← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

يكون مأمورًا فيها بشيء، أو يكون مأمورًا فيها بشيء، والأول باطل بالإجماع؛ إذ الأمة مجمعة على أنه لابد له من طريق فيه التقصي من السؤال أو الاستدلال فيها، والثاني لا يخلو إما أن يكون ذلك الشيء هو الاستدلال، أو الاستفتاء، والأول باطل؟ لأنه لا يخلو إما أن يكون ذلك الاستدلال بالبراءة الأصلية، أو بالأدلة السمعية، والأول باطل. أما أولاً: فبالإجماع. وأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن تكون التكاليف بأسرها أو أكثرها نفيًا محضًا وعدمًا صرفًا وهو ممتنع. وأما ثالثًا: فلأن القضية ربما كانت متعلقة بالغير فلو كان مأمورًا بالاستدلال بالبراءة الأصلية لأدى ذلك إلى إبطال حقه وهو ممتنع والثاني أيضًا باطل لأنه لو لزمه الاستدلال بالأدلة السمعية عند حدوث الواقعة فإما أن يجبه عليه تحصيل ما لابد منه في الاستدلال وما به يتم الاستدلال حين بلوغه وكمال عقله، أو عند نزول الواقعة به، والأول باطل. أما أولاً: فلان الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ما كانوا يلومون العوام على ترك طلب رتبة الاجتهاد والفتيا بعد البلوغ، بل أبلغ من هذا وهو أنهم ما كانوا يذمونهم على ترك طلب العلم بغير أركان الدين كالصلاة والصوم. وأما ثانيًا. فلأن وجوب ذلك على عامة المكلفين يؤدي إلى إبطال أمور المعاش واختلال نظام العالم، فإن أكثر الصناعات، وعامة التجارات، ومعظم الزراعات تبطل على ذلك التقدير، ومعلوم أن ذلك محذور في نظر الشارع. والثاني أيضًا باطل؛ لأن تحصيل رتبة الاجتهاد والفتيا حال نزول الواقعة غير ممكن فلا يرد به التكليف، وإذا بطلت هذه الأقسام تعين الاستفتاء وهو المطلوب فإن/ (٣٢٠/ أ) قلت: هب أنا نسلم لكم أن طريقه إذ ذاك إنما هو

стр. 3607

الاستفتاء والسؤال لكن عن الحكم فقط، أو عن الحكم والدليل؟ ووجه دلالة الدليل عليه؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، وما ذكرتم من الصعوبة واختلال نظام العالم فهو غير لازم. وبيانه: أن الذين لم يقولوا بجواز الأخذ بالفتيا من غير بيان مأخذه لم يقولوا بحجية الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، وسائر الظواهر المحتملة، لاذا كان كذلك سهل الامر عليهم؛ وذلك لانهم حينئذ قالوا: أنه تقرر أن حكم العقل في المنافع الإباحة، وفى المضار الحرمة، فإن ورد نص قاطع المتن والدلالة في بعض الصور على خلاف هذا اتبع وإلا عمل بمقتضى حكم العقل. فالعامي الذى نزل به الواقعة، إن كان فيه شيء من الذكاء والفطنة عرف حكم العقل فيها، وإن لم يكن فيه شيء من ذلك بل يكون في نهاية البلاد نبهة المفتي على حكم العقل فيها، وحينئذ لا يحتاج إلى المفتي في الصورة الأولى إلا في أن ينبهه أنه هل جاء في الواقعة نص قاطع المتن والدلالة أم لا، وفى الصورة الثانية يحتاج إلى هذا، وإلى أن ينبهه على حكم العقل، ومعلوم أن الاشتغال بمعرفة ذلك لا يمنعه عق الاشتغال بعمل المعاش وعمارة الدنيا. سلمنا صحة دلالتكم لكنه يقتضى أن لا يجب النظر والاستدلال في أصول الدين، وأن يجوز فيه التقليد؛ لأنا نعلم قطعًا أن الصحابة والتابعين والسلف ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام، بل ربما كانوا يلومون من يشتغل به ويخوض فيه. وأيضًا لو وجب النظر والاستدلال فيه على جميع المكلفين ولم يجوز فيه التقليد للزم تعطيل أمور المعاش، واختلال نظام العالم كما ذكرتم بل أكثر، لأن غموض أدلة الاصول أكثر، والأسئلة والأجوبة فيه أشكل وأصعب، مع أنكم ساعدتمونا أنه لا يجوز فيه التقليد فكل ما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا

стр. 3608

ها هنا. قلت: الدليل على أن الاكتفاء كان حاصلا بمجرد السؤال عن الحكم والجواب عنه من غير بيان وجه دلالة الدليل عليه: إجماعهم على عدم لوم العوام على تركهم السؤال عن وجه دلالة الدليل على الحكم وعدم ذكرهم ذلك عند الإفتاء مع علمهم بجهل المستفتي به، وكل ذلك معلوم قطعًا وإنكاره مكابرة، وتمام تقريره ما تقدم في تقريره إجماعهم على ذلك، وعند هذا نعرف أن الدليل الثالث لا يتم إلا بالدليل الثاني. وعن الثاني أنا نقول: بمقتضى الدليل أيضًا في أصول الدين فإنه يجوز فيه التقليد أيضًا عندنا. سلمنا عدم جواز التقليد فيه، لكن الفرق بينهما حاصل من وجهين: أحدهما: أن مطالبه معدودة محصورة غير متكررة وأدلتها في الأكثر قاطعة حاملة للطباع السليمة والعقول الصحيحة على اعتقاد مقتضاها بخلاف الأحكام الفرعية فإنها غير متناهية متجاوزة عن حد التعداد والإحصاء، وأدلتها ظنية مضطربة مختلفة بحسب الأذهان وليست دلالتها على نمط واحد فكان تحصيل رتبة الاستدلال والنظر فيها يحتاج إلى الانقطاع عن معاشر الأشغال والاشتغال بها، فكان تعطيل المصالح واختلال نظام العالم فيه أكثر. وأيضًا: الذى يجب على المكلف معرفة أدلة وجود الصانع وتوحيده، والنبوة على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، ومعرفة تلك الأدلة على سبيل الجملة أمر سهل هين يحصل بأدنى سعى وأقل مدة، بخلاف الاجتهاد في فروع الشريعة فإنه لابد فيه من علوم كثيرة، وتبحر شديد، واستحضار أصول كثيرة، وما ذكر الإمام فيه من القدح فهو مبني على الفرق بين العلم

стр. 3609

بالشيء على سبيل الجملة، وبين العلم بالشيء على سبيل التفصيل، لكن ذلك باطل، إذ الفرق بينهما معلوم بين، فإن من استدل بحدوث الحوادث في هذا العالم من الرعد والبرق وحدوث الثلج والمطر والحر والبرد على وجود الصانع المختار بناء على أن الحادث لابد له من مؤثر، وذلك المؤثر يجب أن يكون مختارًا وإلا لما تخصصت آثاره بقدر معين، ووقت معين ليس كمن علم ذلك مفصلاً؛ ولهذا فإن صاحب العلم الجملي بأدنى شبهة، وأضعف خيال يضطرب اعتقاده، ويتأثر علبه دون صاحب العلم التفصيلي، ولأنه حينئذ يلزم أن لا يبقى فرق بين علم متن الدليل دون الاعتراضات عليه، والمعارضات له والأجوبة عنها، وبين من علم ذلك كله لكن الفرق معلوم بينهما بالضرورة. واحتج المنكرون للتقليد في فروع الشريعة بوجوه. أحدها: قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم فكان منهيا عنه. وأيضًا. أن الله تعالى ذم أهل التقليد بقوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾. ولو كان التقليد جائزًا لما ذموا على ذلك. وجواب الأول: النقض بجميع المطلوبات من الأمور الدينية كالعمل بالبراعة الأصلية، والقياس، وخبر الواحد، والاستدلال بجميع الطوق الشرعية قطعية كانت، أو ظنية، والدنيوية كقيم المتلفات، وأروش الجراحات، والفتوى والشهادات الظنية.

