Полный текст (3 770 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ينقسم عندنا إلى عزيمة: بأن يكون الحكم ثابتا على الوجه الذي اعتبر فيه تعريف العزيمة.
وإلى رخصة: بأن يكون ثابتا على الوجه الذي اعتبر فيه تعريف الرخصة.
قوله: في الدلالة عليه: وإلا لكان كل حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة.
في غاية السقوط، لأنه لا يلزم من كون دليل الرخصة راجحا، أن يكون كل حكم يثبت بدليل راجح رخصة، إذ العام لا يستلزم الخاص، ثم الذي يدل على أن / (١٠٥/أ) دليل الرخصة راجحا على ما يعارضه، أما بالنسبة إلى النص فظاهر، فإن نص الرخصة خاص، ونص العزيمة عام والخاص راجح على العام.
أما بيان الأول: فباستقراء النصوص: ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ خاص بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ عام بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
وكذا قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ خاص بالنسبة إلى النصوص الدالة على تحريم إجراء كلمة الكفر على اللسان.
стр. 632
وكذا قوله ﵇: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها والمقيم يوما وليلة".
خاص بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
وكذا ما روي عنه ﵇: "أنه رخص في العرايا لمحاويج الأنصار فيما دون خمسة أوسق" خاص بالنسبة إلى قوله ﵇: "نهى عن
стр. 633
بيع الرطب بالتمر". وأمثاله كثيرة غير عديدة.
وأما بيان الثاني- فسيأتي إن شاء الله تعالى-.
стр. 634
وأما بالنسبة إلى العلة والعذر المرخص، فكذلك لأن عليته مستفادة من النص الخاص، وعليه السبب المحرم بنص عام وما تثبت عليته بنص خاص راجح على ما تثبت عليته بنص عام، على ما يأتي بيان ذلك في التراجيح إن شاء الله تعالى.
وأما قوله في القسم الثالث: وإن كان العذر المرخص مرجوحا فيلزم جواز العمل بالمرجوح ومخالفة الراجح وهو في غاية الإشكال.
قلنا: متى لا يجوز العمل بالمرجوح إذا لم يتعلق به غرض الشارع أو على الإطلاق.
والأول: مسلم.
والثاني: ممنوع، وهذا لأنه حكم بالاحتمال المرجوح مع وجود الراجح فيما له [فيه] تشوق، نحو الإسلام، والعتق، فإنه حكم بإسلام لقيط في مدينة الكفار، ولو كان الساكن بها مسلم واحد، وحكم بحرية
стр. 635
لقيط وجد في بقعة يسكنها العبيد وحر واحد، مع احتمال كونه من المسلم ومن المسلم مرجوحا ولا شك إن التيسير والتسهيل، مما إليه يتشوق فجاز أن يحكم بالرخصة، وإن كان عذرها مرجوحا وأيضا.
قوله: إن كان القدر المرخص مرجوحا، لابد وأن يعني به بعد اعتبار الشرع بكونه مرخصا وإلا فقيل: الاعتبار ما كان دليلا فلا يكون راجحا ولا مرجوحا، ولأنه ذكره قسيما لكونه راجحا، وهو إنما يكون كذلك بعد اعتبار الشرع، فكذا كونه مرجوحا، وحينئذ يلزم أن لا يكون مرجوحا، بل يكون راجحا، لأنه لا معنى للدليل الراجح إلا ما ثبت مقتضاه عند التعارض، فإذا ثبت مقتضى العذر المرخص / (١٠٥/ب)، وهو الترخص مع قيام السبب المحرم ولم يثبت مقتضاه كان هو راجحا عليه لا مرجوحا.
ثم قوله: وإن كان هذا القسم هو الأشبه بالرخصة لما فيه من التيسير والتسهيل بالعمل المرجوح ومخالفة الراجح.
ليس بسديد، لأن التيسير والتسهيل لم يحصل من العمل بالمرجوح من حيث إنه مرجوح، إذ قد يكون مقتضاه أشق وأصعب، بل من العمل
стр. 636
بمقتضى العذر رخصة، وإن كان مرجوحا لما فيه من التيسير والتسهيل، لأن العمل بالمرجوح هو الرخصة فإنه ليس في مطلق العمل بالمرجوح التيسير والتسهيل، [أو] أيضا فإنه يقتضي انحصار الرخصة فيما ذكروه وهو باطل.
فإنا نعلم بالضرورة أن مصلحة بقاء مهجة الإنسان، راجحة على مصلحة اجتناب ما في أكل الميتة من الخبث المحرم في نظر الشارع، فلا يكون العمل بالمرجوح هو الأشبه بالرخصة.
ثم اعلم: أن الذي يجو فعله مع قيام السبب المحرم، قد يكون واجبا كأكل الميتة عند [خوف] الهلاك من الجوع والإفطار من الصوم للمرض أو للسفر عنده وقد يكون مندوبا كالقصر في السفر على الرأي الأظهر.
وقد يتساوى فعله وتركه: كرخص المعاملات وكعقد السلم، والعرايا.
وقد يكون تركه أولى، كإفطار في السفر عند عدم التأذي بالصوم، وكترك
стр. 637
الاقتصار على الحجر في الاستنجاء.
تنبيه:
اعلم أن الرخصة تستعمل تارة بطريق الحقيقة: وهو فيما ذكرنا من الصور وأمثالها.
وتارة بطريق التجوز: وهو فيما حط عنا من الإصر والأغلال التي كانت على غيرنا من الأمم السابقة.
وإنما لم تكن حقيقة في هذا، لأن السبب المحرم لتركه أو فعله غير قائم في حقنا إذ صارت تلك الشرائع منسوخة، فلم يكن التضييق حاصلا في حقنا
стр. 638
بسبب شرعية تلك الأحكام فلم تكن إزالتها رخصة في حقنا، إذ الرخصة تنبئ عن فسحة في مقابلة التضييق.
