← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

معينًا قبل اجتهاد المجتهد، ونصب عليه الدليل الذى يفيد القدر المشترك بين العلم والظن، فمن أصاب ذلك الحكم فهو المصيب، ومن لم يصبه وغلب على ظنه غيره كان مخطئًا وإن كان ذلك الذى غلب ظنه حكم الله في حقه إذ ذاك ومعلوم أن ما ذكروه لا ينفى هذا الاحتمال. وسابعها: أنه لو كان المجتهد مخطئا لما حصل القطع بكون خطئه مغفورًا له، لكنه حصل القطع بكونه خطئه مغفورًا له، فلا يكون مخطئًا. بيان الملازمة: أنه لو كان مخطئًا فإما إن لا يجوز كونه مخطئًا، أو يجوز كونه مخطئا والأول باطل. أما أولاً فلأن هذا الاعتقاد مضاد لاعتقاد كونه مخطئا الذى هو المفروض ولا يكون حاصلاً معه. وأما ثانيًا: فلان الخطأ غير متعين في حق واحد بعينه بل هو محتمل في كل واحد من المجتهدين فيستحيل أن يحصل معه اعتقاد عدم التخطئة في حق واحد بعينه وإلا لم يكن الخطأ محتملاً في. كل واحد منهم، والثاني لا يخلو إما أن يجوز معه كونه مخلاً بنظر يلزمه [فعله] لم أو لا يجوز ذلك معه، وهذا الثاني باطل، لأنه حينئذ يكون كالغافل عن ذلك النظر الزائد فلم يكن مكلفًا به، لأن الغافل عن شيء لا يكلف به فلا يكون حينئذ مستحقًا للعقاب على تركه فلا يكون مخطئًا، وقد فرض أنه يجوز أن يكون مخطئًا هذا خلف. ويقال بعبارة أخوى: أن هذا الاعتقاد يقتضى أن لا يكون تاركًا لما أمر به فلا يكون مستحقًا للعقاب فلا يكون مخطئًا وهو مضاد لاعتقاد أنه يجوز أن يكون مخطئًا فلا يحصل معه.

стр. 3572

وأما الأول وهو أنه يجوز معه الإخلال بنظر زائد يجب عليه فعله وهذا على قسمين: أحدهما: أن يعلم معه أنه انتهى في النظر إلى المرتبة التي يغفر له إخلاله بنظر ما بعدها [لأنه لو اقتصر على أقل المراتب لم يغفر له ما بعده، فما من مرتبة ينتهى إليها إلا ويجوز أن لا يغفر له ما بعدها] ولا تتميز له بعض تلك المراتب عن بعض. وأيضًا: لو تميزت تلك المرتبة عن التي لا يغفر له ما بعدها لكان ذلك إغراء على الخطأ والمعصية، لأنه إذا انتهى إليها ترك النظر فيما بعدها لعلمه أنه لا مضرة عليه في ذلك مع كونه شاقًا عليه. وثانيهما: أن لا يعلم ذلك بل يجوز في كل مرتبة أن لا يغفر له ما بعدها فحينئذ لا يقطع بكونه مغفورًا له، فثبت أنه لو كان مخطئًا لما حصل القطع بكون خطئه مغفورًا له لكن ذلك باطل، لأنهم أجمعوا من أن عصر الصحابة إلى زماننا هذا أن المجتهد مثاب ومغفورًا له ما أخل به من النظر فيلزم أن المجتهد ليس بمخطئ. وجوابه: منع الملازمة، وهذا لأن المرتبة التي يغفر له إخلاله بنظر ما بعدها متميزة عن غيرها، وهى المرتبة التي يغلب التي على ظنه انتقاء قدرته على ما يزيد عليها، وعلى هذا التقدير سقط ما ذكروه مع أنه لو تميزت تلك المرتبة لكان ذلك إغراء على الخطأ والمعصية، لأنه لا يمكنه الإتيان بها بعده سواء تميزت أو لم تتميز فلا يمكن التكليف به لكونه غير مقدور ولا يكون تركه إغراء على المعصية والخطأ. وأما من قال: إن لله تعالى في كل واقعة حكمًا معينًا، وعليه دليل يفيد القدر المشترك بين العلم والظن، وأن من لم يصادف ذلك الحكم أو إن صادف لكنه من غير بناء على الطريق فهو مخطئ فقد احتجوا بوجوه:

стр. 3573

أحدها: قوله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿ففهمناها سليمان﴾. ووجه الاحتجاج به: أنه لو كان كل مجتهد مصيب لما كان لتخصيص الفهم بسليمان معنى. لا يقال: أن تخصيص الفهم سليمان لا يدل على عدمه في حق داود إلا بطريق المفهوم وهو ليس بحجة، لا سيما مفهوم اللقب، لأنا نقول: نحن لا نحتج به بهذا الطريق بل بسياق/ (٣١١/ أ) الآية، ودلالتها على مدح سليمان، فإن الآية سيقت لزيادة مدخ سليمان في هذه القضية، ولهذا فهمت الأمة ذلك منها، فلو كان كل واحد منهما مصيبًا مثل الآخر، لما كان لزيادة مدحه معنى. وجوابه: لعل ذلك بناء على القول بالأشبه، فلا دلالة فيها حينئذ على مذهبكم سلمنا فساد القول به لكن لعل ذلك بناء على ما علمه سليمان من النص في ذلك دون داود ولا نزاع في حصول الخطأ في مثل هذه الصور، وهذا لأن كان بعيدًا لكنه محتمل في الجملة. سلمنا علمهما بالنص الدال على الحكم لكن لعل سليمان- صلوات الرحمن عليهما- انفرد بعلم النص الناسخ لذلك الحكم، ويؤكده: ما روي أنهما حكما في تلك القضية بالنص حكمًا واحدًا، ثم نسخ الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل فأحاط علم سليمان بذلك دون داود- صلوات الله عليهما- فلهذا أضيف الفهم إليه دون داود، وهذا وإن كان بعيدًا من وجهين: أحدهما: أنه لو نسخ لأحاط علمه بذلك كما أحاط علم سليمان بذلك دون داود - صلوات الله عليهما - فلهذا الفهم إليه دون داود، وهذا وإن كان بعيدًا من وجهين: أحدهما: أنه لو نسخ لأحاط علمه بذلك كما أحاط علم سليمان بذلك لا سيما أنه صاحب الشريعة وأنه الأصل في نزول الوحي.

стр. 3574

وثانيهما: أن في ذلك لا يوصف بالفهم فإن بلوغ النص إلى المكلف ليس من الفهم في شيء لكنه محتمل فعليكم إبطاله وهو سهل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وقوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ وقوله ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ ولولا أن في محل الاستنباط حكمًا معينًا لما كان كذلك ولما نهى عن الاختلاف. وهو ضعيف جدًا، أما الآية الأولى: فإن المراد منها تأويل المتشابهات أي ما هو المراد منها، وهو ليس مما نحن فيه في شيء وإن فرض ورود المتشابه في الحكم الشرعي، ثم الذى يؤكد أنه ليس المراد منه الحكم الشرعي أنه قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ والقضايا الاجتهادية لا عدم فيها. وأيضًا: فإنه لا يستقيم قراءة من وقف على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ إذ لا فائدة في إنزال نص شأنه ذلك في الحكم الشرعي بخلاف ما يتعلق بالأصول فإن فائدته الايمان والتصديق بمقتضاه على مراد الله تعالى. وأما الآية الثانية فكذلك ببعض ما سبق. وأيضًا: فإن الضمير في قوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه﴾ راجع إلى المذكور في صدر الآية، وهو ليس حكمًا شرعيًا فليس فيها دلالة على

стр. 3575

المطلوب ولئن سلمنا إمكان حملها على الأحكام الاجتهادية، لكن ليس فيهما دلالة على أن البعض من المجتهدين ليس بمصيب، بل لو كان فيهما دلالة على عدم إصابة أحد فإنما تدل على عدم إصابة من ليس من الراسخين في العلم، ومن ليس من أهل الاستنباط فيحمل ذلك في حق العوام، [إذ لا يمكن على بعض المجتهدين، إذ ليس البعض أولى من البعض فيحمل في حق العوام، دفعًا للتعطيل. وأما الآية الثالثة فالمراد منها: النهى عن الاختلاف والتفرق في أصول الدين كالتوحيد والنبويات وغيرهما، وكما يطلب فيه القطع واليقين دون الظن بدليل إجماع الأمة على أن المجتهد مأمور باتباع ظنه، ومنهى عن مخالفته، وهو أمو بالاختلاف في المجتهدات ضرورة اختلاف الظنون فيها فإن اتحاد الظنون فيها مستحيل عادة. وثالثها: قوله ﵇: " من اجتهد وأصاب فله أجواق ومن أخطا فله أجو واحلى "وهو صريح في أن المجتهد يخطئ ويصيب وهو على [قول]، تصويب الكل محال. وفيه نظر أيضا؛ لأنا نمغ أن ذلك على قول تصويب الكل محال؛ لأن القول بالخطأ متصور أيضًا على قولنا: إن كل مجتهد مصيب؛ وذلك فيما لا يستفرغ الوسع في النظر في الاجتهاد، فإن كان ذلك مع العلم بالتقصير فهو مخطئ وآثم، وإن كان بدون العلم به فهو مخطئ غير آثم، فلعل هذه الصورة هي المراد من الحديث.

