← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

دليل وهو ممتنع لكونه تحكمًا محضًا وقولاً في الدين من غير دليل. وثانيها: أنه لو كان الاستصحاب هو الأصل في كل شيء لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث ضرورة أنها واقعة على خلاف الأصل ومخالفة الأصل خلاف الأصل لاسيما إذا كان كثيرًا غالبًا. وثالثها: أن الإجماع منعقد على أن بينة الإثبات مقدمة على بينة النفي، ولو كان الاستصحاب هو الأصل لكانت بينة النفي مقدمة على الإثبات لاعتضادها بالأصل. ورابعها: لو كلان الاستصحاب هو الأصل لوجب أن تجزئ عتق العبد الذى غاب وانقطع خبوه عن الكفارة إذ الأصل بقاؤه لكن نص الشافعي- رضى الله عنه- أنه لا يجوز فدل على أنه ليس بأصل. وخامسها: لو كان الاستصحاب حجة لوجب أن يكون مقدما على خبر الواحد والقياس وكل مدرك ظني من مدارك الشرع؛ لأنه يقيني وكون اليقيني راجحًا على الظن لكنه باطل بالإجماع فوجب أن لا يكون حجة. وسادسها: أنه لو كان حجة فإما أن يكون حجة شرعية أو عقلية، وهذا الثاني باطل؛ أما أولاً. فلانه لا مجال للعقل عندنا في الأحكام الشرعية؟ وأما ثانيًا: فلأن كل من [يقول بحجيته] فإنما يقول بذلك بتقرير الشارع عليه [فما كان حجة فالقول بحجيته مع أنه حجة عقلية لا شرعية أي من غير تقرير الشارع] قول لم يقل به أحد. والأول أيضًا باطل؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز نسخه إلا بمقطوع المق كالكتاب والسنة المتواترة لكونه يقينيا لكنه باطل بالإجماع إذ يجوز رفعه بخبو الواحد والكتاب وغيرهما من الأدلة الظنية.

стр. 3677

الجواب عن الأول: الدليل على أن العقلاء وأهل العرف لا يقدمون على الفعل والترك بمجرد الاحتمال والتجويز هو أنهم لا يسافرون إلى حيث لا يغلب فيه السلامة، ولا يتجرون فيما لا يغلب فيه الربح، ولا يقصدون بحاجة من لا يغلب على ظنهم إلا نجاح منه، ولا يزرعون من حيث لا يغلب فيه وجود المطر، وكذا لا يتركون ركوب البحر والاسفار والتجارات بمجرد احتمال الفرق، وقطع الطريق، والمرض الناشئ من جهة السفر والخسارة، ولو كان مجرد الاحتمال كافيًا في الإقدام على الفعل والترك لما كان ذلك. لا يقال: ذلك فيما فيه مشقة وتعب وغرر في النفس أو المال أما فيما ليس فيه شيء من ذلك فلا نسلم ذلك فيه. وبعث الكتاب إلى الأهل والمتخلفين والاستخبار منهم من قبيل ما لا ضرر فيه، فلا جرم مجرد الاحتمال كاف فيه؟ لأنا نقول: لشيء حكم الاستصحاب مقصورًا فيما ذكرتم حتى يتجه المنع بل يستصحبون حكم الاصل وإن كان فيه مضرة وتعب وغرر في المال والنفس فإن الإنسان قد يسافر إلى بلد لرؤية أهله وأتاربه لعهده بهم فيها وإن لم يكن له فيها أرب سواه بل ربا يكره الدخول في تلك البلدة وحينئذ لا يتجه ما ذكروه من المنع. وعن الثاني: أنه يلوم من رجحان الطهارة جواز الصلاة؛ لأنه لو لم يلوم ذلك لزم ترجيح المرجوح على الراجح وأنه ممتنع. وأيضًا: العمل بالظن الراجح واجب في صور كثيرة فكذا ما نحن فيه تحصيلاً للمصلحة الناشئة من العمل المظنون. وأما قوله: لو جازت الصلاة مع رجحان ظن الطهارة للزم النقض في صورة النوم والإغماء فممنوع؛ وهذا لأنه لا نسلم وجود ظن الطهارة وإن

стр. 3678

كانت الطهارة متحققة من قبل لأنه وجده سبب ظاهر للحدث فيكون مظنة للحدث فيكون الحكم منوطا به لما عرف في الشرع والعرف تعليق الحكم بمظنته وحينئذ لا يبقى ظن الطهارة قطعًا كما لا يبقى مع ظن الحدث فإن مظنة الحدث [نازلة منزلة الحدث]. وأما قوله: ولزم جواز الصلاة لو ظن الطهارة من استناده إلى الاستصحاب فهو أيضًا ممنوع؛ وهذا لأنه لا يلزم من اعتبار الظن المستند إلى الاستصحاب اعتبار الظن مطلقًا. سلمناه لكن لا نسلم امتناع اللازم فإن ظن الطهارة والحدث كيف ما كان عندنا. قوله: البقاء يتوقف على تجدد الامثال. قلنا: هذا لا يأتي فمما هو باق بنفسه، وأما الذي هو باق بتجدد الأمثال كالأعراض على رأي أهل السنة والجماعة فليس أمثاله كتبدل وجود الشيء بعدمه وبالعكس ضرورة أن الأول معتاد مطرد في كل الأزمان لذلك بخلاف الثاني فلا يعارضه. قوله: المقدمات التي هي أقل من غيرها تجد تكون نادرة الوجود فلا يلزم أن ما يتوقف عليها غالب الوجود. كلنا: مسلم لكن ما يتوقف عليه البقاء ليس كذلك؛ ضرورة أنه لا يتوقف. إلا على وجود الزمان المستقبل وهو حاصل قطعًا إلى فناء العالم ومقارنة وجود الشيء أو وجود مثله له وهو أيضًا حاصل بصفة الغلبة فإن بقاء الشيء بالمعنى الذى تقدم غالب قطعًا وتبدل وجود الشيء بالعدم وبالعكس نادر بالنسبة إليه

стр. 3679

والاستقراء يحققه. قوله: الأغلب من غيره قد لا يكون غالب الوجود. قلنا. مسلم لكن ما نحن فيه ليس كذلك لما بينا بالاستقراء أنه غالب الوجود. قوله: ما المعنى من قولك: الباقي مستغن عن المؤثر؟ [قلنا: نعنى به أن الذات الحاصلة في الزمانين أعنى في الزمان الأول والثاني مستغن عن المؤثر]، في نفس فاته في الزمان الثاني [وعند هذا نقول: الذات الحاصلة في الزمانين إن لم يحصل لها في الزمان الثاني] أمر زائد على ما كان حاصلاً لها في الزمان الأول بطل/ (٣٣٧/ أ) قولك: أن كونه باقيًا حادث، وإن حصل لها في الزمان الثاني ما ليس حاصلاً لها في الزمان الأول فهذه الكيفية زائدة على نفس الذات ضرورة أن الذات حاصلة في الزمانين وهذه الكيفية ما كانت حاصلة في الزمان الأول بل حصلت في الزمان الثاني فاحتياجها إلى المؤثر لكونه حادثًا لا يقدح في استغناء الذات الباقية عنه لكونه باقيًا. قوله: لا نسلم أن الباقي غير مفتقر إلى المؤثر. قلنا: قد تقدم الدليل. قوله. المراد من قولنا: الباقي يحتاج إلى المؤثر أن حصوله في الزمان الثاني يحتاج، إلى المؤثر. قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو كان حصول الشيء في الزمان الثاني كيفية ثبوته.

