← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مستفادًا منه لما كان حاصلاً لهم. ولا يقال: لو كان كذلك لما كان مختلفًا فيه لاسيما بين الجمهور الكبير والجم الغفير، لأن حسن ما ذكرنا من الأفعال وقبحها غير مختلف فيه، وإنما الخلاف في المأخذ والخصوم وإن نازعونا فيه، إما عنادًا، وإما لأنه التبس عليهم ما هو الحق من المدرك، لكن وافقونا في العلم بهما ولا بعد في التباس المأخذ. وهذا كما زعمتم أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري، وأن خلاف السمينة في إفادته أصل العلم. وخلاف الكعبي وجماعة من

стр. 667

المحققين في وصف كونه ضروريًا لا يقدح فيه، فكذا هنا بل هنا أولى، إذا الاختلاف فيما نحن فيه في أصل الحكم، بل في مدركه. ثم زعم هؤلاء أن المقتضى لقبح الكذب الضار مثلاً، هو كونه كذلك لأنا عند العلم بذلك نعلم قبحه وإن جهلنا سائر أوصافه، وعند الجهل به لا يعلم قبحه وإن علمنا سائر أوصافه، والدوران دليل العلية.

стр. 668

وبعضهم حاول الاستدلال، وذكر وجوهًا فيه: أحدها: لو لم يكن التحسين والتقبيح عقليين، لزم ترجح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: إن الفعل الذي اختص بالوجوب مثلاً، لو لم يكن مشتملاً على ما لأجله اختص به لكان اختصاصه بذلك دون سائر الأفعال، أو دون سائر الأحكام ترجيحًا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح. وثانيها: إنا نعلم بالضرورة، أن العاقل يختار الصدق على الكذب عندما يتساويان في تحصيل جميع المقاصد والأغراض المتعلقة / (١١١/ب) بهما غير كونه صدقًا وكذبًا، مع قطع النظر عن عرف أو شريعة أو غيرهما وليس ذلك إلا لحسنه. وثالثها: لو لم يكن التحسين والتقبيح عقليين لحسن من الله كل شيء، ولو حسن منه كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولو حسن ذلك منه لجاز أن يقع منه، وحينئذ يقع التباس النبي بالمتنبي فلا يمكن التمييز [بينهما، إذ التمييز] ليس إلا بالمعجزة، ولحسن منه الكذب أيضًا وحينئذ لم يبق الوثوق على شيء من أخباره نحو الوعد والوعيد وغيرها، ولحسن منه الأمر بالكفران والطغيان، والنهي عن الإيمان والإحسان، ولكان الوجوب متوقفًا على السمع وحينئذ يلزم إفحام الأنبياء - على ما ستعرف ذلك في المسألة الآتية - واللوازم كلها ممتنعة،

стр. 669

فالملزوم أيضًا كذلك. ورابعها: أن الإنسان قد يعرض نفسه للتعب والعطب في إنقاذ غريق أو حريق أو في حفظ سر ومراعاة عهد، ويستحسن الصبر على السيف إذا أكره على فاحشة، ويؤثر المحتاج على نفسه في ضائقة، وإن لم يعتقد دينًا من الأديان، ولا حشرًا ولا نشرًا لا روحانيًا ولا جسمانيًا، ليقال: إنما فعل ما فعل رجاء للثواب ودفعًا للعقاب، وإن كان لا يرجو أحسن الثناء والمجازاة والشكر على ذلك، ليقال: إنما فعل ذلك ابتغاء لحسن الثناء والمجازاة والشكر، أو قد يفرض ذلك في الخلوة، حيث لا يعرفه أحد ولا المنعم عليه بأن كان أعمي فليس ذلك إلا لحسنه. الجواب عن الأول: إن دعوى الضرورة في الحسن والقبح، بالمعني المتنازع فيه ممنوعة. كيف يمكن ادعاؤها؟ ومن العقلاء من لا يعتقد قبح ما ذكروه من الأشياء ولا حسن نقائضها كالملاحدة. ولئن سلم: اتفاق العقلاء في العلم به، فلا يستلزم أن يكون ضروريًا لجواز أن يكون اتفاقهم عليه لدليل أو لشبهه. قوله: الخصوم مساعدون في الحكم دون المأخذ ممنوع.