стр. 3576

سلمنا عدم تصور الخطأ على القول بتصويب الكل، لكن لعل المراد من الحديث ما إذا كان في الواقعة نص أو قياس جلى والمجتهد طلب ذلك واستفرغ الوسع في ذلك فلم يجده وحكم في القضية بغيره فإنه مخطئ في هذه الصورة. سلمنا عدم انحصار الخطأ في ذلك فلعل ذلك بناء على القول بالأشبه وحينئذ يحصل المطلوب. ويمكن أن يجاب عن الأول: بأنه إذا علم بتقصيره فهو آثم فلم يمكن تنزيل الحديث عليه، وإذا لم يعلم ذلك فلا/ (٣١٢/ أ) نسلم أنه مخطئ عندهم؛ وهذا لأنه مهما كلب ظنه أنه غير مقصر في طلب الدليل ووجه الدلالة وطلب على ظنه أن الذى تمسك به دليل على الواقعة كان مصيبًا فإن مناط التكليف ليس إلا كلبه الظن. وعن الثاني: أنه تخصيص فيكون على خلاف الأصل. وعن الثالث: أن القول بالأشبه باطل على ما سيأتي تقريره. سلمنا لكن المتبادر من الخطأ عدم مصادفة الواقع لا عدم مصادفة ما هو في تقدير الواقع فتنزيله عليه خلاف الأصل. ورابعها: أن المجتهدين إذا حكما في الواقعة بحكمين متقابلين كالتحريم والوجوب مثلاً فإن لم يكن الحكمان بناء على الدليلين فهما مخطئان فلم

стр. 3577

يكن كل مجتهد مصيبا، وإن كانا بناء على الدليلين فإن كانا متساويين فمقتضاهما التخيير أو الوقف فالجارم بالنفي أو الإثبات مخطئ فلم يكن كل مجتهد مصيبًا، وإن كان أحدهما راجحًا والآخر مرجوحًا فالتمسك بالراجح مصيب والآخر يكون مخطئا فلم يكن أيضا كل مجتهد مصيبا، وإن كان أحد الحكمين بناء على الدليل دون الآخر كان المتمسك بالدليل مصيبا دون الآخر فلم يكن أيضًا كل مجتهد مصيبًا فعلى كل التقادير لم يكن كل مجتهد مصيبًا. وأورد الإمام هذا بطريقة أخرى وهى أن أحد المجتهدين إذا اعتقد رجحان الأمارة الدالة على العدم فنقول: أحد هذين الاعتقادين خطأ، والخطأ منهي عنه، فأحد هذين الاعتقادين منهي عنه. بيان الأول: إن إحدى الأمارتين إما أن تكون راجحة على الأخرى أو لا تكون، فإن كانت إحداهما راجحة على الأخرى كان اعتقاد رجحانه صوابًا واعتقاد رجحان الأمارة الأخرى خطا؛ ضرورة أنه غير مطابق؛ وإن لم تكن إحداهما راجحة على الأخرى كان كل من الاعتقادين خطأ ضرورة عدم مطابقتهما للمعتقد فعلى كل التقديرات لا يكون الاعتقادان مطابقين بل أحدهما يكون بخلاف المعتقد فثبت أن كل مجتهد ليس بمصيب بمعنى كون اعتقاده مطابقا للمعتقد وهذا إحدى صور الخلاف فإن اكتفينا به جاز، وان أردنا بيان أن الكل ليس بمصيب بمعنى أنهم ما أتوا ما كلفوا به قلنا: الدليل عليه: أن الاعتقاد الذى لا يكون مطابقًا للمعتقد جهل والجهل بإجماع الأمة غير مأمور به فثبت أيضًا أن الكل ليسوا بمصيبين بمعنى الإتيان بالمأمور به.

стр. 3578

وهو ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن هذين الاعتقادين خطأ. قوله: أن إحدى الأمارتين إما أن تكون راجحة على الأخرى أو لا تكون. قلنا: تعنى به في نفس الأمر، أو في اعتقاد المجتهد؟ فإن/ (٣١٣/ أ) عنيت به الأول فممنوع، وهذا لأن الأدلة الظنية ليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها حتى تكون في نفس الأمر إحداهما راجحة على الأخرى أو لا تكون. ولئن سلم ذلك لكن إنما يلزم أن يكون أحد الاعتقادين خطا أن لو اعتقد كل واحد منهما أن أمارته راجحة على الأخرى في الخارج، فأما إذا لم يعتقد ذلك بل بالنسبة إلى اعتقاده فلا. وإن عنيت به الثاني فمسلم لكن لا نسلم أن إحداهما إذا لم تكن راجحة على الأخرى كان كل من الاعتقادين خطأ؛ وهذا لأنه يحتمل حينئذ أن تكون كل واحد منهما راجحة على الأخرى في اعتقاد كل من المجتهدين، وحينئذ يكون الاعتقادان مطابقين لحصول الرجحان في أمارة كل واحد منهما في اعتقاده؛ وهذا لأن الأدلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون فهي أمور إضافية غير حقيقية فجاز أن يكون كل منهما راجحا عند صاحبه. وأما ما أجاب به عن هذا، وهو: أن الرجحان في الذهن إما أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج، أو أمرًا لا يثبت إلا معه لأنا نعلم بالضرورة أنا لو اعتقدنا في الشيء كون وجوده مساويًا لعدمه فمع هذا الاعتقاد يمتنع أن يكون اعتقاد وجوده راجحا على اعتقاد عدمه فضعيف. أما أولاً: فلأنه لو كان الرجحان في الذهن نفس اعتقاده رجحانه في الخارج أو أمرًا لا ينفك عنه لما تصور وجوده بدونه لكنه يتصور فإن الإنسان قد يجزم برجحان الشيء في ذهنه مع عدم اعتقاد كونه راجحًا في الخارج، ولهذا

стр. 3579

لو صرح بذلك لما عد مناقضا ومتهافتًا، فإنه لو قال: هذا راجح في ذهني ولا أدرى كونه راجحا في الخارج أم لا، لم يعد كلامه متهافتا ولا يوصف بالجهل عند عدم ظهور الرجحان في الخارج. وأما ثانيًا: فلأنا لو سلمنا أن الرجحان في الاعتقاد لا يبقى مع اعتقاد كون وجود الشيء مساويًا لعدمه في الخارج لكن فيما له وجود في الخارج [فأما الشيء الذى لا وجود له في الخارج]، فلا يتصور فيه ذلك الاعتقاد فلا يمكن أن يقال فيه: أنه إما أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج أو أمرًا لا يثبت إلا معه، ورجحان الادلة الظنية أمر إضافي غير حقيقي كما تقدم فلا يتصور فيه ذلك. وأما ثالثًا: فلأن كون الرجحان في الذهن لا يبقى "عند اعتقاد كون وجود الشيء مساويًا لعدمه لا يدل على أنه عيق اعتقاد الرجحان في الخارج أو أمر لا يثبت إلا معه؛ وهذا لأنه قد يعتقد وجود الشيء مع الذهول عن ضده فضلاً عن اعتقاد عدمه، مع أنه لا يبقى ذلك الاعتقاد عند اعتقاد وجوده. سلمناه لكن الدليل إنما يدل على أن الاعتقادين فيما ذكره من الصورة ليسا بمطابقين للمعتقد بل لابد وأن يكون أحدهما خطا لكن لا يلزم منه إن كل مجتهد في الحكم الشرعي ليس بمصيب؛ لأن رجحان الإمارة ليس حكمًا شرعيًا، نعم يلزم من خطأ الطريق خطأ الحكم لكن من جهة الطريق لا بمعنى عدم مصادفة الحكم الواقع في نفس الأمر الذى فيه النزاع دون القائلين، فإن القائلين بأن كل مجتهد مصيب اتفقوا أيضًا على إمكان الخطأ في الحكم من جهة الطريق وذلك بان يقصر في الاجتهاد. وخامسها: المجتهد مأمور بالحكم عند نزول الواقعة وفاقًا، فإما أن يكون ذلك بناء على طريق، أو لا يكون بناء على طريق، والثاني باطل، لأن