стр. 3610

وأيضًا النقض بما إذا بين له مستنده فإنه يجوز العمل به مع أنه قول بما/ (٣٢١/ أ) لا يعلم حيث يكون مستنده ظنيا. سلمنا سلامته عن النقض لكن المراد منه النهى عن القول بما لا يعلم مما طريقه العلم كمسائل أصول الدين؛ وهذا وإن كان يلزم منه التخصيص لكن يجب المصير إليه جمعًا بين ما ذكرنا من الدليل وبين هذا. لا يقال: ما نحن فيه طريقه العلم أيضًا عندنا، فلم قلتم أنه ليس كذلك، لأنا نقول: فعلى هذا لا يتم استدلالكم بهذه الآية على عدم جواز التقليد والاستفتاء فيما نحن فيه إلا إذا بينتم أن ما نحن فيه طريقه العلم، [فلو ثبت أن طريقه العلم]، بهذه الآية لزم الدور. وأيضًا: لو كان ما نحن فيه طريقه العلم لما جاز للمجتهد العمل في المسائل الاجتهادية؛ ضرورة أنه لا قاطع فيها وإلا لما كانت اجتهادية، وحينئذ لا يحصل العلم فيها ولا يجوز العمل بها. وجواب الثاني: أن المراد منه التقليد في أصول الدين جمعا بينه وبين ما ذكرنا من الدليل، ولسياق الآية، ولكونه حكاية حال الكفار وهم إنما قادوا آباءهم في المسائل الأصولية دون الفروعية. وثانيها: قوله ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".

стр. 3611

وقوله ﵇: "اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له"، وهما عامان في كل علم، وفى كل شخص، فإن بعض العلوم، وبعض الأشخاص عن ذلك لدليل من إجماع وغيره وجب أن يبقى ما عداه على الأصل. وجواب الأول منهما: أن ما يقتضيه لا يقولون به، وما يقولون به، لا يقتضيه؛ وهذا لأن ما يقتضيه إنما هو وجوب طلب العلم وأنتم لا تقولون به، ومما تقولون به وهو وجوب النظر وإن لم يكن مؤديا إلى العلم لا يقتضيه الخبر.

стр. 3612

هكذا قيل في جوابه وفيه نظر؛ لأن كل ما دل على وجوب طلب العلم دل على وجوب النظر؛ وضرورة أن العلم النظري لا يحصل إلا بالنظر؛ فلا يلزم من ترك العمل بالخبر في وجوب طلب العلم لاتفاق الكل على أنه لا يجب تحصيل العلم في جميع مسائل الفروع وترك العمل به في وجوب النظر الذى لا يوجد فيه ذلك الدليل. فالأولى في ذلك أن يقال: إن المراد منه العلم بأركان الدين وأركانها وشرائطها وجميع العلوم التي هي فرض عين دون التي على الكفاية، وهذا وإن لزم منه التخصيص، أو التقييد لكن يجب المصير إليه جمعًا بين ما ذكرنا من الدليل وبين ما ذكرتم من الدليل فإن الجمع بين الدليلين أولى من ترك أحدهما بالكلية. وجواب الثاني: أنا لا نسلم أن المراد منه الاجتهاد الاصطلاحي منه الاجتهاد اللغوي بقرينة قوله: "فكل ميسر لما خلق له" سلمناه لكن يجب حمله على الأمر على الكفاية جمعًا بين الدليلين. سلمنا أنه محمول على فرض العين لكنه محمول على من له أهلية الاجتهاد لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق أو الإضمار. وثالثها. أن العامي لو كان مأمورًا بالتقليد فلا يأمن أن يكون من قلده مخطئًا في اجتهاده، أو أنه كاذب فيما أخبوه به فيكون العامي مأمورًا باتباع الخطأ والكذب وذلك الشارع ممتنع. وجوابه. أنا لا نسلم أنه مأمور بالخطأ والكذب حينئذ؛ وهذا لأنه لما أمر باتباع المجتهد الذي غلب على ظنه صدقه، واتصافه بشرائط الاجتهاد صار ما

стр. 3613

أفتى به هو حكم الله في حقه فلم يكن اتباعه اتباع للكذب والخطأ، سلمناه لكن المحذور الأول حاصل، وإن اجتهد العامي ونظر في الأدلة والأمارات فإن احتمال الخطأ في حقه ممكن كما حق المجتهد بل هو أولى، وذلك لعدم اتصافه بشرائط الاجتهاد وهو حاصل للمجتهد فوجب أن لا يجوز له العمل بما أدى إليه اجتهاده. ورابعها: أن جواز التقليد يفضى إلى المنع منه، لأنه يقتضى جواز تقليد من يمنع منه، وما يفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً. وجوابه: أنا لا نسلم أنه يفضى إلى ذلك لا محالة بل قد يفضى، وحينئذ ينتقض بجواز العمل بالظن فإنه قد يفضى إلى المنع منه فكان باطلاً فكل ما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا ها هنا. سلمنا سلامته عن النقض لكن نقول: ما يفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً مطلقًا، أو إذ لم يكن شرط إثباته مخالفا لشرط نفيه، والأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن ها هنا شرط النفي مخالف لشرط الإثبات، فإن شرط النفي أن يقلد من لا يرى جواز التقليد، وشرط الجواز أن يقلد من يرى جوازه، ولا شك أن الشرطين مخالفان، ولا بعد في إثبات شيء على شرط يؤدي إلى نفيه على شرط يخالف ذلك الشرط. وخامسها: لو جاز التقليد في فروع الشرع لجاز في أصوله بجامع كون كل أحد منهما مكلف به مع غلبة الظن بصدق ما أخبره المقلد. وجوابه: الفرق المذكور.

стр. 3614

وأما الحجة على الجبائي خاصة فهي: أن تكليف العامي بالفصل بين المسائل الاجتهادية، وبين غيرها تكليف له بتحصيل أهلية الاجتهاد، ضرورة أنه لا يفصل بينهما إلا أهل الاجتهاد، فيلزم المحذور المذكور من قبل، ولا شك أن تجويز التقليد له في الاجتهادية دون غيرها يقتضى تكلفه بالفصل/ (٣٢٢/ أ) بينهما حتى يعلم ما يجوز له التقليد فيه وما لا يجوز له ذلك. واحتج الجبائي على ما ذهب إليه: بأن الحق في المسائل الاجتهادية واحد متعين، فلو جوزنا له التقليد فيه لم نأمن من تقليد غير المحق بخلاف المسائل غير الاجتهادية؛ لأن كل قول فيها حق. وجوابه: أنا لا نسلم ذلك؟ وهذا لأنا بينا أن المصيب واحد. سلمناه لكن لا نأمن أيضًا في المسائل الاجتهادية من عدم اجتهاد المجتهد، أو تقصيره فيه، أو أن يفتيه بخلاف اجتهاده. فإن قلت: إن مصلحة العامي هو أن يعمل بما يفتيه المفتي وأن كان خطأ بسبب ما ذكرتم من الاحتمال. قلت: كذلك الأمر في غير المسائل الاجتهادية وإن كان فيها من غير فرق ألبتة. تنبيه: العامي إذا استفتى في حادثة فأفتى فيها بحكم معين، ثم وقعت له تلك الحادثة فإن لم يذكر الحكم وجب عليه الاستفتاء ثانيًا وفاقًا، وإن كان ذاكرًا له فهل يجب عليه إعادة السؤال فيما اختلفوا فيه. فمنهم من أوجب عليه ذلك. ومنهم من لم يوجب ذلك.

