Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ وقوله تعالى: ﴿إلا جدلاً بل هم قوم خصمون﴾ والنظر يفضى إلى فتح باب الجدال فكان منهيا عنه. وأما السنة فنحو ما روى عنه ﵇ أنه نهى الصحابة لما رآهم يتكلمون في مسالة القدر وقال: "إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا".
وقال: "عليكم بدين العجائز" وهو ترك النظر والاستدلال.
وجوابه: منع كون النظر منهيًا عنه، والآيات محمولة على الجدال الباطل
стр. 3642
﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ وقوله تعالى/ (٣٢٨/ أ) ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ وكيف يقال ذلك وقد أثنى الله تعالى على التَفكرين في قوله تعالى: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ فإنه ذكره في معرض المدح والثناء، ومدح الله تعالى إبراهيم بقوله: ﴿وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه﴾ وبه خرج الجواب عن السنة فإن التكلم فيه ما كان على وجه مرضى.
وأما قوله "عليكم بدين العجائز" فلم يصح، وبتقدير صحته يجب حمله على التسليم لقضاء الله تعالى وقدره جمعا بين الدليلين.
وأعلم أن كل ما ورد من الآيات والسنة في ذم الجدال وهو كثير على ما هو مذكور فيما صنف في هذا الباب فهو محمول على [الجدال بالباطل]، توفيقًا بينها وبين ما ورد في أنه مندوب إليه ومأمور له.
وثانيها: أن الأعرابي الجلف الجافي كان يحضر محند الرسول ﵇، ويتلفظ بكلمة الشهادة فكان- ﵇ يحكم بصحة إيمانه من غير أن يسأل منه أنه هل يعرف دليل الوجود والتوحيد، وكونه فاعلاً مختارًا أم لا؟ بل الظاهر منه الجهل بأدلة هذه الأشياء، ولو كان العلم بهذه الأشياء شرطًا لصحة الإيمان لما حكم بصحة إيمانه.
стр. 3643
وثالثها: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين الخوض والنظر في المسائل الكلامية أصلاً، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل كما نقل عنهم في المسائل الخلافية الفرعية [ولو كان النظر فيها واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليه كن غيرهم، ولكان النظر فيها أوجب من النظر في المسائل الفرعية]، ضرورة أنه فرض عين والنظر في المسائل الفرعية فرض كفاية.
وجوابهما: أنا لا نسلم أنهم ما كانوا يعلمون ذلك بالدليل، بل كانوا يعلمون ذلك به.
وبيانه من حيث الاجمال والتفصيل.
أما الأول: فلأن ذلك يقتضى نسبة الصحابة إلى الجهل بمعرفة الله تعالى مع أن الواحد منا عالم بذلك وهو ممتنع.
وأما من حيث التفصيل: فلأن العلم بوجود مركز في النفس كما قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ وذلك بسبب الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود المحدث، فإن الإنسان في أول نشوه يشاهد أشياء تحدث، فيستدل بها على وجود الصانع، والاستدلال به على وجود الصانع جلى لا يخفى على أحد ولو أنه في غاية الغباوة فلا يكون العلم بوجوده تقليدًا، نعم قد يصعب النظر فيدق في أن ذلك المحدث ممكن أو واجب وعلى التقديرين إما موجب أو مختار، فإن معرفته تتوقف على معرفة بطلان الدور والتسلسل، وعدم تخصص الأثر بشكل معين وقدر مخصوص وفيهما أبحاث دقيقة قد تخفي على أكثر الناس، لكنا لا نشترط ذلك في صحة الإيمان فإن المعتبر في ذلك العلم في الجملة الذى تسكن به نفوس أكثر الناس لا العلم التفصيلي.
стр. 3644
وأما العلم بالتوحيد فلا نسلم أنه يغير الدليل فإن أخباره ﵇ عنه، ودعوته للناس إليه دليل عليه، فإنه يمكن الاستدلال بقول الرسول- ﵇ على كل ما تتوقف صحة الرسالة عليه، ولا شك أن صحة الرسالة لا تتوقف على التوحيد فيصح الاستدلال بقوله- ﵇ عليه والعلم بصحة الرسالة كلان حاصلاً لهم بدلالة المعجزات التي شاهدوها، أو نقلت إليهم بالتواتر.
وأما العلم بكونه فاعلاً مختارًا وليس موجبًا بالذات على سبيل التفصيل فغير معتبر بدليل أن الرسول ما كان يسال عن ذلك كل من كلان يؤمن، ولا كلان يخبوهم عن ذلك في تلك الحالة، ولو كان معرفته شرطا لصحة الايمان لسألهم عن ذلك أو أخبرهم به، ومحند هذا لو لحيل: إن حضور هذا بالبال غير معتبر في الإيمان فضلاً عن العلم به على سبيل التفصيل لكان فإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن لا يعتبر العلم به تفصيلاً.
ورابعها: أن الصحابة والتابعين والعلماء في كل عصر إلى زمننا هذا لم ينكروا على من كان في زمانهم من العوام على ترك النظر في المسائل الكلامية مع أنهم كثر الخلق وتركهم النظر كان شائعًا ذائعًا، فلو معرفتها بالدليل شرطا لصحة الإيمان لما كان ذلك [ولما حكموا بإسلامهم]، ولم ينكروا أعليهم دل ذلك على أنه ليس بشرط لصحة الإيمان.
وجوابه: أنه إنما لم ينكروا، ذلك وحكموا بإسلامهم؛ لأن المعرفة
стр. 3645
الواجبة في المسائل التي معرفتها شرط لصحة الإيمان كانت حاصلة لهم بالدليل من جهة الجملة لا من جهة التفصيل كما تقدم، نعم قد لا يعرفون لا من جهة الجملة ولا من جهة التفصيل المسائل التي لا يشترط لمعرفتها في صحة الإيمان لكن لا يضرنا ذلك.
وخامسها: أن النظر والاستدلال مظنة الوقوع في الشبهات، والخروج إلى الضلالات؛ لكون الأذهان مختلفة في الذكاء والبلادة، وطرق النظر دقيقة بخلاف التقليد، لا سيما من اتفق أكثر الخلق على إصابته لغزارة علمه، وفرط ذكائه فإنه يوجب سكون النفس على شيء واحد، ولذلك تجد أكثر الخلق على ذلك فكان سلوكه أولى.
وجوابه: أن التقليد لابد وأن ينتهى إلى النظر والاستدلال لامتناع التسلسل، وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم مع زيادة محذور التقليد وهو احتمال كذب المقلد فيما أخبره عن اعتقاد ونظره، وكون كثر الخلق على الكفو والضلالة والبدع والأهواء.
وسادسها: أن/ (٣٢٩/ أ) أدلة الأصول أشد غموضًا وخفاءً من أدلة الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع السهولة فلأن يجوز في الأصول مع الصعوبة بالطريق الأولى.
وجوابه: ما تقدم من الفرق في مسلة جواز التقليد في الفروع، ولأن المطلوب في الفروع الظن والتقليد يحصله، والمطلوب في الأصول القطع وهو لا يحصله.
стр. 3646
وسابعها: أن الأصول والفروع [قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد في الفروع]،- فكذا في الأصول.
وجوابه أيضًا: ما تقدم من غير تفاوت.
واعلم أنا وإن نصرنا القول بعدم جواز التقليد لكن في النفس منه شيء، والله أعلم بحقيقة الحال، وما هو الصواب من المقال ونرجو أن يهدينا إلى ذلك بفضله وسعة جوده.
стр. 3647
النوع التاسع عشر
الكلام في المدارك التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا ؟
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في أن الأصل في المنافع الإذن، وفى المضار المنع خلافا لبعضهم .