стр. 3580

القول في الدين بمجرد التشهي باطل بالإجماع فيتعين أن يكون ذلك بناء على طريق، فذلك الطريق إن كان خاليا عن المعارض تعين الحكم بمقتضاه وفاقا فيكون المخالف لذلك مخطئا فلم يكن مجتهد مصيبا، وإن لم يكن خاليا عنه فذلك المعارض إن كان راجحا عليه وجب العمل بمقتضاه، لإجماع الأمة على وجوب العمل بالراجح فيكون مخالفه مخطئا، وإن لم يكن راجحا فإن كان هو راجح عليه تعين العمل به فيكون مخالفه مخطئا، وإن لم يكن منهما راجحا فهما حينئذ متعارضان متساويان وحكم ذلك إما التخيير، أو التساقط، والرجوع إلى غيرهما، وعلى التقدير فحكمه معين فمن حكم بخلاف ذلك كان مخطئًا فثبت أن المصيب واحد على كل التقادير. وأما ما يقال: إن القول في الدين بمجرد التشهي باطل إذا كان هناك دليل، فأما إذا لم يكن هناك دليل فلا نسلم امتناعه فلم لا يجوز حيذ القول بمجود الحدس والتخمين ولا دليل في المسائل الاجتهادية، بدليل أنه لا إثم فيه ولا عقاب، ولو كان فيها دليل لكان مخالفه مستحقا له لما سبق أن مخاوف الأمر مستحق للعقاب فضعيف، لأنه إن عنى بالدليل ما يفيد القطع لم يلزم من عدمه جواز القول بالحدس والتخمين، لجواز أن يكون القول في الدين مشروطًا بما يفيد القطع أو الظن، وإن عنى به ما يفيد القطع أو الظن لم يلزم من مخالفته عقاب لأن من ترك الدليل الظني لدليل ظني آخر لم يستحق العقاب، ولو سلم أنه لا دليل في المسائل الاجتهادية بالمعنى الثاني لكن القول في الدين بمجرد الحدس والتخمين باطل بالإجماع سواء وجد هناك ما يفيد القطع أو الظن أو لم يوجد، واعلم أنه لا يخفى عليك الاعتراض على هذا الدليل مما سبق.

стр. 3581

وسادسها: المجتهد مستدل بشيء على شيء، والاستدلال عبارة عن استحضار العلم بأمور يلزم من وجودها وجود المطلوب، ومعلوم أن ذلك يستدعى وجود الدليل متقدمًا عليه، والدليل يستدعى وجود المدلول متقدما عليه بالرتبة؛ لأن [دلالة]، الدليل على المدلول نسبية بينهما، والنسبة بين الأمرين متوقفة في الثبوت على ثبوت كل واحد منهما فوجود المدلول الذى هو المطلوب متقدم/ (٣١٤/ أ) على الاستدلال بمرتبتين والظن متأخر عنه لكونه أثره ونتيجته، فلو كان الحكم لا يحصل إلا بعد الظن الذى هو متأخر عن الاستدلال الذى هو متأخر عق الدليل الذي هو متأخر عن المدلول لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب وهو ممتنع قطعا. وسابعها: المجتهد طالب، والطالب لابد له من مطلوب متقدم في الوجود على وجود الطلب فلابد من ثبوت الحكم قبل الطلب، وإذا كان كذلك كلان مخالفه مخطئًا. لا يقال. مطلوب المجتهد إنما هو غلبة الظن الذى يترتب عليه الحكم لا الحكم الثابت قبله، وهذا كما يقال لمن أراد ركوب البحر: إن غلب على ظنك السلامة جار لك الركوب وإلا حرم، فمطلوبة في هذه الصورة غلبة الظن بالسلامة ويترتب عليه حكم الله من جواز الركوب وحرمته لأنا نقول: ليس المطلوب كلبة الظن كيف ما كان وفاقًا بل الظن الذي يحصل بالنظر في الأمارة، وذلك يتوقف على وجود الأمارة المتوقف على وجود ما هي أمارة عليه فيكون غلبة الظن موقوفًا على وجود المدلول بمراتب فلو كان وجود المدلول موقوفًا على غلبة الظن لزم الدور.

стр. 3582

واعلم أن حاصل هذا الدليل يرجع إلى الذى قبله وفيه نظر يعرف بالتأمل. وثامنها: أن القول بتصويب المجتهدين يقتضى الجمع بين النقيضين وهو محال فما يفضي إليه فهو أيضًا محال. بيان أنه يقتضى الجمع بين النقيضين لان [أحد]، المجتهدين إذا قال في المسالة بالحل والأخر بالحرمة فلا شك أن الحرمة مستلزمه لعدم الحل، فلو كانا القولان حقين في المسالة لزم ثبوت الحل وعدمه معا في المسألة وهو جمع بين النقيضين فكان ممتنعًا، وهو أيضًا ضعيف؟ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو اتحدت النسبة وهو ممنوع؛ وهذا فإن الحل إنما هو ثابت فيها بالنسبة [إلى المجتهد الذى غلب على ظنه الحل، والحرمة بالنسبة إلى من غلب على ظنه الحرمة وإذا اختلفت النسبة] فلا يلزم ذلك، ألا ترى أن المرأة المعينة توصف بالحل بالنسبة إلى زوجها وبالحرمة بالنسبة إلى الأجنبي، وكذا القول في الميتة فإنها تحل للمضطر وتحرم على غيره، وليس هو من قبيل الجمع بين النقيضين وفاقًا فكذا ما نحن فيه. وتاسعها: أن القول بتصويب الكل يفضى إلى وقوع منازعة لا يمكن قطعها، وهذا كما إذا أبان المجتهد روجته المجتهدة بقوله: "أنت بائن" ثم راجعها بناء على اجتهاده في أن الكنايات كلها رجعيات، والمرأة ترى ذلك من جملة البوائن بناء على اجتهادها أنه من جملة البوائن، فها هنا الزوج متمكن من مطالبتها بالوطء، والمرأة مأمورة بالامتناع فهذه منازعة لا يمكن قطعها، وكذلك إذا تزوج واحد امرأة بغير وليها ونكحها الأخر بعده بولي وتنازعا في

стр. 3583

ذلك فلو قيل بتصويب المذهبين معًا لزم إما حل الزوجة للرجلين وهو محال، أو المنازعة التي لا يمكن قطعها، وإذا كان ذلك كان القول باطلاً؛ لأن المنازعة التي لا يمكن رفعها شرعًا محال فما أفض إليه فهو أيضا محال. وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه وارد على الخصم أيضًا، فإنه وإن لم يقل بتصويب الكل لكنه يوجب العمل على كل مجتهد بما يغلب على ظنه إذ المخطئ غير معين والجواب واحد على المذهبين، ولنذكرها هنا طريق فصل الخصومة بتقسيم يتضمن بيان حكمه وغيره ليعلم أن ذلك غير مختص بأحد المذهبين فنقول: الواقعة النازلة بالمكلف إما نازلة بالمجتهد أو بغيره، وعلى التقديرين إما أن تكون مختصه به، أو لا تكون مختصه به بل تتعلق بغيره فهذه أقسام أربعة: أحدها: أن تكون نازلة بالمجتهد، ومختصة به، وحكمه: أنه يجب أن يعمل بما يؤس إليه اجتهاده فإن استوت عنده الأمارات تخير بينهما أو يعاود الاجتهاد إلى أن يظهر الرجحان فيعمل به. وثانيها: أن تكون نازلة به لكنها غير مختصة به بل هي متعلقة به وبغيره، وحكمه: أن يرجعا إلى حاكم يفصل بينهما، أو إلى محكم ومتى حكمًا بشيء لم يكن لهما الرجوع عنه، وإن كانت الواقعة فيما يجرى نيه الصلح، نحو التنازع في مال فيختص بزيادة جريان الصلح فيه. وثالثها: أن تكون الواقعة نازلة بغير المجتهد وهى. مختصة، وحكمه: أن يستفتى ويعمل بما اتفق عليه فتاوى المفتين فإن اختلفوا في ذلك عمل