стр. 3680

زائدة على الذات وهو ممنوع؛ وهذا لأنه لو كان كذلك لكان له حصول في الزمان قطعًا والكلام في حصول ذلك الحصول كالكلام في الأول ولزم التسلسل وهو ممتنع، ولأن العدم يصدق عليه أنه باق ولا معنى للبقاء إلا حصول ما كان حاصلاً في الزمان الأول في الزمان الثاني فلو كان هذا المفهوم ثبوتيا لزم قيام الصفة الثبوتية بالعدم وأنه ممتنع. سلمناه لكن لا يقدح في الفرض فإنه لا يلزم من احتياج تلك الكيفية إلى المؤثر لكونها حادثة اجتياح الذات الباقية إليه لكونها باقية. قوله: ما المعنى بتحصيل الحاصل؟ قلنا: المعنى أن الشيء الذى حكم العقل عليه بانه كان حاصلاً قبل حكم عليه بأن حصوله الأن لأجل هذا الشيء، ولا شك في امتناعه فإن لما كان حاصلاً قبل فلو أعطاه هذا المؤثر حصولاً لكان قد حصل نفس ما كان حاصلاً ومحال بالبديهة. قوله: لم قلت أن إسناد الباقي إلى المؤثر يوجب ذلك؟ قلنا: لأن الذات هي الباقية لا الكيفية المتجددة فلو كانت مستندة في حصول وجودها الذى كلان حاصلاً من قبل إلى المؤثر لزم تحصيل الحاصل بالمعنى المذكور. قوله: ما ذكرتم معارض بأن الشيء حال بقائه ممكن وكل ممكن فله مؤثر لأن الإمكان علة الحاجة إلى مؤثر. قلنا: لا نسلم بل الممكن إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط الحدوث. قوله: الحدوث لا يكون علة، ولا جزء علة، ولا شرطها لكونه متأخرًا. قلنا: لا نريد به أن كونه حادثًا شرط الاحتياج إلى المؤثر؛ بل نريد به: أن

стр. 3681

كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثا شرط لاحتياج الأثر إلى المؤثر، وكونه بهذه الحيثية أمرًا متقدمًا على وجوده وعلى تأثير المؤثر فيه وعلى علة احتياجه. قوله: لم قلت: أن المستغنى عن المؤثر راجح [الوجود]؟ قلنا: لما تقدم من الوجوه. قوله. على الوجه الأول: يجوز أن يحصل بينهما امتيار بوجه آخر من حيث رجحان الوجود. قلنا: لا يحصل الامتياز إلا من حيث الاحتياج والاستغناء فلما كان الاحتياج مستلزمًا لمرجوحية الوجود وجب أن يكون الاستغناء مقتضيًا، لرجحاته فأما الامتياز بوجه آخر فذلك مما لا تعلق له بهذا الباب. قوله على الوجه الثاني: إن عنى بالأولوية درجة متوسطة بين الإمكان والوجوب لزم الترجيح من غير مرجح وهو ممتنع. قلنا: لا نسلم امتناعه مطلقًا؛ بل بشرط الحدوث وهو مفقود فيما نحن فيه فلا يمتنع ذلك فيه. قوله على الوجه الثالث: نسلم أن لعدم الباقي طريقًا واحدًا ولعدم الحادث طريقين لكن لا نسلم أن هذا القدر يوجب رجحان وجود الباقي. قلنا: إنه يوجب الرجحان ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن ما حصل بطريقين يكون أغلب مما يحصل بطريق واحد؛ لأنه يساوى القسم الثاني في الحصول بطريق واحد ويزيد عليه في أنه يحصل بالطويق الأخر، والغلبة مظنة الرجحان فيكون عدم الباقي مرجوحًا بالنسبة. إلى عدم الحادثة فيكون راجح الوجود بالنسبة إليه ضرورة أن أحد النقيضين إذا كان مرجوحًا كان الطوف الآخر راجحًا.

стр. 3682

وثانيهما: أن عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي؛ لأنه يصدق على ما لا نهاية له أنه لم يحدث. وأما عدم الباقي بعد حدوثه فذلك يصدق على ما لا نهاية له ضرورة أنه يستدعى وجود ما لا نهاية له وهو محال، وما يتوقف على المحال فهو محال، فعدم الباقي بعدة وجوده لا يصدق على ما لا نهاية له وإذا كان عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي بعد وجوده والكثرة موجبه للظن: ثبت أن عدم حدوث الحادث غالب على عدم الشيء بعد وجوده، ولا معنى لرجحان وجود الباقي إلا أن عدمه مرجوحا بالنسبة إلى وجوده وهذا يصلح أن يكون دليلا في المسالة ابتداء. قوله: مفهوم كونه باقيا يتوقف على كونه حادثا. قلنا: لا نسلم لأن حصوله في الزمان الثاني ليس أمرًا وجوديًا وإلا لزم التسلسل على ما عرفت ذلك من قبل، وإذا كان كذلك استحال أن يقال: إنه حادث فلا يتوقف مفهوم كونه باقيًا على مفهوم كونه حادثًا. سلمناه لكنه لا يقدح في الغرض وذلك؛ لأن الحدوث مرجوح بالنسبة إلى البقاء على ما تقدم تقريره فالذات إذا كانت حادثة فهناك أمران حادثان أحدهما الذات، والأخر حصول الذات في ذلك الزمان. وأما إذا كانت باقية فالذات غير حادثة وإنما الحادث أمر واحد وهو حصول الذات في ذلك الزمان فإذن الحادث مرجوح من وجهين، والباقي مرجوح من جهة واحدة، وما يكون مرجوحًا من جهة واحدة يكون راجحًا على ما يكون مرجوحًا من جهتين لا محالة. قوله: [لا يعرف كونه راجح الوجود] ما لم يعرف البقاء، والاستدلال بالبقاء على رجحان الوجود دور/ (٣٣٨/ أ).