وأما ما أباحه الله تعالى في الأصل، ومن الأكل والشراب لنا ولمن قبلنا
стр. 639
لا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازا.
وكذلك ما شرع في البدل عند فقد الأصل تيسيرا للمكلف، كالتيمم عند فقد الماء- لا كالتيمم للجراحة أو لبعد الماء أو لشرائه بأكثر من [ثمن] المثل، فإن كل ذلك رخصة وأمثالها- والإطعام عند فقد الرقبة في الكفارة المرتبة لا تسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازا.
стр. 640
التقسيم الخامس
стр. 641
التقسيم الخامس:
اعلم أن الحكم: ينقسم أيضا إلى كونه حسنا وإلى كونه قبيحا.
فالقبيح عندنا: ما يكون منهيا / (١٠٦/أ) عنه.
ونعني به ما يكون تركه أولى، وهو القدر المشترك: بين المحرم، والمكروه، فإن جعل النهي حقيقة فيه فلا كلام وإلا فاستعماله فيه بطريق التجوز فيدخل تحته المحرم والمكروه.
والحسن: ما لا يكون كذلك.
فيدخل تحته أفعال الله تعالى، والأحكام الثلاثة: من أفعال المكلفين، وأفعال غيرهم، كالصبي، والمجنون، والساهي، والنائم، والبهائم.
وهذا أولى من قول من قال: الحسن ما كان مأذونا فيه شرعا.
لأنه يلزم أن لا يكون فعله تعالى حسنا.
وهو باطل قطعا إذ الأمة مجمعة على إطلاق الحسن على أفعاله تعالى وإنما النزاع بينهم في المأخذ.
وقيل: الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله.
стр. 642
فيدخل تحته أفعال الله تعالى، والواجب، والمندوب، من أفعال المكلفين، دون الثلاثة الباقية، وأفعال غيرهم نحو الصبيان والمجانين والبهائم.
والقبيح: ما ورد الشرع بذم فاعله.
فيدخل تحته الحرام فقط، فعلى هذا المباح والمكروه وأفعال غبر المكلفين ليست بحسنة ولا بقبيحة.
ولو قيل: القبيح ما لا يرد الشرع بالثناء على فاعله. دخل كل هذه المستثنيات تحته لكن يكون ضعيفا. إذ لا يقال للمباح وفعل البهيمة قبيح.
وقيل الحسن: هو الذي يصح من فاعله أن يعلم أنه غير ممنوع عنه شرعا.
ويدخل تحته أفعال الله، لأن وجوب العلم لا ينافي صحته، والأحكام الأربعة من أفعال المكلفين دون المحرم، وأفعال الساهي، والنائم، والمجنون، والصبي، الذي لا يميز، والبهائم، والقبيح وما يقابله.
وأما القبيح عند المعتزلة: فقد قال أبو الحسين البصري في تعريفه: إنه الذي ليس للمتمكن منه، ومن العلم بحاله: إن يفعله يتبعه أنه يستحق الذم
стр. 643
فاعله.
ثم قال: معنى قولنا: ليس له أن يفعله، معقول لا يحتاج إلى التفسير.
وأما الحسن: فهو ما للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله أن يفعله.
أقول: قوله "ليس له أن يفعله
لا يريد به أنه لعجزه عنه لا يفعله، أو لكونه ممنوعًا عنه حسًا، أو شرعًا، ولا لأن به نفرة طبيعية عن فعله وإن كانت هذه العبارة مستعملة في هذه الأسئلة الأربعة.
أما أن المعنيين الأولين غير مرادين فظاهر.
وأما أن المعني الثالث: غير مراد فلكونه يقتضي أن يكون القبح مفسرًا بالمنع الشرعي، وهو خلاف مذهبه.
وكذا المعني الرابع: غير مراد، إذ لو كان مرادًا لوجب أن لا يكون الفعل حسنًا، حيث تكون النفرة الطبيعية حاصلة لكونه قبيحًا حينئذ. لكنه باطل وفاقًا.
стр. 644
بل يريد به: أنه ليس له أن يفعله لكونه ممنوعًا عنه من جهة العقل لقيام المانع العقلي، إذ المانع من فعل القبيح عنده عقلي وهو ما قام / (١٠٦/ب) به من الصفات الحقيقية الموجبة للقبح، وهذا كما يقال ليس للإنسان أن يسلك الطريق المخوف مع وجود الطريق الآمن، فإن: المانع العقلي، في هذا المثال خارج عما تقدم من الموانع الأربعة.
وأما الذم: فقد تقدم تفسيره في أول الكتاب: بأنه عبارة عن قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبئ عن اتضاع حال الغير.
بقي أن يقال: فما المعني من الاتضاع؟
قلنا: هو عبارة عن الإهانة والتحقير، وهو أمر معقول بدون النفرة الطبيعية، نعم: في الأكثر هي لازمة لهما حيث تحقق الطبيعة.
وأما قوله في آخر الحد: ومتبعه أنه يستحق الذم فاعله، فليس يريد بقوله: يستحق أنه يحسن: لأنه حينئذ يلزم الدور لتفسيره الحسن به، ولا هو بمعني ما يقال: الأثر يستحق المؤثر، فإن ذلك ظاهر الفساد.
стр. 645
بل هو بمعنى ما يقال: المؤثر يستحق الأثر. وهذا لأن تلك الصفات الحقيقية التي اشتمل عليها القبيح تؤثر لذاتها في استحقاق الذم.
وعند هذا ظهر سقوط كلام الإمام على هذا التعريف.
وحد القبيح أيضًا: بأنه الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم.
والحسن: ما لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم.