стр. 3615

المسألة الثانية في شرائط الاستفتاء القائلون بوجوب الاستفتاء اتفقوا على أنه لا يجوز له الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذى يستفتى منه من أهل الاجتهاد، ومن أهل الورع، وذلك إنما يكون إذا رآه منتصبًا للفتوى بمشهد الخلق، ويرى اجتماع المسلمين على الاعتقاد فيه، والسؤال منه، واتفقوا على عدم جواز الاستفتاء ممن يغلب على ظنه أنه غير بالغ في العلم إلى درجة الإفتاء وأنه غير متدين؛ وإنما وجب عليه ذلك لأنه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات المغلبة على الظن، ولا طريق للعامي إلى معرفة أهلية المفتي إلا ذلك. واختلفوا في جواز الاستفتاء من لا يعرفه المستفتي بعلم ولا جهالة، ولا بفسق ولا عدالة. والمختار عدم جوازه بل ربما يجب القطع بذلك، والخلاف فيه غاية البعد لو صح الخلاف فيه وهذا لأن العلماء لان اختلفوا في قبول قول من جهل حاله من المسلمين في الشهادة والرواية فإنما كان ذلك لوجود ما يقتضى المنع من الفسق ظاهرًا وهو الاسلام الوازع عن الفسق والمعصية ظاهرًا، وليس يوجد في مجهول الحال ما يقتضى حصول العلم ظاهرًا لاسيما العلم الذى يحصل به رتبة الافتاء، فإن ما يجب على المكلف معرفته من فروض الأعيان من أحكام وأركان الدين لا يجب أن يعرف ذلك نظرًا لما ثبت من جواز الاستفتاء فضلاً عن غيره، وكيف لا واحتمال العامية راجح على احتمال العالمية لكون العامية

стр. 3616

أصلية، وهي أغلب أيضًا بخلاف العالية فإنها على خلاف الأصل، وهى قليلة لاسيما التي تحصل بها رتبة الاستفتاء، وكون تحصيل رتبة الافتاء فرض على من له استعداد ذلك لا يقضى حصولها ظاهرًا في عامة المكلفين أو في مخالبهم حتى يجوز الاستفتاء من المجهول بناء على الغالب، وعند هذا ظهر أنه لو تردد في عدالته دون علمه فربما يتجه الخلاف في جواز الاستفتاء منه، وظهر أيضا أنه لا يجوز أن يقاص من جهل علمه على من جهلت عدالته لظهور الفرق بين الصورتين. ثم إن المستفتي إذا استفتى من واحد أو من جماعة واتفق فتواهم عملا بذلك. وإن اختلفوا في الفتوى: فقال قوم نحو الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من فقهائنا كابن سريج والقفال وجمع من الأصوليين يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم؛ وأورعهم

стр. 3617

لأن أقوال المفتين في حق العامي تنزل منزلة الأدلة المتعارضة في حق المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح بينها يجب على العامي أيضًا الترجيح بين أقوال المفتين، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن، فالظن في تقليد الأعلم والأورع أكثر فكان المصير إليه واجبًا، وذلك قد يكون بالشهرة والتسامع، وبكثرة المسالة من أهل الخبرة محن أعلمهم وأورعهم، وبإقبال الناس عليه في الاستفتاء والاشتغال عليه، وتعظيمهم إياه لعلمه وورعه من غير جاه ومنصب، وقد يكون بالتجربة نحو أن يحفظ من كل باب من الفقه مسائل ويحفظ أجوبتها [فمن أصاب في أجوبتها] أو كان أكثر إصابة فهو راجح في العلم. وقال قوم من الأصوليين كالقاضي أبو بكر وجمع من الفقهاء: إنه لا يجب عليه ذلك لتعذره أو لعسره، ولأن الصحابة والعلماء في كل عصر لا ينكرون على العوام ترك النظر في أحوال العلماء، فإن الصحابة كانوا يختلفون في المسائل وكان فيهم الفاضل والمفضول نحو الخلفاء الأربعة، ثم من بعدهم في الرتبة الثانية والثالثة إلى أن ينتهي إلى العوام. ثم أنه لم ينقل محن أحد منهم أنه كلف العامي بأخذ قول من هو في الرتبة الأولى أو في الثانية، وكذا العلماء في كل عصر فيهم الفاضل والمفضول ولم ينقل عن أحد منهم أنه أوجب على المستفتي الأخذ بقول الأفضل، وإذا لم يجب ذلك مع تحقيق ظن الأفضلية فلأن لا يجب الاجتهاد والنظر في أعلمهم وأورعهم بالطريق الأولى، ويتأكد ذلك بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".

стр. 3618

ثم إن لم يوجب عليه الاجتهاد تخير في الاخذ بقول أيهم شاء، وإن أوجب ذلك عليه فإن اجتهد وترجح عنده أحدهم مطلقا وجب الأخذ بكلامه ولا يجوز/ (٣٢٣/ أ) العدول عنه، كما لا يجوز للمجتهد العدول عن الإمارة الواجبة، وإن استووا ولم يظهر رجحان واحد منهم قال الامام: فها هنا طريقان: أحدهما:. أن يقال: هذا لا يجوز وقوعه، كما لا يجوز استواء أمارتي الحل والحرمة. وهذا غير مرضى؛ لأنه لا نزاع في جواز تساوى الأمارتين في الذهن، وإنما النزاع في تساويهما في الخارج، وما نحن فيه من قبيل القسم الأول لا الثاني؛ لأنا فوضنا استواءهم بالنسبة إلى ذهنه واعتقاده، ولا يقتضي ذلك تساويهما في الخارج. وثانيهما: أن يقال بتقدير الوقوع سقط عنه التكليف، لأنا جعلنا له أن يفعل ما شاء. وهذا الأخر أيضًا غير مرضي، لأن التخيير بين الشيئين لا يوجب سقوط التكليف كما في الواجب المخير، والواجب الموسع، بل الذي أن يقال: إنه يتخير في الأخذ بأيهما شاء، أو التوقف إلا أن يظهر رجحان أحدهم، أو يظهر مفتي آخر يوافق أحدهم فيأخذ به للكثرة، أو يكون أرجح منهم فيأخذ بقوله وإن لم يوافق واحدًا منهم. وقيل يتخير في الأخذ بأيهما شاء. فإن ترجح كل واحد منهم على الآخر من وجهٍ دون وجهٍ فها هنا صور: إحداها: أن يحصل الاستواء في الدين والزيادة في العلم: فالأصح أنه يجب الأخذ بقول الأعلم، لمرتبته، ولهذا يقدم في الإمامة في الصلاة، ولأن الظن الحاصل بقوله كثو فكان الأخذ بقوله واجبًا.