стр. 3683

قلنا: لا حاجة إلى ذلك؟ بل نقول: هذا الذى وجد الأن لا يمتنع عقلاً أن يوجد في الزمان الثاني، وأن يعدم، لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذى تقدم تقريره فالعلم بوجوده- في الحال- يقتضى اعتقاد رجحان وجوده على عدمه في ثاني الحال. فإذن العلم بالأولوية مستفاد من العلم بوجوده في الحال، وعلى هذا لا يلزم ما ذكرتم من الدور. قوله: سلمنا رجحان الباقي على الحادث في الوجود الخارجي. فلم قلت: إنه كذلك في الوجود الذهني؟. قلنا: لأن الحكم الذهني يجب أن يكون مطابقًا للخارجي وإلا لم يكن معتبرًا لكونه جهلاً. قوله: لم قلت: أن العمل بمطلق الظن واجب؟ قلنا: لما تقدم من الأدلة. قوله: يلزم النقض حينئذ. قلنا: العمل بالظن واجب مطلقا حيث لم يدل دليل شرعي على إلغائه وما من الصور دل الدليل الشرعي على الغائه فلم يلزم النقض. سلمنا النقض لكن وجب المصير إليه جمعًا بين الدليلين. قوله: لا نسلم أنه مغلب للظن بعد ورود الشرع. قلنا: قد بينا أن العمل بمطلق الظن واجب إلا فيما خصه الدليل فسقط ما ذكرتموه. سلمنا أنه لا يجب العمل إلا بما يغلب على الظن بعد ورود الشرع لكنه كذلك لأنه كان مغلبًا للظن [قبل ورود الشرع بدليل أن الغالب عدم التغير

стр. 3684

وبما أن الخصم سلم ذلك فوجب أن يكون مغلبا للظن] بعده لأنه لم يوجد له معارض سوى احتمال التغير لكنه مرجوح وهو لا يقدح في غلبة الظن فإنه لو كان قادحًا في غلبة الظن لزم أن لا تتحقق غلبة الظن إلا حيث لا يوجد الاحتمال المرجوح فكان يلزم أن تكون غلبة الظن علما هذا خلف. قوله: التسوية بين الزمانين إن لم تكن بجامع بينهما كان ذلك تسوية بين الزمانين من غير دليل. قلنا: إن عنيت بالجامع الجامع المعهود في القياس فلا يلزم من عدم ذلك التسوية بين الزمانين من غير دليل؟ إذ لا يلزم من عدم دليل معين عدم الدليل مطلقًا، فإن ما ذكرنا من الدليل هو المقتضى للتسوية وهو ليس بجامع. وإن عنيت به ما يقتضى الجمع بين الشيئين في حكم واحد فلا نسلم أنه يلزم من تحققه تحقق القياسين فإن الأدلة باسرها بهذه المثابة وليس كل دليل بقياس. قوله: لو كان الاستصحاب هو الأصل لزم خلاف الأصل في حدوث جميع الحوادث. قلنا: مخالفة الأصل بدليل لاسيما بالقاطع ليس ببدع. قوله: بينة الإثبات مقدمة على النفي. قلنا: للاطلاع على ما يوجب مخالفة البراعة الأصلية وعدم اطلاع النافية عليه؛ لاحتمال وجود السبب الموجب للمخالفة حالة غيبة النافية إذ يستحيل عادة إحاطة العلم بجميع أحوال المنكر. قوله: لو كان الاستصحاب هو الأصل لجار عتق العبد الذي انقطع خبره.

стр. 3685

قلنا: لا نسلم امتناع اللازم؛ وهذا فإنه يجوز على رأى في المذهب. سلمناه لكن ذلك إنما كان لان شغل الذمة بالكفارة يقين، ووجود العبد ليس بيمين بل الظاهر عدمه لانقطاع الخبر مع تواصل الاخبار والمعارف فينبغي أن لا يخرج عن العهدة. قوله: لو كان الاستصحاب حجة لوجب أن يكون مقدما على القياس وخبر الواحد. قلنا: لا نسلم؛ وهذا لأن الاستصحاب انما يكون يقينيا أن لو قطع بعدم المغير، فأما مع احتماله ووجوده فلا، وما نحن فيه وجد المعارض الظنى فلا يكون إذ ذاك الاستصحاب [وإنما يكون يقينيا أن لو قطع بعدم المغير فأما مع احتماله ووجوده]، قطعيًا وإنما قدم هذا الظني على ذلك الظني لكونه شرعيًا متأخرًا وبه خرج الجواب عن المعارضة الأخيرة. واعلم أن القول بالاستصحاب لا بد منه في أصول الشرع وفروعه وفى الأمور العادية العرفية. أما الأول. فلأن من جملة أصول الشرع القول بالنبوة، بل هي من أعظم أصوله، ولا تثبت النبوة إلا بالمعجزة، ولا معنى لها إلا فعل خارق للعادة ولا يحصل ذلك إلا عند تقرير العادة، ولا معنى للعادة، إلا أن العلم بوقوع الشيء على وجه مخصوص في الحال يقتضى اعتقاد أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه، وهذا عين الاستصحاب وأما في فروع الشرع: فلان العمل بالدليل على حكم من الأحكام إنما هو مبنى على عدم الناسخ والمخصص والمعارض ولا يعلم ذلك بدليل شرعي آخر؛ لأن الكلام في ذلك

стр. 3686

الدليل كالكلام في الأول فيلزم التسلسل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاستصحاب؛ فإن الأصل عدم الناسخ، وعدم المعارض، وعدم المخصص، وكذلك في الدعاوى وسائر أبواب الفقه. وأما في العرف والعادة: فلان أهل العرف إذا عرفوا عادة شخصًا أو بلدة في أمر من الأمور، فإنهم يبنون أمورهم على ذلك فيما يتعلق من الأمور بذلك الشخص أو بتلك البلدة، وكذلك في الأدوية والأغذية، فثبت أن القول بالاستصحاب لابد منه في أصول الشرع وفروعه وفى العرف والعادة.

стр. 3687

المسألة الثالثة في أن النافي هل عليه دليل أم لا ؟ اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون إلى أنه يجب عليه الدليل مطلقًا كما في الاثبات. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب عليه الدليل مطلقًا. وفصل بعضهم بين العقليات والشرعيات فأوجب ذلك في الأول دون الثاني. وأعلم أنه لا يتجه في المسألة خلاف؛ لأنه إن أريد بالنافي: من يدعي العلم أو الظن بالنفي فهذا يجب عليه الدليل؛ لأنه إذا لم يكن النفي معلومًا بالضرورة- إذا الكلام مفروض فيه- إذ الضروريات لا يذكر عليها الدليل بل قد ينبه عليها، فإما أن يكون معلوما بالنظر والاستدلال أو مظنونًا في العلامات والأمارات والا استحال إلى حصول العلم أو الظن، فعلى التقديرين يجب عليه ذكر ذلك كما في/ (٣٣٩/ أ) الإثبات. وإن أريد به: من يدعى عدم علمه أو ظنه فهذا لا دليل عليه؛ لأن من يدعي

