Полный текст (3 770 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
"الفصل الخامس"
في المكروه وما يتعلق به من المسائل
стр. 597
الفصل الخامس
في المكروه وما يتعلق به من المسائل
المسألة الأولى
في معناه
وهو مأخوذ من الكراهة، والكراهية وهي في اللغة: ضد الإرادة.
وإطلاقه على المعاني الشرعية- على ما سيأتيك بيانه- إن شاء الله تعالى- أيضا بهذا الاعتبار، إذ الشارع لم يرد من المكلف تلبسه بتلك المعاني بل كره.
وأما في الشرع: فيطلق بالاشتراك على ما يقابل المندوب، وهو: الذي يكون تركه راجحا على فعله، لنهي ورد في فعله، وإن / (١٠٠/أ) كان فعله جائزا، فيكون النهي نهي تنزيه لا تحريم
стр. 598
فعلى هذا حده: على ضد ما قلنا في المندوب.
وعلى ما نهى عنه نهي تحريم، وحده على هذا: حد المحظور.
وعلى ترك ما فعله أولى، وإن لم يرد النهي في تركه.
وحده على هذا: ترك الأولى.
وإطلاق المكروه على هذا المعنى قليل، وربما يستنكر [استعماله فيه، أو يستنكر] أن يقال: لمن لم يستوعب الأوقات بالعبادات مع اشتغاله بالمباح فيها أنه متلبس بالمكروه.
стр. 599
وعلى ما في القلب من حزازة وتردد، إن كان الأغلب على الظن حله وجوازه، كما في جواز نكاح البنت المخلوقة من ماء الزنا للزاني، وكما في متروك التسمية عمدا.
وحده على هذا: بأنه الذي فيه شبهة وتردد.
وضعف، بأن حاصله يرجع إلى أن المكروه هو ما اختلف في حظره، وهو قد لا يكون مكروها، بل إما أن يكون محظورا، أو يكون واجبا، كإتمام الصلاة المفروضة التي شرع المكلف فيها في آخر الوقت، وتكلم فيها ناسيا، فإنه عند البعض واجب، وعند البعض محظور، وليس هو بمكروه عند أحد، وأيضا فإن الكراهة قد ثبتت اتفاقا، ولم يختلف في جوازه، كالصلاة في الحمام وقارعة الطريق.
стр. 600
المسألة الثانية
في أن المكروه الذي هو ضد المندوب، هل هو منهي عنه أم [لا] ؟
فمن قال: النهي للتحريم، فليس هو بمنهي عنه عنده.
ومن قال: إنه للتنزيه، أو للقدر المشترك بينه وبين التحريم، أو هو مشترك بينهما، فهو منهي عنه عنده.
المسألة الثالثة
في المكروه، هل هو من التكليف أم لا ؟
والاختلاف كما في المندوب والحجاج عليه من الجانبين كما سبق.
стр. 601
المسألة الرابعة
في أن المكروه، هل هو قبيح أم لا ؟
الكلام فيه، كما في النهي.
إن قلنا: بأن القبيح مرادف للمنهي عنه، أو يفسر بما يؤول إليه، وإلا فإن فسر بما يتفرع عنه الطبع، أو بصفة النقص، فلا يخفى عليك أن ذلك يختلف باختلاف الطباع، والأفعال، فلا يلزم أن يكون كل مكروه قبيحا.
التقسيم الثاني:
الحكم قد يوصف بالصحة والإجزاء، والبطلان والفساد، وكل واحد منها، يطلق تارة في العبادات، وأخرى في المعاملات.
أما العبادات:
فالمتكلمون: يريدون بكون العبادة مجزئة أو صحيحة: إنها موافقة لأمر الشرع، وجب القضاء أو لم يجب.
стр. 602
والفقهاء: يريدون بهما، كون تلك العبادة، بحيث تسقط القضاء.
وليس المعنى منه أنه وجب القضاء، ثم سقط بتلك العبادة، فإن ذلك باطل وفاقا.
أما على رأي من يرى أن القضاء، إنما يجب بأمر جديد فظاهر.
وأما على رأي من يرى وجه / (١٠٠/ب) بالأمر السابق فكذلك، لأنه إنما يقول: بوجوب القضاء عند فوات الفعل عن وقته، أما قبل الفوات فليس القضاء واجبا عند أحد حتى تكون العبادة المؤداة في الوقت مسقطة للقضاء، بل معناه: أنه يسقط قضاء ما انعقد سبب وجوبه، وهو وجوب أصل الفعل.