стр. 670

وهذا فإنا لا نقبح من الله تعالى إيلام البهائم، وإن كان من غير جريمة وعوض، بل يحسن ذلك، وذلك يدل على عدم المساعدة في أصل العلم، إذ هو من صور النزاع. وأما دعوى العناد والالتباس فمعارض بالمثل. سلمنا: إن العلم بهما ضروري، فلم قلتم: إن المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذلك؟، أما الدوران الدال على العلية فمعارض بالتخلف فيما ذكرنا من الصور الدال على عدم العلية. ولئن سلمنا: سلامته عن المعارض، لكن لا يفيد إلا ظن العلية على ما يأتي تقريره في القياس إن شاء الله تعالى، والمسألة علمية فلا يجوز التمسك [به]. وعن الثاني: بمنع الملازمة إذ ليس جهة (١١٢/أ) الرجحان منحصرة في الوصف الذاتي، ولم لا يجوز أن يكون الرجحان خارجيًا؟ نحو إرادة الشارع وغيرها من المصالح الدنيوية أو الأخروية. سلمنا: الملازمة لكن لا نسلم نفي اللازم، وهذا لأنه تعالى: فاعل مختار

стр. 671

وللفاعل المختار أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح عندنا، كما نقول: في تخصيص اتحاد العالم بوقت معين دون سائر الأوقات مع صلاحية الإيجاد فيها. سلمنا: ذلك لكن نقول: ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، إن كان جائزًا فقد سقط الدليل بالكلية، وإن لم يجز فقد لزم الحيز حينئذ، لأن رجحان فاعلية العبد، على تاركيته، يتوقف على مرجح يجب الفعل عنده على ما تقدم تقريره، وحينئذ يلزم بطلان التحسين والتقبيح العقليين على ما ذكرناه. وعن الثالث: فقد أجاب عنه بعضهم: بأن التفاوت بين الصدق والكذب إن كان حاصلاً ولو بوجه، فقد بطل الاستدلال وإلا فيمتنع الإتيان بأحدهما دون الآخر. وهذا ضعيف، لأنه إن أراد بحصول التفاوت بينهما التفاوت في غير الصدق والكذب لم يلزم من عدم حصوله امتناع الإتيان بأخدهما دون الآخر، وإن أراد به حصول التفاوت بينهما أعم من كونه تفاوتًا في الصدق والكذب، أو في غيرهما لم يلزم من حصوله بطلان الاستدلال. فإن الخصم: إنما فرض التساوي فيما وراء كونه صدقًا أو كذبًا، فإن كونه صدقًا جهة الرجحان وفاقا، أما عندنا فللإلف العام، وأما عند الخصم فلذاته بل جوابه: أن العاقل إنما يختار الصدق على الكذب للإلف العام، وسببه أن نظام العالم لا يحصل إلا بالصدق، إذ لولاه لم يبق الوثوق على شيء من

стр. 672

شيء من الاختيارات، وحينئذ ينسد أبواب المعاملات وسائر أسباب المعائش، فيكون اختياره لحسنه لكن بمعني ملائمة الطبع لا بالمعني المتنازع فيه. فإن قلت: أنا أفرض نفسي خالية عن الإلف والعادة، ثم أعرض عليها الصدق والكذب المتساويين من جميع الوجوه إلا في كونه صدقًا أو كذبًا أحدهما جازمة بترجيح الصدق على الكذب وهو ينفي ما ذكرتم من الاحتمال. قلت: هب أنك فرضت كذلك، لكن فرض الخلو لا يوجب حصول الخلو، فلعل الإلف والعادة حاصل في النفس مع فرض الخلو، فحينئذ الحكم بترجيح الصدق على الكذب يكون بناء عليه. نعم: لو خلقنا خالين عن هذه العوارض، ففي ذلك لا ندري أكنا نحكم بذلك أم لا؟. سلمنا: أن العاقل يختار الصدق على الكذب لحسنه بالمعني المتنازع فيه، فلم يثبت الحسن والقبح بالنسبة إلى الله تعالى / (١١٢/ب)، [فإن] أثبتم بقياس الغائب على الشاهد فهو باطل، لأنه لو أفاد لما أفاد إلا الظن، على ما عرف ذلك في موضعه، فلا يجوز التمسك به في المسالة العلمية. سلمنا: إفادته اليقين، لكن الفرق بين الغائب والشاهد قائم ومعه لا يصح [القياس. وبيانه: من حيث الإجمال أنه قد لا يصح] منه تعالى [شيء ويقبح مثله منا، إذا لا يقبح منه تعالى] أن يترك عبيده، وإماءه يموجون في المعاصي والقبائح، مع علمه بذلك وقدرته على منعهم منها، وبقبح ذلك منا.