стр. 3619

وثانيها: أن يحصل التساوي في العلم، والتفاضل في الدين، فها هنا وجب الأخذ بقول الأدين وفاتا وهو ظاهر. وثالثها: أن يكون بعضهم راجحًا في العلم، وبعضهم، في الدين، فالأظهر أنه يجب الأخذ بقول الأعلم؟ لأن الحكم مستفاد من علمه لا من دينه، وقياس مذهب من خير في الأول أن يرجح الأدين ها هنا. فإن قلت: العامي ربما اغتر بالظواهر، نحو كثرة إقبال الناس عليه في الفتوى والقراءة عليه، وذلك قد لا يكون لفضيلته بل لأسباب أخر لا تخفى وقدم المفضول على الفاضل، فإن جاز له أن يحكم بغير بصيرة في ترجيح بعض العلماء على بعض فليجوز له أن يحكم في نفس المسالة بما يقع له ابتداء وإلا فأي فرق بين الأمرين. قلت: العامي له أهلية الاجتهاد في ترجيح بعض العلماء على بعض دون حكم المسألة، وذلك لأنه لمكن أن يعلم أن الأفضل بالتسامع والقرائن نحو: إذعان العلماء له مع عدم الجاه والمنصب من غير بحث عق نفس العلم، ولا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي بخلاف حكم المسألة فإنه ليس له أهلية الاجتهاد بالنسبة إليه، وهذا كمن له طفل مريض وليس هو بطبيب، فإن سقاه دواء برأيه كان متعديًا ومقصرًا ولو راجع طبيبًا لم يكن مقصرًا فإن كان في البلد طبيبان وقد اختلفا في الدواء فمخالف الأفضل عد مقصرًا، ثم إنه يعلم ذلك بما تقدم من الطرق.

стр. 3620

المسألة الثالثة الرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء على ما تقدم تقريره. وإن كان عالما ولكن لم يبلغ درجة الاجتهاد والإفتاء لغيره إن جوز ذلك كما هو المعتاد هذا الزمان فالأظهر أنه يجوز له الاستفتاء أيضًا، لأنه عامي بالنسبة إلى معرفة ما يوجب الحكم المطلوب فجاز له الاستفتاء كالعامي الصرف. ومنهم من لم يجوز له ذلك بل يوجب عليه أن يعرف ذلك الحكم بدليله، ولو أنه بالمراجعة إلى المفتين، لأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام بخلاف العامي فإنه ليس له ذلك فكان يجب عليه ذلك. وبالجملة الخلاف ها هنا أولى من العامي الصرف لكونه عالمًا الفنون. وإن كان عالما بلغ درجة الاجتهاد فإن اجتهد في الواقعة وأدى اجتهاده إلى حكم لم يجز له الرجوع إلى غيره في تلك الواقعة إجماعًا. لأن لم يجتهد فيها فهاهنا اختلفوا فيه. فذهب أكثر أصحابنا وجمع من الأصوليين كالقاض أبى بكر إلى أنه لا يجوز للعالم تقليد غيره مطلقًا سواء كان من الصحابة أو من غيرهم، وسواء كان أعلم منه أو لم يكن.

стр. 3621

وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه وسفيان الثوري إلى أنه يجوز له ذلك مطلقًا، وهو رواية عن ابن حنيفة. ومنهم من فضل وذكروا فيه وجوها. أحدها: قول من قال كالجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى جار له تقليد واحد من الصحابة إذا كان مترجحًا في نظره على غيره ممن خالفه وإن استووا في في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ولا يجوز له تقليد من عداهم من المجتهدين. وثانيها: أنه يجوز لمن بعد الصحابة تقليدهم، ولا يجوز لهم تقليد غيرهم وهو القول القديم للشافعي- رضى الله عنه. وهذا التقييد يقتضي أن لا يجوز أن يقلد الصحابة بعضهم بعضًا. وثالثها: أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم دون من هو مثله أو دونه وهو قول

стр. 3622

محمد بن الحسن. ورابعها: أنه يجوز أن يقلد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد إما لتحيوه، أو لفوات وقته وهو قول ابن سريح. وخامسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به. وسادسها: أنه يجوز فيما يخصه دون ما يفتى به لكن بشرط خوف فوات الوقت وهو منسوب إلى ابن سريح أيضًا. احتج الأولون بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ ولا شك أن المجتهد داخل تحته وإلا لزم تعطيل النص إذ العامي غير مراد منه؛ ولهذا كان مأمورًا بالقياس وفاقًا، وإذا كان مأمورًا بالاعتبار لم يجز له التقليد؛ لأن/ (٣٢٤/ أ) فيه ترك الاعتبار المأمور به فيكون غير جائز، وكون العامي مخصوصًا من الآية لعجزه عن الاعتبار المعتبر في الشرع لا يوجب تخصيص المتمكن منه، وإن لم يلزم منه تعطيل النص فكيف يوجبه حيث يلزم ذلك. وثانيها: أنه متمكن من الأصول إلى حكم المسألة بفكره فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في أصول. الدين، والجامع: وجوب الاحتراز المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه. واعترض عليه: بأن المطلوب في أصول الدين العلم، وهو غير حاصل بالتقليد بخلاف الأحكام الاجتهادية فإن المطلوب فيها الظن وهو حاصل بالتقليد

стр. 3623

وأجيب عنه: بان ليس المطلوب فيها الظن كيف ما كان بدليل أنه لا يجوز الاكتفاء بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى ولا شك أن الظن الحاصل من التقليد أضعف من الظن الحاصل من النظر في الدليل فحينئذ يلزم أن لا يجوز الاكتفاء بالتقليد مع القدرة على النظر في دليل المسالة، ولهذا قلنا: لا يجوز الاكتفاء بالظن في المطالب الأصولية؛ لأن المكلف قادر على تحصيل اليقين فيها لوجود الدليل المقيد لليقين ولا مكان النظر. واعترض عليه أيضًا: بالنقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه وإن كان ذلك تقليدًا إذ لا معنى للتقليد سوى قبول الحكم من غير حجة. وإن كان المجتهد متمكنًا من معرفة الحكم بالنظر في الدليل وبالقرب من الرسول- ﵇ فإنه متمكن من الوصول إلى المسألة مع أنه يجوز له أن يسأل من أخبر عن الرسول- ﵇ وأجيب عن الأول: أنا نمنع أن ذلك التقليد، وهذا لأن الدليل لما دل على أن الحكم الذى قضي القاضي به لا يمكن نقضه بالاجتهاد والنظر لم يكن العمل بما قضى القاضي به تقليدًا بل هو محمل بذلك الدليل. فإن قلت: هذا يقتضى أن لا يكون قبول العامي قول المفتي تقليدًا؛ لأنه لما دل الدليل على وجوب قبول قوله كان العمل به عملا بذلك الدليل فلا يكون تقليدًا وهو خلاف الإجماع. قلت: لكن ذلك الدليل ووجه دلالته على المطلوب لا يعرفه العامة فيكون ذلك تقليدًا في حقه بخلاف الدليل الدال على عدم جواز نقض قضاء القاضي فإنه يعرفه المجتهد فلا يكون ذلك تقليدًا في حقه. وأجيب عن الثاني: بمنع الحكم ولئن سلم لكن لما دل القاطع على وجوب قبول خبر الواحد لم يكن ذلك تقليدًا.