وإن قلنا: إن القضاء بأمر جديد، إذ يعلل وجوبه باستدراك مصلحة الفائت، وأنه آية السببية، ولهذا لو ورد الأمر بتلك العبادة ابتداء لا يسمى قضاء.
والبطلان والفساد.
стр. 603
يقابلانهما على التفسيرين، فعلى هذا صلاة من ظن أنه متطهر، ثم "تبين" أنه ليس كذلك صحيحة عند المتكلمين، لأنها موافقة لأمر الشرع. باطلة عند الفقهاء، لأنها لا يسقط القضاء بها.
ثم الإجزاء يفارق الصحة، في إنه إنما يوصف الفعل به إذا أمكن وقوعه مرة، بحيث يترتب عليه حكمه، [وتارة بحيث لا يترتب عليه حكمه] كالصوم والصلاة، وأما "الذي" لا يقع إلا على جهة واحدة كمعرفة الله، ورد الوديعة فلا يوصف به.
стр. 604
واستدل المتكلمون على فساد قول الفقهاء بوجوه:
احدها: أن القضاء إنما يجب بأمر جديد، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذلك يدل على بطلان تفسير الإجزاء: بسقوط القضاء.
وبيانه: أن المكلف إذا أتى الفعل مع نوع [من] الخلل مع العلم به، ولم يعده حتى خرج الوقت، ولم يرد أمر جديد فهاهنا حينئذ يسقط القضاء عنه بالمعنى المذكور مع أن الفعل ما كان مجزئا وفاقا.
وثانيهما: أن المكلف إذا فعل الفعل كذلك، ثم مات عقبيه، فهاهنا أيضا يسقط القضاء، مع أن الفعل ما كان مجزئا.
وثالثها: أنا نعلل وجوب القضاء بعدم الإجزاء، والعلة غير المعلول فوجب القضاء عند عدم الإجزاء، وذلك يدل على أن سقوط القضاء غير الإجزاء، لأن التغاير بين العدمين يوجب التغاير بين الوجودين.
وهذه الوجوه بأسرها ضعيفة، غير واردة على ما فسرنا الإجزاء بالفعل الذي يسقط القضاء.
أما الأول: فلأن سقوط القضاء بالمعنى المذكور فيما إذا لم يرد أحد أمر جديد ليس بذلك الفعل المأتي به بنوع من أنواع الخلل، بل بعدم ورود الأمر بالقضاء
стр. 605
والشيء قد ينتفي بانتفاء شرطه، كما ينتفي بانتفاء مقتضيه.
وكذا القول في الصورة الثانية: فإن سقوط القضاء / (١٠١/أ) بالموت لا بالفعل، وأما الثالث: فعنه جوابان:
أحدهما: أنا لا نسلم أن وجوب القضاء معلل بعدم الإجزاء، بل باستدراك مصلحة ما فات عن وقته من العبادة الواجبة، أما ما انعقد سبب وجوبها، ولم يجب بفقد شرط من شرائطه أو لوجود مانع منه.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا صحة تعليل وجوب القضاء بعدم الأجر لكن المغايرة بين الإجزاء وبين سقوط القضاء حاصلة، ونحن لا نقول الإجزاء: عبارة عن "سقوط القضاء حتى يكون ذلك واردا علينا بل نقول الإجزاء عبارة". عن الفعل الذي يسقط القضاء ولا خفاء أن الفعل الذي يسقط القضاء غير سقوط القضاء.
واعلم: أن هذه الأدلة الثلاثة، إنما تدل على فساد تفسير من فسر الإجزاء بنفس سقوط القضاء، وهذه العبارة وإن وقعت في كلام بعضهم، لكن ليس المراد منها ظاهرها، بل ما ذكرناه- وحينئذ- لا يكون لها دلالة على فساده.
стр. 606
وأما في المعاملات: فالمراد من كون العقد صحيحا: أن يترتب عليه ثمراته المطلوبة منه، والمراد من كونه باطلا: أن لا يترتب عليه ذلك والفاسد مرادف للباطل عندنا.
والحنفية خصصوا الباطل: بما لا ينعقد بأصله لخلل في ماهية المعقود عليه كبيع الحر والميتة والدم.
والفاسد بما ينعقد بأصله دون وصفه، كعقد الربا فإنه مشروع من حيث إنه مبادلة مال بمال، وممنوع من حيث إنه مشتمل على الزيادة.
والبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض
стр. 607
ونحن ننازعهم في تخصيص الفاسد بهذا القسم لو ثبت، وإنما ننازعهم في ثبوته، وهذا لأن كل ممنوع بوصفه بأصله عندنا على ما نبينه في النواهي- إن شاء الله تعالى.
ولقائل أن يقول: ما المراد من قولهم: "أن يترتب" عليه ثمراته المطلوبة منه، أكل ثمراته أم بعضها؟.
فإن كان الأول: فالحد غير جامع، لأن العقد صحيح في مواضع عديدة مع أنه لا يترتب عليه كل ثمراته، كما إذا اشترى ولم يقبض، فإن العقد صحيح، ولم يترتب عليه كل ثمراته.
وكذلك البيع في زمن الخيار صحيح، مع أنه لا يترتب عليه كل ثمراته المطلوبة معه. وكذا إذا باع الدار المكراة.
стр. 608
والعبد الجاني، إن قلنا: إن بيعها صحيح.
وإن كان الثاني: فإما أن يكون ذلك البعض معينا، أو غير معين، أي: بعض كان.
والأول: باطل.
أما أولا: فبالاتفاق.
وأما ثانيا: فلأنه ليس في اللفظ ما يشعر به ولا في العقل ما يدل عليه، فالتعريف به تعريف / (١٠١/ب) بالمجهول وهو باطل.
وإن كان الثاني: فالحد غير مانع، لأن العقد الفاسد قد يترتب عليه بعض ثمراته المطلوبة منه، كالقراض الفاسد، والوكالة الفاسدة، فإن العامل، والوكيل يستفيدان به التصرف في المال، وما وكل فيه، وهو بعض
стр. 609
ثمراتهما.
ويمكن أن يجاب عنه فيقال: المراد منه، أن يترتب "عليه" كل ثمراته إلا ما يتوقف على حصول شرط وزوال مانع، بحيث إنه لو حصل الشرط أو زال المانع حصل ذلك الحكم، وما ذكرتم من الصور إنما لم يترتب عليه كل ثمراته لوجود المانع منه، ولهذا إذا زالت موانع تلك الأحكام الغير المترتبة ترتبت أيضا.
ولا يرد عليه العقود الفاسدة بانضمام الشرائط الفاسدة، فإنها وإن كانت بحيث يترتب عليها ثمراتها لولا تلك الشرائط الفاسدة لكنها ليست بهذه المثابة بعد وجودها، فإن زوالها عنها غير ممكن، ولهذا لم ينقلب صحيحا بالحذف.
ومنهم من قال: المراد منه كون العقد صحيحا أن يكون مستجمعا لجميع أركانه وشرائطه.
والمراد من كونه فاسدا: أن لا يكون كذلك.
وزعم: أنه أولى من الأول: لكونه مناسبا للمعنى اللغوي.
وبيانه: أن الصحة في اللغة: ضد السقم، والصحيح من الحيوان ما
стр. 610
هو على الحالة الطبيعية، التي هي أكمل الأحوال له.
والفساد في اللغة: هو الخروج عن الحالة الطبيعية، يقال: فسد الطعام والهواء، والمزاج، إذا خرج كل واحد منها عن الحالة الطبيعية التي هي له، فالعقود المستجمعة لأركانها وشرائطها، إنما سميت صحيحة بما أنها على أكمل أحوالها، وأنها على الحالة الطبيعية التي اعتبرها الشارع لها، والتي لا تكون كذلك إنما سميت فاسدة. بما أنها خارجة عن أكمل الأحوال، وأنها ليست على الحالة الطبيعية التي اعتبرها الشارع بها، وهذا أيضا سديد.
فلو قيل: العبادة صحيحة بهذا المعنى كان أولى مما تقدم، لتناوله لها وللمعاملات باعتبار واحد.
لكن الصحة: بهذا التفسير أخص منها فيها بتفسير الفقهاء على رأينا ورأي الجماهير، وهو أن الاتيان بالمأمور به، يقتضي الإجزاء بمعنى سقوط القضاء.
لأن العبادة: إذا رأيت بأركانها وشرائطها سقط قضاؤها قطعا، إذ هو لاستدراك مصلحة العبادة الفائتة، فحيث لم تكن العبادة الفائتة لم يكن القضاء مشروعا، وليس أنه إذا سقط القضاء بالفعل وجب أن يكون ذلك الفعل مفعولا بأركانه وشرائطه.