стр. 673

فإن قلت: لا نسلم أنه تعالى قادر على منعهم، وهذا لأن مقدور العبد غير مقدور الله تعالى عندنا، والكف عنها مقدور له فلا يكون مقدورا لله تعالى وأنه تعالى علم وقوعها منه ومنعهم منها يقتضي عدم وقوعها وذلك يفضي إلى انقلاب علم لله تعالى جهلا. وهو محال، وما أفضى إلى المحال فهو محال فمنعهم عنها محال، والمحال غير مقدور له. سلمنا: القدرة على المنع لكن إنما لم يمنعهم قهرا ليحترزوا باختيارهم فيستحقوا الثواب. قلت: الدليل على أنه تعالى قادر على منعهم عنها هو أنه تعالى قادر على إيجاد كل الموجودات، فيكون قادرا على تركه، لأن القادر على الشيء لابد وأن يكون قادرا على ضده، ويلزم من هذا أن لا يكون العبد قادرا على شيء منها، ولا يلزم حصول مقدوريين قادرين. وهو باطل وفاقا. بيننا وبين المعترض: أما عندنا فلا انتفاء القادر من المؤثرين في الإيجاد وأما عند الخصم فلأنه لا يجوز ذلك. بيان الأول: أنه لا نزاع في أنه تعالى قادر على إيجاد الجواهر والأجسام وبعض الأعراض التي هي غير مقدور للعبد، ويلزم منه أن يكون قادرا على الكل، لأن الواقع بقدرته في تلك الصور عند الخصم ليس هو الماهية الثابتة في العدم ولا الصفات اللازمة لها، كالمشيئة والمعية، ولا الصفات التابعة للحدوث، كالقيام بالنفس والتحيز والحجمية، فإنها ليست من آثار القدرة عنده، بل إما الوجود أو اتصاف الماهية به وكل واحد منهما معنى واحد غير مختلف في الموجودات ولذلك لا يختلف بعقله عند تعقل الموجودات المختلفة، ومن الظاهر أن جهة الصلاحية في القدرة الواحدة بالنسبة إلى المقدور الواجد غير مختلف أيضا، والإمكان المصحح للمقدورية، إما بمعنى السببية أو

стр. 674

الشرطية حاصل في الكل ويلزم من هذا كون الله تعالى قادرا على كل الموجودات، ولهذا خرج الجواب أيضا عما ذكره في سند منعه. وعن الثاني: أن ذلك موجود في الشاهد، فوجوب أن لا يكون للسيد قدرة على المنع، فوجب أن لا يقبح منه ترك المنع بكونه محالا وأيضا، فإنه يقتضي نفي قدرة الله تعالى عن كل الممكنات فعلا وتركا، أما في / (١١٣/أ) الإيجاد ما علم أنه لا يقع أو في تركه فيما علم أنه يقع فيتعين ما ذكرتم، وأن في ضديهما فلما ثبت في علم آخر أن القدرة على المشيء قدرة على ضده. وأما قوله: إنما لم يمنعهم قهرا لكي ينزجروا باختيارهم فيثابوا. فضعيف، لأنه إذا علم أنهم لا ينزجرون بأنفسهم لا يكون ذلك مقصودا ومرادا، لأنه محال فليمنعهم قهرا، فإن ذلك أصلح من أن يتركهم على فعل المعصية، لأن بتقدير المنع قهرا وإن لم يستحقوا الثواب، لكن لا يستحقون العقاب أيضا، وأما على تقدير فعل المعصية فإنه يحصل الأمران جميعا. وعن الرابع: أما عن الملازمة أولى: فقد أجاب الإمام عنها: بأن خلق المعجزة إن وجد تعليله لغرض التصديق، فقد لزم الجبر، لأنه لا يجوز رجحان الفاعلية على التاركية إلا لمرجح، وحينئذ يبطل القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وإن لم يجد تعليله به فجاز أن يخلقهما لا لغرض أو لغرض غير التصديق، وعلى التقديرين جاز أن يخلقها على يد الكاذب، لأن القبيح هو خلقها على يد الكاذب، لغرض التصديق لا خلقها لغيره، وحينئذ يلزم ما ذكرتم من الالتباس.