والتعريفان يشتركان في أن الأحكام الأربعة داخلة تحت الحسن، والمحظور داخل تحت القبيح، وفي أن أفعال غير المكلف كالنائم، والساهي، والمجنون، والصبي، والبهائم، غير داخلة تحتها، إذ لا يتوجه إلى هؤلاء مدح ولا ذم، بسبب أفعالهم، وإن كان يجب بسببها، ضمان وارش
стр. 646
في مالهم، وفي مال مالك البهائم في صورة جنايتها ويجب إخراج ذلك على أوليائهم، وأما ما به ينفصل أحدهما عن الآخر فظاهر.
وإذ قد تكلمنا في تعريفهما فلنتكلم فيما يتعلق بهما من المسائل:
المسألة الأولي
في أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت بالعقل
ذهب أصحابنا وأهل الحق من كل ملة، إلى أن العقل لا يحكم بحسن فعل ولا بقبحه، لا بمعني ملائمة الطبع، ومنافرته الذي يختلف باختلاف الأشخاص، ولا بمعني صفة الكمال وصفة النقص.
بل بمعني كونه متعلق الثناء والذم عاجلاً، والثواب والعقاب آجلاً، وأن حسن الشيء وقبحه ليس لكونه مشتملاً على صفة ذاتية تقتضي حسنه أو
стр. 647
قبحه، بل إنما يثبت الحسن والقبح بالمعني المذكور بالشرع لا غير.
وذهبت: الثنوية، والتناسخية، والبراهمة، والخوارج،
стр. 648
والكرامية، والمعتزلة، وبعض الفقهاء من الحنفية: إلى أن العقل قد
стр. 649
يحكم استقلالاً بحسن بعض الأفعال وقبحه تارة ضرورة، كحسن الصدق النافع، والإيمان، وقبح الكذب/ (١٠٧/أ) الضار، والكفران، وإن المقتضي لذلك هو كونه صدقًا نافعًا، وكذبًا ضارًا بالدوران، وتارة نظرا كحسن الصدق الضار، أو قبحه وقبح الكذب النافع، أو حسنه، على قدر اختلاف المضرة والنفع، وقد لا يستقل بذلك، بل يحكم به بواسطة ورود الشرع بحسن الشيء أو قبحه، كحكمه بحسن الصلاة وقت الظهر، وقبحها في وقت الاستواء، وكحكمه بحسن الصوم في اليوم الأخير من رمضان، وقبحه في اليوم الأول من شوال، ويحكم بواسطة ورود الشرع بذلك على اشتماله على صفة حقيقية توجب قبحه وحسنه لولاها لما ورد الشرع بذلك.
احتج الأصحاب على صحة مذهبهم بوجوه:
أحدها: أن العبد غير مختار في فعله وحينئذ يكون فعله، إما اضطراريًا أو اتفاقيًا، وهما لا يقبحان عقلاً اتفاقًا.
أما عندنا فظاهر.
وأما عند الخصم فلأنه لا يجوز أن تكون الأفعال الغير الاختيارية مكلفًا بها شرعًا، فضلاً عن أن يكون ذلك معلومًا بضرورة العقل أو بنظره.
بيان الأول: أن فعل العبد إن كان مخلوقًا لله تعالى، أو كان مخلوقًا له لكن يتوقف فاعليته "له" على مرجح مخلوق لله تعالى، بحيث
стр. 650
لا يتمكن العبد من تركه عند وجوده فقد لزم الاضطرار، وإن لم يتوقف على ذلك فقد لزم الاتفاق، وذلك لأن انتفاء هذا المجموع، إما بأن لا يتوقف فاعليته له على مرجح أصلاً، أو وإن توقف لكن ذلك المرجح ليس من الله - تعالى - بل منه، أو وإن كان من الله - تعالى - لكن لا يجب الفعل عنده.
لكن القسم الثاني: باطل وهو أن يكون المرجح منه، لأن الكلام في فاعليته له كالكلام في الأول، إما الدور أو التسلسل، أو الانتهاء إلى مرجح مخلوق لله تعالى شأنه ما ذكرناه، لكن الدور والتسلسل باطلان.
فيتعين الثالث: وهو الانتهاء إلى مرجح مخلوق لله تعالى، شأنه ما ذكرناه، وحينئذ يلزم الإضرار، كما في القسمين الأولين.
وإذا بطل القسم الثاني: تعين القسمان الباقيان، وحينئذ يلزم الاتفاق.
أما لزومه على تقدير القسم الأول: فظاهر، وأما على تقدير القسم الثالث: فلأنه إذا لم يجب الفعل عنده فيمكن وجوده تارة وعدمه أخرى، إذ لو لم يكن كذلك لكان ممتنعًا وهو ممتنع قطعًا، لأن الفعل يستحيل أن يكون ممتنع الوجود عند وجود مرجحه، فيكون ممكنًا فاختصاصه بالوجود أو بالعدم في وقت دون وقت، مع أن نسبة ذلك المرجح مع كل الأوقات على السوية [يكون اتفاقًا محضًا. فثبت أن فعل العبد، إما أن] يكون اتفاقيًا، أو اضطراريًا، وثبت أنهما لا يقبحان عقلاً، فوجب [أن لا يكون تحسين فعل العبد وتقبيحه عقليًا. وحينئذ يلزم] أن لا / (١٠٧/ب) يكون التحسين والتقبيح عقليًا مطلقًا سواء كان في الشاهد أو في الغائب، إما بالإجماع لأن لا قائل بالفصل.
стр. 651
وأما لأن التكليف بهذا الفعل ممتنع عند الخصم، والتكليف بالممتنع قبيح ولا شك في ورود التكليف بأفعال العباد، فيكون فعل الله قبيحًا وهو باطل بالإجماع، وإن اختلف طريقه.
