هذه أخبار آحاد فلا تفيد القطع فلا يجوز التمسك بها فيما نحن فيه، لأنها من المسائل العلمية. سلمناه لكن إنما يدل على من منع ذلك مطلقًا، فأما من جوز ذلك بشرط الإذن فلا. سلمناه لكنها أخبار خاصة في حق بعض الناس فلا يثبت بها جواز الاجتهاد على سبيل العموم. قلت: هذه الأخبار وإن كانت أخبار أحاد لكن تلقته الأمه بالقبول فجاز أن يقال أنها تفيد القطع للاتفاق عليه. سلمنا أن كل واحد منها لا يفيد القطع لكن لم/ (٣٠٠/ أ) قلت: إن مجموع [ما ورد] في هذا الباب لا يفيد

стр. 3537

القطع فالمقصود إفادة القطع من مجموعها لا من كل واحد منها. سلمناه لكن المدعى إنما هو حصول الظن لا القطع. وأما قوله. إنها تفيد جوازه بشرط الإذن. قلنا: بل تفيد جوازه مطلقًا فإن حديث أبى بكر- رضى الله عنه- يدل على المطلوب مطلقًا، لأنه ما كان مسبوقًا بالإذن. قوله: لا يثبت به الجواز في حق عموم الناس. قلنا: بل يثبت، وهذا لأنه إذا ثبت جواز في حق بعض من عاصره ممن هو بحضرته ﵇ ثبت ذلك في حق غيرهم ضرورة أنه لا قائل بالفصل. سلمنا عدم دلالته على العموم، لكن ليس المطلوب ذلك بل المطلوب بيان وقوع الاجتهاد ممن هو بحضرته، سواء كان بالإذن أو بغيره وقد ثبت فيكون المطلوب حاصلاً). وأما الاستدلال على المسألة بقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ من حيث إنه كان- ﵇ مأمورًا بالمشاورة، ولا فائدة في ذلك إلا جواز الحكم على حسب اجتهادهم فضعيف، لاحتمال أن يقال: إن ذلك في الحروب والآراء ومصالح الدنيا لا في أحكام الشرع.

стр. 3538

المسأله الثالثة في شرائط المجتهد أعلم أن المعتبر في ذلك أن يكون المكلف متمكنًا من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الشرعية، ولا تحصل له هذه المكنة إلا بأمور: أحدها. أن يكون عارفًا بمعاني الألفاظ ومقتضياتها؟ لأنه لو لم يعرف ذلك لم يفهم منه شيئًا، ولما كان اللفظ قد يفيد معنى بحسب المطابقة، أو التضمن أو الالتزام، وكل واحد منهما إما بحسب الوضع اللغوي أو العرفي، أو الشرعي، وجب أن يعرف هذه الدلالات بهذه الاعتبارات، وكذلك يجب عليه أن يعوف سائر وجوه دلالات اللفظ كدلالة اقتضائه، وإشارته، وايمائه، ومفهومه المخالف، والموافق، وكذلك يجب عليه أن يعرف [ما يتعلق بها من أحكام هذه الدلالة نحو أن يعرف]، ما يجوز منها أن يجتمع صمع مع الأخرى، وما لا يجوز، وأن التي يجوز الاجتماع بينها يجب أن يحصل اللفظ عليها بأسرها عند تجرده عن القرينة المعينة لإحدى الدلالات منها.

стр. 3539

وثانيها: أن يعرف من حال المخاطب أنه يعنى باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرد عق القرينة العينة، وإن كان معها قرينة مما تقتضيه القرينة؛ لأنه لولا ذلك لما حصل الوثوق بشيء من الأحكام، ولا بالخبر ولا بالوعد والوعيد، لجواز أن يقال: إنه عنى بالخطاب الذى يدل ظاهره على حكم أو خبر أو وعد أو وعيد غير ظاهره مع أنه لم ينبه عليه. واختلفوا في طريق العلم إلى ذلك: فقالت المعتزلة: إنما يعرف ذلك بحكمة المتكلم، أو بعصمته أما الأول فمبنى على أنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بغنائه عنه، ومتى كان كذلك يستحيل منه فعله لعدم الداعي إليه. وأما أصحابنا لما لم يقولوا بالتحسين والتقبيح العقلي لم يمكنهم بناء ذلك عليه بل قالوا: إنا وإن جوزنا ذلك من الله تعالى بناء أنه لم يقبح شيء من الله تعالى بل كل شيء منه، لكن مع ذلك بأنه لم يقع فإن حسن الشيء لا يقتضى وقوعه، وهذا كما أنا نجوز انقلاب ماء الأدوية دمًا عبيطًا، وانقلاب الأحجار ذهبًا إبريزًار، وتولد الإنسان الشيخ من الأبوين دفعة، ومع ذلك فإنا نقطع بأنه لا يقع فكذا ما نحن فيه، فإنا وإن جوزنا من الله تعالى كل شيء، لكن الله تعالى خلق فينا علمًا ضروريًا بأنه لا يعنى من هذه الألفاظ إلا ظواهرها، فلذلك آمنا من وقوع التلبيس.

стр. 3540

تنبيه قد عرفت أن اللفظ إذا كان معه قرينة كان المراد منه ما تدل عليه القرينة فيجب على المجتهد أن يبحث عن القرينة إلى أن يغلب على الظن وجودها أو عدمها فيعمل بمقتضاها إن وجدها وإلا فيما يقتضيه اللفظ ظاهرًا. ثم القرينة قد تكون سمعية، وقد تكون غير سمعية، وهى إما عقلية، أو حالية. أما السمعية فهي تبين جواز ما يراد من اللفظ، وما لا يراد منه، وتبين أيضًا ما هو المراد منه، وما هو غير المراد منه بخلاف القرينة العقلية فإنها لا تبين إلا الجواز دون الوقوع. ثم السمعية إما مخصصة، وإما معممة، والمخصصة إما مخصصة للأعيان وهو المسمى بالتخصيص، وإما للأزمان وهو المسمى بالنسخ. والمعممة/ (٣٠١، أ) هي التي تقتضي تعميم الخاص وهو القياس. وأما القرينة الحالية فإنها تبين الوقوع دون الجواز إذ لا دلالة للأقوال على ما يجوز من الأحوال وما لا يجوز منها، نعم لها دلالة على الوقوع بسبب شهادة الحال ثم الدلائل السمعية [وقرائنها السمعية] والحالية قد تكون غائبة عن المجتهد، فلابد وأن يكون لنقلها إليه طريق وهى: إما الأحاد، أو التواتر، والأول يفيد الظن، والثاني يفيد القطع، لكن بشرائط [ولابد وأن يكون عارفا بشرائط] كل واحد من الطريقتين.