هذا بعد ورود الشرع، فأما قبله فلا سواء كان ذلك بطريق اليقين، أو غيره على ما تقدم تقريره في مسالة حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
أما الأصل الأول فالدليل عليه من وجوه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ واللام للاختصاص بجهة الانتفاع، فوجب أن يكون الانتفاع بجميع ما في الأرض جائزًا.
فإن قلت: لا نسلم أن اللام تقتضى الاختصاص بجهة الانتفاع؛ وهذا لأنها وردت فيما ليس فيه ذلك كقوله: ﴿وإن أسأتم فلها﴾، ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾.
стр. 3648
ففي هاتين الآيتين يمتنع أن تفيد اللام الاختصاص بجهة الانتفاع؛ أما في الآية الأولى: فلاستحالة حصول النفع في الإساعة، وأما في الثانية: فلاستحالة النفع على الله ولأن الائمة قالوا: اللام إما للملك، أو للاختصاص وهو غير ما قلتموه؛ إذ المطلق غير المقيد قطعًا.
سلمناه لكن ذلك يفيد مسمى الانتفاع أو يفيد كل الانتفاعات؟
الأول مسلم، لكنه لا يفيد المطلوب؛ لأنه يكفي في العمل بها حينئذ حصول فرد واحد من أفراد الانتفاعات ونحن نقول به، وذلك الفرد هو الاستدلال بما في الأرض على وجود الصانع تعالى، والثاني ممنوع فما الدليل عليه؟
ثم الذى يدل على أن لا يفيد التعميم: أنه ليس في مدلولات الحروف عموم ألبتة.
سلمناه لكن اللام داخلة على الخلق فيجوز الانتفاع بالخلق؟
فلم قلت: إنه يجوز بالمخلوق فإن المخلوق غير الخلق؟
فإن قلت: الانتفاع بالخلق غير متصور؛ وهذا لان الخلق صفة من صفات الله تعالى فلا نفع للمكلف في صفة الله تعالى فيجب أن يكون المراد من الخلق: المخلوق.
قلت: لا نسلم أن الانتفاع بالخلق غير متصورة وهذا لأنه يمكن الاستدلال على وجود الصانع، وكمال قدرته، وهو وإن كان غير محسوس لكنه معقول، فأما إذا شاهدنا أن الشيء وجد بعد أن لم يكن علمنا أنه إنما وجد بالخلق.
سلمنا أن الانتفاع به غير متصور لكن حمل الخلق على المخلوق مجاز.
стр. 3649
فلم قلتم: أنه ليس هناك مجاز آخر أولى منه حتى يحمل عليه.
سلمنا أن المراد منه المخلوق لكن يجوز لكل واحد واحد من المخاطبين الانتفاع بكل واحد واحد من المخلوقات أو بكلها، والأول مسلم، والثاني ممنوع وهذا لأنه قابل الجمع بالجمع فيقتضى مقابلة الفرد بالفرد.
سلمناه لكن كلمة في للظرفية فتدل على إباحة كل ما في داخل الأرض وهو الركاز والمعادن.
فإن قلت: كلمة في تتناول ما على وجه الأرض بدليل قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، إذ ليس المراد منه داخل الأرض وفاقًا بل وجهها.
قلت: حمل اللفظ على المجاز في صورة لضرورة امتناع حمله على ظاهره
لا يوجب حمله عليه في صورة أخرى مع أنه لا ضرورة هناك.
سلمنا أن المراد منه: ما على وجه الأرض لكن في ابتداء الخلق، أو مطلقًا، حتى يجوز له ذلك في كل الأوقات؟ والأول مسلم، والثاني ممنوع؟ وهذا لأن قوله (خلق) مشعر بانه حال ما خلقها إنما خلقها لنا، فلم قلتم: أنه بقى في الدوام كذلك.
فإن قلت: الأصل في كل شيء بقاؤه واستمراره.
قلت: هذا فيما يحتمل الدوام، لكن كونه مباحا صفة والصفة لا تبقى كالأعراض
سلمنا الإباحة للكل حدوثا وبقاءً ولكن لمن كان موجودًا وقت ورود الآية دون من يأتي بعده؛ وهذا لأنه خطاب مشافهة فيختص بالحاضرين.
سلمنا أن الآية تدل على اختصاصها بنا لكن قوله تعالى: ﴿لله ما في
стр. 3650
السموات والأرض﴾ ينافى ذلك.
الجواب: الدليل على أن اللام للاختصاص بجهة المنفعة قوله تعالى: ﴿لها ما كستب وعليها ما اكتسبت﴾
وقال ﵇: "النظرة الاولى لك والثانية عليك". وقال: "له غنمه وعليه غرمه"
стр. 3651
ويقال: هذا الكلام لك، وهذا عليك.
وأما ما ذكرتم من الاستعمال في الاختصاص لكن لا بجهة الانتفاع فهو على طريق التجوز دفعا للاشتراك.
لا يقال: ليس جعلها حقيقة في ذاك مجازًا في هذا أولى من العكس؛ لأنا نقول: لو جعلناها حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعلها مجازا في مطلق الاختصاص [لكونه لازمًا له، ولو جعلناها حقيقة في مطلق الاختصاص] لم يمكن جعلها مجازًا في الاختصاص النافع لكونه غير لازم، أو وإن أمكن ذلك/ (٣٣٠/ أ) لكن عند التعارض، الأول أولى على ما عرفت ذلك غير مرة، فيكون جعلها حقيقة في الاختصاص النافع أولى.
ولقائل أن يقول: جعلها حقيقة في مطلق الاختصاص أولى لكن لا يلزم الاشتراك ولا التجوز بل يلزم منه التواطؤ وهو خير منهما وأمكن استعمالها في
стр. 3652
الاختصاص النافع وفى الخالي عنه على وجه الحقيقة ضرورة وجود مطلق الاختصاص فيهما فكان أولى، وكيف لا وهو موافق لكلام النحاة من أن اللام للاختصاص، ولا يقتضى النقل عنه الذى هو خلاف الأصل، وحمل كلامهم على أن المراد منه الاختصاص النافع خلاف الأصل لكونه تقييدًا للمطلق.
وعن الثاني: أنه يفيد مسمى الانتفاع كما سلمتم لكن يلزم منه المطلوب؛ لأنه يلزم منه تحقق فرد من أفراد الانتفاعات ضرورة أنه لا يمكن دخول المسمى الكلى في الوجود [إ] لا في ضمن فرد من أفراده، وما هو من ضرورات المأذون فيه يكون مأذونًا فيه فالانتفاع بفرد من أفراد الانتفاعات [مأذون فيه، ويلزم من هذا الإذن في كل الانتفاعات] ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
وأما قوله: نحمله على الاستدلال به على وجود الصانع فغير ممكن؛ هذا النفع حاصل للمكلف من نفسه فإنه يمكنه أن يستدل بنفسه على وجود الصانع فلو حمل الانتفاع بما في الأرض على هذا لزم الحاصل وهو ممتنع.
لا يقال: لا نسلم أنه يلزم تحصيل الحاصل؛ وهذا لأن الانتفاع بالاستدلال الثاني غير الانتفاع بالاستدلال بنفسه ضرورة أنه يحصل تكيد العلم الأول؛ لأنا نقول: الدليل على أنه تحصيل للحاصل: أن الحاصل بالاستدلال الأول هو العلم بوجود الصانع وما هو من لوازمه، والحاصل بالاستدلال الثاني هو هذا فكان ذلك تحصيلا للحاصل.
وأما قوله: يحصل تأكيد العلم فممنوع؛ وهذا لأن العلم غير قابل للتأكيد.