واعترض عليه: بأنه منقوص بأفعاله تعالى، وهذا لأن ما ذكروه من الدليل آت فيها.
وأجيب: بالفرق، وهو أن فاعلية الله تتوقف على مرجح من قبله تعالى، وهو قديم وهو إرادته القديمة المتعلقة بالإيجاد في وقت مخصوص، وما ذكرنا من التقسيم غير آت فيه حتى يلزم التسلسل أو الاضطرار أو الاتفاق ولا قدم مخلوقاته تعالى، لأن المرجح ليس نفس الإرادة القديمة حتى يقال:
стр. 652
يلزم من قدم القادر "وقدم المرجح" قدم المقدور، وإلا لزم التخلف عن المرجح التام، وهو باطل.
وبتقدير تسليمه يكون الفعل اتفاقيًا كما سبق، بل المرجح هو إرادته المتعلقة بالإيجاد في وقت مخصوص، ولا يأتي الدليل المذكور في تعلق الإرادة بذلك الوقت دون غيره، لما أن ذلك من مقتضى الإرادة، بخلاف مرجح فاعلية العبد، فإنه إن كان منه فلابد وأن يكون حادثًا ضرورة، إن فعل المحدث محدث [و] حينئذ يفتقر إلى محدث، والكلام فيه كما سبق، وإن كان من الله تعالى، فإنه حينئذ يلزم إما الاضطرار، أو الاتفاق كما سبق.
واعترض عليه أيضًا: بأنه يقتضي امتناع الحكم بالحسن والقبح على أفعال المكلفين شرعًا لوجود الدليل المذكور بعينه فيهان لكنه باطل وفاقا.
وهو في غاية السقوط، لأن الدليل على المقدمة الثانية: في البرهان المذكور إنما هو الإجماع على أن الاضطراري والاتفاقي لا يقبحان عقلاً، وهو غير حاصل في الحسن والقبح الشرعيين، لأن الجمهور ممن قال: بأنهما شرعيان.
قالوا: يجوز تكليف مالا يطاق، كالشيخ أبي الحسن وأتباعه،
стр. 653
والمجبرة القائلين: بنفي الكسب بأسرهم، فلا يمكن أن يقال: الاتفاقي والاضطراري لا يقبحان شرعًا وفاقا. والدليل المذكور لا يتم بدونه.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن فاعلية العبد للفعل، إذا لم يتوقف على مرجح يجب الفعل عنده فقد لزم الاتفاق.
وهذا لأن من الظاهر أن المعني منه هنا هو أن يوجد الشيء بلا سبب، لأن بهذا المعني لا يجوز الخصم ورود التكليف بالاتفاقي، فأما بغير هذا المعني نحو: كون السبب خفيًا أو كونه/ (١٠٨/أ) واقعًا بالقدر الذي نسبته إلى فعله وتركه على السوية أو غيره، فلا نسلم أنه لا يجوز ورود التكليف به، وإذا كان كذلك فنحن نمنع قول الفعل اتفاقيًا بهذا "المنع على هذا" المعني على هذا التقدير، وهذا لأن سببته القادر المختار وهو العبد، فإنه عند الخصم كذلك فله أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجح، كما جوزتم ذلك بالنسبة إلى الله تعالى.
стр. 654
واستدللتم على جوازه بأن الهارب إذا عن له طريقان متساويان فإنه لابد أن يختار أحدهما للسلوك، وكذلك العطشان إذا قدم إليه قدحان متساويان فإنه لابد وأن يختار أحدهما للشرب، وبه أجبتم عن الشبهة المشهورة للفلاسفة في قدم العالم، فلا يكون الاتفاقي بهذا المعني لا يقبح عقلاً بالاتفاق.
وثانيها: لو كان الحسن والقبح ذاتيين للصدق والكذب، لوجب أن أن لا ينفكا عنها لكنهما قد ينفكان، فلم يكونا ذاتيين لهما.
أما الملازمة: فظاهرة إذ الذاتي للشيء، لو جاز أن ينفك مع بقاء الذات لم يكن ذاتيًا له بل كان مفارقًا، ولأنه لو جاز أن ينفك عنه مع بقائه للزم جواز انفكاك المعلول عن العلة، إذ الصفات الذاتية معلولات الذات على ما عرف ذلك في موضعه، وانفكاك المعلول عن العلة العقلية غير جائز، سواء كان لمانع أو لغير مانع وإلا لكان عدم المانع جزء علة الوجود أو شرطها وهما غير جائزين.
стр. 655
أما ما يخص الأول: فبالاتفاق، ولأن المركب من العدمي عدمي ضرورة أن وجود الشيء يستدعي وجود أجزائه أجمع، وعدم الشيء لا يستدعي عدم جميع أجزائه، فلو جاز استناد الأمر الوجودي إلى الأمر العدمي لا يفسد علينا باب إثبات كون الصانع موجودًا.
وأما ما يعمها: فلأن العلية حينئذ تدور معه وجودًا وعدمًا، إذ عند وجوده تصير الذات مؤثرة في المعلول، وعند عدمه لم تكن مؤثرة فيه، والعلية أمر وجودي لكونها نقيض اللاعلية المتصفة بها المعدومات ونقيض العدمي وجودي، فتكون العلية وجودية ولا سبب لها سوى ذلك العدم الذي هو جزء أو شرط فوجب تعليله به فيعود المحذور المذكور، وهو تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي.
فإن قلت: ما ذكرتموه باطل، بما أنا نرى تخلف الأثر عن العلل العقلية الموجبة لموانع، كما في نزول التقبل وإحراق النار "في" الأغذية والأدوية وغيرها من الصور.
قلت: لا نسلم أنها علل موجبة لتلك الآثار، بل تلك الآثار عندنا يخلقها الله تعالى / (١٠٨/ب) عند وجود تلك الأسباب مع شرائطها فلا يرد نقصًا علينا وإنما يرد ذلك على من يقول: إنها علل موجبة.