стр. 675

وهذا الجواب ضعيف، لأنه إن لزم الجبر على تقدير وجوب تعليل خلق المعجزة لغرض التصديق، فإنما يلزم في أفعاله تعالى ضرورة كون المعجزة من خلقه تعالى، وهو قد اعترف في الكتب الكلامية أنه وإن توقف رجحان الفاعلية على التاركية على مرجح لكن لا يلزم منه الجبر في أفعاله تعالى لما أن مرجح فاعليته تعالى منه كما ذكرنا وعلى هذا التقدير لا يلزم بطلان التحسين والتقبيح. بل جوابها: أنا لا نسلم أنه يلزم منه الالتباس المذكور، وهذا لأن الالتباس إنما يلزم بتقدير الوقوع، وليس حسن الشيء يوجب وقوعه بل قد يرحم بانتفائه، كما في العلوم العادية. وعن الملازمة الثانية: فمن وجهين: أحدهما: أنه وارد عليكم أيضا، لأن الكذب قد يصير حسنا عندكم باشتماله على المصلحة - فما تقدم ذكره - وحينئذ لا يمكن الاستدلال بقبح الكذب على امتناع صدوره من الله تعالى، إلا إذا علم أنه لا مصلحة هناك تسوغه لكن ذلك متعذر كما تقدم. وثانيهما: أنه إنما يلزم ما ذكرتم إن لو لم يكن لامتناع صدور الكذب منه تعالى مدرك آخر سوى القبح العقلي، وذلك ممنوع [ثم] أنا نتبرع ببيانه: وهو أن الكذب صفة نقص، وهي على الله محال وفاقا. وعن الثالث: بتسليمها ومنع امتناع اللازم، وهذا لأنه لا معنى للطاعة

стр. 676

عندنا إلا ما ورد الأمر به ولا معنى للمعصية إلا ما ورد النهي عنها، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يصير المأمور به منهيا عنه وبالعكس / (١١٣/ب). وعن الرابعة: ما سيأتي إن شاء الله تعالى "في المسألة الآتية". وعن الخامس: بمنع ما ذكروه عند فرض تلك الحالة. سلمناه: لكن ذاك لرقة البشرية، وشفقة الطبع إلى الجنس ولصفة الكمال وعزة النفس. سلمناه: لكن للإلف العام، فإن الطباع قد ألفت ذلك لحصول تلك الأغراض المنفية في ذلك الفعل [في] الأكثر "شأن الفعل منا" فبقيت راسخة في النفس، فتكون حاملة على الفعل ولو لم توجد تلك الأغراض في بعض الصور. واعلم أنه إذا بطل الحسن والقبح العقلي بطل ما هو من تفاريعه، وجوب شكر المنعم، وثبوت الحكم الشرعي لشيء من الأفعال قبل الشرع، إلا أن عادة الأصحاب قد جرت في أن يتكلموا في هاتين المسالتين بعد إبطال قاعدة التحسين والتقبيح إظهارًا ضعف مأخذ الخصم فيهما بناء على مذهبه على طريق الالتزام.

стр. 677

المسألة الثانية [في حكم شكر النعم] شكر المنعم غير واجب عقلاً عندنا خلافًا للمعتزلة، وبعض الحنفية.

стр. 678

وأما وجوبه شرعًا فمتفق عليه. والمراد يكون الشكر واجبًا عقلاً: هو أنه يجب على المكلف تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية، هذا ما ذكره بعض أصحابنا نقلاً عنهم، ولا يبعد أن يراد به ما نريد نحن به في الشرع. وهو: إن الشكر يكون بالاعتقاد: وهو بأن يعتقد أن ما به من النعم الظاهرة والباطنة كله من الله تعالى، وأنه المتفضل بذلك عليه فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مستحق عليه وفاقًا. ويكون بالفعل: وهو بأن يمتثل أوامره وينتهي عن مناهيه. ويكون بالقول: وهو أن يتحدث بما به من النعم وأنه تعالى هو المسدي بذلك إليه.

стр. 679

كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، وكما قال ﵇: "التحدث بالنعم شكر".

стр. 680

احتج الأصحاب بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وجه الاستدلال به ظاهر.

стр. 681

لا يقال: الآية تقتضي نفى التعذيب بالفعل، وهذا لأن النفي يرفع مقتضى الإثبات، ومقتضى الإثبات حصول التعذيب بالفعل، لأن صدق المشتق بصدق المشتق منه، وإذا كان كذلك فلا يلزم من نفس التعذيب بالفعل نفي الوجوب، لأن وجوب الشيء لا يقتضي تحقق العقاب على تركه لما ذكرتم أنه ليس شرط الوجوب تحقق العقاب، ولا يدفع هذا بما إن المراد منه نفي استحقاق التعذيب، لأن الأصل عدم الإضمار. وأيضًا فلم لا يجوز أن يكون المراد منه نفي التعذيب بالفعل الذي لا يستقل العقل بمعرفته؟ لأنا نقول: أما الأول: فمدفوع، لأنا إنما / (١١٤/أ) لا نشترط تحقق العقاب في ترك الواجب لجواز العفو، والخصم لا يقول به: فيستدل عليه بطريق الإلزام. فإن قلت: نحن أيضًا لا نشترطه، لأنا نجوز سقوطه بالتوبة. قلت: نفرض الكلام فيمن ترك الشكر قبل الشرع، ومات من غير توبة، فإنه يعاقب عندكم لا محالة لعدم المسقط، وهذا خلاف مقتضي النص فيكون بلاطلاً. وأما الثاني: فكذلك لأن النفي عام، إذ النكرة في سياق النفي تعم