ألا ترى أن من صلى إلى غير جهة / (١٠٢/أ) القبلة بالاجتهاد، ثم تبين
стр. 611
له جهة القبلة، فإنه يسقط القضاء عنه بتلك الصلاة، على رأي مع أنها ما كانت مشتملة على شرائطها في نفس الأمر.
وكذلك من صلى عاريا بالركوع والسجود، فإنه يسقط عنه القضاء على الرأي الأظهر، مع عدم اشتمالها على شرائطها. [سقط قضاؤها قطعا، إذ هو لاستدراك مصلحة العبادة الفائتة، فحيث لم تكن العبادة فائتة لم يكن القضاء مشروعا، وليس أنه إذا سقط القضاء بالفعل وجب أن يكون ذلك الفعل مفعولا بأركانه وشرائطه].
стр. 612
وكذا الأسير إذا اجتهد وصام شهرا قبل رمضان، فإنه يسقط القضاء عنه أيضا على رأي، وإن لم يكن مشتملا على شرائطه إذ شرط العبادة أن تكون مؤداة في الوقت، أو بعده.
وأما على رأي من يرى أن الإتيان بالمأمور به، لا يقتضي الإجزاء: بمعنى سقوط القضاء فبين التفسيرين عموم وخصوص من وجه دون وجه.
ومنهم: من فسر صحة الفعل، بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه.
وزيف: بأن البيع في زمن الخيار صحيح بالإجماع، مع أنه لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بالمعقود عليه، بتقدير الفسخ قبل انقضاء مدة الخيار، لاسيما إذا كان الخيار للبائع وحده، وفي هذا التعريف نظر لا يخفى على المتأمل.
التقسيم الثالث:
قد عرفت أن الخطاب، كما يرد بالاقتضاء، والتخيير، فكذا يرد بالحكم
стр. 613
الوضعي: ككون الشيء سببا، وشرطا، ومانعا، فعلى هذا- فلله تعالى- في كل واقعة: رتب الحكم فيها على وصف، أو حكمة، إن جوزنا التعليل بها: حكمان:
أحدهما: نفس الحكم المرتب على الوصف.
وثانيهما: سببية ذلك الوصف.
والمغايرة بينهما ظاهرة، إذ صحة القياس في الأول: متفق عليها بين القائسين، وفي الثاني: مختلف فيها
، والمتفق عليه غير المختلف فيه، وأيضا فإن نفس الحكم: قد يثبت بدون السببية.
والمسببة: قد ثبتت بدون الحكم كما في صورة المانع.
واحترزنا بقولنا: رتب الحكم فيها على وصف أو حكمة. عن الأحكام المرسلة الغير المضافة إلى الأوصاف، وعن الأحكام التعبدية التي لا يعقل معناها.
ثم ليس المراد من كون السبب موجبا [للحكم]، كونه كذلك لذات أو
стр. 614
لصفة ذاتية، بل المراد منه: إما المعروف وعليه الأكثرون، أو الموجب لا لذاته ولا لصفة ذاتية، ولكن يجعل الشارع إياه موجبا.
وهو اختيار الشيخ الغزالي ﵀.
والمغايرة بين المعنيين واضحة، إذ لا داعي لوجوب تعليل أفعاله تعالى وقد حاول الإمام: تزييف ما اختاره الغزالي ﵀ بوجوه:
أحدها: أن حكم الله عندنا كلامه، وكلامه قديم، وسائر ما يذكر من الأسباب، كالبيع للملك، والنكاح لحل الوطء محدثة والقديم لا يعلل بالمحدث.
وهو / (١٠٢/ب) ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن المعنى من جعل الشارع إياه موجبا هو قوله في الأزل: إني جعلت البيع المستجمع لشرائطه حين وجوده سببا للملك، وهذا لأن المسببية
стр. 615
حكم شرعي، وهو قديم فيكون آيلا إلى الخطاب، وهذا المفهوم قديم، ولا يلزم من حدوث البيع أن يكون موجبيته التي هي صفة بالمعنى المذكور حادثة، كما لا يلزم من حدوث أفعال المكلفين، أن يكون الحل والحرمة والكراهة حادثة، مع أنها في [الظاهر] من صفات أفعالهم، فلا يلزم من تعليل الأحكام بالأسباب تعليل القديم بالمحدث، بلى يلزم منه تعليل القديم بالقدم، لكن ذلك جائز بالاتفاق، "كما هو في الظاهر صفاته ، كما هو مذهب مثبتي الأحوال، أو بذاته ، كما هو مذهب نفاة الصفات.
وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن السبب حادث، لكن المراد من تعليل الحكم بالسبب كونه متعلقا به، وهذا التعليق حادث، إذ هو مفتقر إلى حصول
стр. 616
السبب الحادث، والمفتقر إلى الحادث حادث، فيكون هذا التعلق حادثا، فلا يلزم من تعليله بالسبب، تعليل القديم بالحادث.
وثانيها: الشارع لما جعل الزنا مؤثرا في وجوب الحد مثلا إن تعينت حقيقته، كما كانت قبله لم يكن مؤثرا فيه كما قبله، وإن لم يبق حقيقة كان ذلك إعداما لتلك الحقيقة، والشيء بعد عدمه لا يؤثر.
وهو أيضا ضعيف.
أما قوله في القسم الأول: إن بقيت حقيقته كما كانت لم يكن مؤثرا فيه كما قبله [وإن لم تبق حقيقته كان ذلك إعداما لتلك الحقيقة، كما كانت لم تكن مؤثرا فيه، كما قبله] فغير لازم لجواز طريان وصف المؤثرية علة مع بقاء الحقيقة وليست مؤثرية المؤثر داخلة في الماهية حتى يقال: إنه يلزم حينئذ خلاف المفروض لما عرف فساده في علم آخر.
وأما قوله في القسم الثاني: إن لم تبق حقيقته كان ذلك إعداما لتلك الحقيقة والمعدوم لا يؤثر.
قلنا: نسلم ذلك، لكن نحن لا نقول: إن تلك الماهية بعدم العدم تؤثر حتى أن ما ذكرتموه يكون واردا علينا.
بل نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن تلك الماهية بعد الجعل انعدمت لا بالكلية، بل بمعنى أنه نطلب خصوصيتها، وحصلت هناك خصوصية أخرى مسمى أيضا بالزنا يؤثر في وجوب الحد. فهذا احتمال لابد من
стр. 617
إبطاله.
ثم الذي يصحح هذا الاحتمال، أن الأسامي الدالة على الأسباب الشرعية كالبيع والنكاح والهبة وأمثالها، إما حقائق شرعية أو مجازات لغوية على اختلاف فيها، وعلى التقديرين يجب أن يكون مدلولات هذه الألفاظ بحسب الشرع / (١٠٣/أ) مخالفو في الماهية لمدلولاتها بحسب اللغة، وهذا لأنه اعتبر من الأركان والشرائط في مدلولاتها بحسب الشرع ما ليس في مدلولاتها بحسب اللغة، وذلك يقتضي تغاير الخصوصيتين.
وثالثها: الشرع إذا جعل الزنا مثلا مؤثرا في وجوب الحد، فعند الجعل إن لم يصدر عنه أمر ألبتة استحال أن يقال: إنه جعله علة للحكم، لأنه حينئذ يكون كذبا، وإن صدر عنه أمر فذلك إن كان هو الحكم نفسه كان المؤثر فيه هو الشرع لا السبب، وإن كان ما يوجبه كان المؤثر فيه وصفا حقيقيا، وهو قول المعتزلة، وسنبطله، وإن كان غيرهما كان أمرا أجنبيا لا تعلق له بالحكم.
وهو أيضا ضعيف. لأنا نمنع أن يكون المؤثر وصفا حقيقيا، بتقدير أن يكون الصادر من الشارع ما يوجب الحكم، وهذا لأنه يجوز أن يكون وصفا اعتباريا وهو بحسبه يؤثر في الحكم.
سلمنا: أنه وصف حقيقي، لكن لم ظننتم أنه قول المعتزلة: الذي سيظهر
стр. 618
بطلانه في التحسين والتقبيح، بل هو غيره، وهذا لأن الذي يقوله المعتزلة: هو أن الشيء إنما يحسن أو يقبح لاشتماله على وصف حقيقي، قبل ورود الشرع يوجب كونه كذلك، ولولاه لما ورد الشرع بحسن شيء وقبحه وإلا لكان ذلك ترجيحا من غير مرجح.
فالحاصل أن الذي يقوله المعتزلة: إن الوصف الحقيقي الموجب للحكم حاصل قبل الشرع في محل الحكم وإنه لذاته يوجب الحكم لا بجعل الشارع، لكن العقل قد يستقل بمعرفته تارة فيجب العمل بمقتضاه، وإن لم يرد الشرع به، وتارة لا يستقل بمعرفته فيتوقف وجوب العمل بمقتضاه على ورود الشرع به، وهو بعرفنا اشتماله على ذلك الوصف.