стр. 3688

جهله بالشيء غير مطالب بالدليل على جهله، كما لا يطالب به من يدعى أنه لا يجد الماء ولا جوعا ولا حرًا ولا بردًا، ولأن الجاهل بالشيء والشاك فيه لو طولب بالدليل لوجب ذكر الأدلة التي لا نهاية لها ضرورة أن ما جهل لا نهاية له لكن ذلك باطل لكونه غير ممكن؛ لأن علم ما لا نهاية له في حق البشر محال. واحتجوا: بأن من أدعى النبوة، ولم يقم عليها معجزة فإنه يجب إنكار نبوته، فإما أن يقال: إنه يجب على المنكر الدليل على ذلك أو لا يجب، والأول خلاف الاجماع، والثاني هو المطلوب، وكذا القول فيمن نفى وجوب الصلاة السادسة، ووجوب صوم شوال، فثبت أن النافي لا دليل عليه. وجوابه: ما ذكرنا من قبل أن دليله استصحاب العدم "الأصلي وهو وإن كان لا يفيد إلا الظن، لكن لما قطع بعدم الناقل أفاد القطع فيما هو خال عن الدليل. وأيضًا: فإن الأمه مجمعة على أنه لا دليل على المدعى عليه وما ذاك إلا أنه ناف. وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا دليل عليه؛ وهذا لأن بينته نازلة منزلة البينة من جهة المدعى فلم لا يجوز أن يحصل ذلك دليلاً؟ سلمنا أنها ليست دليلاً فلم لا يجوز أن يقال: إن دليله هو البراعة الأصلية واليد. سلمنا أنه لا دليل عليه لكن لا نسلم أن ذلك لكونه نافيا ولم لا يجوز أن

стр. 3689

يكون ذلك النص؟ وهو قوله ﵇: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر". سلمناه لكن ذلك للضرورة؛ إذ لا يمكن إقامة البينة على ذلك، فإن إطلاع الشهود على ذلك متعذر، إذ لا يمكنهم ملازمة الشخص من أول عمره إلى آخره بحيث لا ينفكون عنه ساعة فلا يلزم من ذلك عدم إقامة الدليل حيث لا يتعذر ذلك.

стр. 3690

المسألة الرابعة اختلفوا في أن مذهب الصحابي وقوله هل هو حجة على من بعدهم من التابعين أم لا ؟ وإنما قلنا على من بعدهم؛ لأنه ليس قول: بعضهم على بعض حجة وفاقًا. فذهب الشافعي، وأصحابه، والأشاعرة، والمعتزلة، والإمام

стр. 3691

أحمد بن حنبل في رواية. والكرخي إلى أنه ليس بحجة مطلقًا. وذهب الإمام مالك وكثر الحنفية كالرازي والثوري والشافعي أولاً. والإمام أحمد في رواية وجمع من أصحابه إلى أنه حجة مطلقًا مقدم على القياس. ومنهم من فصل وذكر فيه وجوهًا:- أحدها: أنه حجة أن خالف القياس وإلا فلا. وثانيها: أن قول أبى بكر وعمر حجة دون غيرهما. وثالثها: أن قول الخلفاء الأربعة حجة إذا اتفقوا. وهذا يشبه أن يكون من قبيل الاجماع، وقد سبق في الإجماع.

стр. 3692

وأما الذي يليق بهذا المكان هو ان يكون قول كل واحد منهم حجة، وكذا القول في قول أبي بكر وعمر رضى الله عنهما. احتج الأولون بوجوه:- أحدها: قوله: ﴿فاعتبروا﴾ أمر بالاعتبار، وذلك ينافى جواز التقليد. ولقائل أن يقول: ليس قبول قولهم على وجه التقليد عند القائلين به، بل هو حجة متبعة وإلا لما وجب على المجتهدين الأخذ بقولهم؛ لأنهم ليسوا أهل العقيد، بل هو على سبيل الاخذ بمدرك من مدارك الشرع كالأخذ بالنص والقياس وغيرهما من المدارك، فكما أن الامر بالاعتبار لا ينفى الأخذ بالنص لكون الامر بالاعتبار إنما هو بعد فقدان النص، فكذا في الأخذ بقول الصحابي فإنه أيضًا مقدم على القياس عند القائلين به على ما ذكرناه فلا يكون الأمر بالاعتبار منافيا لحجيته. وثانيها: قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فلو كان الرد- إلى قول الصحابي أو مذهبه مدركا من مدارك الأحكام لذكره وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأن الرد إلى الصحابي ترك للرد إلى الله ورسوله فيكود تركًا للواجب فلم يكن جائزًا فضلاً عن أن يكون واجبًا. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون الرد إلى الصحابي مدركًا من مدارك الشرع أن يذكر عقيبهما كما لم يذكر غيرهما من المدارك عقيبهما، ولا

стр. 3693

نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة حينئذ؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون مذكورًا بطريق آخر وأنه لم تمس الحاجة إليه إذ ذاك. وأما جواب قوله: ولأن الرد إلى الصحابي ترك للرد إلى الله ورسوله فنمنعه؛ وهذا لأن الرد إلى قول الصحابي مشروط عندنا بعدم الوجدان في الكتاب والسنة والرد إليهما إذ ذاك ممتنع فلا يكون الرد إليه متضمنا لترك الرد إليهما. وأيضًا: لما قال الرسول، "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وما يجرى مجراه في الدلالة على وجوب الأخذ بقول الصحابي [كان الرد إلا الصحابي ردًا إلى الرسول فلم يكن الرد إلى الصحابي]، مخالفًا للنص. وثالثها: أن الصحابة أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة، ولم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، ولا كل واحد منهما على صاحبه فيما فيه اختلفا. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه إن عنى بقوله: إنهم أجمعوا على جوار مخالفة بعضهم المجتهدين لبعضهم فهذا مسلم لكنه غير دال على صورة النزاع؛ فإن صورة النزاع أن قولهم ومذهبهم هل هو حجة على من بعدهم من المجتهدين أم لا؟ كما تقدم. وإن عنى به أنهم أجمعوا على جواز مخالفة كل واحد من الصحابة سواء كان المخالف منهم أو من غيرهم فهو ممنوع ولا يمكن ادعاؤه لكونه بهتًا صريحًا.