стр. 3584

بفتوى الأعلم والأورع فإن استووا تخير بينهما. ورابعها. أن تكون الواقعة متعلقة به وبغيره، وحكمه: كما تقدم في المجتهد من غير تفاوت وعند هذا ظهر أن الجواب واحد على المذهبين؛ لأن ما ذكرنا من طريق فصل الخصومة لا يختص بمذهب دون مذهب. وعاشرهما: أنه لو كلان كل مجتهد مصيبا لم يكن لشرعية المناظرة فائدة؛ لأن فائدة المناظرة إنما هي تحقيق الحق ومعرفة الصواب ليستمر صاحبه عليه ويرجع الذاهب إلى نقيضه عليه، ويرجع حاصلة فتحصيلها تحصيل للحاصل، والثانية ممتنعة الحصول ألان الذاهب إلى نفيضه أيضًا محق ومصيب فلم يجردوه عنه فكانت الفائدة الثانية ممتنعة أصول، وهو ظاهر الضعف؛ لانا نمنع انحصار فائدة المناظرة فيما ذكروه بل لها فوائد أخر نحو: معرفة وجود الدليل القاطع، وانتقائه ليتفرع عليه جواز الاجتهاد وعدمه في تلك المسالة، ونحو معرفة حصول التراجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد وعدمه حتى لا يتوقف أو لا يتخير في محل الجزم أو يجزم في محل التوقف/ (٣١٥/ أ) والتخيير، ونحو معرفة الخطأ في طريق الاجتهاد فإن الخطأ في الطريق متصور على المذهبين، ونحو تشحيذ الخاطر والتمرين على طرق الاجتهاد. وحادي عشرها: وهو الذى عول عليه بعضهم، أن الاصل عدم التصوب، والأصل في كل. مستحق دوامه، والاصل عدم الدليل على التصويب؛ لأن الأصل في الأشياء العدم لا سيما الدليل الذى يخالف الأصل

стр. 3585

لاسيما بعد البحث والفحص عنه إذ تد ظهر ضعف أدلة المصوبة، وحينئذ يلزم القضاء بالبقاء على حكم الأصل، ولا يتأتى مثله في تصويب واحد غير معين؛ لأنه وجد الدليل عليه وهو الإجماع؛ لأن من قال: المصيب واحد لا بعينه فقد قال به، ومن قال: إن كل مجتهد مصيب فقد قال أيضًا بإصابة واحدة فكون الواحد مصيبا مجمع عليه، ثم ذلك الواحد إما معين وهو باطل بالإجماع، أو غير معين وهو المطلوب، أو نقول: إذا ثبت أن كون الواحد مصيبًا بالإجماع وجب أن يكون غير معين لئلا يلزم خلاف الاجماع، ولا إجماع على تصويب الكل بهذا الطريق فوجب بقاؤه على النفي الأصلي. واعلم أن التمسك بالأصل دليل عام في كل ما يدعى فيه النفي لكن إنما يتم بالقدح في دليل المثبت فلم يكن له تعلق بخصوصية المسالة. وثاني عشرها: [التمسك]، بإجماع الصحابة، وتقويره: أن الصحابة - رضى الله عنهم- صرحوا بالتخطئة من غير نكير فيما بينهم وذلك يدل على إجماعهم على أن المصيب واحد بيان الأول: ما روى عن الصديق- ﵁ أنه قال في الكلالة، (أقول فيها برأي إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، واستغفر الله). وعن عمر- ﵁ أنه حكم بحكم فقال له بعفن الحاضرين: هذا والله الحق. ثم حكم بحكم آخر فقال الوجل هذا والله الحق فقال عمر له: إن عمو لا يعلم أنه أصاب الحق، لكنه لا يألوا جهدًا. روى أنه قال: إن يكن خطا فمنه، لان يكن صوابًا فمن الله. وقال أيضًا

стр. 3586

لكاتبه: (أكتب هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنه". وقال أيضًا: (أخطا عمر وأصابت المرأة" قال في كله المرأة التي ردت عليه نهيه- رضى الله عنه- عن المغالاة في الصداق. وقال على لعمر في قصة المجهضة: "إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة" وقال ابن مسعود- ﵁ في المفوضة: (أقول فيها برأي فإن كان صوابًا فمن الله، لأن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان) ويقل أن جماعة من الصحابة خطأوا ابن عباس- ﵁ في إنكار العول، وهو أيضًا خطأهم في إثباته فقال: (من باهلني باهلته إن الله تعالى لم يجعل في المال الواحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، وهذان النصفان ذهبا بالمال فاين موضع الثلث).

стр. 3587

وخطأ ابن عباس زيد بن ثابت في مسألة الجد مع الأخوة وقال: (ألا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا). وأما أن ذلك كان من غير نكير فيما بينهم فلانه لو وجد الإنكار على ذلك لنقل وأشتهر، ولما لم ينقل ذلك ولم يشتهر علمنا أنه لم يوجد. بيان الثاني ظاهر، فإنه لو كان كل منهم مصيبا لم يجز تخطئة بعضهم فكان يمتنع اتفاق الكل عليها فكان ذلك دالا على اتفاقهم على أن المصيب واحد، ولا يعارض هذا بأن هؤلاء الذين نقل عنهم التصريح بالتخطئة فقد نقل عنهم تولية المخالف في الدماء والفروج وتمكينه من الفتوى فيهما وترك البراءة عنه وتفسيقه كما سبق في حجج المصوبة؛ وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون تصويب الكل؛ لأن التخطئة مصرح بها، والتصويب مستدل عليه لو سلم الاستدلال فكان الأول أولى). فإن قلت: إنما يصار إلى الترجيح إذا لم يمكن التوفيق بين الدليلين؛ وهذا لأن الترجيح يقتضي إعمال الراجح وترك المرجوح بالكلية، والتوفيق لا يقتضى ذلك بل يقتضى إعمالها ببعض الاعتبارات فكان أولى، وإذا كلان أولى لم يجز المصير إلى ما هو دون الأول مع إمكان المصير إلى الأولى، كما لا يجوز المصير إلى المرجوح مع وجود الراجح وهنا يمكن التوفيق، وهو أن تحمل التخطئة على ما إذا قصر المجتهد في الاجتهاد، أو لم يكن أهلا

стр. 3588

للاجتهاد، أو أنه وإن كان أهلا وما قصر في الاجتهاد لكن وجد في المسألة نص قاطع، أو إجماع، أو قياس جلى، وهو بعد البحث التام والاستقصاء البالغ لم يجده وحكم بخلافه، وما ذكرنا من الدليل يحمل على ما إذا لم يوجد شيء من هذه الأمور وإذا أمكن هذا النوع من التوفيق لم يجز المصير إلى الترجيح لاستلزامه الترك بأحد الدليلين. قلت: حمل تخطئة الصحابة بعضهم لبعض، أو لنفسه على ما ذكرتم من الصور الثلاث خلاف الظاهر. أما الأول: فلأن الظاهر منهم عدم التقصير في الاجتهاد، بل المعهود منهم المبالغة التامة في ذلك حتى نقل عن بعضهم أنه كان يبقى في الاجتهاد في مسألة مدة مديدة، ويراجع نفسه فيها مرة بعد مرة مع المساءلة والمذاكرة مع الغير وطلب الاستعانة من الله تعالى، ومعلوم أن التقصير في ذلك من مثل هؤلاء بعيد غاية البعد وأما الثاني فغير ممكن لأنه لا يمكن إحالة التخطئة إلى عدم أهلي الاجتهاد لإجماع الأمة على أهليتهم للاجتهاد. وأما الثالث فكذلك؛ لأن من الظاهر أن لا إجماع إذ ذاك من/ (٣١٦/ أ) غيرهم فإن كان هناك إجماع فهو منهم فيستحيل ذهولهم عنه. وأما النص والقياس الجلي فالظاهر اطلاعهم عليهما لشدة بحثهم عن الأدلة الشرعية، ولكونهم نقلة الشريعة فمن البعيد أن يخفى عليهم لاسيما وقوع الحادثة واشتهارها فيما بينهم، فهذا ما أردنا أن نذكر من أدلة الفريقين في هذه المسألة.