стр. 3541

وثالثها: أن يكون عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وبطرق استنباطاتها [منها]، ووجوه دلالتها وشرائطها. ثم قيل: مدارك الأحكام أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل فلابد من العلم بهذه الأربعة، ولابد معها من أربعة أخرى اثنان مقدمان، واثنان متممان، فهذه العلوم الثمانية لابد من بيانها، وبيان القدر الذى لابد للمجتهد من معرفته. فأما كتاب الفه تعالى فلا يشترط معرفة جميعه، بل ما يتعلق منه بالأحكام، وهو خمسمائة آية، ولا يشترط حفظها، بل يكفى أن يكون عارفا بمواقعها حتى يطلب منها الآية التي يحتاج إليها عند نزول الواقعة. وأما السنة فلا يشترط أيضًا معرفة جميعها، بل ما يتعلق منها بالأحكام وهي مع كثرتها مضبوطة في الكتب المصنفة في هذا الفن، ثم لا يشترط حفظها بل معرفة مواقعها حتى يطلب منها الحاجة إليها. وأما الإجماع فينبغي أن يكون عالمًا بمواقعة، حتى لا يفتى بخلاف الإجماع، وطريق ذلك: أن لا يفتى إلا بشيء يوافق قول واحد من العلماء المتقدمين، أو يغلب على ظنه أنه واقعة وقعت في هذا العصر وليس فيها

стр. 3542

خوض للمتقدمين. وأما العقل، فيعرف البرامة الأصلية، ويعرف أنا مكلفون بالتمسك به ما دام لم يرد [دليل]، ناقل من النص، أو إجماع، أو غيرهما، فهذه هي العلوم المعتبرة بالمدارك الأربعة، وأعلم أن هذا ما ذكره الشيخ الغزالي، ونقله الامام عنه، ووافقه على ذلك، ولم يذكر فيه القياس، فإن كان ذلك باء على أنه متفرع [من الكتاب]، والسنة فالإجماع والعقل أيضًا كذلك، فكان يجب أن يذكرهما، وإن كان ذلك بناء على أنه ليس بمدرك فكونه حجة ينفي ذلك، بل هو أيضًا مدرك من المدارك فينبغي أيضًا أن يكون المجتهد عارفًا به، وبأنواعه، وأقسامه، وشرائطه المعتبرة والطرق الدالة على العلة فيه. وأما العلمان المقدمان: فأحدهما: علم شرائط الحد والبرهان، والعلم المتكفل ببيان ذلك هو المنطق، ولا يشترط في ذلك أن يكون بالغًا إلى الغاية القصوى، نحو أن يعرف نوادر الحد، وأن يعرف طرق الإنتاجات البعيدة من المتصلات، والمنفصلات، والمختلطات، بل يكفي أن يكون في المرتبة الوسطى من ذلك. وثانيهما: معرفة النحو واللغة والتصريف، [لأن شرعنا]، عربي فلا يمكن التوصل إليه إلا بفهم كلام العرب، وقد تقدم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يشترط في ذلك أن يكون بالغًا إلى حد

стр. 3543

الأصمعي، والخليل، وسيبويه، بل يكفى في ذلك أن يكون عارفًا بأوضاع العرب بحيث يميز العبارة الصحيحة عن الفاسدة، والراجحة عن المرجوحة، فإنه يجب حمل كلام الله وكلام رسوله على ما هو الراجح لأن كان عكسه مرجوحًا جائزًا في كلام العرب، وبحيث يميز بين دلالة المطابقة، والتضمين، والالتزام، وبين المفرد والمركب وسائر الاقسام التي ذكرناها في اللغات. وأما المتممان: فأحدهما: يعم الكتاب والسنة وهو علم الناسخ والمنسوخ، وأسباب

стр. 3544

النزول في النصوص الأحكامية. وثانيهما: مختص بالسنة وهو علم الجرح والتعديل، ومعرفة أحوال الرجال، ومعرفة الصحيح منها عن غيره من المطعون والمردود وغيرهما، ولا يشترط في ذلك أن يعرف ذلك بالنظر، والاختبار، والتواتر فإن كل ذلك متعذر أو متعسر في الذين درجوا، وطالت مدتهم، وكثرة الوسائط بيننا وبينهم بل يكفى في ذلك أن يعرف بالتقليد بتقليد الائمة الذين اتفق الخلق على عدالتهم/ (٣٠٢/ أ) كالإمام أحمد، وصاحبي الصحيحين مسلم والبخاري وأمثالهم- رحمهم الله تعالى-. ولا يشترط معرفة علم الكلام بل يكفى أن يعرف منه ما يصح به إسلامه كوجود الرب تعالى وتوحيده، وكونه عالمًا بكل المعلومات، وقادرًا على كل المقدورات، وكونه حيًا مؤيدًا، وما يتوقف عليه صحة التكليف ككونه متكلمًا آمرًا وناهيًا، ولا يشترط معرفة هذه الأشياء بالدليل والبرهان بل يكفي فيه التقليد لأنه يصح إسلام المقلد على الأصح، ويصح منه الاستدلال بالأدلة الشرعية إذ ذاك ولا يعتبر فيه سوى الإسلام، والتمكن من استنباط الأحكام

стр. 3545

عن الأدلة وهو حاصل إذ ذاك. وأما تفاريع الفقه فغير معتبر معرفتها؛ لأن هذه التفاريع فرع الاجتهاد، فلو اعتبرت معرفتها فيه لزم اشتراط الفرع في الأصل وأنه دور. واعلم أن الإنسان كلما كان أكمل في معرفة أصول الفقه كان منصبه أتم وأعلى في الاجتهاد، لأنه قد ظهر مما تقدم ذكره أن أهم العلوم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه، وإذا كان الانسان فيه أكمل لزم منه أن يكون منصبه في الاستدلال والاجتهاد أتم وأعلى، ثم ضبط القدر الذي لا تحصل صنعة الاجتهاد بدونه كالأمر المتعذر، وإنما يتبين القدر المعتبر منه فيه بنوع من التقريب وهو الذى تقدمت الاشارة إليه.

стр. 3546

المسألة الرابعة اختلفوا في أن صفة الاجتهاد هل تحصل في فن دون فن أم لا ؟ فذهب الأكثرون إلى أنه يجوز أن تحصل صفة الاجتهاد بالنسبة إلى فن، دون فن، بل بالنسبة إلى مسألة دون مسألة، خلافًا لبعضهم. لنا: أن الغالب أن أصول فن لا توجد في فن آخر لا سيما الأجنبي منه غاية المجانبة، فإذا عرف ما ورد فيه من النصوص، والاجماع، والقياس، وعلم كيفية استنباط أحكام ذلك الفن من تلك الأصول وجب أن تحصل له صفة الاجتهاد بالنسبة إلى ذلك الفن ليتمكن من الاجتهاد فيه كالمجتهد المطلق. غاية ما في الباب أن يقال: لعله شذ منه شيء، ولكن النادر لا عبرة به كما أن المجتهد المطلق وإن بالغ في الطلب، فإنه يجوز أن يكون قد شذ عنه شيء بل أشياء ولهذا نقل عن مالك- رحمه الله تعالى- أنه سئل عن أربعين

стр. 3547

مسألة فقال في ست وثلاثين منهاك لا أدري، مع جلالة قدره، وإطباق الخلق كلهم على علو رتبته في الاجتهاد المطلق.

стр. 3548

الفصل الثاني في المجتهد فيه وفيه مسائل:

стр. 3549

الفصل الثاني في المجتهد فيه وفيه مسائل: المسألة الأولى ذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجهد في الأصول مصيبًا ، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع، وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم، وخلق الأعمال، وعلى هذا كل العقليات لأن لم تكن من مسائل الأصول، أو شرعيًا لا بمعنى أنه يعرف بمدرك شرعي فإنه حينئذ يلزم أن يكون كثو مسائل أصول الدين شرعيًا؛ لأن له أيضًا مدركًا شرعيًا بل يعنى أنه لا يعرف إلا بمدرك شرعي كعذاب القبور حشر الأجساد، ومن صفات الرب كالسمع والبصر وكونه مرئيًا عند من يجعلها سمعية. ونقل عن الجاحظ، وعبيد الله بن حسين العنبري: أن كل مجتهد في

стр. 3550

الأصول مصيب. فإن أرادا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجا عن غريزة العقل، وانخراطًا في سلك: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾. وإن أرادا به نفي الحرج والإثم، والخروج عن عهدة التكليف، فهذا وإن كان معقولاً غير مخالف لقضية العقل لكنه خروج عن المنقول، ومخالف للأدلة النقلية. ومعنى كونه مصيبًا هو أنه مصيب بما كلف [به]، مما هو داخل تحت وسعه وقدرته وهو بذل جهده ووسعه في النظر والاجتهاد. احتج الجماهير بوجوه: أحدها: قوله تعالى. ﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾، وقوله تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾ وقوله تعالى/ [٣٠٣/ أ]: ﴿ويحسبون أنهم على شيء إلا إنهم هم الكاذبون﴾ وغيرها من الآيات الدالة على ذم الكفار بسبب عقائدهم. ووجه التمسك بها: أنه ذمهم على عقائدهم وظنونهم وتواعدهم على ذلك