стр. 3653
سلمناه لكن الحمل على غير هذه الفائدة فائدة تأسيسية، والحمل على ما ذكرتم فائدة تأكيدية فكان الأول أولى.
وعن الثالث. أن المراد من الخلق المخلوق، وهو وإن كان مجازا لكن يجب المصير إليه لتعذر حمله على حقيقته كما تقدم والأصل عدم مجاز آخر.
وعن الرابع: أنه ليس من قبيل مقابلة الجمع بالجمع، بل هو جارٍ مجرى تمليك الشيء الواحد للأشخاص، فكما أن ذلك يقتضى تعلق حق كل واحد متهم بجميع أجزاء ذلك الشيء على سبيل الشيوع فكذا ها هنا.
سلمناه لكن جار لكل واحد منهم الانتفاع بفرد منه جار لغيره ضرورة أنه لا قائل بالفصل.
وعن الخامس. أنا لو سلمنا أن ذلك مجار لكان يحب المصير إليه، لأن حمل كلام الله تعالى على ما هو أعم فائدة أولى.
سلمنا حصله على حقيقته لكن يلزم منه المطلوب للإجماع، إذ لا قائل بالفصل.
وعن السادس: أن المراد منه أنه خلق لنا مطلقا حتى يثبت لنا الاختصاص في كل الأوقات.
والدليل عليه. أن الرجل إذا قال لغيره: بنيت لك هذه الدار لا يفهم منه الاختصاص حالة البناء دون غيره، وإنما يفهم منه ذلك مطلقًا والأصل الحقيقة الواحدة.
стр. 3654
سلمنا أنه يقتضي ثبوت هذا الاختصاص في الابتداء لكن الأصل في كل ثابت دوامه.
قوله: الصفة لا تبقى.
قلنا: صفة المحدث لا صفة القديم الواجب لذاته، وأحكام الشرع كلها صفته تعالى على ما عرف ذلك في تعريف الحكم الشرعي.
وعن السابع: أنه لا قائل بالفصل. وأيضًا: الطريق الذي عرفنا عدم اختصاص كل خطاب مشافهة بالحاضرين حاصل فيما نحق فيه فوجب أن لا يختص بهم.
والاعتراض الذى اعترضنا به على المتمسك بهذه الآية في مسألة الأشياء قبل الشرع آت في هذا المقام أيضًا.
والدليل الثاني على المسألة: التمسك بقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾ وليس المراد من الطيب الحلال، وإلا لكان نازلاً منزلة القائل: أحل لكم المحللات. ومعلوم أن ذلك تكرار من غير فائدة، فيتعين أن يكون المراد منه: ما يستطاب طبعًا، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها وهو المطلوب.
ولقائل أن يقول: إنما يفيد العموم أن لو كان الألف واللام في الطيبات للعموم وهو ممنوع؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون للعهد وهو ما أحل في الشرع مما يستطاب طبعًا، وحينئذ لا يحمل على العموم لأن شوط حمل الجمع المحلى بالألف واللام على العموم أن يكون هناك معهود.
стр. 3655
الدليل الثالث: قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ أنكر الله تعالى على من حرم رينة الله فوجبَ أَن لا تثبت حرمة زينة الله تعالى. وإذا لم تثبت حرمة زينة الله تعالى امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى؛ لأن المطلق جزء من المقيد فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى لثبتت الحرمة في زينة الله تعالى وهو على خلاف النص.
وإذا لم تثبت الجرمة بالكلية ثبتت الإباحة.
فإن قلت: الدليل خاص، والدعوى عامة؛ ضرورة أنه لا يتناول ما ليس من الزينة من المنافع فلا يصح به التمسك.
قلت: قد عرف جواب هذا النوع غير مرة فلا حاجة إلى الاعادة.
واعلم أن هذا الاحتجاج مبنى على أن المفرد المضاف يفيد العموم فمن أنكر أن المفرد المعرف باللام لا يفيد العموم أنكر هذا فلا يمكنه التمسك بهذا إلا- أن يكون كرضه منه إلزام القائلين به.
الدليل الرابع: أن/ (٣٣١/ أ) الله تعالى خلق الأعيان، فإما أن يكون لحكمة، أو لا لحكمة والثاني باطل؛ لأن الفعل الخالي عن الحكمة عبث، وهو على الحكيم محال.
ويؤكده قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لأعبين﴾ ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ وإذا بطل هذا القسم تعين الأول.
стр. 3656
وتلك الحكمة إما عود النفع إليه وهو محال لاستحالة الانتفاع عليه، وإما عود النفع إلينا؛ لأن كون تلك الحكمة عود الضرر إلينا ممتنع إجماعا، وحينئذ يلزم أن يكون الإذن ثابتًا لأن لازم المطلوب مطلوب، ولا يخفى عليك أنه مبنى على تعليل أفعال الله تعالى.
الدليل الخامس: القياس، وتقريره: أنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعا، وهو خال عن أمارات المفسدة فوجب أن يجوز كالاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بحائط الغير.
وانما قلنا: إنه لا ضرر فيه على المالك قطعًا؛ فلان المالك هو الله تعالى والضرر عليه ممتنع قطعًا.
وأما ملك العباد فلأن الأصل عدمه، فوجب استمراره، ولأن الكلام مفروض حيث لا ملك فيه لأحد من خلق الله تعالى.
وأما أنه خال من أمار ات المفسدة فلأن الكلام مفروض فعه وما ذكرناه في الجواب عنه في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع غير آت ها هنا وهو ظاهر
فإن قلت: هذا يقتضى القول بإباحة كل المحظورات؛ لأن فاعلها ينتفع بها، ولا ضرر فيها على المالك. وهو يقتضي سقوط أكثر التكليف وهو ممتنع.
سلمنا سلامته عن النقض لكن الفرق بينهما حاصل:
وبيانه من حيث الأجمال: وهو أن المالك لو منع من الاستضاءة بسراجه ومن الاستظلال بجداره قبح ذلك منه، والله تعالى لو منع من الانتفاع لم يقبح منه، والافتراق في الحكم دليل على الافتراق في الحكمة:
قلت: أما الأول فغير واردة لأنه ليس خال عن أمارات المفسدة؛ لأن نهى الشارع عنها أمارة مفسدتها أما على رأى المعتزلة فظاهر، وأما على رأينا
стр. 3657
فلاستلزام النهي استحقاق العقاب عليه، ولا شك أنه من أعظم المفاسد.
وعن الثماني: أن ما ذكرتم من الافتراق في الحكم إنما نشا من اختلاف الحاكم إنما من اختلاف الحاكم فيه؛ وهذا لان التحسين والتقبيح لا يتطرفان إلى أفعال الله تعالى فيحسن منه كل شيء بحكم المالكية ألا ترى أنه لو منع الله تعالى من الاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بحائط الغير لم يقبح منه بخلاف العبد فإن يقبح منه؛ لأنه يتطرق إلى أفعاله المدح والذم والجواز وعدمه فلا جرم لا يحسن منه كل شيء.
الدليل السادس: أن كر الاشياء المنتفع بها مباح في الشرع فإذا وجدنا شيئًا منتفعًا به ولم نجد على إباحته وتحريمه دليلاً على خصوصية كل واحد منهما ألحقناه بكثر الأشياء في الاباحة إلحاقا للشيء بالأعم والأغلب.
وأما الأصل الثاني وهو أن الاصل في المضار الحومة، وفعل الخوض في تقرير الدلالة لابد من تفسير الضرر:-
ففيل: الضرر: عبارة عن ألم القلب، لأنه مستعمل في مواضع مختلفة، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينها دفعًا للاشتراك والتجوز، والمشترك بينهما ألم القلب فوجب جعله فيه حقيقة.