стр. 3589

فروع الذين قالوا ليس في الواقعة حكم معين، اختلفوا في الأشبه على التفسير الذى تقدم ذكره، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه، وهو الأظهر؛ لأن ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات وهو موجود كان الأمر بالعمل به واردًا لإجماع الأمة على وجوب العمل بأقوى الأمارات، وحينئذ لا يكون ذلك قولاً بالأشبه إذ يعتبر فيه أن لا يكون هناك حكم بالفعل وعلى هذا التقدير يكون هناك حكم معين وهو العمل بأقوى الأمارات فلم يكن ذلك قولاً بالأشبه. وإن كان غير موجودة لم يكن الأشبه- أيضًا- موجودًا؛ لأن الأشبه على هذا المدير هو العمل بأقوى الأمارات فإذا لم يكن أقوى الأمارات موجودًا لم يكن الأشبه موجودًا وإن لم يكن الأشبه هو العمل بأقوى الأمارات بل غيره فذلك الغير إن كان مصلحة العبد وقلنا: يجب على الله تعالى رعاية مصالح العباد وجب عليه التنصيص على ذلك الحكم ليتمكن المكلف من استيفاء تلك المصلحة، وحينئذ لا يكون ذلك قولاً بالأشبه. وإن قلنا: انه لا يجب على الله تعالى رعاية المصالح فجار أن لا. ينص على ذلك الحكم بل على غيره، وذلك يبطل قولنا: أنه تعالى لو نمى على الحكم لما نمى الا على ذلك الحكم. وإن كان مفسدة العبد فهذا باطل؛ لأنه ليس في الأمة من يوجب على الله شيئا لمفسدة العبد. وإن كان ذلك الغير لا مصلحة العبد ولا مفسدته فهذا أيضًا باطل؛ لأن القول بالوجوب على الله تعالى مع أن ذلك الواجب ليس مصلحة العبد ولا مفسدته قول لم يقل به أحد ولأن ذلك إنما يمكن أن لو قيل بعدم وجوب رعاية المصالح على الله تعالى، وكل من قال بذلك قال أنه لا يتعين على الله تعالى أن يحكم على وجه معين بل له أن يحكم بحكم

стр. 3590

المالكية كيف شاء وحينئذ يتعذر القول بتعين الأشبه. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك الغير [هو مصلحة العبد ونظام العالم، ورعاية المصالح وإن كانت غير] واجبة على الله تعالى لكن الله تعالى لم يشرع من الاحكام إلا ما فيه مصلحة العبد ونظام العالم تكريما وتفضيلاً منه على العبيد، فحينئذ لو نص لما نص إلا على ذلك الذى فيه مصلحة العبد ونظام العالم، فلم يجز أن ينص على غير ذلك الحكم نظرًا إلى ما أجرى به سنته وعادته. واحتج من قال بالأشبه بالنص والمعقول: أما النص فهو قوله- ﵇ "من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد"، صرح بالتخطئة، وهذه التخطئة ليست لأجل مخالفة حكم واقع، لأنه قد تقدم في أدلة المصوبة أنه لا حكم في الواقع، فلابد وأن يكون لأجل كونه مخالفًا لحكم مقدر وهو الأشبه. وجوابه: أنه قد تقدم ضعف تلك الأدلة فلا يبنى على مقتضاها شيء. وأيضًا لا يليق بكرم الله تعالى ورحمته على عبيده أن يخطئهم بالعدول عما لم ينص عليه ولا أقام عليه دلالة ولا أمارة، ولا جعل على تلك علامة، وأن ينقص أجرهم بسبب ذلك فإن إصابة مثل هذا اتفاقي، ولا يجوز ورود التكليف للاتفاقيات. وأما المعقول. فهو أن المجتهد طالب، وكل طلب فلابد وأن يكون له مطلوب، وإذ ليس مطلوب المجتهد واقعًا لما تقدم من الأدلة فهو إذن مقدر. وجوابه. أن مطلوبة واقع وأما أدلتكم على نفيه فقد سبق ضعفها.

стр. 3591

خاتمة في نقض الحكم والاجتهاد أطبق الكل على أنه لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية؛ إذ لو جوز ذلك فإما أن يجوز من غير سبب وهو باطل قطعًا، أو بسبب وهو تغير الاجتهاد، أو بحكم حاكم آخر وهو أيضًا باطل، وإلا جاز نقض النقض، وكذا نقض نقض النقض إلى غير النهاية، إذ ليس البعض أولى بذلك من البعض الأخر وحيئذ فإما أن لا يجوز نقض شيء منها وهو المطلوب، أو يجوز نقض كلها وهو الملازمة لكن ذلك باطل؛ لأنه يلزم منه الاخلال بالمقصود الذى لأجله نصب الحاكم وهو فصل الخصومات، وقطع المنازعات، فإن على هذا التقدير لم تنفصل خصومة، ولا تنقطع منازعة، فإنه وإن حكم حاكم في قضية فالخصم الأخر يرفع خصمه إلى حاكم آخر [يرى خلافه، وإذا حكم ذاك بخلاف حكم الأول فخصمه الأول يرفعه إلى حاكم آخر] يرى خلاف ذلك فتبقى القضية متنازع فيها أبدًا، ومعلوم أن هذا مضاد مقصود نصب الحكام فكان باطلاً. وإنما ينقض حكم الحاكم إذا وقع على خلاف النص القاطع، أو الإجماع، أو القياس الجلي، أما إذا وقع على خلاف غير ذلك من الأدلة الظنية نحو خبر الواحد وغيره فلا ينقض إلا في مواضع لقوة أدلتها وإن كانت ظنية. ولو حكم حاكم على خلاف اجتهاده مقلدًا لمجتهد آخر فقد اتفق الكل على

стр. 3592

إبطال حكمه، ولو كان الحاكم مقلدا لإمام وحكم بحكم مخالف مذهب إمامه لم يجز نقض حكمه إن رأينا صحة حكم المقلد لضرورة عدم المجتهد في زماننا وجوزنا للمقلد تقليد غير إمامه وإلا نقض. وأما نقض الاجتهاد ففيه بحثان: الأول: المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى حكم في حق نفسه، ثم/ (٣١٧/ أ) تغير اجتهاده، كما إذا أدى اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، فنكح امرأة خالعها ثلاثا ثم تغير اجتهاده إلى أنه طلاق، فإن حكم حاكم قبل تغير اجتهاده بصحة ذلك النكاح بقى صحيحا لما سبق من أن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا ينقض، وإن لم يحكم بها حاكم قبل تغير اجتهاده لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده؛ لأنه حينئذ يكون مستديما لحرمة الاستمتاع بها نظرًا إلى اعتقاده. الثاني إذا أفتى المجتهد على وفق اجتهاده للعامي فعمل العامي بذلك وبقي مستديمًا عليه، كما إذا أفتاه بجواز نكاح المختلعة ثلاثًا، ثم تغير اجتهاده إلى أن الخلع طلاق، فإن حكم حاكم بصحة النكاح قبل تغير اجتهاده فالحكم ما سبق في حق المجتهد، وإن لم يحكم بها حاكم فقد اختلفوا فيه: والأظهر أنه يجب عليه تسريحها كما في المجتهد في حق نفسه، وكما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القِبلة لمن له أهلية الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له فإنه يجب عليه أن يتحول إلى الجهة التي تغير اجتهاد متبوع إليها تنزيلاً له منزلة متبوعه، فإنه لو تغير اجتهاده في أثناء صلاته إلى جهة أخرى لوجب عليه أن يتحول إلى تلك الجهة. ومنهم من لم يوجب ذلك لزعمه أنه يؤدى إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد

стр. 3593

وهو ممتنع، ولأنه تغير اجتهاد المتبوع في صورة لم يكن المقلد مستديمًا عليه بل يعد فراغه عنه فإنه لم يلزمه تتبعه بالنقض فكذا إذا كان مستديمًا عليه وهما ضعيفان. أما الأول: فلأن زوال ذلك الحكم ليس بالنقض بل لزوال شرطه بأن شرط جواز فعله والاستدامة عليه بقاء اجتهاده فإذا زال الحكم لزوال شرطه. وأما الثاني: فلأن ذلك يفضي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو ممتنع وهذه الظاهرة لا يمكن أن يقال فيه ما يقيل في صورة الاستدامة.