стр. 3551

بالنار من غير فصل بين المعاند وغيره مع استحالة كون كلهم معاندين عادة فلو كان المجتهد متهم معذورًا لما كان كذلك. فإن قيل: الذم إنما توجه على الكافر، والكافر إنما هو الساتر؛ إذ الكفر في اللغة هو: الستر ومنه يقال للمزارع: كافر ويقال: ليل كافو ساتو، ومنه قيل: كفر النجوم ظلامها، والأصل عدم التغيير، وهو إنما يصدق على الذى عرف الحق وستره، فأما الذى ما عرف ذلك بك عرف أن ما عدا دينه الذي هو عليه بلطل فلا يصدق عديه أنه كافر؛ إذ لا يصدق عليه أنه ساتر. سلمنا أنه يصدق عليه لكن يجب تخصيصه عنه لما سنذكر من الدلالة عليه. سلمنا عدم التخصيص لكن إنما ذمهم على ظنهم، فلعلهم ما عولوا في أنظارهم على ما هو دليل عندهم وفي اعتقادهم وإن كان شبهة في نفس الأمر فإن الشبهة دليل في اعتقاد من اشتبه عليه، ولوكان ما تمسكوا به شبهة لكان يجب أن يفيد لهم العلم، ولما لم يكن كذلك دل على أنهم عولوا على ما اعتقدوه أنه يفيد الظن مع أن المطالب يقينية فلا جرم ذمهم. قلنا: لا نزاع أن الكفر في اللغة قد جاء بمعنى الستر، لكنا ندعي أنه صار في عرف الشرع حقيقة في من انتحل دينًا مخصوصًا سواء عرفه حقًا أو باطلاً، والتغيير وان كان خلاف الأصل لكنه يصار إليه عند قيام الدلالة عليه وها هنا كذلك: أما أولاً: فلتبادر الذهن إليه عند سماع لفظ الكافر من غير فهم معنى الستر. وأما ثانيًا: فلأن كثيرًا من العوام يعرفون معنى الكافر مع أنهم لم يعرفوا

стр. 3552

أنه في أصل اللغة للستر. وأما ثالثًا: فبالإجماع؛ إذ الإجماع منعقد على إطلاقه على من انتحل دينًا مخصوصًا سواء كان مقلدًا فيه، أو مجتهدًا، أو معاندًا. ولا نسلم أنه إنما يصدق على من عرف الحق وستره؛ وهذا لأن ستر الشيء لا يتوقف على العلم به، ألا ترى أن من بسط ثوبًا في مكان وكان فيه شيء لم يبصره يقال: ستره بالثوب. قوله: يجب تخصيصه. قلنا: إنه خلاف الأصل. وأما ما يذكرونه من الأدلة فسيأتي جوابه. قوله: لعل متمسكهم في الاجتهاد أدلة ظنية. قلنا: يستحيل ذلك عادة فإن كون كل الكفرة أطبقوا على التمسك بما يشبه الدليل الظني دون ما يشبه الدليل الذى يفيد العلم يستحيل عادة، ثم كون بعضهم بل أكثرهم جازمين بصحة ما هم عليه من الاعتقادات الفاسدة ينفى ذلك، وأيضًا: فلان ما ذكروه يقضي عدم توجه الذم إليهم على تقدير أن يكون اعتقادهم بناء على الشبهة التي توجب قوة تلك الاعتقادات الفاسدة وهو معلوم الفساد بالضرورة. وثانيها: أنا نعلم بالضرورة أنه- ﵇ كان يكلف اليهود والنصارى وسائر أصناف الكفار بالأيمان به وبما أنزل اليه، وذمهم على ترك ذلك وإصرارهم على عقائدهم، وأباح قتلهم وأسرهم وأسر أولادهم ونسائهم، ورمى ديارهم بالنار والمنجنيق وغير ذلك من أنواع التنكيل والتعذيب من غير فصل بين المعاند والمجتهد والمقلد مع أنا نعلم بالضرورة أن كلهم ما كانوا معاندين بل المعاند أقلهم، وهذا لأن الأحبار منهم والقسيسين العارفين للكتاب

стр. 3553

كما أنزل من غير تبديل وتحريف في غاية القلة، وهم الذين وصفهم الله تعالى بالعناد حيث قال تعالى: ﴿الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ وقليل من غيرهم كما روى عن بعض المشركين أنه كان يعترف بنبوته في الباطن وما كان يؤمن به للعار؛ فلو كان غير المعاند منهم، أو المجتهد منهم معذورًا لما جاز ذلك منه- ﵇. واعترض عليه: بأنا لا نسلم أنه- ﵇ ذمهم وأباح قتلهم وأسرهم وغير ذلك من العقوبات لاعتقادهم الغير المطابق/ (٣٠٤/ أ) ولجهلهم، بل لتركهم التعلم بما علموا، أو عدم توجيههم نظرهم وفكوهم فيمأ دعوا إليه ونبهوا عليه، وإصرارهم على عقائده هم الأولى مع أنهم أرشدوا إلى دلائل العقائد الحقة. وأجيب عنه: أن حمل ذلك على أن كلهم [تركوا]، التعلم وأعرضوا عما أرشدوا إليه وأصروا على عقائدهم الأولة مع أنهم نبهوا على طرق العقائد الحقة متعذر العادة، كما أن حمل ذلك على كون كلهم معاندين متعذر عادة، فلم يبق إلا الحمل على أن بعضهم كانوا مقلدة وهم الأكثرون، وبعضهم كانوا معاندين وهم الأقلون، وبعضهم كانوا مجتهدين ومعتقدين حقيته بناء على شبه اعتقدوها دلائل ككثر اليهود، فإنهم يحتجون على حقية دينهم باستحالة نسخه بما يدل عليه من المعقول أو المنقول، وكذلك غيرهم من الكفار من أهل الملة وغيرهم، ولأنا نعلم بالضرورة من حال النبي والصحابة أنه لو جاءهم واحد من الكفرة وقال [لهم]، ظهر لي حقية ديني بناء على

стр. 3554

الدلائل القاطعة في زعمه، وهى شبهة في نفس الأمر، فإنه- ﵇ ما كان يعذره ولا الصحابة بل كانوا بوبخونه ويذمونه ويبيحون قتله وقتاله كغيره من الكفار بل ربما كان كفره عندهم أعظم من كفر المقلدة، وبالجملة عدم اعذار الكفرة على العموم سواء كانوا مجتهدين أو غير مجتهدين معلوم من دين محمد ﵇ ويؤكده العمومات التي تدل على أن الكفر والشرك لا يغفر مطلقًا نحو قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ فلم يفصل فيه بين من شركه وكفره عن اجتهاد ونظر، وبين من ليس كذلك. وثالثها: الاجماع فإن الأمة من السلف قبل ظهور المخالف أجمعت على ذم من كفر عن نظر واستدلال وتوبيخه كالفلاسفة والمجسمة، وعلى إباحة قتلهم، وربما كان عندهم أن كفرهم أعظم وأشد من كفو المقلدة، ولو كان المجتهد في الأصول معذورًا لكان إجماعهم خطا وهو ممتنع. وما يقال عليه. أنه كيف يمكن ادعاء الإجماع في محل الخلاف فهو ساقط؛ لأنا ندعى الاجماع قبل ظهور المخالف فلا يكون ما ذكروه قادحا فيه. رابعها: أن الله تعالى وضع على هذه المطالب أعنى المطالب الأصولية أدلة قاطعة، ومكن المكلفين من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم، ترك العمل به في حق المقلد لكون اعتقاده مطابقا فوجب أن يبقى ما عداه على الأصل. فإن قلت: أنا لا نسلم بأنه تعالى وضح على هذه المطالب أدلة قاطعة