وإنما قلنا: إنه مستعمل في المواضع المختلفة فلأنه مستعمل في الضرب، والشتم، والاستخفاف، والجرح، والقطع، وأخذ المال، والغضب، وتعطيل المنافع وغيرها من الصور، فيقال: أضره وأضرته، وشتمه وأهانه، وكذا الكلام في بقية الأمثلة، فثبت أن الضرر مستعمل في المواضع المختلفة.
стр. 3658
وإنما قلنا: أن الألم قدر مشترك بينها فذلك ظاهر غنى عن البيان.
فإن قلت: ما المعنى بألم القلب؟
إن عنيت به الغم والحزن فهو باطل؟ فإن من خرق ثوب إنسان أو أحرق داره وكان المالك غافلاً عنه يقال فيه: أضر به وأضره مع أنه لا هم هناك ولا غم.
وإن عنيت به معنى آخر فبينه لينظر هل هو مشترك بينها أم لا؟ نزلنا عن هذا المقام، لكن كما أن ألم القلب قدر مشترك بينها فكذا يجوز أن يكون بينها فدر مشترك آخر وحينئذ لا يجب أن يكون حقيقة فيما ذكرتم من القدر المشترك فلم لا يجوز أن يكون كذلك وعليكم بيانه.
ثم أنا نتبرع ببيان القدر المشترك الأخر وهو أن تفويت الفع قدر مشترك بينها فلما كان ما ذكرتم من المشترك أولى من هذا؟ وعليكم الترجيح.
ثم أنه معنا؟ لأن النفع والضرر متقابلان لكون كل واحد محهما يذكر في مقابلة الآخر، والنفع عبارة عن تحصيل النفع، فيكون الضرر عبارة عن تفويت المنفعة، وإذا كان حقيقة فيه لا يكون حقيقة فيما ذكرتم دفعا للاشتراك.
سلمنا دلالة ما في ذكرتم على أن الضرر عبارة عن ألم القلب لكنه معارض بوجوه:
أحدها: أنه لو كان حقيقة فيه لوجب أن يتبادر إلى الفهم عند سماعه لأن من شان الحقيقة ذلك، لكنه غير متبادر إذ لا يفهم من قول القائل: أضر فلان فلانًا، أو أضر به أنه آلم قلبه، وحينئذ يلزم أن لا يكون حقيقة فيه.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا
стр. 3659
ولا يضركم﴾.
أخبر أن عبادة الأصنام لا تضرهم مع أنها تؤلم قلوبهم يوم القيامة؛ لأنهم يعاقبون بذلك، ويلزم من هذا أن الضرر ليس عبارة عن ألم القلب.
وثالثها: أن من يسعى في إزالة مال أحد أو جاهه بحيث لا يعلم صاحبه بذلك.
يقال: أنه يضره مع أنه لم يوجد هناك ألم القلب ضرورة أنه/ (٣٣٢/ أ) مشروط بالشعور به.
قلت: أما ألم القلب فحالة وجدانيه يعلمه كل أحد بالضرورة ويفرق بينه وبين فرحه ولذته، وإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تعريفه لأن المعلوم بالوجدان لا يعرف.
قوله: لم لا يجوز أن يكون هناك مشترك آخر؟
قلنا: الأصل عدمه.
قوله: تفويت النفع قدر مشترك بينهما.
قلنا: لا نسلم؟ وهذا لأنه ليس في صورة الشتم والإهانة إزالة لنفع مع أنه يستعمل فيهما الضرر.
سلمناه لكن لا يمكن جعله مدلول الضرر؟ لان البيع والهبة حصل فيهما تفويت النفع إذ البائع فوت على نفسه الانتفاع بالمبيع وكذا الواهب مع أن ذلك لا يسمى ضررًا.
لا يقال: شرطه أن لا يستلزم نفعًا آخر من محوض أو ثواب أو ثناء؛ لأنا نقول: فعلى هذا لا يوجد ضرر أصلا؛ لأنه ما من صورة من صور
стр. 3660
تفويت المنافع إلا ويوجد فيه نفع آخر من الثواب أو الثناء كما في الميتة.
سلمناه لكن توقيف المقتضى على الشرط على خلاف! الأصل.
قوله: النفع يذكر في مقابلة الضرر.
قلنا: هب أنه كذلك لكن ذلك لا يضرنا؛ لأن النفع عبارة عن تحصيل اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها.
والضرر عبارة عن تحصيل الألم، أو ما يكون وسيلة إليه، وعلى، هذا التقدير المقابلة بينهما حاصلة مع أنه لا دلالة فيه على مطلوبكم.
وأما الجواب عن المعارضة الأولى فهو: أنا لا نسلم لنه لا يفهم هذأ المعفط منه؛ وهذا لأنه يصع أن يقال: أضره، وأضر به، ثم طيب خاطره وفرحه فلولا أنه يفهم منه هذا المعنى وإلا لما صح ذلك.
وعن الثانية: أنا لا نسلم أن الأصنام تؤلم القلب، بل الذي يؤلمه إنما هو عبادتها وهى غيرها فلم تدل الآية على التغاير لعدم اتحاد الوسط.
وعن الثالثة: أن ذلك بطريق التجوز من قبل إطلاق اسم المسبب على السبب فإنه إنما يقال ذلك على معنى أنه يوجد فعلا لو حصل الشعور به لحصل ألم القلب فألم القلب مسبب ذلك الفعل عند حصول الشعور به فبهذا الاعتبار يقال: أضر به أو أضره إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على حومة الضرر قوله ﵇: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام" أي في أحكام
стр. 3661
الإسلام فلو أبيح له ما هو منشأ للضرر الذي هو عبارة عن ألم القلب لكان في أحكام الإسلام ضرار والحديث ينفيه.
وأيضًا: لو شرع ما هذا شانه لكان فيه حرج وعسر فكان منفيا بالنصوص النافية للحرج والعسر.
стр. 3662
المسألة الثانية
في استصحاب الحال .
ذهب الأكثرون من أصحابنا كالمزني والصيرفي والغزالي والإمام إلى أنه حجة سواء كلان في النفي عقليًا كان أو شرعيًا، أو في الإثبات وهذا لا يكون إلا شرعيًا؛ لأن العقل عندنا لا يثبت حكمًا وجوديًا ألبتة.
وأما النفي فما كان منه شرعيًا كقوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة
стр. 3663
أوسق صدقة) فليس له فيه أيضًا مدخل كالوجودي، وما كان منه عقليًا وهو الذى عرف نفيه بالبقاء على العدم الأصلي لا بتصريح الشارع كما سبق كنفي وجوب الصلاة السادسة، ونفي وجوب صوم شوال فالعقل يدل عليه بطريق الاستصحاب إلى أن يرد السمع الناقل عنه.
لا يقال: دلالة، الاستصحاب ظنية [وعدم وجوب الصلاة السادسة] وعدم وجوب صوم شوال قطعي فلا يجوز أن يكون مستفادًا من دلالته؛ لانا نقول: عدم السمعي الناقل قد يكون معلومًا كما في المثالين السابقين، وقد بكون مظنونًا ففي القسم الأول يدل الاستصحاب على سبيل القطع والبت كما في المثالين السابقين، وفى القسم الثاني يدل على سبيل الظن كما في وجوب زكاة الخيل والحلي فالظن إنما تطرق إلى استصحاب الحال لاحتمال النقل والتغير فحيث يجزم بنفي هذا الاحتمال وجب القطع بالنفي.
وذهب جمهور الحنفية، وجمع من المتكلمين كابى الحسين البصري إلى أنه بحجة في الأمر الوجودي فقط، ومنهم من نقل الخلاف عنهم
стр. 3664
مطلقًا، وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجودي والعدمي جميعًا، لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة.