стр. 682

والتخصيص خلاف الأصل. وثانيها: قوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ فهذه الآية تدل بطريق المفهوم أن قبل بعثة الرسل يكون للناس على الله حجة، فلو كانت الحجة تقوم بالعقل وحده، ويحسن المؤاخذة على الشيء قبل الشرع لما حسن هذا التعليل. وثالثها: لو وجب الشكر، لوجب: إما لفائدة، أو لا فائدة، والقسمان باطلان، فيكون القول بوجوب الشكر باطلاً. أما بطلان القسم الثاني فظاهر، لأنه حينئذ يكون عبثا والعقل لا يوجب العبث، ولأن المعقول من الوجوب ترتب الثواب على الفعل وترتب الذم أو العقاب على الترك، فإذا لم يتحقق ذلك لم يتحقق الوجوب. وأما بطلان القسم الأول: فلأن تلك الفائدة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى، أو إلى العبد. والأول: باطل لتنزهه عن الفوائد والأغراض. والثاني: أيضًا كذلك، لأن تلك الفائدة، إما أخروية أو دنيوية، وكل واحد منهما: إما جلب نفع، أو دفع مضرة.

стр. 683

أما الأولى: أعني الفائدة الأخروية: سواء كانت جلب نفع أو دفع مضرة. فقد استدل بعضهم: على نفيها بأن العقل لا يستقل بمعرفة الفوائد الأخروية دون إخبار الشارع، ولا إخبار قبل الشرع فلا يجب قبل الشرع لأجلها. وهو ضعيف: لأنه إن عنى بقوله: أن العقل لا يستقل بمعرفة الفوائد الأخروية دون إخبار الشارع الفوائد التفصيلية فهذا مسلم، لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية، المترتبة عليه حتى يلزم من نفيه نفي الوجوب. وإن عني به الفوائد الإجمالية، فممنوع أن العقل لا يستقل بمعرفتها، وهذا لأن الخصم بناء على قاعدة التحسين والتقبيح يقطع في الجملة بإيصال الثواب على الله تعالى بفعل الواجبات العقلية، وبإيصال العقاب بتركها عند عدم المسقط نحو التوبة، فكيف يدعى عليه ذلك؟ نعم لو قيل: ذلك بناء على أن الثواب والجزاء تفضل من الله تعالى كان له وجه، لكن الخصم لا يساعد عليه فلا يمكن أن يستدل به إلا بعد إقامة الدلالة عليه وإثباته. واستدل / (١١٤/ب) البعض الآخر: على أنه لا يجوز أن يجب لجلب نفع أخروية كانت أو دنيوية، لأن جلب النفع غير واجب عقلاً فما يكون وسيلة إليه أولى أن يجب. ولأن الله تعالى قادر على إيصال تلك المنفعة من غير توسط الشكر فتوسط الشكر عيب.

стр. 684

لا يقال: لا نسلم أن جلب النفع غير واجب عقلاً، إذ المنافع مختلفة فيه، ولا نسلم إن الله تعالى قادر على إيصال تلك المنفعة بدون توسط الشكر، وهذا لأنه يجوز أن تكون تلك المنفعة هي نفس كونه شكرًا، لأن وجوب الشيء لا يستدعي أن يكون لشيء آخر، وإلا لزم التسلسل. وهو محال فلابد من الانتهاء إلى ما يكون واجبًا لذاته، كما في دفع المضار عن النفس، وإذا كان كذلك فيستحيل حصول تلك المنفعة بدون الشكر فلا يكون مقدورًا لله تعالى، لأن المحال غير مقدور عليه وفاقًا. لأنا نقول: الدليل على أن جلب النفع غير واجب عقلاً، هو: أن العاقل لو تركه، فإنه لا يفضي العقل باستحقاق العقاب أو الذم على تركه، وما يكون كذلك لا يكون واجبًا. نعم: قد يذم على ترك ما لابد له منه في معيشته، لكن على هذا التقدير يرجع حاصله إلى القسم الثاني، وهو دفع المضرة عن النفس وهو غير ما نحن فيه. ولئن سلمنا: أنه يذم على ترك جلب النفع مطلقًا، لكن فيما لا يلحقه في اكتسابه مشقة، أم مطلقًا سواء كان في اكتسابه مشقة أو لا يكون. والأول: مسلم. والثاني: ممنوع ما نحن فيه ليس من قبيل القسم الأول: بل هو من قبيل القسم الثاني، لأن من الظاهر أن حمل النفس على تجنب المستقبحات العقلية التي تميل النفس إليها، وحملها على فعل المستحسنات العقلية التي تميل النفس إلى تركها مشقة وكلفة. وأما الجواب الثاني: فهو أن تقول: لا يجوز أن يجب الشكر لنفس كونه شكر، لأن العلة الغائبة لوجوب الفعل، هي: الحكمة التي تحصل بفعله لا