стр. 3555

وهذا لأنا نرى الخلق مختلفين في المطالب الأصولية، وإذا نظرنا في أدلة المخالفين في هذه المسائل وأنصفنا لم نجد واحدًا منهم مكابرًا قائلاً بما يقطع العقل بفساده. سلمناه لكن نسلم أن ذلك يقتضى أن لا يخرجوا عن العهدة إلا بالعلم وهذا لأن العلم لو حصل منها لا حصل إلا بفكر متعب ونظر دقيق، وكونه تعالى رؤوفًا رحيمًا والشريعة المبعوثة سمحة سهلة مما ينفي ذلك وحينئذ نقول: لم لا يجوز أن يقال: أنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى غلب على ظنهم أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابقًا، وعلى هذا التقدير يكون الآتي به معذورًا). ثم الذى يدل على أن التكليف لم يقع إلا بالظن الغالب وجهان: أحدهما: أن حصول اليقين الذي لا يحتمل النقيض ألبتة بوجه ما إنما يكون من الدليل الموكب من المقدمات البديهية توكيبا معلوم الصحة بالبديهية وهذا نادر عزيز جدًا، لا يفي به إلا الفرد بعد الفرد، والاستقواء يحققه، فلا يجوز أن يكون ذلك ما كلف به عامة الخلق الذين هم عاجزون عن مثل هذا النظر، فإن منهم من ليس له صلاحية أدنى العلوم فكيف يمكنه اتيان مثل هذا النظر لاسيما في المطالب الإلهية التي هي غريبة عن المألوفات والمشهورات، وإذا لم يمكنهم إتيان مثل هذا النظر كان تكليفهم به تكليف بما لا يطاق وهو ممتنع، أو وإن لم يكن ممتنعًا لكنه باطل لما سبق. وثانيهما: أنا نعلم بالضرورة أن النبي- ﵇ كان يقبل إيمان كل من أتاه بكلمتي الشهادة/ (٣٠٥/ ١) من بدوى وغيره، لا يدرى البرهان ولا شرائطه ولا دلالة التوحيد والنبوة وكان يحكم بصحة إيمانه من غير مسألة منه عن ثبوت مضمون كلمتي الشهادة بالبرهان عنده، فلو كان الناس مكلفين بالاعتقاد الجارم بناء على الدلائل والبرهان لما حكم بصحة إيمان من يقطع بأنه

стр. 3556

لا يعرف ذلك. قلت: أما الدليل على أنه تعالى وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة في الجملة أعنى بها على بعضها فإن ذلك هو المراد من قولنا: وضع على هذه المطالب أدلة قاطعة لا كلها هو: أنا إذا شاهدنا أن الشيء وجد بعد أن لم يكن علمنا قطعا أن له سببًا، فإن العلم بكون المحدث لا يوجد بلا محبب ضروري، ثم نعلم أن ذلك المحدث إن كان محدثًا افتقر إلى محدث فيتسلسل أو يدور، ثم علمنا بطلانهما بدليل قاطع علمنا قطعا انتهاء ذلك إلى محدث غير محدث فالعلم بان المحدث محدثًا غير محدث قطعي لابتنائه على مقدمات قطعية، وكون الخلق مختلفين في المطالب الأصولية لا يدل على عدم الدلالة القاطعة عليها، فإن الاختلاف واقع أيضًا في الحسيات والبديهيات، وكذلك كوننا لا نجد المخالفين مكابرين قائلين بما يقطع العقل بفساده لا يدل على ذلك لاحتمال أن ذلك بناء على شبهة وخيال قوي، ومن قال قولاً بناء على الشبهة القوية أو المخيلة لا يعد مكابرًا وقائلاً بما يقطع العقل بفساده في أول الوهلة. وعن الثاني: أنا لم نحصر الخروج عن عهدة التكليف على العلم حتى يلزم ما ذكرتم من الحرج والعسر بل على أحد الأمرين وهو إما العلم، أو التقليد الجارم، ومعلوم أن ذلك سهل، وبه خروج الجواب محما ذكره من الوجهين على أن التكليف لا يجوز أن يكون بالعلم القطعي. وأما الجواب عن قوله: فلم لا يجوز أن يقال: إنهم إنما أمروا بالاعتقاد الذى كلب على ظنهم صدقه سواء كان مطابقا أو لم يكن فهو: أن ذلك غير جائز

стр. 3557

لما ذكرنا من الأدلة، وقد أجبنا عن الاعتراضات التي أوردت عليها فبقيت سليمة عن القوادح فيعسر دلالتها على نفى ما ذكرتم من الاحتمال فإنه مجرد احتمال غير قاح في وجه دلالة الدليل. واحتج الخصم: بأن المكلف لو لم يكن مأمورًا من الاعتقاد بما غلب على ظنه أنه صواب لكان إما أن يكون مأمورًا بما غلب على ظنه أنه صواب على وجه التخيير وهو إما على الاطلاق، أو بشرط مطابقته للمعتقد، فالأول يحصل الغرض، لأنه إذا لم يكن مأمورًا بالاعتقاد الذي مخلب على ظنه أنه صواب سواء كان مطابقًا أو غير مطابق ولو على وجه التخيير بينه وبين العلم وجب أن يخرج عن عهدة التكليف بما غلب على ظنه أنه صواب وإن لم يكن مطابقًا فوجب أن لا يعاقب عليه ولا يذم بسببه وهو المطلوب. والثاني على قسمين: لأنه إما أن يكون يشترط في ذلك أن يعلم ذلك بناء على طريق، أو لا يشترط فيه ذلك. والأول يقتضي أن لا يكون ذلك الاعتقاد [تقليدًا ولا ظنًا وهو خلف، فإنه إذا علم ذلك أن ذلك الاعتقاد] صواب لم يكن ذلك القسم الذى نحن فيه وهو ما غلب على ظنه أنه صواب فيكون خلفًا. والثاني يقتضي أن يكون ذلك التكليف على عماية وهو ممتنع. وجوابه: أنه استدلال في مقابلة النصوص والإجماع فكان باطلاً.

стр. 3558

المسألة الثانية في تصويب المجتهدين في الأحكام الشرعية . وطريق ضبط مذاهب الناس فيه أن يقال: الواقعة التي وقعت إما أن يكون عليها نص، أو لا يكون. فإن كان الأول: فإما أن يكون وجده المجتهد أو لم يجده، والثاني على قسمين، لأنه اما قصر في طلبه أو لم يقصر، فإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام، وإن لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقًا، وإن لم يكن مع العلم به فإن قصر في البحث عنه فكذلك، وإن لم يقصر في البحث عنه بل بالغ في طلبه وتفكر ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه كحكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد والبحث التام وسيأتي/ (٣٠٦/ أ) وإن لم يجده فإن كان ذلك لتقصيره في طلبه فهو أيضًا مخطئ وآثم في ذلك، وإن لم يقصر في ذلك بل بالغ في تفتيشه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده بأن خفى عليه الراوي الذي عنده النص، أو وإن عرفه لكنه مات قبل وصوله إليه فهو آثم قطعًا وهو مخطئ أو هو مصيب فهو على الخلاف الذى يأتي فيما لا نص فيه وأولى بان يكون مخطئا، ووجه الأولوية ظاهر. وأما التي لا يكون عليها نص، فإما أن يقال: لله تعالى فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين، أو لا يكون فيها حكم معين بل حكمه فيها تابع لاجتهاد المجتهد فهذا الثاني قول من قال: إن كل مجتهد مصيب، وهو مذهب جمهور المتكلمين منا كالشيخ أبى الحسن الأشعري والقاضي أبى بكر، ومن المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم.