стр. 3694

ورابعها: أن الصحابي من أهل الاجتهاد/ (٣٤٠/ أ) الذى الخطأ عليه جائزًا وفاقًا، فلا يجب الأخذ بقوله كغيره من المجتهدين، وكما لا يجب على المجتهد من الصحابي الأخذ بقوله وفاقًا. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من عدم وجوب العمل بمذهب غير الصحابي على غير الصحابي، ومن عدم وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي آخر مثله مع تساويهم في الرتبة والفضيلة عدم وجوب العمل على غير الصحابي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما في الرتبة والفضيلة والتأييد للإصابة، والعلم بالناسخ والمنسوخ والمخصص الحالي والمقالي، ومعرفة مقاصد الكلام بسبب سياق الكلام وسباقه، بسبب الشأن والنزول. وخامسها: أن المجتهد من التابعين متمكن من إدراك الحكم بطريقه فوجب أن يحرم عليه التقليد كما في أصول الدين. وهو أيضًا ضعيف؛ لأنا نمنع أن يكون ذلك تقليدًا؛ وهذا لأنه حجة متبعة عندنا واتباع الحجة ليس تقليدًا، فيكون إثبات الحكم به عند عدم الكتاب والسنة إثبات الحكم بطريقه. وسادسها: أن الصحابة اختلفوا في مسائل اختلافًا كثيرًا، وذهب كل واحد منهم إلى خلاف مذهب الأخر كما في مسائل الجد والأخوة، والحرام كما

стр. 3695

تقدم تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة لزم أن تكون حجج الله مختلفة متناقضة فلم يكن اتباع البعض منها أولى من البعض الأخر. وهر أيضًا كنمط ما تقدم، لان تعارض الحجج الشرعية واختلافها ليس ببدع، كأخبار الأحاد، والنصوص الظاهرة، والأقية، وحكمها عند التعارض وعدم الترجيح ما تقدم من الوقف، أو التخيير، على ما تقدم تقريره، فكذا ما نحن فيه. وسابعها: وهو المعتمد في ذلك وهو: أن القول بكونه حجة يستدعى دليلاً عليه، فإن إثبات مدرك [من مدارك] الشرع من غير حجة باطل وناقًا ولا دليل عليه، إذ الأصل عدم الدليل وما ذكر الخصم عليه دليلاً سنبين ضعفه فوجب أن لا يكون حجة. واحتج الخصم بوجوه:- أحدها: قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتهون عن المنكر﴾، وهو خطاب مشافهة فيختص بالصحابة، فما يأمرون به معروف، وما ينهون عنه منكر، والأخذ بالأمر بالمعروف واجب، فيكون الأخذ بقولهم أو بمذهبهم واجبًا. وجوابه: أنه لو اختص بهم فهم إنما يدل على أن إجماعهم حجة لا على أن قول الواحد منهم أو مذهبه حجة. وثانيها: قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم جعل الاهتداء لازمًا للاقتداء بأي واحد كان منهم، وذلك يدل على أنه حجة وإلا لفرق بين المصيب وغير المصيب؛ فإن الاقتداء بغير المصيب ليس اهتداء.

стр. 3696

وجوابه: أنه خطاب مشافهة فيختص بالعوام منهم لما تقدم من أن قول المجتهد منهم ليس حجة على المجتهد الآخر محهم وفاقًا. وإنما لم يفرق بين المصيب وغير المصيب: إما لأن كل مجتهد مصيب، أو لأن فرض العامي الاقتداء بالمجتهد سواء كان مصيبا أو غير مصيب فكان مهتديا بالاقتداء- لأن [كان]، المجتهد مخطئًا في اجتهاده. فإن قلت: فعلى هذا لا يختص هذا الحكم بهم. قلت: نعم من هذا الوجه وتخصيصهم بالذكر في الحكم المذكور لا يدل على نفيه في حق الغير. وأجيب عنه بوجه أخر وهو: أنه وإن كان عامًا في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء في كل ما يقتدى فيه، وعند ذلك فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم ميما يروونه عن النبي ﵇ إذ ليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه. وفيه نظر من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فيعم الاهتداء لعموم الاقتداء إذ لا يمكن الحمل على الرواية إذ الأخذ بالرواية لا يسمى اقتداء. وثالثها: قوله ﵇: "اقتدوا بالذين من بعدي أبى بكر وعمرًا وهذا حجة من يحض الوجوب بمذهبهما. وجوابه. ما سبق.

стр. 3697

ويخصه أن يحتمل أذ يكون أمرأ للائمة وولاة الامر بالاقتداء بسيرتهما في العدل والإنصاف، ورعاية مصالح الخلق. رابعها: الاجماع. وتقريره: أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا- رضى الله عنه- الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين [فلم يقبل وولى عثمان] فقبل ولم ينكر أحد ذلك وكان بمحضر كابر الصحابة فكان إجماعًا. وجوابه: أن ذلك محمول على الاقتداء بهما في سنتهما وسيرتهما في العدل والإنصاف كما تقدم؛ فإن الحمل على مذهبهما وقولهما متعذر لانعقاد الاجماع على أنه ليس بحجة على صحابي أخر مثله في كونه مجتهدًا، ولأن الحمل على المذهب والقول يقتضى تخطئة أحدهما إما على، وإما عثمان؛ لأن اتباع مذهب الصحابي إما واجب أو محرم، ضرورة أنه لا قائل بالفصل، فإن من قال بوجوب اتباعهم قال بالوجوب. ومن لم يقل بذلك قال بالتحريم فإن كان الحق هو الأول فعلى مخطئ بالرد، وأن كان الثاني مخطئ بالقبول، وإذا تعذر الحمل على ذلك أوجب الحمل على ما تقدم فإنه لا يلزم منه هذا المحذور. وخامسها: قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" الحديث وهذا حجة من يقول: إن مذهب الخلفاء الأربعة حجة فقط. وجوابه: ما سبق.

стр. 3698

ويخصه أن السنة هي الطريقة، وهى: عبارة عن الأمر الذى يواظب الانسان عليه فلا يتناول ما يقوله الإنسان مرة أو مرتين، أو فعله مرة أو/ (٣٤١/ أ) مرتين فيكون محمولا على سيرتهم وطريقتهم في العدل والانصاف، لا على مذهبهم وقولهم في المسائل الاجتهادية. وسادسها: أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه كان حجة فكان حجة أيضًا مع عدم الانتشار كقول الرسول- ﵇. وجوابه: أنا لا نسلم حجيته. سلمناه لكن لكونه إجماعا لا لكونه قول صحابي، ولهذا يطرد في أقوال غيرهم من المجتهدين، ثم هو منقوض بأقوال غيرهم من المجتهدين فإنه حجة إذا انتشر ولم يخالف لكونه إجماعا وليس كذلك إذا لم يتشر. وسابعها: أن الصحابي إذا قال قولاً يخالف القياس فلا محمل له إلا أنه اتبع الخبر؟ إذ لا يجوز أن يقول في الدين بالتشهي من غير مستند؛ إذ يقدح ذلك في دينه وعلمه، وحينئذ يجب أن يبهون حجة. وجوابه: لعله قال ذلك لنص ظنه دليلا، مع أنه ليس كذلك في الحقيقة. سلمناه لكنه منتقض بمذهب التابعي ومن بعده فإنه جميع ما ذكروه آت فيه بعينه. وثامنها: أن مذهبه لا يخلو إما أن يكون عن نقل أو اجتهادًا:- فإن كان الأول كان حجة، وإن كان الثاني وجب أيضًا أن يكون حجة؛ لأن اجتهاده راجح على اجتهاد من بعده لترجحه على من بعده بمشاهدة التنزيل، ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه

стр. 3699

غيره، فكان حال التابعي إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي فوجب اتباعه له. وجوابه: الظاهر أنه ليس بناء على النقل وإلا لأظهره كما هو دأبهم فيما ذهبوا إليه لا سيما مع وجود المخالف لهم، ولان عدم إظهارهم ذلك كتم له وهو منهى عنه ومتوعد عليه، قال عليه السلم: "من كعم علما نافعا الجمه الله تعالى بلجام من نار" وهو خلاف ظاهر حال الصحابي. سلمناه لكن جار أن يكون لنص ظنه مع أنه ليس كذلك فلا يلزم به العمل على غيره وحينئذ يلزم أن يكون عن اجتهاده ولا يلزم المجتهد بل لا يجوز أن يتبع اجتهاد الأخر مع احتمال إصابته وخطا الأخر وإن كان الأخر مترجحا عليه بأمور في الجملة. سلمناه لكنه منتقض باجتهاد التابعي بالنسبة إلى من بعده، فإن نسبته إلى من بعده كنسبة الصحابي إليه وفيه نظر بين لما بين النسبتين من التفاوت الظاهر. فرعان الأول: إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع فهل يجوز

стр. 3700

لغيره من المجتهدين تقليده أم لا؟ اختلفوا فيه: وهذا ينبني على أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد أم لا؟ فإن جوزنا ذلك مطلقا فتقليد الصحابي أولى. وإن لم نجوز ذلك ففي جواز تقليد الصحابة خلاف: فالذي نص عليه الشافعي- رضى الله عنه- في الجديد أنه لا يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد عالما آخر وهو المختار عند الجماهير. ونصه في القديم. مختلف، فنص في موضع على جواز تقليد مذهب الصحابي وقوله بشرط انتشاره وعدم مخالفته، ونص في موضع آخر أنه يجوز أن يقلد وإن لم ينتشر. واحتج الجماهير على صحة ما نص عليه في الجديد: بان ما ذكرنا من الدلائل الدالة على عدم جواز تقليد العالم للعالم مطرد في الكل من غير تفصيل فوجب أن لا يجوز تقليدهم كما لا يجوز تقليد غيرهم. فإن قلت: كيف لا نفرق بينهم وبين غيرهم مع ثناء الله تعالى وثناء رسوله عليهم حيث قال: ﴿لقد رضى الله عن المؤمنين﴾ وقال: ﴿والسابقون الأولون﴾ إلى قوله: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ وقوله ﵇. "خير القرون قرني" الحديث، وقوله: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبًا ما

стр. 3701

بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وقوله: "أصحابي كالنجوم" الحديث وغيرها من الآيات والنصوص الدالة على شرفهم وفضلهم. قلت: هذا كله مما يوجب حسن الاعتقاد بهم، وكونهم مرضيين عند الله تعالى، ولا يوجب تقليدهم لا وجوبًا ولا جوازًا بدليل أنه ورد أمثالها أو أظهر منها في الثناء والتعظيم في حق آحاد الصحابة [مع إجماعهم على أنهم لا يتميزون عن بقية الصحابة] بوجوب التقليد أو جوازه. قال ﵇: "لو وزن [إيمان] أبى بكر بالإيمان العالمين لرجح". وقال: "إن الله ضرب بالحق على لسان عمر". وقال له: "والله ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك"

стр. 3702

وقال في حق علي- ﵁ "اللهم أدر الحق معه حيث دار" وغيرها من الأحاديث الدالة على الثناء عليهم وعلى غيرهم من آحاد الصحابة. الفرع الثاني في تفاريع القول القديم وهى متعددة:- أولها: قال الشافعي- رضى الله عنه-: "روى عن على- كرم الله وجهه- أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات، قال: لو ثبت ذلك عنه- رضى الله عنه- لقلت به لأنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه [فعله]. توقيفًا. وهذا إشارة منه أنه يجوز تقليد الصحابي وإن لم ينتشر مذهبه لكن إذا كان مخالفا للقياس. واعترض عليه الشيخ الغزالي- رحمه الله تعالىَ بانه لم يقبل فيه حديثا حتى يتأمل لفظه، ومورده، وقرائنه وفحواه، وما يدل عليه ولم نتعبد إلا

стр. 3703

بقبول خبر يرويه صحابي مكشوفًا يمكن النظر فيه، فما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب مخالف للقياس ويقدرون ذلك حديثا من غير تصريح به. وهو ضعيف؛ لأن القول به لا يستدعى قبول حديث وارد بلفظ من الرسول ﵇، أو بلفظ الراوي حتى يتأتى فيه ما ذكره/ (٣٤٢/ أ) من الأمور؛ لاحتمال أن الصحابي شاهد ذلك ففعله، ثم شوهد ذلك منه فروى فحينئذ لا يلزم ما ذكره. ثم ما ذكره الشافعي- ﵁ إنما هو تفريع على القديم فإذا جاز تقليد مذهب الصحابي وإن لم يكن مخالفا للقياس، فلان جار ذلك عندما يكون مخالفا للقياس بالطريق الأولى. وثانيها: قال الشافعي- رضى الله عنه- في موضع، (قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة). وهذا لعله تفريع على القديم الذى يقتضى وجوب الاخذ بمذهب الصحابي لا القديم الذى يقتضى جواز الأخذ بمذهبه، فلا يحسن إيراد هذا الفرع في هذا الموضع؛ فإن هذا تفريع على أنه ليس بحجة متبعة فكيف يكون حجة متبعة على هذا التقدير؟. واعترض عليه الشيخ الغزالي وقال: (السكوت ليس بقول فأي فرق بين أن ينتشر وبين أن لا ينتشر). قال الأمام: (والعجب من الشيخ الغزالي أنه يتمسك بمثل هذا الإجماع في القطع على أن خبر الواحد حجة، والقياس حجة).