стр. 685

نفس الفعل، إذ لو جاز ذلك في فعل لجاز مثله في كل فعل، لأن حكم الشيء حكم في مثله، ولأنه لو لم يجز لكان ذلك ترجيحًا من غير مرجح. وهو ممتنع، وحينئذ يلزم أن لا يكون القياس متعديًا به، لأن خصوصيات الأفعال غير مشتركة بينها، فلا يمكن تعدية الحكم من فعل إلى فعل. وهو باطل وفاقا، وبهذا أيضًا خرج الجواب: عما ذكره في سند المنع، لأن دفع المضرة حكمة وليس تحصيل الحكمة لحكمه وإلا لزم التسلسل، بخلاف الأفعال فإنها تنتهي إلى الحكم. وأما أنه لا يجوز أن يجب لدفع مضرة عاجلة [فلأن الشكر مضرة عاجلة]. فكيف يدفع مضرة / (١١٥/أ) عاجلة؟ لاسيما المضرة المدفوعة غير مقطوعة الوقوع. فإن قلت: الشكر وإن كانت مضرة عاجلة، لكنه يرفع ضرر خوف العقاب على تركه في الآخرة، وهو مضرة عاجلة مقطوعة الوقوع على تقدير ترك الشكر، ولا بعد في [تقدير] أن يجب الشيء، وإن كان فيه مضرة عاجلة، لرفع مضرة عاجلة أخرى فوقها، كما في الفصد والحجامة قلت: لا نسلم أن خوف العقاب على "تقدير" ترك الشكر مضرة

стр. 686

عاجلة مظنونة الوقوع فضلاً عن أن تكون مقطوعة الوقوع، وهذا لما سيأتي وبتقدير حصوله، فلا نسلم أن ضرره راجح على ضرر فعله، وهذا لأنه يحتمل سقوطه بالعفو والتوبة عندنا، وعندكم يجب ذلك بالتوبة وضرر التوبة أقل من ضرر فعل الشكر، فيحتمل أن لا يترتب العقاب على تقدير الترك، وأما الضرر الناشئ من القول على تقدير الفعل فيستحيل أن لا يترتب العقاب عليه، وأما أنه لا يجوز أن يجب لدفع مضرة آجلة، فلأن القطع لحصول المضرة الآجلة عند ترك الشكر، إنما يمكن إذا كان المشكور يسره الشكر ويسوؤه الكفران، والله تعالى منزه عن ذلك، فلا يمكن القطع بالعقاب منه فلا يجب لدفعه. فإن قلت: هب أنه لا يمكن القطع بالعقاب من الله تعالى عند ترك الشكر، لكن حصوله عنده أغلب على الظن من لا حصوله أو وإن لم يكن كذلك لكن لا شك في احتماله، وهذا لأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد طلب منه الشكر على ما أنعم به عليه، فإذا لم يأت به كان مستوجبًا للذم والعقاب والشيء قد يجب لدفع ضرر مظنون أو محتمل، كما في وجوب العمل بالقياس وطريقة الاحتياط. قلت: أما ظن حصول العقاب فممنوع أيضًا، وأما الاحتمال فقائم. ولكنه معارض بما أنه يحتمل العقاب على فعل الشكر أيضاً ويدل عليه وجوه: أحدها: أن الشاكر ملك الله، فتصرفه في نفسه بالشكر قبل ورود الشرع تصرف في ملك الغير من غير ضرورة بغير إذنه، فوجب أن يقبح كما في