стр. 3559

وقيل: هو مروي عن الشافعي وأبى حنيفة وأحمد- رضى الله عنهم- والمشهور عنهم خلافه وهؤلاء اختلفوا في أنه وإن لم يوجد في الواقعة حكم معين، فهل وجد فيها ما لو حكم الله تعالى بحكم فيها لما حكم إلا به أو لم يوجد ذلك؟ الأول هو القول الأشبه وهو منسوب إلى كثير من المصوبين. والثاني قول الخلص من المصوبين. وأما الأول وهو أن لله تعالى في الواقعة قبل اجتهاد المجتهد حكم معن. فإما أن يقال. عليه دلالة، أو عليه أمارة فقط أو لا يكون عليه دلالة ولا أمارة. وهذا الثالث مذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين، وهؤلاء زعموا أن ذلك الحكم كدفين يعثر عليه الطالب اتفاقًا فمن عثر عليه فهو المصيب فله أجران، ومن لم يعثر عليه ولم يصادفه مخطئ وله أجر واحد، لأجل ما تحمل من الكد في طلبه وتعب في تفتيشه وإن لم يكن ذلك بناء على طريق وإلا فكونه مخطئا لا يناسب أن يكون له أجر.

стр. 3560

وأما القول الأول، وهو أن على الحكم دليلاً يفيد العلم والقطع، وهو قول بشر المريسي، والأصم، وابن علية. وهؤلاء أتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه، وأنه إذا وجده فهو مصيب، وإذا أخطاه فهو مخطئ، لكنهم اختلفوا في أن المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب أم لا؟ فذهب بشر المريسي إلى أنه يأثم ويستحق العقاب. وأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه فكان مخطئًا معذورًا. واختلفوا أيضًا في أنه هل ينقض قضاء القاضي فيه أم لا؟ قال الأصم ينقض. وذهب الباقون إلى أنه لا ينقض. وأما القول الثاني، وهو أن على الحكم أمارة فقط وهو قول أكثر الفقهاء

стр. 3561

كالأئمة الأربعة، وكثير من المتكلمين منا كابن فورك، والأستاذ أبى إسحاق. وهؤلاء اختلفوا. فمنهم من قال. إن المجتهد غير مكلف بإصابته لخفائه وغموضه، بل هو مكلف بما غلب على ظنه، فهو وإن كان مخطئا على تقدير عدم إصابته لكنه معذور ماجور، وهو قول الفقهاء وشسب إلى الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من قال: أنه مأمور بطلبه، ومكلف بإصابته أولاً،. فإن أخطأ وغلب على ظنه شيء آخر فهناك يتعين التكليف، ويصير مأمورًا بأن يعمل بمقتضى ظنه ولا يأثم ويسقط عنه العقاب تحقيقًا، فهذا شرح مذاهب الناس فيه ولنشرع الآن في الحجاج فنقول: احتج القائلون بأن كل مجتهد مصيب بوجوه: أحدها: قوله تعالى في حق داود وسليمان: ﴿وكلا آتينا حكمًا وعلمًا﴾ ولو كان أحدهما مخطئًا لما حسن وصفه بذلك، إذ المخطئ في الشيء لا يوصف بانه أوتى فيه الحكم والعلم. وجوابه: أنا لا نسلم أنه وصف بذلك فيما أخطا فيه وهذا لأنه نكرة في سياق الإثبات، فليس فيه دلالة لا على التعيين، ولا على التعميم، وإنما دلالته على أنه أوتى- حكمًا وعلمًا في الجملة فقط، وحينئذ ليس فيه دلالة على المطلوب، لأن المخطئ في الشيء يجوز أن يوصف بذلك في شيء آخر أو في الجملة، فلم قلت أن ذلك غير جائز حتى يحصل المقصود، أو أنه

стр. 3562

للتعميم [أو فيما فيه الخطأ حتى يحصل المقصود] أيضًا سلمناه لكن المخطئ إذا كان مبالغًا في الطلب والتفتيش التام يجوز وصفه بذلك لعدم تقصيره، أو لكون اجتهاده وقع قريبا من الوجه الصائب. وثانيها: [٣٠٧/ أ]: قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتضيتم اهتديتم" ووجه الاستدلال به: أنه لو كان المصيب منهم واحدًا والباقي مخطئًا لما كان الاقتداء بكل واحد منهم هدى، ضرورة أن الاقتداء بالمخطئ لا يكون هدى. وجوابه: منع الملازمة؛ وهذا لأنه لما وجب العمل على العامي بما أفتاه الصحابي، أو على المجتهد إن قلنا: قول الصحابي حجة، أو قلنا: يجوز للمجتهد أن يقلد المجتهد ووجب عليه اعتقاد الوجوب كان ذلك هدى ضرورة أن نقيضه ضلال وباطل وأجيب عنه: بحمله على قبول الرواية عنهم، وفيه بعد من حيث إن ذلك لا يفيد اقتداء بالراو. وتمسكوا من السعة أيضًا بخبر معاذ. ووجه التمسك به هو: أنه صوبه مطلقًا حيث رتب الاجتهاد على السنة، والسنة على الكتاب ولم يفصل بين ما إذا صادف حكم الله تعالى أو لم يصادف. وجوابه: ما سيأتي والمعارضة بحديث الخطأ. وثالثها: الإجماع، وتقريره: أن الصحابة أجمعت على تسويغ مخالفة بعضهم لبعض مع اعتقاد كل واحده منهم بان ما ذهب إليه حق، وعلى تسويغ

стр. 3563

إفتاء المخالفين، وتوليتهم في الدماء والفروج، ولو كان المصيب واحدًا والباقي مخطئًا لما ساغ اتفاقهم على ذلك كما لا يجوز اتفاقهم على الخطأ والأمر بالمنكر أو النهى عن المعروف. وجوابه: أن عندنا يتغير التكليف عند العجز عن الوصول إلى الحكم فيصير حكم الله تعالى في حق المجتهد ما أدى اليه اجتهاده، وحينئذ لا يكون ذلك الحكم إذ ذاك خطأ وإن خطأ كان بالنسبة إلى الحكم الواقع في نفس الأمر. سلمنا أنه لا يتغير التكليف لكن إنما لم ينكر بعضهم على بعض المخالفة لكون المخطئ غير معين، ومع ذلك يجب على كل واحد من المجتهدين أن يعمل بما غلب على ظنه فلا يكون الانكار سائغًا إذ ذاك على أحد منهم، وبه ظهر الفرق بين ما نحن فيه، وبين ما قاسوا عليه فإن الخطأ معين في المعين عليه. ورابعها. لو كان في الواقعة حكل معين في نفس الأمر، لكان إما أن يكون عليه دليل، وأعنى بالدليل: القدر المشترك بين ما يقيد القطع، والظن، أو لا يكون عليه دليل، والقسمان باطلان فبطل القول بكون الحكم معينًا في نفس الأمر. أما الملازمة فظاهرة. وأما بطلان القسم الأول، فلأنه لو كان على الحكم دليل لكان المجتهد متمكنًا من تحصيل العلم، أو الظن به فكان الحاكم بغيره حاكمًا بغير ما أنزل الله فيلزم تكفيره لقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فسأولئك هم الكافرون﴾ ويلزم تفسيقه لقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ ولكان تاركة تاركًا لما أمره الله تعالى به، فيكون