والشيخ الغزالي لا يقول: بشيء من ذلك، بل لو قال بأن الوصف الحقيقي مؤثر في الحكم.
فإنما يقول: إنه إنما يؤثر بجعل الشارع لا لذاته، وأنه ما كان مقتضيا للحكم قبله، وأنه لا يمكن أن يستقل العقل بمعرفته اقتضائه الحكم، فلا يلزم من بطلان ما قالوه: بطلان ما قاله.
سلمنا: أن القول بكون الوصف الحقيقي موجب للحكم باطل على الإطلاق، لكن لا نسلم أن الصادر من الشارع عند الجعل إذا كان غير الحكم وغير الوصف الحقيقي الذي يوجبه كان الصادر منه أمرا أجنبيا لا تعلق له بالحكم، ولم لا يجوز أن يكون الصادر منه المؤثرية؟ وهي ليست نفس الحكم ونفس الوصف الحقيقي ولها تعلق بالحكم.
стр. 619
ثم اعلم: أن السبب في اللغة: عبارة عام يحصل المقصود عنده لا به، لأنه يطلق في اللغة: على الطريق، والحبل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك / (١٠٣/ب) بينهما دفعا للاشتراك والمجاز.
وهو ما ذكرناه، لأن الوصول بالسير لا بالطريق لكن يحصل عنده، وكذا نزع الماء بالاستقاء لا بالحبل لكن يحصل عنده.
والمسبب الشرعي: إنما سمي بذلك، لأنه يحصل الحكم عنده لا به.
وهذا ظاهر عند من يفسره بالمعرف، إذ لا يجوز أن يكون في الواقعة حكم مكلف به ولا ينصب عليه علامة لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، فهو إذن مشروع عند المعرف.
стр. 620
وأما من يفسره بالموجب لكن يجعل الشارع إياه كذلك، فكذلك لأن الموجب للحكم بالحقيقة هو الشارع وإنما نصب السبب للحكم ليستدل به على الحكم حيث يعسر الوقوف على خطاب الله تعالى لاسيما بعد انقطاع الوحي كالعلامة فشابه ما يحصل الحكم عنده لا به فسمي باسمه.
ثم السبب: ينقسم إلى ما يتكرر الحكم بتكرره: كالدلوك للصلاة، ورؤية هلال رمضان، لوجوب صومه، وكالنصاب للزكاة، بدليل الإضافة إليه، وتضاعفها عند تضاعف النصب في حول واحد، وإنما
стр. 621
جعل النصاب سبباً دون الحول، مع أنها تتكرر بتكرره عند اتحاد النصاب، لأن اعتباره صفة المال التي باعتبارها يصير المال نصابا، وهي النماء، إذ الحول في الغالب مظنة حصول النماء فأقيم مقامه يكون المال المخصوص معدا للنماء بأحد الاعدادين، وهو السبب للزكاة وهو المسمى بالنصاب، وهذا المعنى متكرر بتكرر الحول، لأن ما أعد للنماء لما مضى من الحول، غير ما أعد لما يأتي منه.
وإلى ما لا يتكرر بتكرره: كوجوب معرفة الله تعالى عند تكرر الأدلة الدالة على وجوده وتوحيده، وكوجوب الحج عند تكرر الاستطاعة عند من يجعلها سببا، أما من يجعل البيت سببا بدليل الإضافة إليه في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية. وفي غيره من الاستعمالات فنقول: إنما لا يتكرر الوجوب، لأن السبب لا يتصور فيه التكرر.
تنبيه:
اعلم أنا إذا حكمنا على الوصف أو الحكمة بكونه سببا، فليس المراد منه:
стр. 622
أنه كذلك في مورد النص سواء فسرناه "بالموجب" أو "بالمعرف، لأن سببيته مستفادة من الحكم فيه، فلو كان الحكم فيه مستفاد من السببيىة لزم الدور، بل المراد منه: أنه سبب في غيره، ومن هذا تعرف أن سببية المسبب، وإن كانت حكما شرعيا فليست مستفادة من سبب آخر، لأنه حينئذ يلزم إما الدور، وإما التسلسل، وهما ممتنعان، بل هي مستفادة من النص أو من المناسبة مع الاقتران.
وأما المانع:
стр. 623
فهو منقسم إلى مانع / (١٠٤/أ) الحكم- ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى في القياس- وإلى مانع السبب: وهو كل وصف وجودي مخل وجوده بحكمة السبب التي لأجلها يقتضي السبب المسبب. كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب.