стр. 687

الشاهد، وهذا على أبي هاشم وأتباعه ألزم، لأن التصرف في ملك الغير بغير الإذن قبيح لعينه عنده، وإن إفراد النوع الواحد لا يختلف في الحسن والقبح عنده. وثانيها: أن الشكر من الشاكر نوع من المجازات، وقد يقبح في الشاهد مجازاة العبد سيده على نعمة لاسيما إذا كانت النعم في غاية الكثرة والجلالة، والجزاء في نهاية الحقارة والخساسة وإذا قبح هذا في الشاهد فلأن يقبح في الغائب بطريق الأولى، لأن المناسبة بين شكر العبد ومجازاته وبين نعم سيده أتم مما بين شكرنا وما بين نعم الله تعالى. وثالثها: أن النعم إذا كانت حقيرة / (١١٥/ب) قبح الشكر عليها لاسيما إذا كان المنعم في غاية النعمة ونهاية القدرة على الإنعام والإحسان، ألا ترى أن الملك العظيم، إذا أنعم على الفقير بتمرة أو لقمة، ثم أخذ الفقير يشكره على ذلك في محافل الكبراء، ومجامع العظماء، فإنه يعد مستهزئًا بذلك الملك لا محالة، ويستحق التأديب على ذلك، وكل ما أنعم الله تعالى به على المكلف، من النعم الدنيوية فهو بالقياس إلى خزائن الله تعالى أقل من تلك التمرة واللقمة بالنسبة إلى خزائن ذلك الملك، لن نسبة المتناهي إلى غير المتناهي أقل من نسبة المتناهي إلى المتناهي، مقتضي هذا الدليل والذي قبله أن يقبح الشكر بعد ورود الشرع أيضًا، لكن لما ورد الإذن بذلك اندفع ما ذكرتم من الاحتمالين. ورابعها: أن العبد ربما لا يأتي بالشكر اللائق فيستحق التأديب على ذلك وهو غير آت بعد ورود الشرع، لأن الشارع بين ما هو اللائق من الشكر.

стр. 688

فإن قلت: لما فسر الشكر بتكليف النفس على اجتناب المستقبحات العقلية، وإلزامها بإتيان المستحسنات العقلية، اندفع أيضًا ما ذكرتم من المحذور المذكور، لأن الشكر اللائق حينئذ يكون معلومًا، كما هو بعد ورود الشرع. قلت: هب الأمر كما ذكرتم، لكن الإتيان بما ذكرتم من الشكر يتوقف على استقباح العقل وتحسينه، فربما يستقبح ما ليس بقبيح ويستحسن ما ليس بحسن، إذ العقول غير معصومة عن الخطأ فحينئذ يقع في [المحذور] المذكور. لا يقال: إن احتمال العقاب على الترك راجح على احتمال العقاب على الفعل، لأن المشتغل بالعبودية والمواظب على الشكر أحسن حالاً من المعرض عنهما لتطابق العرف والعقل، وإذا كان كذلك فلا يحصل التعارض، وبهذا خرج الجواب عن منع حصول ظن العقاب على الترك. لأنا نقول: ما ذكرتم مسلم لكن بالنسبة إلى من يسره الشكر والخدمة ويسوؤه الكفران والإعراض، فأما النسبة إلى الله تعالى الذي لا يسوؤه الكفران ولا يسره الشكر فممنوع، وإذا بطلت هذه الأقسام بطل القول بوجوب شكر المنعم عقلاً. فإن قلت: ما ذكرتم بعينه يقتضي نفي الوجوب الشرعي، وهذا لأنه غير آت فيه بعينه. أما أولاً: فلأن القسم الأول من التقسيم: وهو أن يجب لا لفائدة، لا

стр. 689

يمكن نفيه بما ذكرتم من الطريق، وهو أ، هـ عيب وهو على الله تعالى محال، لأنا لا نوجب تعليل أفعاله تعالى، وإن كان يمكن نفيه بطريق آخر. وأما ثانيًا: فلأنه لا يمكن أن يقال: أيضا أنه لا يجوز أن يجب لدفع المضرة عاجلة كانت / (١١٦/أ) أو آجلة بما ذكرنا من الدليل، لأن الشارع لما أوجب وأخبر بحصول العقاب على تقدير الترك، كان خوف العقاب على الترك حاصلاً بطريق غلبة الظن، إذ الأصل عدم العفو، ولأنه لو أخبر بعدم العفو، فعنده يمكن أن يتحقق مقتضى الوجوب لدفع مضرة عاجلة، وهذا الاحتمال غير متصور قبل الشرع. سلمنا: أنه لا يجوز أن يجب لدفع مضرة عاجلة بما ذكره من الطريق، فلم لا يجوز أن يجب دفع مضرة آجلة؟ ولا يمكن نفيه بما ذكر من الطريق، لأن احتمال العقاب على الفعل غير متصور لورود الإذن به من الشارع، فليس فيه احتمال أن تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وليس فيه احتمال المجازاة والمكافأة لأنه امتثال أمره وإظهار عبوديته، والاحتمال أنه قد لا يأتي بالشكر اللائق، لأنه مبين من الشارع. ولئن سلمنا: احتمال العقاب على تقدير الفعل، لكنا نعلم أن الشاكر والمشتغل بالعبودية، أحسن حالاً من المعرض ولا يمكن أن يدفع هذا بما تقدم، لأنه أخبر الشرع بالثواب على تقدير الفعل، وبالعقاب على تقدير الترك، وأما احتمال العفو فقد سبق جوابه. سلمنا: أنه يقتضي نفي الوجوب الشرعي، لكن إنما يقتضيه بناء على أصلكم، وحينئذ لا نسلم أن القول: بنفيه باطل، بل نقول: لو ثبت هذا