وأما بيان نفي اللازم فبصورتين:
إحداهما: إذا كان الكذب يتضمن عصمة دم نبي عن كافر يقصده، فإنه
стр. 656
يصير حسنًا، والصدق المفضي إلى هلاكه يصير قبيحًا.
وثانيهما: إذا استلزم الصدق الكذب، كما إذا قال: إني أكذب غدًا إن عشت فإن صدق الخبر يتضمن الكذب، وهو قبيح ومستلزم القبيح قبيح، فالصدق قبيح، فكذا إذا تضمن الصدق ظلم الغير، كما في المتوعد للغير بالظلم، فإن الصدق هاهنا أيضًا قبيح، لاستلزامه القبح وهو الظلم والكذب يصير حسنًا إذا لو كان قبيحًا أيضًا للزم تكليف ما لا يطاق، ضرورة أنه ألا خروج عن النقيضين، ولأنه لو كان كذلك لكان ترك الظلم قبيحًا لكونه مستلزمًا له، ولكون مستلزم القبيح قبيحًا، وهو باطل وفاقا.
فإن قلت: لا نسلم أن في الصورة الأولى يصير الكذب حسنًا والصدق قبيحًا، بل إنما يحسن فيه التعريض عندنا دون الكذب وفيه استغناء عنه.
كما قيل: "أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
стр. 657
سلمنا: حسن الكذب، لكن لم لا يجوز أن يحكم عليه بالحسن من جهة كونه متضمنًا دم النبي، وبالقبح لكونه كذبًا وهما جهتان متغايرتان غير متلازمتين.
وهذا كما قلتم: في الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها من حيث إنها صلاة مأمور بها، ومن حيث أنها في الدار المغصوبة منهي عنها.
وكذا القول: في الصدق، فإن كونه صدقًا يقتضي حسنه، وكونه مفضيًا إلى قتل النبي يقتضي قبحه. ولا يدفع هذا بأنه قول ثالث لم يقل به أحد، فكان على خلاف الإجماع، لأنه قال به بعض أصحابنا.
قلنا: أن يمنعه لنا علة، وهو الاعتراض بعينه على الصورة الثانية:
قلت: الجواب عن الأول: من وجهين:
أحدهما: أنا نفرض الكلام فيما إذا دهش عنه ولم يقدر على الإتيان بالتعريض، أو وإن لم يدهش عنه وقدر على إتيانه، لكن عين في السؤال المكان والزمان والمسئول عنه باسمه ووصفه بحيث لا يمكنه التعريض عنه.
стр. 658
بأن يقول: هل رأيت الآن دخل في هذه الدار رجل اسمه كذا، ووصفه كيت وكيت؟. فيقول: لا.
فيقول له: تعني بقولك: لا نفي ما سألت عنه أم غيره؟ فهاهنا يتعين الكذب عليه ويصير إذا ذاك حسنًا، إذ لا سبيل إلى الصدق ولا إلى التعريض.
وثانيهما: إنا نسلم أنه إنما يحصل التعريض لا غير، لكن / (١٠٩/أ) [الخبر].
إنما يصير من باب المعاريض بإضمار أمور لا يتنبه لها السامع ليصير مدلوله غير ما دل عليه ظاهره، وإلا لم يحصل المقصود، وهو إما بزيادة، أو بنقصان، أو تقييد مطلق أو تخصيص عام، كما إذا سئل عنه؟
هل رأيت في هذه الساعة رجلاً دخل في هذه الدار؟
فيقول: لا. وينوي بذلك رجلاً متبحرًا في فنون العلوم، أو في غير تلك الساعة وأمثاله، وحينئذ يتعذر عليكم الاستدلال بقاعدة التحسين والتقبيح على كثير من فروعها، بل تبطل فائدتها بالكلية.
وهذا لأن من جملة فروعها: أنه يجب إجراء خطاب الله على ظاهره والقطع بأنه مراده، إذ لا يجوز أن يريد به غير ظاهره ولا يدل عليه. وأنه لا يجوز تأخير بيان التخصيص والنسخ على رأي أبي الحسين منهم، وتأخير بيان النكرة إذا أريد بها شيء معين وتأخير بيان الأسماء الشرعية. لأن تأخير بيانها عن وقت الخطاب إغراء بالجهل، وهو قبيح، لأنكم إذا جوزتم
стр. 659
التعريض لمصلحة لم يمكنكم الجزم بالوجوب والامتناع في هذه الصور ما لم يثبت أنه لا مصلحة هناك توجب ذلك ولا سبيل إليه ألبتة، بل غاية ما يقال فيه: هو إنا لا نجد هناك مصلحة بعد البحث التام والتفتيش الشديد، لكن ذلك لا يدل على عدم الوجود، وذلك لا يمكنكم الاستدلال بقبح شيء من الأفعال على امتناع صدوره من الله تعالى ما لم يثبتوا أنه ليس في صدوره مصلحة مسوغة لذلك، لكنه ممتنع، فإذا القول: بجواز التعريض للمصلحة يبطل فائدة التحسين والتقبيح بالكلية.
فالحاصل أن القول بجواز الكذب للمصلحة يبطل القول بالتحسين والتقبيح العقلي. والقول: بجواز التعريض دونه يبطل فائدته، وما أفضى ثبوته إلى نفى فائدته يكون باطلاً.
فالقول: بالتحسين والتقبيح باطل، ولا يخفى عليك أن هذا الدليل مبني على أن الدوران يفيد العلم بالعلية، لكنه ضعيف.
فإن بتقدير أن يفيد ظن العلية لا يجوز التمسك به في المسألة العلمية.