стр. 3704

ولعله إنما قال ذلك؛ لاعتقاده أن حجتيه لو قيل بها فلبس على طريق الإجماع بل بغيره وهو الحق، وإذا كان كذلك فلم يكن لسكوت الغير في حجيته مدخل. وثالثها: نص الشافعي- رضى الله عنه- على أنه إذا اختلف الصحابة فقول الأثمة الأربعة أولى، فإن اختلفوا فقول الشيخين أولما ا)، وذلك للخبرين المذكورين. رابعها: نص في موضع آخر: (أنه يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر، قياسا لكثرة القائلين على كثرة الرواة، وإنما يجب الترجيح بقول الأعلم؛ لأن زيادة علمه تقوى اجتهاده وتبعده عن الإهمال والتقصير والخطأ. وخامسها: اختلف قوله في ترجيح الحكم على الفتوى، أو الفتوى على الحكم عند اختلاف الصحابة في ذلك: فتارة رجح الحكم على الفتوى؛ لأن الاعتناء به أكثر وأشد. وتارة رجح الفتوى على الحكم؛ لأن سكوتهم عن الحكم محمول على الطاعة بخلاف الفتوى فكان السكوت أدلة على الرضا. وسادسها: هل يجوز الترجيح في الأقيسة بقول الصحابي أم لا؟ اختلفوا فيه: والحق أنه في محل الاجتهاد؛ إذ لا يمتنع أن يتعارض ظنيان بناء على القياسين، والصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي ويكون ذلك أغلب على ظنه، ويختلف الحكم باختلاف المجتهدين.

стр. 3705

ومنهم من فصل وقال: إنما يرجح أحد القياسين بقول الصحابي الذى شاهد واقعة أصل القياس دون غيره؛ لأنه حينئذ أدرى بتخصيصه، وتعميمه، وعلة حكمه. وسابعها: إذا حمل الصحابي لفظ الرسول على أحد معنييه: منهم من رجح به مطلقا. ومنهم من قال كالقاضي أبى بكر (أنه ان قال: علمت ذلك، من قصد الرسول لقرينة شاهدتها جار الترجيح به وإلا فلا. المسألة الخامسة في المصالح المرسلة اعلم أن المصالح بالنسبة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: أحدها: ما شهد الشرع باعتباره، وهو حجة وفاقا، وحاصله يرجع إلى القياس، وقد تقدم شرح أقسامه.

стр. 3706

وثانيها: ما شهد ببطلانه، وقد تقدم مثاله في القياس وهذا غير معتبر وغير معمول به وفاقًا. وثالثها: ما لم يشهد له الشرع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المسمى بالمصالح المرسلة. وهو ليس بحجة عندنا وعند الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين. خلافًا لمالك على ما هو المشهور منه، وأنكر بعض أصحابه ذلك منه.

стр. 3707

إذا عرفت هذا فنقول:

стр. 3708

قد عرفت أن المناسبة إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة أو في محل التتمة والزينة. فالمصلحة الواقعة في محل الحاجة والسمة والزينة لا يجوز الحكم بها؛ لأنه يجرى مجرى وضع الشرع بالرأي. وأما الواقعة في محل الضرورة فلا يبعد أن يؤدى اجتهاد مجتهد إلى الحكم بها، ولعل ما نقل عن مالك- ﵀ إن صح- محمول على هذه الصورة لكن بشرط أن تكون قطعية كلية. فالحاصل أن المصالح المرسلة إذا كانت ضرورية، قطعية، كلية، تصلح أن تكون في محل الاجتهاد، لالا فلا. مثاله: الكفار إذا تترسوا بأسارى المسلمين حيث يقطع بتسليط الكفار على المسلمين إذا امتنعوا عن قتالهم فهاهنا هل يجوز قصد التترس أم لا؟ يحتمل أن يقال: أنه لا يجوز؛ لأن تجويزه يقتضى تجويز قتل مسلم من غير ذنب صادر منه، وهو غير معهود من الشارع. ويحتمل أن يقال: بجوازه فإنا لو لم نقصد التترس، وامتنعنا من القتال بسببه لصدمونا، واستولوا على ديار المسلمين، وقتبوا كافة المسلمين وعامة المؤمنين ثم بعد ذلك يقتلون الأسارى: فهذه مصلحة ضرورية؛ فإنه حفظ النفس والمال من المصالح الضرورية، وهى أيضا قطعية الحصول إذ الكلام مفروض فيه، وهى أيضا كلية؛ إذ الكلام مفروض حيث يخاف منه استئصال شأفة المسلمين، ونحن نعلم أن حفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع من حفظ مسلم واحد فعلى هذا لو اختلف صفة من هذه الصفات الثلاث لم يجز الحكم به، فلو تترس الكفار بأسارى المسلمين في قلعة لم يجز قصد التترس؛ لأنه لا ضرورة فبنا غنية عن

стр. 3709

القلعة فنعدل عنها، وكذلك إذا كان جماعة في مخمصة؛ فلو أكلوا واحدًا لنجوا فلا رخصة فيه؛ لأن المصلحة فيه ليست كلية، وكذا إذا كان جماعة في سفينة، ولو طرح واحد منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم، فإنه لا يجوز طرح الواحد في الماء لأنه/ (٣٤٣/ أ) ليس فيه هلاك جميع المسلمين، وكذا إذا لم يقطع باستيلاء الكفار علينا إذا لم نقصد التترس كما إذا قصدناهم وهم في بلادهم وقتالهم إنما هو على طريق الدفع فهنا أيضا لا يجوز قصد التترس لأنا لا نقطع باستيلائهم علينا إذ ذاك. واعلم أن في تخصيص خلاف مالك- رحمه الله تعالى- بهذه الصورة على ما ذكر ذلك بعضهم نظرًا؛ وذلك لأن غير مالك من الشافعية وغيرهم يقولون بجواز قصد الترس في ما ذكر من الصورة فلم يكن له اختصاص بمالك ﵀ والمسألة مشهورة باختصاص خلاف مالك- يرحمه الله تعالى- فلم يجز تنزيله على تلك الصورة المتفق عليها، بل إن صح النقل عنه فهو يجرى على إطلاقه، وتفاريعه تدل عليه.

стр. 3710

احتج من لا يجوز التمسك بالمصالح المرسلة؛ بأن هذا النوع من المصالح لم يعهد من الشرع اعتبارها، ولا إلغاؤها، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر دون شاهد يشهد باعتبارها أو إلغائها فامتنع الاحتجاج بها بدونه. واحتج الخصم: بأن الحكم إن كان مشتملًا على المصلحة الخالصة، أو الراجحة وجب أن يكون مشروعًا [أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فلأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. وإن كان مشتملًا على المفسدة الخالصة أو الراجحة وجب أن لا يكون مشروعًا وتعليله ظاهر. وإن كان خاليًا عنهما، أو كان مشتملًا عليهما على السوية وجب أن لا يكون مشروعًا] أيضًا لأنه عبث لا فائدة فيه. وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة كالمعلوم بالضرورة من دين الأنبياء- ﵈ بعد استقراء أحكام الشرائع، والكتاب والسنة دالان عليه تارة بحسب الصرائح، وتارة بحسب الأحكام المشروعة على وفق ما ذكرنا من المصالح. ولكن قد نجد واقعة لا يشهد لها في الشرع جنسها القريب، وإن كان يشهد لها جنسها البعيد أعني كونها خالص المصلحة أو غالبها، أو خالص المفسدة، أو غالبها، فظهر أنه لا توجد مصلحة، إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، بحسب جنسها البعيد، وهو عموم كونه وصفًا مصلحيًا أو