стр. 3564

عاصيًا مستحقًا للنار لما سبق في الأوامر، ولما أجمعت الأمة على بطلان هذه اللوازم، علمنا أنه ليس على الحكم دليل. لا يقال: ما ذكرتم من الأدلة وإن كلان يقتضى ثبوت الاحكام المذكورة لكن غموض أدلة الأحكام، وكون التكليف باتباعها حرجا وضررًا أوجب تخصيصها بالنسبة إلى الأحكام المذكورة للنصوص النافية للعسو والحرج والضرر. لأنا نقول: غموض أدلة الفروع لا تزيد على غموض أدلة الأصول، مع ما فيها من المقدمات الكثيرة، والشبه القوية، ثم لا يكون المخطئ فيه معذورًا بل الخطأ فيه إما كفر، أو بدعة وضلال، فما نحن فيه أولى أن لا يكون المجتهد معذورا فيه. ولقائل أن يقول. المطالب في الأصول جليلة، لكونها تتعلق بذات الله وصفاته ومعدودة معينة غير متناهية فيتناسب تغليظ الامر فيه حتى تتوفر الدواعي على طلب أدلتها التي هي محصورة بخلاف مطالب الفروع فإنها ليست من رتبة المطالب الأصولية، وهى أيضًا غير متناهية، فلم يمكن التنصيص عليها فناسب أن يخفف الأمر فيه بعدم تفسيق المخطئ، وعدم تضليله، لكى يكون ذلك باعثًا وداعيًا إلى كثرة النظر والاجتهاد بحسب ما يمنع من الوقائع، وهذا لأن خوض الانسان فيما أمن غائلته أكثر من الذي لا يأمن فيه ذلك فلم يأمن من التكفير أو التبديع والتضليل في أصول الدين بخلاف الفروع. وأما بطلان القسم الثاني وهو أن لا يكون على الحكم المعين في الواقعة دليل فلأنه حينئذ يلزم أن يكون التكليف (٣٠٨/ أ) بذلك الحكم تكليفًا بما لا يطاق، وأنه غير جائز، أو وإن كان جائزًا لكن أجمعت الأمة على أن هذا النوع

стр. 3565

من التكليف ليس من تكليف ما لا يطاق فثبت بما ذكرنا فساد القسمين ويلزم منه فساد القول بثبوت الحكم في الواقعة وجوابه: ما سبق في جواب الاجماع أويه وثانيًا فإنه لما أوجب عليه العمل بذلك الخطأ وعوقب على تركه امتنع معه التكفير أو التبديع والتضليل وإلا لزم التكليف بالجمع بين المتنافيين. وأيضًا: فإن دليلكم منقوض بما إذا كان النص موجودًا في المسالة، والمجتهد طلبه ولم يجده وحكم فيه بمقتضى القياس على خلاف النص فإنه مخطئ ومع ذلك لم يكفر ولم يضلل. وخامسها: أنه لو كان الله تعالى في كل واقعة حكم معين لكان عليه دليل قاطع، لأنه لو لم يوجد عليه دليل قاطع فإما أن لا يوجد عليه دليل أصل، وهو باطل، لكون التكليف بذلك الحكم حينئذ تكليف ما لا يطاق، وأما أن يوجد عليه دليل يستلزم الحكم ظاهرًا فإنه لو لم يستلزم الحكم ظاهرًا حينئذ لم يكن ذلك الدليل دليلاً، لأن المعنى من كون الدليل دليلاً أن يستلزم الحكم إما قطعًا، أو ظاهرًا، والتقدير هنا عدم وجود دليل قاطع عليه فيلزم حينئذ أن يكون مستلزمًا للحكم ظاهرًا وإلا لم يكن دليلاً، وهو خلاف التقدير الذى نحن فيه لكن ذلك باطل، لأنه إنما يكون مستلزمًا ظاهرًا بأن وجد المدلول مع الدليل في أكثر الصور وإن تخلف محنه في بعض الصور فإنه لو لم يختلف عنه في شيء من الصور لم يكن الدليل ظاهرًا بل قطعيًا، وحينئذ اقتضاء الدليل للمدلول في صورة المقارنة إن لم يتوقف على أمر آخر ليس موجودًا في صورة التخلف لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. وإن توقف كان المستلزم للمدلول ذلك المجموع لا ذلك الذى فوضناه أولاً، دليلاً ثم الكلام في ذلك المجموع كالكلام في الأول ولا يتسلسل لكونه

стр. 3566

محالاً فينتهي إلى مجموع يمتنع تخلف المدلول عنه وحينئذ يلزم أن يكون الدليل قطعيا فثبت أنه لو كان في كل واقعة حكم لكان عليه دليل قطعي لكن ذلك باطل، أما أولاً: فباتفاق بيننا وبينكم، وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن لا يكون شيء من الوقائع اجتهادية، لأن ما فيه دليل قاطع لا يكون من الوقائع الاجتهادية على ما سبق تعريف المجتهد فيه، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم فلم يكن لله في كل واقعة حكم. وجوابه: النقض بالأدلة الظاهرية التي توجب الظنون، فإنه لا خلاف في وجود الدليل الظاهري كالقياس، والاستصحاب، وغيرهما من الأدلة الظاهرية التي توجب الظنون في الشرعيات وغيرها مع أن دليلكم ينفيه، فكل ما هو جوابكم عنه ثمة فهو جوابنا عنه ها هنا. سلمنا سلامته عن النقض لكن لا نسلم أن الدليل إنما يكون ظاهريا أن لو تخلف المدلول عنه في بعض الصور، وهذا لأن المعتبر فيه جواز التخلف لا التخلف ولا يلزم من الجواز الوقوع. سلمنا لكن لا نسلم أنه إذا توقف استلزامه له على أمر آخر كان الدليل هو المجموع، وهذا لأنه يجوز أن يكون المتوقف عليه شرطًا وهو غير داخل في ماهية الدليل، فلا يكون المجموع هو الدليل بل الدليل هو ذلك الأمر الحاصل في الصورتين أعنى صورة التخلف وصورة المقارنة [و]، الذي وجد في صورة المقارنة شرط اقتضائه له. سلمناه لكن الشعور بالمدلول بعد العلم بوجه دلالة ذلك الدليل إنما هو بخلق الله تعالى فجاز أن يخلق في بعض الصور دون البعض، فإن ترجيح أحد طرفي الجائز على الأخر من غير مرجح جائز في حق الفاعل المختار. ويقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو: أنه لو كان في كل واقعة حكم

стр. 3567

لنصب عليه دليل قاطع أزاحه لعذر المكلف، وقطعًا لحجته كما قال الله تعالى: ﴿رسلاً مبشرين لئلا يكون للناس على الله حجة﴾، ولأن ذلك تمكين له من الإتيان بالمأمور به، والتمكين واجب كاللطف على ما تقدم تقريره في باب الإجماع، ولما لم يكن عليه دليل قاطع لما سبق علمنا أنه لا حكم في الواقعة. وجوابه. بعض ما سبق ويخصه: أنه مبنى على قاعدة التحسين والتقبيح وقد مر إبطالها. سلمناه لكن لا مانع من أن تكون الحكمة في طلب الظن بذلك الحكم بناء على الأدلة الظنية لا في طلب العلم به لما في النظر في الظنيات [من] زيادة المشقة والتعب لكون وجه الدلالة فيه/ (٣٠٩/ أ) خفيًا محتملاً للنقيض فيكون الثواب فيه أكثر. وسادسها: لو حصل في كل واقعة حكم معين لكان ما عداه خطأ باطلاً، أما أولاً: فبالإجماع، وأما ثانيًا: فالاستحالة أن يكون النقصان حقين في نفس الأمر، ولو كان كذلك لزم أمور: أحدها: أن لا يجوز للمجتهد من الصحابي أن يولى من يخالفه فيما ذهب إليه من الأحكام، لأن التمكين من ذلك تمكين من ترويج الباطل وأعماله، وأنه غير جائز لكنه يجوز إذ الصحابة كانت تفعل ذلك من غير نكير فيما بينهم، ولى الصديق زيدًا، مع أنه كان يخالفه في الجد، وولى عمر وعلي- رضى الله عنهما- شريحًا مع أنه كان يخالفه في كثير من الأحكام،