стр. 3594

النوع الثامن عشر الكلام في المفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء وفيه فصول: الفصل الأول في المفتي وفيه مسائل: المسألة الأولى في المفتي المجتهد إذا أفتى مرة بما أدى إليه اجتهاده، ثم سئل مرة أخرى عن تلك الحادثة بعينها: فإن كان ذاكرًا لطريق اجتهاده الأول فهو مجتهد، تجوز له الفتوى بذلك الحكم بناءً على ذلك الطريق. وإن لم يذكره لزمه أن يجتهد ثانيا، فإن أدى اجتهاده إلى ما أفتى به في الأول فظاهر، وإن أدى إلى خلاف ما أفتى به في الأول لزمه أن يفتى بما أدى إليه اجتهاده ثانيًا. ثم ينبغي له أن يعرف المستفتى الأول أنه رجع عن ذلك القول؛ لئلا يكون عاملاً بغير موجب له، فإن الموجب لجواز عمله إنما هو اجتهاده وقد تغير. روي عن ابن مسعود- رضى الله عنه- كان يقول في تحريم أم المرأة أنه مشروط بالدخول بالمرأة، فلقى أصحاب رسول الله- ﷺ وفاكرهم فكرهوا أن يتزوجوها، فرجع ابن مسعود- رضى الله عنه- إلى من كان أفتاه بذلك أولا، وقال له: (سألت أصحابي فكرهوا ذلك) وهذا إنما يستقيم

стр. 3595

على ما تقدم من الرأي الأظهر فإنه إذا تغير اجتهاد المجتهد وعلم المستفتى بذلك فإنه يجب عليه الامتناع من ذلك الفعل فأما إذا لم يقل بذلك فلا حاجة إلى الإعلام. ومنهم من أوجب عليه الاجتهاد في المرة الثانية مطلقًا سواء كان ذاكرًا لطريق اجتهاده الأول أو لم يذكره، محتجا: بانه يحتمل أن يتغير اجتهاده ويطلع على ما لم يكن قد اطلع عليه في المرة الأولى. ومنهم من لم يوجب ذلك عليه مطلقا، أما إذا كان ذاكرًا لطريق الاجتهاد الاول فظاهر، وأما إذا لم يكن ذاكرًا له، فلان الغالب على ظنه أن الطريق الذى تمسك به أولاً كان طريقا قويا وحينئذ يحصل له الآن أن ذلك الفتوى حق فجار له الفتوى به من غير استئناف الاجتهاد لأن العمل بالظن واجب، المسألة الثانية في أن غير المجتهد هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير من المجتهدين ؟ فنقول: ذلك الغير إما ميت، أو حي. أما الأول فهو أن يحكي عن المجتهدين المنقرضين إلى رحمة الله تعالى كما

стр. 3596

هو المعتاد في زماننا فهذا مما اختلف فيه: فذهب جماهير الأصوليين نحو أبى الحسين البصرى وغيره إلى عدم جواز ذلك مطلقًا. وذهب بعضهم إلى جوازه مطلقًا. وسهم من فصل فقال: إن عدم المجتهد كما هو في زماننا جاز وإلا فلا. ومنهم من قال: إن كلان الحاكي أهلاً للنظر والمناظرة ومجتهدًا في ذلك المذهب الذى يحكى عنه جار وإلا فلا. احتج الأولون. بأنه لا قول للميت؛ بدليل أن الاجماع منعقد على خلافه، ولو كان له قول لما انعقد الاجماع على خلافه كما لو كان حيًا فإنه لا ينعقد الإجماع على خلافه إذ ذاك وفاقًا، وإذا لم يكن له قول لم يجز الافتاء به ولأنه لو جار ذلك لجاز للعامي أيضًا ذلك وهو محال خلات الإجماع. فإن قلت: فعلى هذا لم صنفت الكتب الفقهية مع فناء أربابها؟ قلت: الفائدة استفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها عنى البعض الأخر. ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه.

стр. 3597

واعترض على الأول: بمنع أن لا قول للميت، ولا نسلم أن الإجماع ينعقد على خلافه، وقد تقدم الخلاف فيه/ (٣١٨/ أ) في الإجماع. وعلى الثاني بالفرق وهو ظاهر، وأيضًا فإن الدليل الذى يدل على جواز ذلك في العالم كما سيأتي غير حاصل في حق العامي فلا يلزم من جوازه في حقه جوازه في حق العامي. واحتج من جوز ذلك: بأن الثقة إذا نقل أحاديث الرسول فهي حجة في حق المجتهدين لا يجوز مخالفتها، فكذا إذا نقل الثقة قول المجتهد للعامي إذ قوله بالنسبة إليه كقول الرسول بالنسبة إلى المجتهد. واحتج من قال بالقول الثالث: بأنه يجوز عند عدم المجتهد للضرورة، ولا ضرورة عند وجوده فلا يجوز. وأجيب: بأنه يقتضى جوازه من العامي وهو خلاف الاجماع. واحتج من قال بالقول الرابع وهو الأظهر بوجهين: أحدهما: الاجماع على ذلك بعد انقراض عصر المجتهدين فإن الأئمة في الأمصار في جميع الأعمار يفتون بذلك من غير نكير من أحد من الأمة فكاد إجماعًا. وهذا فيه نظر، لأن الإجماع إنما يعتبر من أهل الحل والعقد وهم المجتهدون، والمجمعون ليسوا بمجتهدين فلا يعتبر إجماعهم، أو نقول بعبارة أخرى: إنما يعتبر اتفاقهم على جواز إفتاء غير المجتهد أن لو كان إفتاء غير المجتهد جائزًا فلو أثبت جواز إفتاء غير المجتهد بهذا لزم الدور.

стр. 3598

وثانيهما: أن الراوي إذا كان عدلاً ثقة متمكنًا من فهم كلام المجتهد الذى مات، وعارفا بمقاصده من كلامه، وبأصوله وفروعه ثم روى للعامي قوله حصل للعامي ظن صدقه، ثم كون المجتهد عدلا ثقه عالمًا مستجمعا لشرائط الاجتهاد يوجب ظن صدقه في تلك الفتوى، وحينئذ يتولد من هذين الظنين للعامي ظن أن حكم الله تعالى ما روى له هذا الراوي الحى عن ذلك المجتهد الميت، والعمل بالظن واجب، فوجب أن يجب على العامي العمل بذلك. وفيه أيضًا نظرة لأن حصول الظن مطلقا كيف ما كان غير معتبر بل المعتبر الظن الحاصل من طريق معتبر شرعًا، فلم قلتم إن هذا طريق معتبر شرعا، فلابد لهذا من دليل، وإذا حصل ذلك الدليل استقل بإفادة المطلوب فيكون التعويض لهذا مستدركًا. والأولى في ذلك التمسك بالضرورة والحاجة، فإنا لو لم نجوز هذا لأدى ذلك إلى أن الشريعة غير وافية ببيان أكثر الوقائع الحادثة ومعلوم أن ذلك يؤدى إلى التهارج وفساد أحوال الناس. وأما الثاني: وهو أن يحكى غير المجتهد عن غير المجتهد الحى، فإن كان سمعه منه مشافهة جاز له أن يعمل به وجار أن يعمل الغير أيضا بقوله؛ ولهذا يجوز للمرأة أن تعمل في حكم حيضها بحكاية زوجها عن المجتهدين. ورجع علي- ﵁ إلى حكاية المقداد عن رسول الله- ﷺ في أمر المذى وفى الاستدلال بهذا على هذا الحكم نظر، من حيث إنه يجوز أن يكون ذلك بطريق رواية الخبر لا بطريق الإفتاء، وعلى هذا لا يعتبر في