ثم القائلون بعدم حجيته اختلفوا: فمنهم من جوز الترجيح به. ومنهم لم يجوز الترجيح به أيضًا.
ثم أطلق الأصحاب الاستصحاب على أربعة أوجه:
أحدها: ما ذكره من استصحاب العدم الأصلي وهذا متفق عليه- على ما تقدم.
وثانيها: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص ضرورة أن العموم حجة عند القائلين به، وكذا استصحاب مقتضى النص إلى أن يرد النسخ فإن النص دليل على دوام الحكم إلى أن يرد النسخ عليه.
وثالثها: استصحاب حكم دل الشارع على ثبوته ودوامه لوجود سببه كالملك عند حصول السبب المملك، وكشغل الذمة عند فرض أو إتلاف، وهذا لأن لم يكن حكمًا أصليًا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلا أن يوجد السبب المزيل أو المبرئ وإلا لما جار استصحابه.
стр. 3665
فالحاصل أن الاستصحاب ليس بحجة إلا ميما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم حصول المغير كما في الصور الثلاثة المتقدمة كلها، ومن هذا القبيل الحكم بتكرر الأحكام عند تكرر أسبابها لأنه لما دل الدليل على [كون تلك الأسباب:/ (٣٣٣/ ١) أسبابًا لتلك الأحكام وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع وهو من جملة الدليل] على أن الحكم يتكرر بتكرر السبب.
ورابعها: استصحاب حال الاجماع [في محل الخلاف وهو إن حصل الإجماع على حكم في حال فيتغير الحال ويقع الاختلاف فيستصحب حال الإجماع]، من لم يقل بتغير الحكم.
مثاله. أجمعنا على أن رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة تبطل التيمم، فإذا رأى المتيمم الماء بعد الدخول فيها فهل يبطل تيممه أم لا؟ وقع الاختلاف في هذا:
فمن لم يغير الحكم بقول: أجمعنا على أن رؤية الماد قبل الدخول أن الصلاة تبطل التيمم فكذا رؤيته بعد الدخول استصحابا للحال.
وأما من قال بتغير الحكم فيقول: أجمعنا على أن الصلاة قبل رؤية الماء كانت صحيحة فكذا بعد رؤيته استصحابًا للحال.
وكذلك يحتج من يقول: أن ملك المرتد لا يزول بالردة، لأنا أجمعنا على أن الملك كان حاصلاً للمرتد قبل الردة فالأصل دوامه فمن أدعى زواله بها
стр. 3666
يحتاج إلى الدليل.
وهذا النوع من الاستصحاب مختلف فيه بين القائلين بان استصحاب الحال حجة: فذهب جماعة إلى أنه ليس بحجة وهو اختيار أبى العباس بن سريج، وأبى بكر القفال، والغزالي.
وألحق أهل الظاهر هذا النوع بما قبله في الحجية.
إذا عرفت هذه الأقسام فنقول:
الدليل على أن استصحاب الحال حجة سواء كان في الأمر الوجودي أو في العدمي فالدليل عليه وجهان.
أحدهما: أن العقلاء وأهل العرف من سائر الأمم إذا تحققوا وجود شيء أو عدمه يستصحبون ذلك الوجود أو العدم في الزمان المستقبل ما لم يقطعوا بتغيره أو يظنوا ذلك لدليل منفصل أو لعادة، وإذا كان له أحكام مختصة به فإنهم يمضونها ويسوغون الحكم بها في الزمان المستقبل.
وكذلك أن من سافر عن أهله ومعارفه يراسلهم ويكتب إليهم كتابًا يعلمهم بأحواله ويستعلم منهم أحوالهم وإن طالت المدة، ولولا أن الأصل البقاء ودوام الوجود وإلا لما بها، كذلك، وإذا كان كذلك في العرف وجب أن يكون في
стр. 3667
الشرع كذلك لقوله ﵇: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنًا" الحديث.
وثانيهما: أن العلم يتحقق أمر أو بانتفائه في الحالة يقتضى ظن بقائه في الاستقبال، والعمل بالظن واجب، ولا نعنى بقولنا: إن استصحاب الحال حجة سوى هذا.
وانما قلنا: إن العلم بتحقق أمر أو بانتفائه في الحال يقتضى ظن بقائه في الاستقبال لوجوه:
أحدها: أن الاتفاق حاصل بيننا وبين خصومنا على أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة لا تجور له الصلاة، وأن من تيقق الطهارة وشك في الحدث تجور له الصلاة، ولولا أن الأصل في كل متحقق دوامه وإلا لما كان كذلك.
بيانه: أنه لو لم يكن الأصل ذلك فإما أن يكون الأصل عدم الاستصحاب أي لا يستصحب حكم الحدث بل يستصحب حكم ضده وهو الطهارة وعكسه أو، الاستصحاب ولا عدمه أي لا يستصحب حكم الحدث ولا حكم الطهارة، فإن كان الأول فيلزم بوار الصلاة في الصورة الأولى، وعدم جوازها في الصورة الثانية؛ ضرورة أن ظن الطهارة حينئذ راجح في الصورة الأولى وظن الحدث راجح في الصورة الثانية وهو خلاف الاجماع؛ وإن كان الثاني لزم عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية وإلا لزم الجواز في الصورة الأولى ضرورة أن احتواء الطرفين حينئذ مما لا يمنع صحة الصلاة وكل من اللازمين ممتنع فالملزوم مثله.
وثانيها: أن ظن بقاء الشيء واستمراره أغلب من ظن التغير؛ لأن الباقي لا
стр. 3668
يتوقف إلا على وجود الزمان المستقبل ومقارنة ذلك الباقي له كان موجودًا أو معدومًا، وأما التغير فيتوقف على الأمرين المذكورين وزيادة وهو تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس، وهو يتوقف على أمور كثيرة من حصول العلل الأربعة والشرائط وارتفاع الموانع وما يتوقف على أقل المقدمات أغلب على الظن مما يتوقف على كثرها.
وثالثها: أن الباقي مستفن عن المؤثر، والحادث مفتقر إليه، والمستفتي عن الموثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر اليه فكان الباقي راجح الوجود بالنسبة الى الحادث ولا نعني بكون بقائه أغلب على الظن سوى هذا.
وإنما قلنا: أن الباقي مستفن عن المؤثر؛ لأنه لو كان مفتقرًا إليه فإما أن يصدر منه أثر، أو لا يصدر منه أثر ألبتة، وهذا الثاني محال؛ لأن فرض مؤثر مفتقر إليه مع أنه لم يصدر منه أثر ألبتة جمع بين النقيضين فكان محالاً.
والأول لا يخلو اما أن يكون أثره عين ما كان حاصلاً قبله أو غيره.
والأول محال لأنه تحصيل الحاصل.
والثاني يقتضى أن يكون الأثر الصادر عنه حادثاً لا باقيًا وهو خلاف الفرض ولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضى إلى هذه الأقسام الباطلة كان افتقاره إليه باطلاً.
وإنما قلنا: أن الحادث مفتقر إليه؛ فذلك متفق عليه بين العقلاء لا نزاع فيه لأحد منهم.
وإنما قلنا: أن المستغنى عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه فلوجوه:
أحدها: أنه لو لم يكن راجح الوجود لكان الشيء مع الاستغناء كهولا مع
стр. 3669
الاستغناء فيكون/ (٣٣٤/ أ) الشيء مع غيره كهولاً مع غيره وهو محال.
وثانيها: أن المستغني عن المؤثر لابد وأن يكون الوجود أولى به؛ وإلا لافتقر إليه نظرًا إلى ذاته والحادث ليس كذلك وإلا لاستغنى عنه؛ لأنه مع تلك الأولوية إن افتقر إليه فذلك المرجح مرجح لما هو مترجح في نفسه وهو تحصيل الحاصل وحينئذ يلزم أن يكون اعتقاد وجوده أولى.