стр. 3711

مفسديًا، فأما بحسب جنسها القريب فقد يوجد ما يشهد لها وقد لا يوجد وإذا كان كذلك وجب أن يكون حجة بالنص، والإجماع، والمعقول: أما النص فقوله: ﴿فاعتبروا﴾. ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه أمر بالمجاوزة، والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعًا مجاوزة فوجب اندراجه تحت الآية. وثانيهما: أنا إذا عدينا الحكم من الأصل إلى الفرع بمجرد اشتراكهما في أصل المصلحة الجنسية القريبة أو البعيدة فقد حصل بمعنى الاعتبار والمجاوزة فيه فوجب أن يكون مندرجًا تحته. وأما الإجماع، فهو: أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة- علم قطعًا أنهم ما كانوا يراعون إلا تحصيل المصالح، ودفع المفاسد؟ [لعلمهم بأن مقصود الشرائع: إنما هو رعاية المصالح، ودفع المفاسد، وأن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الأمصار في أعصارهم في تجويز الأقيسة، وشرائط الأصل والفرع والعلة] ما كانوا يلتفتون إليها ولا يراعونها، وإذا كان كذلك وجب رعاية المصالح كيف ما كانت لإجماعهم على ذلك من غير اعتبار شهادة الجنس القريب أو النوع. وأما المعقول: فهو أنا إذا علمنا أن المصلحة الخالصة، أو الغالبة معتبرة قطعًا في نص الشارع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مشتمل على المصلحة

стр. 3712

الغالبة، تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا فيحصل ظن أن هذا الحكم مشروع بالنظر إلى مقاصد الشارع والعمل بالظن [واجب؛ للإجماع؛ ولما تقدم آنفًا، ولا نعني بكون المصالح المرسلة حجة سوى هذا. ولا يجاب عنه: بأنه لو كان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الاعتبار لكون الوصاف المصلحية [معتبرة في نظر الشارع لكان عموم كونه وصفًا مصلحيًا يوجب الإلغاء أيضًا لكون الأوصاف المصلحية] ملغاة أيضًا فيلزم أن يكون الوصف الواحد [معتبرًا أو ملغي وهو محال؛ لأنا نمنع أن الأوصاف المصلحية الخالصة أو الغالية]. وجواب هذا المنع يعرف بالتأمل فيستقيم الجواب المذكور. المسألة السادسة في الاستحسان . قال به الحنفية.

стр. 3713

والحنابلة. وأنكره الباقون. روي عن الشافعي- ﵁ أنه قال: "من استحسن فقد شرع" واعلم أنه لا بد وأن يعلم أولًا ما هو المراد من الاستحسان حتى يمكن الاحتجاج عليه ترتيبًا أو تقريرًا فنقول: إن عني به الحكم بما يستحسنه المجتهد بعقله وهواه، وهو المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ الاستحسان، ولهذا فهم المخالفون منه هذا المعنى فهو باطل. أما أولًا: فبإجماع الأمة على عدم جواز الحكم في الشرع بمجرد التشهي واستحسان العقل قبل ظهور المخالف إن فسر المخالف الاستحسان به وإلا فالإجماع حاصل على ذلك إلى هذا الزمان. وأما ثانيًا: فلأن التعبد بالاستحسان بهذا المعنى لو كان واقعًا فأما أن يعلم ذلك بطريق التواتر، إذ لا مجال للعقل في الأمور النقلية لكن ذلك باطل؛ أما الأول: فلأن المنقول بطريق الآحاد لا يفيد إلا الظن- ولا يكتفى به في مثل هذا الأصل، وأيضًا: فلأن متون مدارك الأحكام قطعية كالإجماع والقياس وخبر الواحد فكان يجب أن يكون متنه مقطوعًا به وذلك لا يحصل بنقل الآحاد. وأما الثاني: فلأنه لو كان ورود التعبد به منقولًا بالتواتر لعرفه/ (٣٤٤/ أ) كل أحد، ولارتفع الخلاف فيه، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.

стр. 3714

وأما ثالثًا: فلأن شرعية ذلك- يخل بمقصود التكاليف وهو تحصيل المصالح، أو دفع المفاسد؛ فإن ما يكون بمجرد التشهي لا يجب أن يكون كذلك. وإن عنى به غيره فلا بد من ذكره لينظر فيه. وقد ذكر فيه وجوه: أحدهما: أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه لعدم مساعدة العبارة. والكلام عليه أن يقال: إن أدلة الشرع كلها مما يمكن التعبير عنها، إما بلفظ مفرد يخصه، أو بمركب، وكيف لا وكل واحد منهما مما تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فالظاهر أنه وضع له لفظ وإن كان بطريق النقل لما عرفت في اللغات. سلمنا أنه ليس له لفظ يعبر عنه بطريق الحقيقة لكن يمكن التعبير عنه على سبيل التجوز؛ إذ لا بد له من نسبة- ومناسبة خاصة مشتركة بينه وبين غيره مما له لفظ يدل عليه فحينئذ يمكن التعبير عنه. سلمناه لكن إن قطع بكونه دليلًا جاز التمسك به وفاقًا وإن لم يمكنه التعبير عنه وإن لم يقطع بذلك بل تردد فيه بخيال أو وهم لم يجز التمسك به وفاقًا فلم يتحقق استحسان مختلف فيه. وأيضًا هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه، وذلك ليس أمرًا آيلًا إلى ما يقدح في كونه دليلًا فكان التمسك به جائزًا وفاقًا، فعلى هذا يكون النزاع آيلًا إلى التسمية ولا حاصل له.

стр. 3715

وثانيها: أنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. وهذا لا خلاف فيه فلا يجوز تفسير الاستحسان المختلف فيه به. ثم إنه غير جامع فإنهم نصوا على أن الرجل إذا قال: مالي صدقة، أنه يلزمه التصدق بكل ماله من جهة القياس، لكن الاستحسان يقتضي تخصيصه بمال الزكاة لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فهذا استحسان عندهم مع أنه ليس عدولًا عن قياس إلى قياس أقوى منه بل هو عدول عن موجب القياس إلى موجب النص. ونحوه استحسانهم عدم وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا، فإن القياس يقتضي وجوب القضاء وحصول الإفطار، لكن ترك العمل به واستحسنوا عدم وجوب القضاء وعدم حصول الإفطار للحديث. وثالثهما: أنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه وحاصله راجع إلى تخصيص العلة وقد عرف ما فيه من الخلاف. وأيضًا في قوله: بدليل هو أقوى منه نظرًا؛ وذلك لأن تخصيص العلة يثبت بتوقيف اقتضاء العلة للحكم على حصول شرط أو عدم مانع مع أن دليلها لا يجب أن يكون
следующие страницы →