стр. 3599

الحاكي أن يكون عالما مجتهدًا في مذهب من حكى عنه الفتوى وإن لم يسمع منه. فأما إن أخبره بذلك ثقة، أو وجد ذلك في كتاب، فإن كان الأول فحكمه حكم السماع، وإن كان الثاني، فإن كان ذلك الكتاب موثوقًا به جاز العمل به أيضًا كما في المكتوب في جواب الفتوى فإن لم يكن موثوقا به لم يجز العمل به لكثرة ما يتفق من الغلط في الكتاب. المسألة الثالثة المختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه سواء كان مجتهدًا مطلقًا، أو كان مجتهدًا في مذهب المجتهد، ومنع منه الأقلون كالحنابلة . احتج الأكثرون. بما روى عنه ﵇ أنه قال: "إن الله لا يقبص العلمَ انتزاعًا يتنزعهمن الناسِ ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، فهذا الخبر بصراحته يدل على

стр. 3600

خلو العصر عن المفتي، وأيضًا فإنه لو امتنع فإما أن يمتنع لذاته، وهو باطل؛ لأنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلاً، أو لأمر خارجي، وهو أيضًا باطل؛ لأن الأصل عدمه فمن ادعى ذلك فعليه البيان. واحتج الأقلون بوجوه: أحدها: قوله ﵇ "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحقِ حتى يأتي أمر الله، أو حتى يأتي الدخال) وقوله- ﵇ أنه قال: "وا شوقاه إلى إخواني قالوا يارسول الله: ألسنا إخوانك فقال. أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق ويصلحون إذا فسد الناس". وجوابهما: أنه لا دلالة لهما على المتنازع فيه. أما الأول. فلأنه لا دلالة له على نفي الجواز بل لو دل فإنما يدل على عدم الوقوع، ولا يلزم منه عدم الجواز على أنا نقول: لا يلزم من كونهم ظاهرين على الحق بالحصر والتمكين والذب عن الدين أن يكونوا مفتين. وأما الثاني فكذلك أيضًا؛ لأنه لا يلزم من كونهم يهربون بدينهم من شاهق

стр. 3601

إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس أن يكونوا مفتين، إذ لا يلزم من كونهم يصلحون أحوالهم بما عرفوه من جليات الدين، أو بطريق الفتيا ممن كان قبلهم أن يكونوا مفتين سلمنا دلالتهما على المطلوب لكنهما/ (٣١٩/ أ) معارضان بأحاديث أخر نحو قوله- ﵇: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى". وقوله ﵇: "لتركبن سنن من كان قبلكم حدو القذة بالقذة". وقوله: (خير القرون القرن الذى أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليهِ، ثم تبقى حثالة كحثلة التمر لا يعبأ الله بهم، وبالذي تقدم في الاستدلال من الحديث والترجيح معنى لظهور دلالة ما تقدم من الحديث على المطلوب ولكون النقلي موافقًا للعقلى على رأينا دون رأيهم. سلمنا عدم الترجيح لكنهما يتساقطان ويبقى لنا الدليل الثاني. وثانيها: أن التفقه وتحصيل رتبة الإفتاء من فروض الكفايات فيستلزم انتقاؤه من كل المسلمين إطباقهم على الباطل. وجوابه: أن انتفاءه تارة بموت العلماء، وتارة بعدم تحصيلهم، فلعله يحصل بالطريق الأول، ولا يلزم منه محذور. وأيضا. فإن ذلك إنما يجب على الكفاية إذا كان فيهم من له صلاحية تحصيله، فأما إذا عمهم البلادة وعدم الفطنة فلا، فلعل عصر يتفق فيه ذلك. وثالثها: أنه لو جار خلو العصر عمن يعرف الأحكام الشرعية ويعرفها للعوام لأدى ذلك إلى إندراس الأحكام الشرعية، وإندراس الشريعة وهو ممتنع

стр. 3602

لما سبق من النص. وجوابه. منع امتناعه وسنده ما سبق من النصوص. سلمنا لكن لا نسلم أنه يؤدى إلى ذلك؛ وهذا لأنه يحتمل أن تنقل إليهم الأحكام من أهل عصر قبلهم نقلاً يغلب على الظن صدقه.

стр. 3603

الفصل الثاني في المستفتي

стр. 3604

الفصل الثاني في المستفتي وفيه مسائل: المسألة الأولى يجوز للعامي أن يقلد المجتهدين في مسائل الفروع اجتهادية كانت أو غير اجتهادية . ومنع منه مطلقا معتزلة بغداد. وفضل الجبائي بين الاجتهادية وغيرها، فجوز في القسم الأول دون الثاني كالصلوات الخمس، وتحريم الربا في الأشياء الستة المنصوصة عليها. احتج الأولون وهم الجماهير من الفريقين بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وهو عام في المخاطبين والمراد من العلم إما مدلوله الحقيقي، أو الظن أو القدر المشترك، والعامي لا يعلم ولا يظن فوجب أن يجوز له السؤال؛ لأن أدنى

стр. 3605

درجات الأمر أن يكون للإباحة فيجوز له الأخذ بقوله، وإلا لم يكن في السؤال فائدة. لا يقال: لا يمكن حمله على عموم السؤال في كل ما لم يعلم وإلا لجاز التقليد في معرفة وجود الصانع وتوحيده وهو ممتنع. سلمنا جواز التقليد فيه لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه السؤال عن أدلة ما لا يعلم لا عن حكمه فإن عندنا يجب على العامي أن يسأل المجتهد عن ذلك، وينبه المفتي على دليل ذلك الحكم من نص قاطع إن كان، أو دليل العقل من البراءة الأصلية، وأن الأصل في المضار الحرمة، وفى المناخ الإباحة؛ لأنا نقول: لا نسلم امتناع التقليد في أصول الدين بل يجوز فيه السؤال والتقليد أيضًا. سلمناه لكن خروج ذلك لدليل يخصه لا يقتضى خروج غيره عنه فوجب أن يكون متناولاً لكل ما عداه. وعن الثاني أنه تقييد أو تخصيص من غير دليل فيكون خلاف الأصل. وثانيها: الإجماع، وتقريره: أن الأمة مجمعة قبل حدوث المخالف على جواز الاستفتاء للعوام من المفتين من غير بيان مأخذ اجتهادهم وفتواهم؛ لأن هذا كان شائعًا ذائعًا في عصر الصحابة والتابعين وفيما بعده إلى زماننا هذا من غير نكير فيما بينهم، فلو كان قبول فتواهم مشروطًا ببيان مأخذ فتواهم أو لم يجز قبول فتواهم مطلقًا لزم إجماعهم على الخطأ وهو ممتنع. وثالثها. أن العامي إذا نزلت به حادثة من الحوادث التكليفية فإما أن لا

стр. 3606

يكون مأمورًا فيها بشيء، أو يكون مأمورًا فيها بشيء، والأول باطل بالإجماع؛ إذ الأمة مجمعة على أنه لابد له من طريق فيه التقصي من السؤال أو الاستدلال فيها، والثاني لا يخلو إما أن يكون ذلك الشيء هو الاستدلال، أو الاستفتاء، والأول باطل؟ لأنه لا يخلو إما أن يكون ذلك الاستدلال بالبراءة الأصلية، أو بالأدلة السمعية، والأول باطل. أما أولاً: فبالإجماع. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن تكون التكاليف بأسرها أو أكثرها نفيًا محضًا وعدمًا صرفًا وهو ممتنع. وأما ثالثًا: فلأن القضية ربما كانت متعلقة بالغير فلو كان مأمورًا بالاستدلال بالبراءة الأصلية لأدى ذلك إلى إبطال حقه وهو ممتنع والثاني أيضًا باطل لأنه لو لزمه الاستدلال بالأدلة السمعية عند حدوث الواقعة فإما أن يجبه عليه تحصيل ما لابد منه في الاستدلال وما به يتم الاستدلال حين بلوغه وكمال عقله، أو عند نزول الواقعة به، والأول باطل. أما أولاً: فلان الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ما كانوا يلومون العوام على ترك طلب رتبة الاجتهاد والفتيا بعد البلوغ، بل أبلغ من هذا وهو أنهم ما كانوا يذمونهم على ترك طلب العلم بغير أركان الدين كالصلاة والصوم. وأما ثانيًا. فلأن وجوب ذلك على عامة المكلفين يؤدي إلى إبطال أمور المعاش واختلال نظام العالم، فإن أكثر الصناعات، وعامة التجارات، ومعظم الزراعات تبطل على ذلك التقدير، ومعلوم أن ذلك محذور في نظر الشارع. والثاني أيضًا باطل؛ لأن تحصيل رتبة الاجتهاد والفتيا حال نزول الواقعة غير ممكن فلا يرد به التكليف، وإذا بطلت هذه الأقسام تعين الاستفتاء وهو المطلوب فإن/ (٣٢٠/ أ) قلت: هب أنا نسلم لكم أن طريقه إذ ذاك إنما هو