وثالثها: أن الباقي لا يعدم إلا عند انتفاء شرط، أو وجود مانع أو بإعدام معدم على اختلاف فيه، والمفتقر إلى المؤثر كما يعدم بأحد هذه الأسباب فقد يعدم أيضًا عن عدم المقتضى.
وما لعدمه طريق واحد فقط يكون أولى بالوجود مما لعدمه طريقان وحينئذ يلزم أن يكون اعتقاد وجوده أولى فيكون بقائه مظنونا في الاستقبال.
وأما أن العمل بالظن واجب فبالإجماع، ولقولة ﵇: "أقضى بالظاهر" [و (نحن نحكم بالظاهر)].
ولأنه لو لم يجب لزم جواز ترجيح المرجوح على الراجح. وهو ممتنع في بديهة العقل، وبالقياس على وجوب العمل بخبر الواحد، والعموم، والقياس، وبالشهادة، والفتوى، بجامع ترجيح الأقوى على الأضعف.
فإن قيل: على الوجه الأول: ما المراد من قولك: إن أهل العرف يستصحبون الوجود أو العدم؟
[إن غنيتم به: أنهم يستصحبون ذلك الوجود أو العدم] في الزمان المستقبل على سبيل الجواز والاحتمال فهذا مسلم.
стр. 3670
وإن عنيتم به على سبيل غلبة الظن فممنوع فإن هذا أول المسالة وبهذا خرج الجواب أيضًا عما ذكروه من سند المنع فإنهم إنما يفعلون ذلك بناء على احتمال البقاء وتجويز حصول الغرض فإن ما هذا شأنه ولا ضرر في فعله فإن العقلاء يباشرونه ويسوغون فعله.
وعلى الوجه الثاني: أنا لا نسلم أن العلم بتحقق أمر أو بانتفائه في الحال يقتضى ظن بقائه، أما ما ذكرتم من الوجه الأول في الدلالة عليه في الكلام عليه أن نقول: أنا نسلم أنه يلزم منه رجحان الطهارة لكن لم يلزم منه جواز الصلاة؛ وهذا لأنه لو لزم [من رجحان الطهارة جواز الصلاة للزم] النقض في صورة النوم والإغماء على رأى من لم يجعل نفس النوم حدثًا فإن ظن الطهارة راجح فيها ضرورة أنها كانت متحققة ولزم جواز الصلاة لو ظن الطهارة من غير استناده إلى القطع بتحققه.
وأما الوجه الثاني فهو ممنوع؟ وهذا لأنا لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وما ذكرتموه من زيادة توقف التغيير على تبدل الوجود بالعدم وبالعكس فهو معارض بما أن البقاء يتوقف على تجدد مثل السابق.
سلمناه لكن ما يتوقف على أقل المقدمات متى يكون أغلب على الظن إذا لم تكن تلك المقدمة نادرة الوجود أو مطلقًا؟
والأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلعل ما يتوقف عليه الباقي أندر من الذى يتوقف عليه التغيير حينئذ لا يلزم ما ذكرتم.
سلمناه لكن لا يلزم منه أن يكون أغلب على الظن؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون الشيء أغلب من [غيره لكن لا يلزم منه أن يكون غالبا على الظن لجواز أن يكون كليهما غير غالبين على الظن وإذ كان أحدهما أغلب من] الآخر
стр. 3671
وهذا كحصول كل واحد من الغنى التام الواسع والملك لأكثر أفراد الناس غير غالب مع أن حصول الغنى أغلب من الملك.
وأما الوجه الثالث فالكلام عليه أن يقول: ما المعنى من قولك: لا نسلم أن الباقي مستغن عن المؤثر؟
إن عنى به: أن كونه باقيا مستغن عن المؤثر فهذا ممنوع؛ وهذا لأن كونه باقيًا حادث؛ ضرورة أنه ما كان حاصلا في الزمان الأول ثم حدث في الزمان الثاني فيكون حادثًا فاستغناؤه عن المؤثر يقتضى استغناء الحادث عنه وهو باطل قطعًا وهو أيضًا مناقض لقولكم الحادث مفتقر إليه.
وإن عنى به شيئًا فلابد من إفادة تصوره أولاً، ثم من إقامة الدلالة على أنه مستغن عنه بذلك المعنى.
نزلنا عن الاستفسار، لكن لا نسلم أن الباقي غير مفتقر إلى المؤثر.
قوله: لو كان مفتقرًا إليه فأثره إما أن يكون عين ما كان حاصلاً أو غيره ..
قلنا: اخترنا القسم الثاني؛ وهذا لأنه لا معنى لبقائه إلا حصوله في الزمان الثاني والثالث بعد أن كان حاصلاً في الزمان الأول ولا شك أن هذا المفهوم ما كان حاصلاً في الزمان الأول فيكون غير ما كان حاصلاً فلم لا يجوز أن يكون أثر المؤثر الذى يحتاج إليه الباقي هذا.
لا يقال: كلامنا في احتياج الباقي لا الحادث وعلى ما ذكرتم يكون المحتاج الحادث لا الباقي لأن ما ذكرتم من المفهوم حادث ضرورة أن ما كان حاصلاً في
стр. 3672
الزمان الأول ولأن ما ذكرتم من المفهوم لا يحصل للشيء إلا بعد تأثير المؤثر وذلك بعد احتياجه إلى المؤثر فلو كان الباقي محتاجًا إلى المؤثر في هذا المفهوم لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب؛ لأن كون الباقي محتاجًا إنما يكون بعد كونه باقيًا وإنما يكون باقيا بعد تأثير المؤثر وذلك بعد احتياجه إليه فظهر أنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه بمراتب.
لأنا نقول: المراد من قولنا: الباقي يحتاج إلى المؤثر أن حصوله في الزمان الثاني لابد فيه من شيء آخر. وقد ثبت ذلك فأما البحث بعد ذلك أن ذلك المفهوم ليس باقيًا بل هو حادث، وأن كونه باقيًا يحصل له بعد ذلك عند حصول ذلك المفهوم فلا يكون المحتاج هو الباقي بل الحادث فبحث خارج عن المقصود.
سلمنا فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون الواقع هو القسم الأول.
قوله: إنه/ (٣٣٥/ أ) تحصيل الحاصل.
قلنا. إن عنى به: أن يجعل المؤثر عين الذي كان موجودًا في الزمان الأول حادثًا في الزمان الثاني فلا شك في أنه ممتع، لكن لم قلت: إن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟
وإن عنى به: أن الوجود الذى ترجح في الزمان الأول بالمرجح نفسه ترجح في الزمان الثاني به فلا نسلم أن ذلك ممتنع ونحن لا نريد باحتياج الباقي إلى المؤثر الا هذا فلم قلت: إن ذلك ممتنع؟
وإن عنى به شيئًا أخر فليذكره لننظر فيه.