وعن الثاني: أنه احتمال قادح، لم يظهر لي عنه جواب على تقدير جواز أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به ومنهيًا عنه باعتبارين مختلفين غير متلازمين، من حيث مفهوميهما، وإن حصل التلازم بينهما بسبب من خارج، لكنه لم يقل به أحد منهم غير الجبائي وأتباعه.
وثالثها: لو كان القبح ذاتيًا للخبر الكاذب، فالمتقضي لذلك، أما نفس
стр. 660
اللفظ من حيث إنه لفظ.
وهو باطل، وإلا لزم أن يكون كذلك عندما يكون صادقًا لوجود المقتضي له حينئذ وهو نفس اللفظ ولا يجوز جعل الصدق مانعًا عنه لما تقدم ذكره، وإما عدم / (١٠٩/ب) المخبر عنه، وإما مجموعهما.
وهما باطلان، لما أن العدم لا يكون علة للأمر الثبوتي، أو أمر خارج عنهما، وهو إن كان مفارقًا لم يكن القبح حينئذ ذاتيًا له، وقد فرض أنه ذاتي له هذا خلف. وإن كان لازمًا فالمقتضي له: إما نفس اللفظ أو عدم المخبر عنه، أو مجموعهما. والكل باطل لما تقدم، أو أمر خارج والكلام فيه كالكلام في الأول فيقضي على التسلسل وهو ممتنع.
واعترض عليه: بأن القبح على تفسير أبي الحسين: عدمي، فلا يتعدى تعليله بالأمر العدمى.
ويمكن أن يجاب عنه بأن العلية أمر معنوي على ما تقدم تقريره، فلا يجوز قيامها بالعدم سواء أكان العدم علة للوجودي أو للعدمي.
ورابعها: لو كان القبح وصفًا ذاتيًا للكذب، فالمؤثر: إما الخبر الكاذب أو غيره، وهذا الثاني: باطل، لأن الوصف الذاتي للشيء لا يقوم بغيره، وإلا لم يكن ذاتيًا فيتعين الأول: وهو أيضًا باطل، لأن المؤثر فيه إما مجموع الحروف، أو بعضها.
стр. 661
والأول: باطل، لأنه لا وجود لمجموع الحروف في الخارج، فيستحيل قيام المؤثر به التي هي أمر وجودي بها.
والثاني: باطل أيضًا لاقتضائه أن يكون بعض حروف الكاذب قبيحًا وهو باطل.
إما أولاً: فبالاتفاق.
وإما ثانيًا: فلأنه يلزم منه أن يكون الخبر الصادق قبيحًا إذا وجد فيه ذلك الحرف.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه بعض تلك الحروف بشرط وجود الباقي، والحرف الأخير، بشرط مسبوقيته بالباقي، وأيضًا فإنه يقتضي امتناع اتصاف الخبر بالصدق أو الكذب؟ وهو باطل إجماعًا.
وخامسها: لو كان القبح وصفًا حقيقيًا ذاتيًا له، لما أمكن أن يختلف بحسب الأوضاع والعبارات، لكنه يمكن أن يختلف بأن يوضع صيغة الأمر والنهي له، وصيغة لهما أو أحدهما.
واعترض له: بأن القبح صفة للمعني المدلول عليه باللفظ بالذات، واللفظ الدال عليه بالعرض، والمعني غير مختلف بحسب الأوضاع والعبارات.
سلمنا: أنه صفة للفظ فلم لا يجوز أن يكون مشروطًا بالوضع لذلك المعنى؟ وهذا كما أن الكذبية صفة له بشرط الوضع له.
وسادسها: لو كان قبح الخبر الكذب لكونه كذبًا، لزم أن يكون المعلول متقدمًا على العلة، لأن علة القبح حينئذ هي كونه كذبًا لكن القبح متقدمًا عليه.
стр. 662
ولذلك يقال: إنه يمنع من فعله فهو متقدم عليه وإلا لم يكن مانعًا له وهذا أيضًا ضعيف.
فإن لقائل أن يقول: ما ذكرتم يقتضي أن لا تكون الكذبية صفة له، لأن كونه كذبًا يمنع من الإقدام عليه وفاقا، وإن كان مأخذه مخلفًا، ولذلك / (١١٠/أ) يقال كونه كذبًا يمنع من فعله وعلة المنع من الفعل متقدم على المنع منه فيكون متقدمًا على الفعل فيلزم كونه كذبًا متقدمًا على الخبر الكاذب.
وهو محال لاستحالة تقدم الصفة على الموصوف وأيضًا فإنا لا نسلم تقدم قبح الخبر الكذب عليه، وكيف يكون متقدمًا عليه وهو صفته؟ بل المتقدم هو الحكم بالقبح على ما يوجد من الخبر الكاذب، وذلك الحكم هو المانع منه لا القبح.
وسابعها: أن الأفعال بأسرها متساوية بالنسبة إلى الله تعالى، فالحكم على بعضها بأنه حسن: يوجب الثواب، أو قبيح: يوجب العقاب، ترجيح للبعض على البعض من غير مرجح. وهو باطل.
بيان الأول: إنها لو لم تكن كذلك، بل يكون البعض راجحًا على البعض في إيجاب الثواب أو العقاب، وذلك وإن كان لقيام صفة حقيقية قائمة به عند الخصم، لكنها إنما تقتضي الحسن والقبح لتضمنها المصلحة أو المفسدة، ألا ترى أن القتل ابتداء من غير تقدم جناية توجيه قبيح عند الخصم لاشتماله على المفسدة، ثم إنه يصير حسنًا بعدها لاشتماله على المصلحة، مع أن الصفة الحقيقية الذاتية للقتل لم تختلف، وإذا كان كذلك فذلك الرجحان، إما لمصلحة تعود إلى الله، أو إلى العبد.
والأول: باطل وفاقًا، لتنزهه عن الأغراض العائدة إليه.