стр. 3624

وثالثها: أنه لو جاز له القبول قبل الاجتهاد لجاز له القبول بعد الاجتهاد واللازم باطل إجماعًا فالملزوم مثله. وهو ضعيف؛ لأنه قياس خال عن الجامع. سلمنا لكن الفرق ظاهر، وهو أن بعد الاجتهاد حصل له الظن القوى بالحكم فلا يجوز له العدول عنه إلى الظن الضعيف بخلاف ما قبل الاجتهاد فإنه لم يحصل له هذا الظن وإن كانت القدرة عليه حاصلة. ورابعها: أنه لو جاز لبعض المجتهدين [من]، غير الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابة أن يقلد المجتهد من الصحابي لجاز لبعض المجتهدين [من]، الصحابة أن يقلد الآخر منهم وحينئذ يلزم أن لا يكون لمناظرتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى" وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه من الأول الثاني، وهذا لأن الوثوق باجتهاد الصحابي بسبب مشاهدة الوحى والتنزيل، ومعرفة نقل الدلائل والتأويل، والاطلاع على القرائن الحالية، والمقالية، وزيادة اختصاصه بالتشديد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم فيها أشد من غيرهم أكثر من الوثوق باجتهاد غير الصحابي، ومثل هذا التفاوت غير حاصل فيما بين الصحابة فلم يلزم من جواز تقليد المجتهد الغير صحابي للصحابي جواز تقليد المجتهد من الصحابي [للصحابي]. سلمناه لكن لا نسلم عدم جوازه، وهذا لأنه ذهب بعضهم إلى أنه يجوز للعالم تقليد الأعلم منهم، ولا نسلم أنه لا يكون لمناظرتهم حينئذ معنى؟ وهذا لأن فائدتها الاطلاع على المأخذ الراجح ليحصل منه الظن القوى، ولا يلزم من كون الرجل أعلم أن يكون دليل ما أدى إليه اجتهاده راجحًا دائما فالمناظرة تكشف عن ذلك.

стр. 3625

وخامسها: أن الدليل ينفى قبول قول الغير من غير حجة وبينة، ترك العمل به في حق العامي لمسيس الحاجة فوجب أن يبقى في حق غيره على الأصل. وسادسها. أن جواز تقليد المجتهد للمجتهد حكم شرعي فلا بد له من الدليل، والأصل عدم ذلك الدليل فمن ادعى فعليه بيانه، والقياس على العامي لا يصلح أن يكون دليلاً لما تقدم من الفرق. واحتج المجوزون بوجوه: أحدها: قوله [تعالى]: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ والمجتهد قبل النظر لا يعلم فوجب أن يجوز له السؤال. وجوابه: أنه يقتضى جواز التقليد بعد النظر والاجتهاد أيضًا ضرورة أنه لا يعلم حينئذ أيضًا. سلمناه لكن المراد منه المقلدون بدليل قوله [تعالى]: ﴿إن كمن لا تعلمون﴾ وهو لا يصدق على المجتهد، ضرورة أنه عالم، ولا يخرج عن كونه عالمًا بان لا تكون المسالة حاضرة في فإنه مع التمكن من معرفتها من غير أن يتعلم من غيره، ولأن قوله: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ ينفى أن يكون المجتهد منه مرادًا، لأن المجتهد من أهل الذكر؛ لأن أهل الشيء من أهل لذلك الشيء لا من حصل له ذلك، ولا شك أن المجتهد تأهل لذكر الشيء فيكون أهل/ (٣٢٥/ أ) الذكر فيكون مسئولاً لا سائلاً، ولأن ظاهر الآية يقتضى وجوب السؤال وهو غير ثابت في حق المجتهد إجماعًا، وإنما هو ثابت في حق العوام فيجب تخصيصه بهم لئلا يلزم الترك بالظاهر.

стр. 3626

سلمنا أن المجتهد يجوز أن يكون مرادًا منه لكن نقول: ما عنه السؤال غير مبين في الآية فيحمل على السؤال عن وجه دلالة الدليل ليحصل العلم وهذا كما يقال: كل لتشبع، واشرب لتروى. وثانيها. قوله تعالى: ﴿فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ الآية. ووجه الاستدلال به: أنه أوجب الحذر بإنذار من تفقه في الدين مطلقًا فوجب على العالم قبوله كما وجب على العامي ذلك. وقوله: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ والعلماء من أولى الأمر؛ لأن أمرهم نافذ على الأمراء والولاة، فإذا أمر العلماء بشيء وجب أن يتمثل. وجواب الأول: أن الآية محمولة على الرواية دون الفتوى على ما تقريره. سلمنا أنها تتناولها لكن تقتضى وجوب الحذر على ما تقدم تقريره، وهو غير ثابت في حق العالم إجماعا، فلا تكون الفتوى مرادًا منه بالنسبة إلى العالم، وأيضًا خص منه ما بعد الاجتهاد فكذا ما قبله بجامع التمكن من معرفة. الحكم بالنظر. وجواب الثاني: أنا لا نسلم أن المراد من أولى الأمر العلماء؛ وهذا لأن المتبادر منه إلى الفهم الأمراء والولاة، أوجب الله تعالى على العوام طاعتهم. سلمنا أنه يتناول العلماء أيضا لكن المراد منه طاعة العوام لهم بدليل أن ذلك هو الواجب على العوام، وأما طاعة المجتهد للمجتهد فغير واجبة فلا تكون

стр. 3627

مرادة منها. سلمنا وجوب طاعة العلماء للعلماء، لكن في الجملة أو كل شيء؟ والأول مسلم؛ وهذا لأن طاعتهم واجبة على الكل في الأقضية والأحكام، والثاني ممنوع وهذا لأنه ليس في النص ما يدل على التعميم. وثالثها: التمسك بالخبر نحو قوله ﵇: ﴿اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر﴾ وقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" وقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". والاستدلال بها إنما هو من جواز تقليد الصحابة دون غيرهم وهو ظاهر، فإنه أمر بذلك وأقل درجات الامر الجواز. وجوابه: ما سيأتي في أن قول الصحابي حجة أم لا؟ وبتقدير تسليمه فإنما يجوز تقليدهم دون تقليد غيرهم من المجتهدين. ورابعها: إجماع الصحابة، روى عن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل ذلك مع أنه كان- رضى الله عنه- أهلاً للاجتهاد، وكان ذلك بمحضر من علماء الصحابة فلم ينكر عليه أحد فكان ذلك إجماع وكون علي- رضى الله له عنه- لم يقبل ذلك لم يدل على عدم جواز قبوله [بل على عدم وجوب قبوله]، ونحن نقول

стр. 3628

إنه غير واجب القبول بل هو جائز القبول وروى أيضًا أن عمر- رضى الله عنه- رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهم- ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعًا. وجوابه: أن المراد من سيرة الشيخين: طريقتهما في العدل والانصاف، والانقياد للحق، والبعد عن حب الدنيا؛ لأنه المفهوم من السيرة، ولا يفهم من قولنا سيرة فلان ما أدى إليه اجتهاده، ولو سلم لكن يجب المصير إلى ما ذكرنا جمعًا بين الدليلين، ولئلا يلزم وجوب التقليد الذى هو مخالف للإجماع. وخامسها: أن اجتهاد المجتهد لا يفيد إلا الظن، وإذا أفتاه مجتهد آخر فقد حصل له الظن أيضًا، والظن معول عليه في الشرعيات فكان اتباعه جائزًا وجوابه؛ أنه أضعف من ظن الاجتهاد وهو معلوم قطعًا، ولا يجوز العمل بالظن الضعيف مع القدرة على الظن القوى. وسادسها. أن المجتهد إذا أدى اجتهاده إلى العمل بفتوى مجتهد آخر، لقد حصل له ظن أن حكم الله- تعالى ذلك وذلك يقتضى أن يحصل له ظن أنه لو لم يعمل له لاستحق العقاب فوجب أن يجب العمل به دفعًا للضرر المظنون وجوابه: أن ما أدى إليه اجتهاد المجتهد من الظن إنما يعمل به إذا لم يقم دليل سمعي يصرف عنه، فأما بتقدير ذلك فلا، وها هنا قامت الدلائل السمعية وهى ما ذكرنا من الأدلة على الصوف عنه فوجب الامتناع من العمل بهذا الظن. وسابعها: أنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لمن لم يكن عالمًا له تقليد من علمه كالعامي بجامع حصول الظن بقول المفتي.