стр. 3568

وروي أن عمر حين خرج إلى الشام استخلف عليا- رضى الله عنه- مع أنه كان يخالفه في كثير من الأحكام. وأما إن ذلك كان من غير نكير فيما بينهم فلانه لو وقع ذلك لنقل واشتهر ولما لم ينقل دل على أنه لم يقع. وثانيها: لزم أن لا يجوز تمكين المخالف من الفتوى، وقد كانوا يمكنون من ذلك. وثالثها: ولزم وجوب نقض أحكام المخالفين، بل ويجب أن ينقض الواحد حكم نفسه إذا رجع عنه، لكن لم ينقل عق أحد منهم أنه نقض حكم مخالفه، ولا حكم نفسه محند الرجوع عنه، فإن كثيرًا منهم قال في الواقعة الواحدة بأقاويل مختلفة. ورابعها: ولزم أن يفسق مخالفة في الدماء والفروج وأن يتبرأ عنه، وهذا لأنه إذا خالفه فيما يتعلق بالدماء والفروج كان مرتكبًا الكبيرة. إذ الخطأ في الدماء والفروج من الكبائر إذ لا فرق بين القتل بالإكراه، وبين القتل بالفتوى. بل القتل بالفتوى أقوى وأكثر تسليطًا، لأنه يبيح القتل ويوجبه، والإكراه لا يبيحه، ثم إن القتل بالإكراه كبيرة يتعلق به، وجوب القصاص فكذا القتل بفتوى المخالف يجب أن يكون كذلك عند مخالفة لكن لما لم يفسقوه ولم يتبرؤا عنه علمنا أنه ليس مخطئًا. وخامسها: ولزم أن يجوز الانكار عليه بل يجب، لأن الإنكار واجب على المنكر والخطأ لا سيما في الدماء والفروج، ولما لم يجب ذلك لم يجوزوا الإنكار عليه علمنا أنه ليس في الواقعة الاجتهادية حكم.

стр. 3569

فإن قلت: لعل الخطأ في هذا الباب من الصغائر الحقيرة لكونه بذل الجهد في طلب الدليل ولم يجده فكان يجب أن يكون معذورًا، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن يكون ذنبه صغيرًا حقيرًا فلذلك لم يثبت ما ذكرتم من الأحكام. سلمنا أنه كبيرة، فلم لا يجوز أن يقال: هذه الامور إنما تلزم إن لو حصل في هذه المسائل طريق مقطوع به، فأما إذا لم يحمل ذلك لكثرة وجه الشبه وتزاحم جهات التأويلات والترجيحات صار ذلك سببًا للعذر وسقوط اللوم. قلت: أجيب عن الأول: أنه لو كان خطـ لكان من باب الكبائر لا من الصغائر لأن تارك العمل بذلك تارك للعمل المأمور به فيكون مستحقًا للنار. وهو ضعيف، أما أولاً: فلأنه ليس كل ما يستحق بسببه النار كبيرة، فإن بترك كل واحد من الواجبات، وارتكاب كل واحد من المحرمات النار مع أنه بكبيرة، بل جوابه أن يقال: إنا وأن سلمنا أن الخطأ فيه من باب الصغائر، لكن لا نسلم أن ما ذكرتم من الأحكام من مختصات الكبائر بل هي ثابتة للصغائر والكبائر، "فإن التمكين من تمشية. الباطل غير جائز سواء كان من باب الصغائر أو من باب الكبائر، وكذلك الافتاء بالباطل غير جائز سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وكذا بقية اللوازم. وعن الثاني: أن غموض الأدلة، وكثرة الشبه، وتزاحم جهات التأويلات في أصول الدين كثر مع أن الخطأ فيه [إما] كفر أو بدعة.

стр. 3570

وجوابه: أنه [إنما]، لم يثبت ما ذكرتم من الأمور لكون الخطأ غير معين في إحدى الجهتين بل هو محتمل في كل واحد من الجهتين، فلو ثبتت تلك الأمور فإما أن تثبت في الجهتين معًا وهو محال لخروج الحق عن النقيضين، أو في أحدهما عينا وهو أيضًا باطل لأنه تحكم محض، فلما تعذر إثباتها لا جرم لم يثبت في شيء منهما. سلمنا لزوم ثبوتها لكن إذا كان ما ذهب إليه المخالف باطلاً وهو ممنوع، وهذا لأن ذلك الحكم لان كان خلاف الحكم الواقع في نفس [الأمر]، وهو خطأ بالنسبة إليه لكنه يصير إذ ذاك حكم الله تعالى في حقه، فلم يلزم ثبوت تلك الأمور. سلمنا أنه لا يتغير التكليف لكن لما أوجب عليه العمل بموجب ظنه وعوقب على تركه امتنع ثبوت تلك الأحكام فيه معه. وسادسها: أن الدليل والخصم بل الأمة باسرها مساعدان/ (٣١٠/ أ) على أن المجتهد يجب عليه العمل بما مخلب على ظنه، وهو مأمور بان يعمل على وفق ظنه ولا معنى لحكم الله تعالى إلا ما أمر به، فإذا كان مأمورًا بالعمل ظنه فإذا عمل به كان مصيبًا، لأنه يقطع أنه أتى بما أمره الله تعالى به وحينئذ يلزم أن يكون كل مصيبًا. وجوابه: [أنه]، لا نزاع في أنه يجب عليه العمل بمقتضى ما مخلب على ظنه، وأنه مأمور بذلك وأنه مصيب لما أمره الله تعالى مع اتباع الظن الغالب، لكم هذا لا ينفى ما وقع فيه النزل، وهو أن الله تعالى في كل واقعة حكمًا

стр. 3571

معينًا قبل اجتهاد المجتهد، ونصب عليه الدليل الذى يفيد القدر المشترك بين العلم والظن، فمن أصاب ذلك الحكم فهو المصيب، ومن لم يصبه وغلب على ظنه غيره كان مخطئًا وإن كان ذلك الذى غلب ظنه حكم الله في حقه إذ ذاك ومعلوم أن ما ذكروه لا ينفى هذا الاحتمال. وسابعها: أنه لو كان المجتهد مخطئا لما حصل القطع بكون خطئه مغفورًا له، لكنه حصل القطع بكونه خطئه مغفورًا له، فلا يكون مخطئًا. بيان الملازمة: أنه لو كان مخطئًا فإما إن لا يجوز كونه مخطئًا، أو يجوز كونه مخطئا والأول باطل. أما أولاً فلأن هذا الاعتقاد مضاد لاعتقاد كونه مخطئا الذى هو المفروض ولا يكون حاصلاً معه. وأما ثانيًا: فلان الخطأ غير متعين في حق واحد بعينه بل هو محتمل في كل واحد من المجتهدين فيستحيل أن يحصل معه اعتقاد عدم التخطئة في حق واحد بعينه وإلا لم يكن الخطأ محتملاً في. كل واحد منهم، والثاني لا يخلو إما أن يجوز معه كونه مخلاً بنظر يلزمه [فعله] لم أو لا يجوز ذلك معه، وهذا الثاني باطل، لأنه حينئذ يكون كالغافل عن ذلك النظر الزائد فلم يكن مكلفًا به، لأن الغافل عن شيء لا يكلف به فلا يكون حينئذ مستحقًا للعقاب على تركه فلا يكون مخطئًا، وقد فرض أنه يجوز أن يكون مخطئًا هذا خلف. ويقال بعبارة أخوى: أن هذا الاعتقاد يقتضى أن لا يكون تاركًا لما أمر به فلا يكون مستحقًا للعقاب فلا يكون مخطئًا وهو مضاد لاعتقاد أنه يجوز أن يكون مخطئًا فلا يحصل معه.