إذا قلنا: بأنه يمنع الوجوب. وكحيلولة النصاب بالغصب والإباق، فإنها تمنع من انعقاد النصاب سببا للوجوب على الأظهر.
стр. 624
وأما الشرط، فهو ما يقتضي عدمه عدم ما هو شرط له ولا يقتضي وجوده.
وهو منقسم إلى ما هو شرط السبب: وهو كل معنى يكون عدمه مخلا لمعنى السببية، كشرائط المبيع من كونه منتفعا به ومقدورا على تسليمه وغير ذلك، فإن تلك الشرائط شرائط كون البيع سببا للملك.
وإلى ما هو شرط الحكم: وهو كل معنى يكون عدمه مخلا بمقصود الحكم
стр. 625
مع بقاء معنى السببية، كالقبض في البيع للملك التام.
التقسيم الرابع:
الحكم قد يوصف بالعزيمة والرخصة.
стр. 626
أما العزيمة: فهي في اللغة: عبارة عن النية المؤكدة، ومنه قوله تعالى ﴿فنسى ولم نجد له عزما﴾ أي قصدا مؤكدا، ومنه يقال: أولوا العزم لبعض الرسل الذين تأكدت قصودهم في إظهار الحق، وأداء الرسالة.
وفي الشرع: عبارة عن الحكم الأصلي الذي شرعه الشارع ولم يتغير عن ذلك الوضع بعارض.
كالصلاوات الخمس من العبادات ومشروعية البيع من المعاملات.
وهذا أولى من قول من قال: إنها عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى.
стр. 627
إذ لا اختصاص للعزيمة بالواجبات، لأنها تذكر في مقابلة الرخصة، ولا اختصاص لها بالواجبات، إذ يقال: عقد السلم رخصة "شرع على خلاف الأصل"، فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه، وكذلك العرايا رخصة، إذ يقال: "رخص رسول الله ﷺ في العرايا لمحاويج الأنصار" فلا يكون للعزيمة اختصاص بها أيضا.
وأما الرخصة: بتسكين الخاء فهي في اللغة: عبارة عن اليسر والسهولة، ومنه يقال: رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء.
стр. 628
وأما بفتح الخاء فهو عبارة عن الأخذ بالرخصة.
وأما في الشرع: فقيل: الذي أبيح مع كونه حراما.
وقيل: فرارا عما فيه من التناقض: بأنه الذي رخص فيه مع كونه حراما. وهو مثل الأول فيه، لأن الترخيص يقتضي جواز الفعل.
وقيل: هي عبارة عما تغير عن الأمر الأصلي في حق المعذور- لعارض- إلى سهولة ويسر.
وهذا التعريف مع ما فيه من إطلاق العام الذي هو الأمر، (١٠٤/ب) وإرادة الخاص الذي هو الحكم، غير مانع، لأنه يقتضي أن يكون الحكم
стр. 629
الأخف الناسخ للحكم الأثقل لعذر رخصة، كقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ الآية.
والصحيح أن يقال: إنها عبارة عما تغير من الحكم الشرعي لعذر إلى سهولة ويسر مع قيام السبب للحكم الأصلي "فبالقيد الأول: يندفع الإشكال الأول، وبالقيد الثاني: الإشكال الثاني، لأن السبب للحكم الأصلي" يزول في صورة النسخ، إما يرفع أو بالانتهاء على اختلاف فيه، وأن شئت بعبارة أخرى فقل إنها: عبارة عما يجوز فعله أو تركه لعذر مع قيام السبب المحرم.
وشكك بعض الناس في تحقق الرخصة بأن قال: العذر المرخص، إن كان راجحا على السبب المحرم، كان موجبة عزيمة لا رخصة، وإلا لكان كل حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وهو خلاف الإجماع.
стр. 630
وإن كان مساويا.
فإن قلنا: بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه، والرجوع إلى حكم الأصل فلا يكون ذلك رخصة، وإلا لكان كل حكم ثابت على النفي الأصلي، قبل ورود الشرع رخصة. وهو ممتنع.
وإن لم يقل بالتساقط: فبعضهم قال: بالوقف عن الحكم إلى ظهور الترجيح، وذلك عزيمة لا رخصة.
وبعضهم قال: بالتخيير بين حكميهما فيلزم أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة، ضرورة عدم التخيير بين جواز الأكل وتحريمه.
وقد وقيل: بكونه رخصة.