стр. 3629

وجوابه: لا يخفى مما تقدم. وثامنها: يجوز للمجتهد أن يقبل خبر الواحد عن مجتهد آخر بل عن عامي، وإنما جاز ذلك اعتمادًا على عقله ودينه، فإذا أخبر المجتهد عن مقتضى ذلك الخبر مع أن احتياط الشخص فيما يفتيه أكثر من احتياطه فيما يرويه فلأن يجوز له العمل به كان أولى. وجوابه: أن احتمال الخطأ فيما اجتهد الانسان فيه بنفسه أقل مما اجتهد فيه غيره، ولا يلزم من قبول الرواية من المجتهد ليجتهد بنفسه فيه قبول اجتهاد غيره.

стр. 3630

المسألة الرابعة العامي إذا عمل بفتوى بعض المجتهدين في حكم حادثة وقلده فيه لم يجز له الرجوع عنه إلى حكم آخر في تلك الحادثة بعينها بفتوى غيره إجماعًا . وهل يجوز له أن يقلد غيره في وقائع أخر؟ اختلفوا فيه. فمنهم من منعه مطلقًا. ومنهم من جوزه مطلقًا. ومنهم من فصل بين عصر الصحابة والتابعين وبين عصر الأئمة الذي تقررت فيه لمذاهب فجوز في الأول دون الثاني وإليه ميل إمام الحرمين. واحتج من منع منه مطلقًا بأن تجويزه يقضي نفي التكاليف وعدم/ (٣٢٦/ أ) حصول فوائدها؛ وذلك لأن أحد المجتهدين إذا قال بإباحة شيء، والآخر بتحريمه، فلو كان العامي غير متقيد بمذهب بل له أن ينتحل أي مذهب شاء كان مخيرًا بين الحل والحرمة، فلا يتحقق الحل والحرمة عنده بل يلزم أن تكون التكاليف [بأسرها في حقه على التخيير، وفي ذلك

стр. 3631

إبطال التكاليف، وهذا الدليل يقتضى أن يجب على العامي أن ينتحل مذهبًا معينًا ابتداء، وإن لم يوجد منه تقليد لاحد منهم، وفيه أيضًا الخلاف السابق لكن يجب أن يرتب عليه، فإن قلنا في الأولى: لا يجب عليه تقليده، فلان لا يجب عليه تقليد مذهب معين ابتداء بطريق الأولى. وإن قلنا هناك يجب تقليده فها هنا وجهان، ووجه الفرق ظاهر. واحتج من جوز ذلك مطلقًا بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يجوزون للعامي أن يستفتى من بعضهم في مسألة، ومن البعض الأخر في مسالة أخرى، ولم ينقل عن أحد منهم الإنكار في ذلك، ولم ينقل عنهم أيضًا أنهم كانوا يلزمون العوام ابتداء بتقليد مذهب واحد منهم ولو كان ذلك غير جائز لما جاز منهم إهماله والسكوت على الإنكار عليه فكان ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك. واحتج من قال بالتفصيل: أنا لو لم نقل بذلك بعد تفرد المذاهب، وتمهيد كل منهم أصولاً تفي بأحكام الوقائع كلها لأدى ذلك إلى الخبط وعدم الضبط، وإعدام التكاليف وإبطال فوائدها كما تقدم تقريره، وأما في زمن الصحابة- ﵃ كان ذلك غير واجب؛ لأن كل واحد من المجتهدين منهم ما كان قرر لنفسه مذهبًا ومهد أصولاً وقوانين تفي بأكثر أحكام الوقائع فضلاً عن أن تفي بكلها، بل ما كانوا ينظرون في مسألة إلا بعد وقوعها لاشتغالهم بالحروب لإعلاء كلمة الله فلا جرم كانوا يجوزون لهم الاستفتاء ممن اتفق وما كانوا يلزمونهم بتقليد واحد منهم، فلا يلزم من جواز ذلك في زمانهم جوازه في زمان تقررت فيه المذاهب والأصول، وتلخصت فيه القواعد والفصول. وأما إذا التزم العامي مذهبًا معينًا، كمذهب الشافعي- رضى الله عنه- أو غيره فهل يجوز له الرجوع عنه، والأخذ بقول غيره في مسالة من المسائل أم لا؟

стр. 3632

اختلفوا فيه: فجوزه قوم؛ لأن التزامه بمذهب معين غير ملزم ولا يلزمه ذلك. ومنهم من لم يجوز ذلك؛ لأنه لما التزم مذهبا معينا صار لازما له كما لو التزم مذهبه في حكم واقعة معينة. ومنهم من فصَّل فقال: إن كل مسالة اتصل العمل بها على رأي صاحب المذهب الأول لم يجز له الرجوع عنها، وإن لم يتصل العمل بها جاز له الرجوع عنه إلى غيره.

стр. 3633

الفصل الثالث فيما فيه الاستفتاء

стр. 3634

الفصل الثالث فيما فيه الاستفتاء أعلم أن الاستفتاء إنما يجوز فيما يجوز التقليد، وهو وإن كان عبارة عن: قبول قول الغير والعمل به من غير حجة ملزمة فعلى هذا قبول العاس فول المفتي وعمله به لا يكون تقليدًا، ضرورة قيام الحجة الملزمة على ذلك لكن مع هذا يسمى تقليدا لعرت الاستعمال، أو لأنه وإن قامت الحجة على قبول قول المفتي لكن ما قامت على قول معين فيكون قبول قول المفتي المعين تقليدًا، وعند هذا نقول: اتفقوا على أنه بجور التقليد والاستفتاء في المسائل الفرعية إلا على الخلاف الذي تقدم وهو غير معتبر عند الجماهير. واختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية: فذهب كثير من الفقهاء والسلفيين، وبعض المتكلمين كعبد الله بن الحسين العنبري والحشوية والتعليمية.

стр. 3635

إلى جوازه، وربما بالغ بعضهم وقال: التقليد واجب، وأن النظر في ذلك حرام.