стр. 663
والثاني: أيضًا باطل، لأن حصول تلك المصلحة له، إما أن يكون أولى بالنسبة إلى الله تعالى، أو لا يكون بل يتساويان.
فإن كان الأول: فإما أن تكون تلك الأولوية لحصول مصلحة أخرى للعبد، أو لغرض عائد إلى الله تعالى.
والأول: باطل لإفضائه إلى التسلسل.
والثاني: أيضًا كذلك لما مر.
وإن كان الثاني: فيلزم حينئذ أن تكون الأفعال متساوية عند الله تعالى، وهذا وإن كان على خلاف التقدير، لأن علة رجحان تلك الأفعال هي حصول تلك المصلحة، فإذا كان حصولها ولا حصولها على السوية بالنسبة إلى الله تعالى [أو لا تكون، بل يتساويان. فإن كان الأول]: لزم أن تكون تلك الأفعال متساوية أيضًا عنده تعالى، وإلا لزم أن تكون الوسيلة راجحة على المقصود. وهو باطل، فيكون خلفًا، لكن يلزم منه المدعى: وهو ترجيح البعض على البعض من غير مرجح.
وثامنها: لو كان شيء من الأفعال حسنًا أو قبيحًا لذاته، لزم قيام العرض بالعرض التالي باطل فالمقدم مثله.
بيان الملازمة: أن المفهوم من كون الفعل حسنًا أو قبيحًا لابد وأن يكون زائدًا على مفعول نفس الفعل، وإلا لكان كل من علم فعلاً ما علم حسنه أو قبحه.
وهو باطل، لمساعدة الخصم عليه وبالبرهان، ثم إنهما صفتان وجوديتان / (١١٠/ب) لكونهما تقتضي اللا حسن واللا قبح المحمولين
стр. 664
على العدم ولكون المحمول على العدم عدمي، ونقيض العدمي وجودي فيكون الحسن والقبح وجوديين أيضًا، فإنهما عند الخصم معلولا الصفة الحقيقية القائمة بذلك الشيء الحسن أو القبيح، فلو كان شيء من الأفعال موصوفًا بهما لزم قيامهما وقيام ما يوجبهما من الصفة الحقيقية به وهو قيام العرض بالعرض ضرورة كون الفعل عرضًا.
وأما بطلان الثاني: فلأنه لا معني لقيام العرض بالجوهر إلا كونه حاصلاً في الحيز تبعًا لحصول الجوهر فيه، فلو كان العرض قائمًا بالعرض لزم حصوله في حيز العرض الذي هو محله تبعًا لحصوله فيه وحيزه هو حيز الجوهر فهما حاصلان في حيز الجوهر تبعًا لحصوله فيه فهما قائمان به، وإن فرض كون أحدهما بحيث يستحيل وجوده فيه بدون الآخر لجواز أن يكون حصوله فيه مشروطًا بحصول الآخر فيه، كما في الأعراض المشروطة بالحياة. لا يقال: ما ذكرتموه ينفي كون الفعل حسنًا أو قبيحًا شرعًا أيضًا، وهو خلاف الإجماع. فما هو جوابكم عنه فهو جوابنا عن الحسن والقبح العقليين.
وأيضًا فدليلكم منقوض بما أن الفعل يوصف بعدة من الصفات لكونه ممكنًا ومعلومًا ومقدورًا، أو مخيرًا عنه ومذكورًا.
لأنا نقول: إن كون الفعل حسنًا أو قبيحًا شرعًا أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، ولذلك يختلف باختلاف الشرائع فلا يلازم حسن ولا قبح لفعل بحيث لا يجوز ورود الشرع على خلافه عندنا، بل الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه ولا امتناع في اتصاف الفعل بالأمور الاعتبارية، إذ لا يلزم منه قيام العرض بالعرض، وهو الجواب بعينه عن الثاني: لأن ما ذكروه من الصفات كلها أمور اعتبارية، والخصم لا يمكنه أن يجيب بهذا لأنهما عنده من الصفات الثبوتية للذات المعللين به أو لصفة حقيقية قائمة به على اختلاف لهم فيه، وفيه نظر.
стр. 665
أما أولاً: فلأنا لا نسلم امتناع قيام العرض بالعرض وما ذكروه من تغير الحلول والقيام فغير مسلم.
ولم لا يجوز أن يعني به أن السببين إذا اختص أحدهما بالآخر بحيث يصير أحدهما نعتًا والآخر منعوتًا يكون النعت قائمًا به وحالاً فيه والمنعوت محلاً؟
وإن كنا لا نعلم حقيقة ذلك الاختصاص، وإنما يعلم منه هذا اللازم لا غير وليس يجب نفي الشيء إذا لم يعرف حقيقته، وإلا لزم نفي أكثر الأجناس الغالبة فإنا لا نعرف منها إلا اللازم ومعلوم أن ما ذكرتموه / (١١١/أ) من الدلالة لا يدل على امتناع قيام العرض بالعرض بهذا المعني وأيضًا. فدليلكم منقوض بما أن البطء صفة للحركة، دون الجسم المتحرك، إذ يمتنع أن يقال: الجسم بطئ في جسميته، وإنما يقال: إنه بطئ في حركته وهي صفة وجودية، لأنه نقض اللابطء المحمول على العدم، فيكون وجوديًا، والحركة عرض بالاتفاق فيلزم قيام العرض بالعرض، وأيضًا - فإنه منقوض بما أن كل واحد من الأعراض موجود، والوجود وصف عرضي، وهو: قائم بتلك الأعراض الموجودة فيلزم قيام العرض بالعرض.
ويمكن أن يجاب عن بعض هذه الأسئلة فليتأمل فيه.