стр. 3607

الاستفتاء والسؤال لكن عن الحكم فقط، أو عن الحكم والدليل؟ ووجه دلالة الدليل عليه؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، وما ذكرتم من الصعوبة واختلال نظام العالم فهو غير لازم. وبيانه: أن الذين لم يقولوا بجواز الأخذ بالفتيا من غير بيان مأخذه لم يقولوا بحجية الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، وسائر الظواهر المحتملة، لاذا كان كذلك سهل الامر عليهم؛ وذلك لانهم حينئذ قالوا: أنه تقرر أن حكم العقل في المنافع الإباحة، وفى المضار الحرمة، فإن ورد نص قاطع المتن والدلالة في بعض الصور على خلاف هذا اتبع وإلا عمل بمقتضى حكم العقل. فالعامي الذى نزل به الواقعة، إن كان فيه شيء من الذكاء والفطنة عرف حكم العقل فيها، وإن لم يكن فيه شيء من ذلك بل يكون في نهاية البلاد نبهة المفتي على حكم العقل فيها، وحينئذ لا يحتاج إلى المفتي في الصورة الأولى إلا في أن ينبهه أنه هل جاء في الواقعة نص قاطع المتن والدلالة أم لا، وفى الصورة الثانية يحتاج إلى هذا، وإلى أن ينبهه على حكم العقل، ومعلوم أن الاشتغال بمعرفة ذلك لا يمنعه عق الاشتغال بعمل المعاش وعمارة الدنيا. سلمنا صحة دلالتكم لكنه يقتضى أن لا يجب النظر والاستدلال في أصول الدين، وأن يجوز فيه التقليد؛ لأنا نعلم قطعًا أن الصحابة والتابعين والسلف ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام، بل ربما كانوا يلومون من يشتغل به ويخوض فيه. وأيضًا لو وجب النظر والاستدلال فيه على جميع المكلفين ولم يجوز فيه التقليد للزم تعطيل أمور المعاش، واختلال نظام العالم كما ذكرتم بل أكثر، لأن غموض أدلة الاصول أكثر، والأسئلة والأجوبة فيه أشكل وأصعب، مع أنكم ساعدتمونا أنه لا يجوز فيه التقليد فكل ما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا

стр. 3608

ها هنا. قلت: الدليل على أن الاكتفاء كان حاصلا بمجرد السؤال عن الحكم والجواب عنه من غير بيان وجه دلالة الدليل عليه: إجماعهم على عدم لوم العوام على تركهم السؤال عن وجه دلالة الدليل على الحكم وعدم ذكرهم ذلك عند الإفتاء مع علمهم بجهل المستفتي به، وكل ذلك معلوم قطعًا وإنكاره مكابرة، وتمام تقريره ما تقدم في تقريره إجماعهم على ذلك، وعند هذا نعرف أن الدليل الثالث لا يتم إلا بالدليل الثاني. وعن الثاني أنا نقول: بمقتضى الدليل أيضًا في أصول الدين فإنه يجوز فيه التقليد أيضًا عندنا. سلمنا عدم جواز التقليد فيه، لكن الفرق بينهما حاصل من وجهين: أحدهما: أن مطالبه معدودة محصورة غير متكررة وأدلتها في الأكثر قاطعة حاملة للطباع السليمة والعقول الصحيحة على اعتقاد مقتضاها بخلاف الأحكام الفرعية فإنها غير متناهية متجاوزة عن حد التعداد والإحصاء، وأدلتها ظنية مضطربة مختلفة بحسب الأذهان وليست دلالتها على نمط واحد فكان تحصيل رتبة الاستدلال والنظر فيها يحتاج إلى الانقطاع عن معاشر الأشغال والاشتغال بها، فكان تعطيل المصالح واختلال نظام العالم فيه أكثر. وأيضًا: الذى يجب على المكلف معرفة أدلة وجود الصانع وتوحيده، والنبوة على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، ومعرفة تلك الأدلة على سبيل الجملة أمر سهل هين يحصل بأدنى سعى وأقل مدة، بخلاف الاجتهاد في فروع الشريعة فإنه لابد فيه من علوم كثيرة، وتبحر شديد، واستحضار أصول كثيرة، وما ذكر الإمام فيه من القدح فهو مبني على الفرق بين العلم

стр. 3609

بالشيء على سبيل الجملة، وبين العلم بالشيء على سبيل التفصيل، لكن ذلك باطل، إذ الفرق بينهما معلوم بين، فإن من استدل بحدوث الحوادث في هذا العالم من الرعد والبرق وحدوث الثلج والمطر والحر والبرد على وجود الصانع المختار بناء على أن الحادث لابد له من مؤثر، وذلك المؤثر يجب أن يكون مختارًا وإلا لما تخصصت آثاره بقدر معين، ووقت معين ليس كمن علم ذلك مفصلاً؛ ولهذا فإن صاحب العلم الجملي بأدنى شبهة، وأضعف خيال يضطرب اعتقاده، ويتأثر علبه دون صاحب العلم التفصيلي، ولأنه حينئذ يلزم أن لا يبقى فرق بين علم متن الدليل دون الاعتراضات عليه، والمعارضات له والأجوبة عنها، وبين من علم ذلك كله لكن الفرق معلوم بينهما بالضرورة. واحتج المنكرون للتقليد في فروع الشريعة بوجوه. أحدها: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم فكان منهيا عنه. وأيضًا. أن الله تعالى ذم أهل التقليد بقوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾. ولو كان التقليد جائزًا لما ذموا على ذلك. وجواب الأول: النقض بجميع المطلوبات من الأمور الدينية كالعمل بالبراعة الأصلية، والقياس، وخبر الواحد، والاستدلال بجميع الطوق الشرعية قطعية كانت، أو ظنية، والدنيوية كقيم المتلفات، وأروش الجراحات، والفتوى والشهادات الظنية.

стр. 3610

وأيضًا النقض بما إذا بين له مستنده فإنه يجوز العمل به مع أنه قول بما/ (٣٢١/ أ) لا يعلم حيث يكون مستنده ظنيا. سلمنا سلامته عن النقض لكن المراد منه النهى عن القول بما لا يعلم مما طريقه العلم كمسائل أصول الدين؛ وهذا وإن كان يلزم منه التخصيص لكن يجب المصير إليه جمعًا بين ما ذكرنا من الدليل وبين هذا. لا يقال: ما نحن فيه طريقه العلم أيضًا عندنا، فلم قلتم أنه ليس كذلك، لأنا نقول: فعلى هذا لا يتم استدلالكم بهذه الآية على عدم جواز التقليد والاستفتاء فيما نحن فيه إلا إذا بينتم أن ما نحن فيه طريقه العلم، [فلو ثبت أن طريقه العلم]، بهذه الآية لزم الدور. وأيضًا: لو كان ما نحن فيه طريقه العلم لما جاز للمجتهد العمل في المسائل الاجتهادية؛ ضرورة أنه لا قاطع فيها وإلا لما كانت اجتهادية، وحينئذ لا يحصل العلم فيها ولا يجوز العمل بها. وجواب الثاني: أن المراد منه التقليد في أصول الدين جمعا بينه وبين ما ذكرنا من الدليل، ولسياق الآية، ولكونه حكاية حال الكفار وهم إنما قادوا آباءهم في المسائل الأصولية دون الفروعية. وثانيها: قوله ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".
следующие страницы →