стр. 3636

وذهب الباقون إلى عدم جوازه. واحتجوا على هذا بوجوه: أحدها: أن تحصيل العلم في أصول الدين كان واجبا على الرسول- ﵇ لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إلاه إلا الله﴾ وإذا كان واجبًا عليه لزم أن يكون واجبًا على أمته أيضًا لقوله تعالى: ﴿اتبعوه﴾ وما قيل عليه: بانه لا يمكن إيجاب العلم بالله تعالى؛ وذلك لأن المأمور أن لم يكن عالماً بالله تعالى لم يكن مأمورًا بتحصيل العلم بالله تعالى، لأن حالما يمتنع كونه حالمًا بالله تعالى استحال أن يكون عالمًا بأمر الله تعالى، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق. وإن كان عالمًا به تعالى أستحال أمره بتحصيل العلم به؛ لأن ذلك تحصيل الحاصل وهو محال. فهو ساقط غير وارد عليه؟ لأن الآية دالة على وجوب تحصيل العلم بوحدانيته تعالى لا على تحصيل العلم بوجوده تعالى حتى يكون ما ذكروه واردًا. عليه، ونحن ما استدللنا إلا بما دلت الآية على وجوبه، لا بوجوب تحصيل العلم بوجوده تعالى.

стр. 3637

وثانيها: أن القرآن العظيم دل على ذم التقليد واتباع غير العلم، فالمراد منه أما التقليد في الاصول، أو الفروع، أو هما جميعًا، وعلى التقديرات كلها يلزم أن لا يجوز التقليد في الأصول. أما إن كان المراد منه القسم الثاني فكذلك؛ لأن كل من قال: لا يجوز التقليد في الفروع، قال: لا يجوز التقليد في الأصول بالطريق الأولى، فالقول بعدم جواز التقليد في الفروع مع جوازه في الأصول قول مخالف للإجماع فكان باطلاً. وإن كان المراد منه القسم الثالث فكذلك وهو ظاهر غني عن البيان. ولو قلت دل القرآن العظيم على ذم التقليد، واتباع ما ليس بعلم فالمراد منه: أما التقليد في الأصول، أو في الفروع والثاني باطل لما ثبت من جواز التقليد فيه فيتعمق أن يكون المراد منه الأول كان حسنًا/ (٣٢٧/ أ). وثالثها: التمسك بالظواهر التي تدل على وجوب النظر والفكر نحو قوله تعالى: ﴿قل انظروا﴾ وقوله: ﴿أو لم يتفكروا﴾. ووجه الاستدلال بها: أن المراد منها أما وجوب النظر في المطالب الأصولية أو في غيرها، والثاني باطل؛ لأن القول بوجوب النظر والفكر في غيرها مع عدم وجوبه فيها قول مخالف الإجماع، فكان المراد منها. وجوب النظر ميها أما وحدها أو مع غيرها، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل. ورابعها: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ الآية قال رسول الله-: "ويل لمن لأكلها بين لحييه ولم يتفكر فيها"

стр. 3638

وذلك يدل على وجوب النظر؛ لأن الويل لا يستحق على ترك غير الواجب. وخامسها: الإجماع منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، والتقليد غير محتمل لها. أما أولاً: فلأن المقلد غير معصوم عن الكذب، وخبر من كان كذلك لا يكون واجب الصدق ولا يفيد العلم واليقين. وأما ثانيًا: فلأن التقليد لو كان مفيدًا للعلم لكان العلم حاصلاً لمن قلد في حدوث العلم ولمن قلد في قدمه وهو ممتنع لإفضائه إلى الجمع بين كون العالم حادثًا وقديمًا. وأما ثالثًا: فلأنه لو أفاده لأفاد أما علما ضروريا وهو باطل، أما أولا: فبالإجماع. وأما ثانيًا: فلأنه لو كان كذلك لما خالف فيه أكثر العقلاء. وأما ثالثًا: فلأنه يلزم أن يكون العلم الحاصل بالتقليد أقوى من العلم الحاصل بالنظر والاستدلال ضرورة أن الضروري أقوى من النظري لكنه باطل قطعًا، وأما علمًا نظريًا وهو أيضًا باطل، لأنه حينئذ لابد وأن يكون محال لكن الأصل عدم ذلك الدليل، فظهر بهذه الوجوه: إن التقليد غير محصل لها فوجب أن لا يجوز الاكتفاء به في معرفة الله تعالى. ولقائل أن يقول: إن عنيتم أن معرفة الله واجبة أنه يجب تحصيل الاعتقاد المطابق لما هو الواقع في نفس الأمر فهذا مسلم لكن لا نسلم أن التقليد لا يفيده، وما ذكرتم من الوجوه إنما يفيد نفى العلم، لا الاعتقاد الذى يفيده التقليد ونحن لا نقول: أن الحاصل بالتقليد هو العلم بل هو اعتقاد المقلد.

стр. 3639

وإن عنيتم به: أنه يجب تحصيل العلم به تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز عليه فلا نسلم انعقاد الإجماع عليهه؛ وهذا لأن من يجوز التقليد فيه لا يوجب أن يكون الاعتقاد المطابق في ذلك عن دليل، ولا يكون ذلك علما، والخصم لا يوجب إلا تحصيل الاعتقاد المطابق، ومعلوم أنه لا يلزم منه وجوب تحصيل العلم به تعالى. وسادسها: أن لو جاز التقليد فيه لما جاز إلا تقليد المحق لانعقاد الإجماع عليه لكنه لا يعلم كونه محقًا إلا إذا عرف بالدليل أن ما يقوله حق، فإذن لا يجوز له أن يقلد إلا بعد أن يستدل، ومتى صار مستدلا امتنع منه التقليد. وهو ضعيف؛ لأنه منقوض بالشرعيات فإنه لا يجوز فيها أيضًا إلا تقليد المحق دون المخطئ ولا يعرف ذلك [إلا] بدليل، ومتى عرف ذلك امتنع منه التقليد. فإن قلت: لا يتصور فيها الخطأ على رأى من يقول: إن كل مجتهد مصيب فلا يتأتى هذا فيها. قلت: لا نسلم أنه لا يتصور الخطأ فيها على رأيهم بل يتصور ذلك بان يكون مقصرًا في طريق الاجتهاد، نعم لا يتصور الخطأ على رأيهم بمعنى عدم إصابة الحكم الواقع إذ لا حكم عندهم في الواقع، وإذا تصور وقوع الخطأ على رأيهم أيضًا يتأتى فيها ما ذكرتم في الأصول. فإن قلت: الظن في الشرعيات كاف فإن أخطا كان ذلك الخطأ محطوطًا عنه.

стр. 3640

قلت: فلم لا يجوز مثله في مسائل الأصول؛ فإن الخصم لا يفرق بينهما، بل ربما يقول: إن النظر في الشرعيات مندوب إليه دون مسائل الأصول فإنه يكره ذلك فيها أو يحرم. ولقائل أن يقول: إن صح أن المخالفين في المسالة باسرهم يقولون بانحطاط الإثم عن المخطئ في مسائل الأصول سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا توجه ما ذكرتم، وإن لم يصح ذلك عنهم وهو الأصح فإنه لم يقل ذلك إلا أبو عبيد الله بن الحسن العنبري والجاحظ على ما تقدم في المجتهد، وقياسه يقتضى ثبوته في المقلد أيضا إن جوز الجاحظ التقليد فيه كصاحبه لم يصح أن يقال: إن الخصم لا يفوق بينهما، ولو لم يقل هذا بل اقتصر على قوله فلم لا يجوز مثله في مسائل الأصول. قلنا: لما ذكرتم من الأدلة نحو الإجماع وغيره من أن المخطئ فيه آثم غير معذور. واحتج الخصم بوجوه: أحدها: أن النظر غير واجب؟ لكونه منهيًا عنه فيكون التقليد جائزًا، أما أن النظر غير واجب على تقدير كونه منهيًا عنه فظاهر، وأما أن التقليد حينئذ يكون جائزًا فهو أيضًا ظاهر، بقيت المقدمة الثالثة والدليل عليها الكتاب والسنة. أما الكتاب فالآيات الدالة على النهى من الجدال نحو قوله تعالى:

стр. 3641

﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ وقوله تعالى: ﴿إلا جدلاً بل هم قوم خصمون﴾ والنظر يفضى إلى فتح باب الجدال فكان منهيا عنه. وأما السنة فنحو ما روى عنه ﵇ أنه نهى الصحابة لما رآهم يتكلمون في مسالة القدر وقال: "إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا". وقال: "عليكم بدين العجائز" وهو ترك النظر والاستدلال. وجوابه: منع كون النظر منهيًا عنه، والآيات محمولة على الجدال الباطل

стр. 3642

﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ وقوله تعالى/ (٣٢٨/ أ) ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ وكيف يقال ذلك وقد أثنى الله تعالى على التَفكرين في قوله تعالى: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ فإنه ذكره في معرض المدح والثناء، ومدح الله تعالى إبراهيم بقوله: ﴿وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه﴾ وبه خرج الجواب عن السنة فإن التكلم فيه ما كان على وجه مرضى. وأما قوله "عليكم بدين العجائز" فلم يصح، وبتقدير صحته يجب حمله على التسليم لقضاء الله تعالى وقدره جمعا بين الدليلين. وأعلم أن كل ما ورد من الآيات والسنة في ذم الجدال وهو كثير على ما هو مذكور فيما صنف في هذا الباب فهو محمول على [الجدال بالباطل]، توفيقًا بينها وبين ما ورد في أنه مندوب إليه ومأمور له. وثانيها: أن الأعرابي الجلف الجافي كان يحضر محند الرسول ﵇، ويتلفظ بكلمة الشهادة فكان- ﵇ يحكم بصحة إيمانه من غير أن يسأل منه أنه هل يعرف دليل الوجود والتوحيد، وكونه فاعلاً مختارًا أم لا؟ بل الظاهر منه الجهل بأدلة هذه الأشياء، ولو كان العلم بهذه الأشياء شرطًا لصحة الإيمان لما حكم بصحة إيمانه.

стр. 3643

وثالثها: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين الخوض والنظر في المسائل الكلامية أصلاً، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل كما نقل عنهم في المسائل الخلافية الفرعية [ولو كان النظر فيها واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليه كن غيرهم، ولكان النظر فيها أوجب من النظر في المسائل الفرعية]، ضرورة أنه فرض عين والنظر في المسائل الفرعية فرض كفاية. وجوابهما: أنا لا نسلم أنهم ما كانوا يعلمون ذلك بالدليل، بل كانوا يعلمون ذلك به. وبيانه من حيث الاجمال والتفصيل. أما الأول: فلأن ذلك يقتضى نسبة الصحابة إلى الجهل بمعرفة الله تعالى مع أن الواحد منا عالم بذلك وهو ممتنع. وأما من حيث التفصيل: فلأن العلم بوجود مركز في النفس كما قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ وذلك بسبب الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود المحدث، فإن الإنسان في أول نشوه يشاهد أشياء تحدث، فيستدل بها على وجود الصانع، والاستدلال به على وجود الصانع جلى لا يخفى على أحد ولو أنه في غاية الغباوة فلا يكون العلم بوجوده تقليدًا، نعم قد يصعب النظر فيدق في أن ذلك المحدث ممكن أو واجب وعلى التقديرين إما موجب أو مختار، فإن معرفته تتوقف على معرفة بطلان الدور والتسلسل، وعدم تخصص الأثر بشكل معين وقدر مخصوص وفيهما أبحاث دقيقة قد تخفي على أكثر الناس، لكنا لا نشترط ذلك في صحة الإيمان فإن المعتبر في ذلك العلم في الجملة الذى تسكن به نفوس أكثر الناس لا العلم التفصيلي.

стр. 3644

وأما العلم بالتوحيد فلا نسلم أنه يغير الدليل فإن أخباره ﵇ عنه، ودعوته للناس إليه دليل عليه، فإنه يمكن الاستدلال بقول الرسول- ﵇ على كل ما تتوقف صحة الرسالة عليه، ولا شك أن صحة الرسالة لا تتوقف على التوحيد فيصح الاستدلال بقوله- ﵇ عليه والعلم بصحة الرسالة كلان حاصلاً لهم بدلالة المعجزات التي شاهدوها، أو نقلت إليهم بالتواتر. وأما العلم بكونه فاعلاً مختارًا وليس موجبًا بالذات على سبيل التفصيل فغير معتبر بدليل أن الرسول ما كان يسال عن ذلك كل من كلان يؤمن، ولا كلان يخبوهم عن ذلك في تلك الحالة، ولو كان معرفته شرطا لصحة الايمان لسألهم عن ذلك أو أخبرهم به، ومحند هذا لو لحيل: إن حضور هذا بالبال غير معتبر في الإيمان فضلاً عن العلم به على سبيل التفصيل لكان فإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن لا يعتبر العلم به تفصيلاً. ورابعها: أن الصحابة والتابعين والعلماء في كل عصر إلى زمننا هذا لم ينكروا على من كان في زمانهم من العوام على ترك النظر في المسائل الكلامية مع أنهم كثر الخلق وتركهم النظر كان شائعًا ذائعًا، فلو معرفتها بالدليل شرطا لصحة الإيمان لما كان ذلك [ولما حكموا بإسلامهم]، ولم ينكروا أعليهم دل ذلك على أنه ليس بشرط لصحة الإيمان. وجوابه: أنه إنما لم ينكروا، ذلك وحكموا بإسلامهم؛ لأن المعرفة

стр. 3645

الواجبة في المسائل التي معرفتها شرط لصحة الإيمان كانت حاصلة لهم بالدليل من جهة الجملة لا من جهة التفصيل كما تقدم، نعم قد لا يعرفون لا من جهة الجملة ولا من جهة التفصيل المسائل التي لا يشترط لمعرفتها في صحة الإيمان لكن لا يضرنا ذلك. وخامسها: أن النظر والاستدلال مظنة الوقوع في الشبهات، والخروج إلى الضلالات؛ لكون الأذهان مختلفة في الذكاء والبلادة، وطرق النظر دقيقة بخلاف التقليد، لا سيما من اتفق أكثر الخلق على إصابته لغزارة علمه، وفرط ذكائه فإنه يوجب سكون النفس على شيء واحد، ولذلك تجد أكثر الخلق على ذلك فكان سلوكه أولى. وجوابه: أن التقليد لابد وأن ينتهى إلى النظر والاستدلال لامتناع التسلسل، وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم مع زيادة محذور التقليد وهو احتمال كذب المقلد فيما أخبره عن اعتقاد ونظره، وكون كثر الخلق على الكفو والضلالة والبدع والأهواء. وسادسها: أن/ (٣٢٩/ أ) أدلة الأصول أشد غموضًا وخفاءً من أدلة الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع السهولة فلأن يجوز في الأصول مع الصعوبة بالطريق الأولى. وجوابه: ما تقدم من الفرق في مسلة جواز التقليد في الفروع، ولأن المطلوب في الفروع الظن والتقليد يحصله، والمطلوب في الأصول القطع وهو لا يحصله.
следующие страницы →