وأما الخصوم: فبعضهم ادعى العلم الضروري به، وقال: إن العلم يقبح الكذب الضار والجهل والظلم، وجنس الصدق النافع [والعلم] والعدل ضروري غير مستفاد من الشرائع، بدليل أنه حاصل لجميع الأمم من أهل الأديان والأهواء المنكرين للشرائع بأسرها كالبراهمة والزنادقة، ولو كان
стр. 666
مستفادًا منه لما كان حاصلاً لهم.
ولا يقال: لو كان كذلك لما كان مختلفًا فيه لاسيما بين الجمهور الكبير والجم الغفير، لأن حسن ما ذكرنا من الأفعال وقبحها غير مختلف فيه، وإنما الخلاف في المأخذ
والخصوم وإن نازعونا فيه، إما عنادًا، وإما لأنه التبس عليهم ما هو الحق من المدرك، لكن وافقونا في العلم بهما ولا بعد في التباس المأخذ.
وهذا كما زعمتم أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري، وأن خلاف السمينة في إفادته أصل العلم. وخلاف الكعبي وجماعة من
стр. 667
المحققين في وصف كونه ضروريًا لا يقدح فيه، فكذا هنا بل هنا أولى، إذا الاختلاف فيما نحن فيه في أصل الحكم، بل في مدركه.
ثم زعم هؤلاء أن المقتضى لقبح الكذب الضار مثلاً، هو كونه كذلك لأنا عند العلم بذلك نعلم قبحه وإن جهلنا سائر أوصافه، وعند الجهل به لا يعلم قبحه وإن علمنا سائر أوصافه، والدوران دليل العلية.
стр. 668
وبعضهم حاول الاستدلال، وذكر وجوهًا فيه:
أحدها: لو لم يكن التحسين والتقبيح عقليين، لزم ترجح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: إن الفعل الذي اختص بالوجوب مثلاً، لو لم يكن مشتملاً على ما لأجله اختص به لكان اختصاصه بذلك دون سائر الأفعال، أو دون سائر الأحكام ترجيحًا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح.
وثانيها: إنا نعلم بالضرورة، أن العاقل يختار الصدق على الكذب عندما يتساويان في تحصيل جميع المقاصد والأغراض المتعلقة / (١١١/ب) بهما غير كونه صدقًا وكذبًا، مع قطع النظر عن عرف أو شريعة أو غيرهما وليس ذلك إلا لحسنه.
وثالثها: لو لم يكن التحسين والتقبيح عقليين لحسن من الله كل شيء، ولو حسن منه كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولو حسن ذلك منه لجاز أن يقع منه، وحينئذ يقع التباس النبي بالمتنبي فلا يمكن التمييز [بينهما، إذ التمييز] ليس إلا بالمعجزة، ولحسن منه الكذب أيضًا وحينئذ لم يبق الوثوق على شيء من أخباره نحو الوعد والوعيد وغيرها، ولحسن منه الأمر بالكفران والطغيان، والنهي عن الإيمان والإحسان، ولكان الوجوب متوقفًا على السمع وحينئذ يلزم إفحام الأنبياء - على ما ستعرف ذلك في المسألة الآتية - واللوازم كلها ممتنعة،
стр. 669
فالملزوم أيضًا كذلك.
ورابعها: أن الإنسان قد يعرض نفسه للتعب والعطب في إنقاذ غريق أو حريق أو في حفظ سر ومراعاة عهد، ويستحسن الصبر على السيف إذا أكره على فاحشة، ويؤثر المحتاج على نفسه في ضائقة، وإن لم يعتقد دينًا من الأديان، ولا حشرًا ولا نشرًا لا روحانيًا ولا جسمانيًا، ليقال: إنما فعل ما فعل رجاء للثواب ودفعًا للعقاب، وإن كان لا يرجو أحسن الثناء والمجازاة والشكر على ذلك، ليقال: إنما فعل ذلك ابتغاء لحسن الثناء والمجازاة والشكر، أو قد يفرض ذلك في الخلوة، حيث لا يعرفه أحد ولا المنعم عليه بأن كان أعمي فليس ذلك إلا لحسنه.
الجواب عن الأول: إن دعوى الضرورة في الحسن والقبح، بالمعني المتنازع فيه ممنوعة. كيف يمكن ادعاؤها؟ ومن العقلاء من لا يعتقد قبح ما ذكروه من الأشياء ولا حسن نقائضها كالملاحدة.
ولئن سلم: اتفاق العقلاء في العلم به، فلا يستلزم أن يكون ضروريًا لجواز أن يكون اتفاقهم عليه لدليل أو لشبهه.
قوله: الخصوم مساعدون في الحكم دون المأخذ ممنوع.
стр. 670
وهذا فإنا لا نقبح من الله تعالى إيلام البهائم، وإن كان من غير جريمة وعوض، بل يحسن ذلك، وذلك يدل على عدم المساعدة في أصل العلم، إذ هو من صور النزاع.
وأما دعوى العناد والالتباس فمعارض بالمثل.
سلمنا: إن العلم بهما ضروري، فلم قلتم: إن المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذلك؟، أما الدوران الدال على العلية فمعارض بالتخلف فيما ذكرنا من الصور الدال على عدم العلية.
ولئن سلمنا: سلامته عن المعارض، لكن لا يفيد إلا ظن العلية على ما يأتي تقريره في القياس إن شاء الله تعالى، والمسألة علمية فلا يجوز التمسك [به].
وعن الثاني: بمنع الملازمة إذ ليس جهة (١١٢/أ) الرجحان منحصرة في الوصف الذاتي، ولم لا يجوز أن يكون الرجحان خارجيًا؟ نحو إرادة الشارع وغيرها من المصالح الدنيوية أو الأخروية.
سلمنا: الملازمة لكن لا نسلم نفي اللازم، وهذا لأنه تعالى: فاعل مختار
следующие страницы →