سلمنا صحة ما ذكرتم من الدلالة على استغناء الباقي عن المؤثر، لكنه معارض بما أن الشيء حال بقائه ممكن لذاته لأنه ممكن لذاته في زمان حدوثه وإلا لما وجد بعد عدمه وإلا كان من لوازم الماهية، وإلا لجاز زواله فيلزم انقلاب الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع أو الوجوب الذاتي وهما ممتنعان، وحينئذ يلزم أن يدوم بدوام الماهية والماهية باقية في حالة البقاء فوجب
стр. 3673
أن تكون الماهية ممكنة حالة البقاء وكلل ممكن فله مؤثر لأن علة الحاجة إلى المؤثر هو الإمكان لا الحدوث ولا مجموعها ولا الإمكان بشرط الحدوث؛ لأن الحدوث عبارة عن: مسبوقية وجود الشيء بالعدم، ومسبوقية الوجود بالعدم نسبة بينهما فتكون متأخرة عنهما ضرورة أن النسبة متأخرة عن المنتسبين، ولأن مسبوقية الوجود بالعدم صفة الوجود ونعت له ولهذا يقال: [وجود مسبوق] ووجود غير مسبوق فلو لم يكن صفة له لما جار ذلك، وإذا كان كذلك فتكون متأخرة عن الوجود المتأخر عن تأثير المؤثر فيه المتأخر عن الاحتياج إلى المؤثر المتأخر عن علة الحاجة اليه فلو كان الحدوث علة الحاجة إلى المؤثر، أو جزأ منها، أو شرطًا لهما، لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب وهو ممتنع فثبت أن علة الحاجة إلى المؤثر هو الامكان والباقي ممكن يوجز أن يكون محتاجًا إلى المؤثر وإلا لا ينسد باب إثبات الصانع.
سلمنا المقدمتين لكن لم قلتم أن المستعني عن المؤثر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه.
قوله في الوجه الأول: وإلا لكان الشيء مع غيره كهولا مع غيره.
قلنا: لا نسلم وهذا لأنه يجوز أن يحصل بينهما امتيار بوجه آخر لا من حيث رجحان الوجود وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم من المحذور.
قوله في الوجه الثاني: المستغنى عن المؤثر لابد وأن يكون أولى بالوجود وإلا لافتقر إليه.
قلنا: إن عنيت بهذه الأولوية المنتهية إلى حد الوجوب فهو باطل وإلا لزم امتناع العدم على الباقي لأن كل ما وجب وجوده امتنع عدمه لا محالة لكن ذلك باطل فإن الباقي قابل للعدم.
وإن عديت بها: درجة متوسطة بين الاستواء المسمى بالإمكان. وبين
стр. 3674
الوجود الذي هو مانع من النقيض فهذا أيضا باطل؛ لأن مع ذلك القدر من الأولوية إن امتنع النقيض فهو الوجوب وقد فرضنا أنه لم ينته إليه بل هو دونه هذا خلف، وإن لم يمتنع فمع ذلك القدر من الأولوية يصح عليه الوجود تارة، والعدم أخرى، فحصول أحدهما بدلاً عن الأخر، إن لم يتوقف على انضمام أمر آخر إليه لزم الترجيح من غير مرحج؛ لأن نسبة ذلك القدر من الأولوية إلى طرفي الوجود والعدم على السواء فترجح أحدهما على الأخر لا لمرجح ترجيح من غير مرجح وهو ممتنع وإن توقف عليه لزم أن لا يكون الحاصل تبله كافيًا في تحقق الأولوية هذا خلف.
قوله في الوجه الثالث: ما لعدمه طريق واحد يكون راجح الوجود بالنسبة إلى ما يكون لعدمه طريقان.
قلنا: نسلم أن لعدم الحادث طريقين، ولعدم الباقي طريقا واحدًا، لكن لا فسلم أن هذا القدر يقتضى أن يكون الباقي راجحًا في الوجود على الحادث. سلمناه لكنه معارض بوجه آخر وهو [أن مفهوم كونه باقيًا يتوقف] على مفهوم كونه حادثًا؛ ضرورة أنه لا يصدق عليه كونه باقيًا إلا إذا حصل في الزمان الثاني، ولا شك أن حصوله في الزمان الثاني أمر حادث، فإذا لم يكن وجود الحادث راجحًا، لم يكن وجود الباقي أيضًا راجحًا لأن المتوقف على ما لا يكون راجح الوجود لا يكون راجح الوجود [فيلزم أن لا يكون الباقي راجح الوجود].
سلمنا أن الباقي راجح الوجود، لكن لا يحصل له الرجحان ما لم يحصل له الاستغناء عن المؤثر، ولا يحصل له ذلك ما لم يحصل له البقاء وهو إنما
стр. 3675
يحصل له إذا حصل في الزمان الثاني فما لم يعرف وجوده في الزمان الثاني [لا يعرف كونه راجح الوجود، والاستدلال برجحان الوجود على وجوده في الزمان الثاني] دور.
سلمنا رجحان وجود الباقي على الحادث في الوجود الخارجي فلم قلت:
إنه كذلك في الظن أيضًا؟ لابد لهذا من [دليل.
سلمنا أنه في الظن أيضًا كذلك، لكن لا نسلم أن العمل بمطلق الظن واجب؛ وهذا لأنه لو كان، العمل بمطلق الظن واجبا لزم النقض في صورة شهادة العبيد الصالحين، والنساء المحصنات، والفساق الذين يغلب على الظن صدمهم؛ دليل أن شهادتهم تفيد مطلق الظن مع أنه لا يجب العمل بذلك.
سلمنا أنه مغلب للظن لكن بعد ورود الشرع أو قبل وروده؟
الأول ممنوع والثاني مسلم؛ وهذا لأن قبل ورود الشرع قد أمنا التغيير فكان مغلبًا على الظن وأما بعده لم نأمن منه وقد دل الدليل على أصل التغيير بل على الغالب منه فلا يبقى مغلبًا على الظن.
سلمنا صحة ما ذكرتم من الدلالة على المطلوب لكنه معارض بوجوه:
أحدها: أن التمسك بالاستصحاب يقتضى التسوية بين الزمانين في الحكم، فإن كان ذلك لجامع بينهما فهو القياس ولا نزاع فيه، فلا/ (٣٣٦/ أ) يكون الاستصحاب مدركًا آخر حينئذ.
وإن لم يكن ذلك لجامع كان ذلك تسوية بين الزمانين في الحكم من غير
стр. 3676
دليل وهو ممتنع لكونه تحكمًا محضًا وقولاً في الدين من غير دليل.
وثانيها: أنه لو كان الاستصحاب هو الأصل في كل شيء لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث ضرورة أنها واقعة على خلاف الأصل ومخالفة الأصل خلاف الأصل لاسيما إذا كان كثيرًا غالبًا.
وثالثها: أن الإجماع منعقد على أن بينة الإثبات مقدمة على بينة النفي، ولو كان الاستصحاب هو الأصل لكانت بينة النفي مقدمة على الإثبات لاعتضادها بالأصل.
ورابعها: لو كلان الاستصحاب هو الأصل لوجب أن تجزئ عتق العبد الذى غاب وانقطع خبوه عن الكفارة إذ الأصل بقاؤه لكن نص الشافعي- رضى الله عنه- أنه لا يجوز فدل على أنه ليس بأصل.
وخامسها: لو كان الاستصحاب حجة لوجب أن يكون مقدما على خبر الواحد والقياس وكل مدرك ظني من مدارك الشرع؛ لأنه يقيني وكون اليقيني راجحًا على الظن لكنه باطل بالإجماع فوجب أن لا يكون حجة.
وسادسها: أنه لو كان حجة فإما أن يكون حجة شرعية أو عقلية، وهذا الثاني باطل؛ أما أولاً. فلانه لا مجال للعقل عندنا في الأحكام الشرعية؟ وأما ثانيًا: فلأن كل من [يقول بحجيته] فإنما يقول بذلك بتقرير الشارع عليه [فما كان حجة فالقول بحجيته مع أنه حجة عقلية لا شرعية أي من غير تقرير الشارع] قول لم يقل به أحد.
والأول أيضًا باطل؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز نسخه إلا بمقطوع المق كالكتاب والسنة المتواترة لكونه يقينيا لكنه باطل بالإجماع إذ يجوز رفعه بخبو الواحد والكتاب وغيرهما من الأدلة الظنية.