وإن كان العذر المرخص مرجوحا: فحينئذ يلزم العمل بالمرجوح ومخالفة الراجح، وهو في غاية الإشكال.
ثم قال: وإن كان هذا القسم هو الأشبه بالرخصة لما فيه من اليسر والتسهيل بالعمل المرجوح ومخالفة الراجح. وهو ساقط.
أما قوله: في القسم الأول: إن كان العذر المرخص راجحا كان موجبه عزيمة لا رخصة. فممنوع، على الإطلاق، بل ما يثبت بالراجح،
стр. 631
ينقسم عندنا إلى عزيمة: بأن يكون الحكم ثابتا على الوجه الذي اعتبر فيه تعريف العزيمة.
وإلى رخصة: بأن يكون ثابتا على الوجه الذي اعتبر فيه تعريف الرخصة.
قوله: في الدلالة عليه: وإلا لكان كل حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة.
في غاية السقوط، لأنه لا يلزم من كون دليل الرخصة راجحا، أن يكون كل حكم يثبت بدليل راجح رخصة، إذ العام لا يستلزم الخاص، ثم الذي يدل على أن / (١٠٥/أ) دليل الرخصة راجحا على ما يعارضه، أما بالنسبة إلى النص فظاهر، فإن نص الرخصة خاص، ونص العزيمة عام والخاص راجح على العام.
أما بيان الأول: فباستقراء النصوص: ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ خاص بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ عام بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
وكذا قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ خاص بالنسبة إلى النصوص الدالة على تحريم إجراء كلمة الكفر على اللسان.
стр. 632
وكذا قوله ﵇: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها والمقيم يوما وليلة".
خاص بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
وكذا ما روي عنه ﵇: "أنه رخص في العرايا لمحاويج الأنصار فيما دون خمسة أوسق" خاص بالنسبة إلى قوله ﵇: "نهى عن
стр. 633
بيع الرطب بالتمر". وأمثاله كثيرة غير عديدة.
وأما بيان الثاني- فسيأتي إن شاء الله تعالى-.
стр. 634
وأما بالنسبة إلى العلة والعذر المرخص، فكذلك لأن عليته مستفادة من النص الخاص، وعليه السبب المحرم بنص عام وما تثبت عليته بنص خاص راجح على ما تثبت عليته بنص عام، على ما يأتي بيان ذلك في التراجيح إن شاء الله تعالى.
وأما قوله في القسم الثالث: وإن كان العذر المرخص مرجوحا فيلزم جواز العمل بالمرجوح ومخالفة الراجح وهو في غاية الإشكال.
قلنا: متى لا يجوز العمل بالمرجوح إذا لم يتعلق به غرض الشارع أو على الإطلاق.
والأول: مسلم.
والثاني: ممنوع، وهذا لأنه حكم بالاحتمال المرجوح مع وجود الراجح فيما له [فيه] تشوق، نحو الإسلام، والعتق، فإنه حكم بإسلام لقيط في مدينة الكفار، ولو كان الساكن بها مسلم واحد، وحكم بحرية
стр. 635
لقيط وجد في بقعة يسكنها العبيد وحر واحد، مع احتمال كونه من المسلم ومن المسلم مرجوحا ولا شك إن التيسير والتسهيل، مما إليه يتشوق فجاز أن يحكم بالرخصة، وإن كان عذرها مرجوحا وأيضا.
قوله: إن كان القدر المرخص مرجوحا، لابد وأن يعني به بعد اعتبار الشرع بكونه مرخصا وإلا فقيل: الاعتبار ما كان دليلا فلا يكون راجحا ولا مرجوحا، ولأنه ذكره قسيما لكونه راجحا، وهو إنما يكون كذلك بعد اعتبار الشرع، فكذا كونه مرجوحا، وحينئذ يلزم أن لا يكون مرجوحا، بل يكون راجحا، لأنه لا معنى للدليل الراجح إلا ما ثبت مقتضاه عند التعارض، فإذا ثبت مقتضى العذر المرخص / (١٠٥/ب)، وهو الترخص مع قيام السبب المحرم ولم يثبت مقتضاه كان هو راجحا عليه لا مرجوحا.
ثم قوله: وإن كان هذا القسم هو الأشبه بالرخصة لما فيه من التيسير والتسهيل بالعمل المرجوح ومخالفة الراجح.
ليس بسديد، لأن التيسير والتسهيل لم يحصل من العمل بالمرجوح من حيث إنه مرجوح، إذ قد يكون مقتضاه أشق وأصعب، بل من العمل
следующие страницы →