стр. 3572

وأما الأول وهو أنه يجوز معه الإخلال بنظر زائد يجب عليه فعله وهذا على قسمين: أحدهما: أن يعلم معه أنه انتهى في النظر إلى المرتبة التي يغفر له إخلاله بنظر ما بعدها [لأنه لو اقتصر على أقل المراتب لم يغفر له ما بعده، فما من مرتبة ينتهى إليها إلا ويجوز أن لا يغفر له ما بعدها] ولا تتميز له بعض تلك المراتب عن بعض. وأيضًا: لو تميزت تلك المرتبة عن التي لا يغفر له ما بعدها لكان ذلك إغراء على الخطأ والمعصية، لأنه إذا انتهى إليها ترك النظر فيما بعدها لعلمه أنه لا مضرة عليه في ذلك مع كونه شاقًا عليه. وثانيهما: أن لا يعلم ذلك بل يجوز في كل مرتبة أن لا يغفر له ما بعدها فحينئذ لا يقطع بكونه مغفورًا له، فثبت أنه لو كان مخطئًا لما حصل القطع بكون خطئه مغفورًا له لكن ذلك باطل، لأنهم أجمعوا من أن عصر الصحابة إلى زماننا هذا أن المجتهد مثاب ومغفورًا له ما أخل به من النظر فيلزم أن المجتهد ليس بمخطئ. وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن المرتبة التي يغفر له إخلاله بنظر ما بعدها متميزة عن غيرها، وهى المرتبة التي يغلب التي على ظنه انتقاء قدرته على ما يزيد عليها، وعلى هذا التقدير سقط ما ذكروه مع أنه لو تميزت تلك المرتبة لكان ذلك إغراء على الخطأ والمعصية، لأنه لا يمكنه الإتيان بها بعده سواء تميزت أو لم تتميز فلا يمكن التكليف به لكونه غير مقدور ولا يكون تركه إغراء على المعصية والخطأ. وأما من قال: إن لله تعالى في كل واقعة حكمًا معينًا، وعليه دليل يفيد القدر المشترك بين العلم والظن، وأن من لم يصادف ذلك الحكم أو إن صادف لكنه من غير بناء على الطريق فهو مخطئ فقد احتجوا بوجوه:

стр. 3573

أحدها: قوله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿ففهمناها سليمان﴾. ووجه الاحتجاج به: أنه لو كان كل مجتهد مصيب لما كان لتخصيص الفهم بسليمان معنى. لا يقال: أن تخصيص الفهم سليمان لا يدل على عدمه في حق داود إلا بطريق المفهوم وهو ليس بحجة، لا سيما مفهوم اللقب، لأنا نقول: نحن لا نحتج به بهذا الطريق بل بسياق/ (٣١١/ أ) الآية، ودلالتها على مدح سليمان، فإن الآية سيقت لزيادة مدخ سليمان في هذه القضية، ولهذا فهمت الأمة ذلك منها، فلو كان كل واحد منهما مصيبًا مثل الآخر، لما كان لزيادة مدحه معنى. وجوابه: لعل ذلك بناء على القول بالأشبه، فلا دلالة فيها حينئذ على مذهبكم سلمنا فساد القول به لكن لعل ذلك بناء على ما علمه سليمان من النص في ذلك دون داود ولا نزاع في حصول الخطأ في مثل هذه الصور، وهذا لأن كان بعيدًا لكنه محتمل في الجملة. سلمنا علمهما بالنص الدال على الحكم لكن لعل سليمان- صلوات الرحمن عليهما- انفرد بعلم النص الناسخ لذلك الحكم، ويؤكده: ما روي أنهما حكما في تلك القضية بالنص حكمًا واحدًا، ثم نسخ الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل فأحاط علم سليمان بذلك دون داود- صلوات الله عليهما- فلهذا أضيف الفهم إليه دون داود، وهذا وإن كان بعيدًا من وجهين: أحدهما: أنه لو نسخ لأحاط علمه بذلك كما أحاط علم سليمان بذلك دون داود - صلوات الله عليهما - فلهذا الفهم إليه دون داود، وهذا وإن كان بعيدًا من وجهين: أحدهما: أنه لو نسخ لأحاط علمه بذلك كما أحاط علم سليمان بذلك لا سيما أنه صاحب الشريعة وأنه الأصل في نزول الوحي.

стр. 3574

وثانيهما: أن في ذلك لا يوصف بالفهم فإن بلوغ النص إلى المكلف ليس من الفهم في شيء لكنه محتمل فعليكم إبطاله وهو سهل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ وقوله ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ ولولا أن في محل الاستنباط حكمًا معينًا لما كان كذلك ولما نهى عن الاختلاف. وهو ضعيف جدًا، أما الآية الأولى: فإن المراد منها تأويل المتشابهات أي ما هو المراد منها، وهو ليس مما نحن فيه في شيء وإن فرض ورود المتشابه في الحكم الشرعي، ثم الذى يؤكد أنه ليس المراد منه الحكم الشرعي أنه قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ والقضايا الاجتهادية لا عدم فيها. وأيضًا: فإنه لا يستقيم قراءة من وقف على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ إذ لا فائدة في إنزال نص شأنه ذلك في الحكم الشرعي بخلاف ما يتعلق بالأصول فإن فائدته الايمان والتصديق بمقتضاه على مراد الله تعالى. وأما الآية الثانية فكذلك ببعض ما سبق. وأيضًا: فإن الضمير في قوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه﴾ راجع إلى المذكور في صدر الآية، وهو ليس حكمًا شرعيًا فليس فيها دلالة على

стр. 3575

المطلوب ولئن سلمنا إمكان حملها على الأحكام الاجتهادية، لكن ليس فيهما دلالة على أن البعض من المجتهدين ليس بمصيب، بل لو كان فيهما دلالة على عدم إصابة أحد فإنما تدل على عدم إصابة من ليس من الراسخين في العلم، ومن ليس من أهل الاستنباط فيحمل ذلك في حق العوام، [إذ لا يمكن على بعض المجتهدين، إذ ليس البعض أولى من البعض فيحمل في حق العوام، دفعًا للتعطيل. وأما الآية الثالثة فالمراد منها: النهى عن الاختلاف والتفرق في أصول الدين كالتوحيد والنبويات وغيرهما، وكما يطلب فيه القطع واليقين دون الظن بدليل إجماع الأمة على أن المجتهد مأمور باتباع ظنه، ومنهى عن مخالفته، وهو أمو بالاختلاف في المجتهدات ضرورة اختلاف الظنون فيها فإن اتحاد الظنون فيها مستحيل عادة. وثالثها: قوله ﵇: " من اجتهد وأصاب فله أجواق ومن أخطا فله أجو واحلى "وهو صريح في أن المجتهد يخطئ ويصيب وهو على [قول]، تصويب الكل محال. وفيه نظر أيضا؛ لأنا نمغ أن ذلك على قول تصويب الكل محال؛ لأن القول بالخطأ متصور أيضًا على قولنا: إن كل مجتهد مصيب؛ وذلك فيما لا يستفرغ الوسع في النظر في الاجتهاد، فإن كان ذلك مع العلم بالتقصير فهو مخطئ وآثم، وإن كان بدون العلم به فهو مخطئ غير آثم، فلعل هذه الصورة هي المراد من الحديث.
следующие страницы →