стр. 3677
الجواب عن الأول: الدليل على أن العقلاء وأهل العرف لا يقدمون على الفعل والترك بمجرد الاحتمال والتجويز هو أنهم لا يسافرون إلى حيث لا يغلب فيه السلامة، ولا يتجرون فيما لا يغلب فيه الربح، ولا يقصدون بحاجة من لا يغلب على ظنهم إلا نجاح منه، ولا يزرعون من حيث لا يغلب فيه وجود المطر، وكذا لا يتركون ركوب البحر والاسفار والتجارات بمجرد احتمال الفرق، وقطع الطريق، والمرض الناشئ من جهة السفر والخسارة، ولو كان مجرد الاحتمال كافيًا في الإقدام على الفعل والترك لما كان ذلك.
لا يقال: ذلك فيما فيه مشقة وتعب وغرر في النفس أو المال أما فيما ليس فيه شيء من ذلك فلا نسلم ذلك فيه.
وبعث الكتاب إلى الأهل والمتخلفين والاستخبار منهم من قبيل ما لا ضرر فيه، فلا جرم مجرد الاحتمال كاف فيه؟ لأنا نقول: لشيء حكم الاستصحاب مقصورًا فيما ذكرتم حتى يتجه المنع بل يستصحبون حكم الاصل وإن كان فيه مضرة وتعب وغرر في المال والنفس فإن الإنسان قد يسافر إلى بلد لرؤية أهله وأتاربه لعهده بهم فيها وإن لم يكن له فيها أرب سواه بل ربا يكره الدخول في تلك البلدة وحينئذ لا يتجه ما ذكروه من المنع.
وعن الثاني: أنه يلوم من رجحان الطهارة جواز الصلاة؛ لأنه لو لم يلوم ذلك لزم ترجيح المرجوح على الراجح وأنه ممتنع.
وأيضًا: العمل بالظن الراجح واجب في صور كثيرة فكذا ما نحن فيه تحصيلاً للمصلحة الناشئة من العمل المظنون.
وأما قوله: لو جازت الصلاة مع رجحان ظن الطهارة للزم النقض في صورة النوم والإغماء فممنوع؛ وهذا لأنه لا نسلم وجود ظن الطهارة وإن
стр. 3678
كانت الطهارة متحققة من قبل لأنه وجده سبب ظاهر للحدث فيكون مظنة للحدث فيكون الحكم منوطا به لما عرف في الشرع والعرف تعليق الحكم بمظنته وحينئذ لا يبقى ظن الطهارة قطعًا كما لا يبقى مع ظن الحدث فإن مظنة الحدث [نازلة منزلة الحدث].
وأما قوله: ولزم جواز الصلاة لو ظن الطهارة من استناده إلى الاستصحاب فهو أيضًا ممنوع؛ وهذا لأنه لا يلزم من اعتبار الظن المستند إلى الاستصحاب اعتبار الظن مطلقًا.
سلمناه لكن لا نسلم امتناع اللازم فإن ظن الطهارة والحدث كيف ما كان عندنا.
قوله: البقاء يتوقف على تجدد الامثال.
قلنا: هذا لا يأتي فمما هو باق بنفسه، وأما الذي هو باق بتجدد الأمثال كالأعراض على رأي أهل السنة والجماعة فليس أمثاله كتبدل وجود الشيء بعدمه وبالعكس ضرورة أن الأول معتاد مطرد في كل الأزمان لذلك بخلاف الثاني فلا يعارضه.
قوله: المقدمات التي هي أقل من غيرها تجد تكون نادرة الوجود فلا يلزم أن ما يتوقف عليها غالب الوجود.
كلنا: مسلم لكن ما يتوقف عليه البقاء ليس كذلك؛ ضرورة أنه لا يتوقف. إلا على وجود الزمان المستقبل وهو حاصل قطعًا إلى فناء العالم ومقارنة وجود الشيء أو وجود مثله له وهو أيضًا حاصل بصفة الغلبة فإن بقاء الشيء بالمعنى الذى تقدم غالب قطعًا وتبدل وجود الشيء بالعدم وبالعكس نادر بالنسبة إليه
стр. 3679
والاستقراء يحققه.
قوله: الأغلب من غيره قد لا يكون غالب الوجود.
قلنا. مسلم لكن ما نحن فيه ليس كذلك لما بينا بالاستقراء أنه غالب الوجود.
قوله: ما المعنى من قولك: الباقي مستغن عن المؤثر؟
[قلنا: نعنى به أن الذات الحاصلة في الزمانين أعنى في الزمان الأول والثاني مستغن عن المؤثر]، في نفس فاته في الزمان الثاني [وعند هذا نقول: الذات الحاصلة في الزمانين إن لم يحصل لها في الزمان الثاني] أمر زائد على ما كان حاصلاً لها في الزمان الأول بطل/ (٣٣٧/ أ) قولك: أن كونه باقيًا حادث، وإن حصل لها في الزمان الثاني ما ليس حاصلاً لها في الزمان الأول فهذه الكيفية زائدة على نفس الذات ضرورة أن الذات حاصلة في الزمانين وهذه الكيفية ما كانت حاصلة في الزمان الأول بل حصلت في الزمان الثاني فاحتياجها إلى المؤثر لكونه حادثًا لا يقدح في استغناء الذات الباقية عنه لكونه باقيًا.
قوله: لا نسلم أن الباقي غير مفتقر إلى المؤثر.
قلنا: قد تقدم الدليل.
قوله. المراد من قولنا: الباقي يحتاج إلى المؤثر أن حصوله في الزمان الثاني يحتاج، إلى المؤثر.
قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو كان حصول الشيء في الزمان الثاني كيفية ثبوته.
стр. 3680
زائدة على الذات وهو ممنوع؛ وهذا لأنه لو كان كذلك لكان له حصول في الزمان قطعًا والكلام في حصول ذلك الحصول كالكلام في الأول ولزم التسلسل وهو ممتنع، ولأن العدم يصدق عليه أنه باق ولا معنى للبقاء إلا حصول ما كان حاصلاً في الزمان الأول في الزمان الثاني فلو كان هذا المفهوم ثبوتيا لزم قيام الصفة الثبوتية بالعدم وأنه ممتنع.
سلمناه لكن لا يقدح في الفرض فإنه لا يلزم من احتياج تلك الكيفية إلى المؤثر لكونها حادثة اجتياح الذات الباقية إليه لكونها باقية.
قوله: ما المعنى بتحصيل الحاصل؟
قلنا: المعنى أن الشيء الذى حكم العقل عليه بانه كان حاصلاً قبل حكم عليه بأن حصوله الأن لأجل هذا الشيء، ولا شك في امتناعه فإن لما كان حاصلاً قبل فلو أعطاه هذا المؤثر حصولاً لكان قد حصل نفس ما كان حاصلاً ومحال بالبديهة.
قوله: لم قلت أن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟
قلنا: لأن الذات هي الباقية لا الكيفية المتجددة فلو كانت مستندة في حصول وجودها الذى كلان حاصلاً من قبل إلى المؤثر لزم تحصيل الحاصل بالمعنى المذكور.
قوله: ما ذكرتم معارض بأن الشيء حال بقائه ممكن وكل ممكن فله مؤثر لأن الإمكان علة الحاجة إلى مؤثر.
قلنا: لا نسلم بل الممكن إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط الحدوث.
قوله: الحدوث لا يكون علة، ولا جزء علة، ولا شرطها لكونه متأخرًا.
قلنا: لا نريد به أن كونه حادثًا شرط الاحتياج إلى المؤثر؛ بل نريد به: أن
следующие страницы →