стр. 690

الأصل لوجب نفي وجوبه عقلاً وشرعًا، وقد ثبت ذلك بما ذكرنا، وما ذكرتم من إتيانه بعد ورود الشرع، ولا يلزمنا الجواب عنه، لأن ذلك الأصل باطل عندنا، والإشكال إنما هو لازم على تقدير صحة الأصل [بل] هو لازم عليك لا غير. الدليل الرابع: في المسألة: إن الإنسان ضعيف حقير قليل المقدار لا يعلم كنه عظمة الله تعالى وكبريائه، كما قال الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ ولا يعلم نعمه التي أنعم بها عليه، كما قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. ومن كان كذلك قبح منه الشكر لخسة قدره، ولعدم إتيانه بالشكر اللائق، ولمحاولته المجازاة لمنعمه الذي نعمه عليه لا تجازى ولا تكافأ لكثرتها وتجاوزها عن حد الإحصاء، ألا ترى أن أحدًا من الأخساء "إذا تصدى" لشكر نعم الملك العظيم الذي عم نواله سائر البرية وإحسانه جميع البشرية، فإنه يعد ذلك نقصًا في حقه ويحسن أن يقال له: من أنت حتى تشكر نعمه، وإنما يصلح لذلك الكبراء والعظماء، الذين يعرفون قدر النعم ومقدار المنعم، ويقدرون على إتيان الشكر اللائق، أما أنت الضعيف الحقير الغير العارف لقدر النعم فلا. فإن قيل: ما ذكرتم من الدليل على نفي وجوب الشكر في مقابلة ما تكرر في بداية العقول من وجوبه فلا يكون مقبولاً، وهذا لأن النظريات فرع البديهيات، والقدح في الأصل يوجب القدح في الفرع، فلو كانت النظريات مقبولة / (١١٦/ب) في مقابلة البديهيات لكانت مردودة أيضًا لكونها مقدوحة

стр. 691

بسبب قدح الأصل. الجواب: أنا لا نسلم تقرر ما ذكرتم من الوجوب في البداية. ولئن قال فيه ما قال: في التحسين والتقبيح. فجوابه: ما سبق أيضًا. سلمنا بداهة وجوب شكر المنعم لكن بالنسبة إلى من يسره الشكر ويسوؤه الكفران لا بالنسبة إلى كل المنعمين. فإن قلت: ما ذكرتم من الدليل الدال على عدم وجوب الشكر معارض بوجهين: أحدهما: أن الشكر طريق آمن وتركه مخوف، إذ الشاكر أحسن حالاً من التارك للشكر، والعقل يقتضي وجوب سلوك الطريق الآمن. ألا ترى أن العاقل إذا قدم إليه طعامان توهم في أحدهما السم دون الآخر، فإنه لابد وأن يختار الطعام الذي يتوهم فيه ذلك من حيث اقتضاء العقل. وثانيهما: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً لم يثبت وجوب شيء من الأشياء للإجماع، على عدم التفرقة، ولو لم يثبت الوجوب إلا بالشرع لزم إفحام الأنبياء، وذلك لأن حجتهم إنما تقوم بمعجزتهم الدالة على صدقهم وإنما تتميز المعجزة عن السحر والظلم وسائر الخوارق بالنظر فيها، وإذا كان كذلك

стр. 692

فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك ما لم يجب النظر على، ولا يجب ذلك على إلا بالشرع ولا يثبت الشرع ولا يستقر إلا بالنظر في معجزتك، فإذا أنا لا أنظر حتى لا يجب على النظر، وحينئذ لا يثبت صدقك فلا يلزمني إتباعك وفيه إفحام الأنبياء. الجواب: عن المعارضة الأولي: إنا لا نسلم أن الشكر طريق آمن، وهذا لأنا بينا أنه كما يحتمل العقاب على الترك فكذا يحتمل على الفعل، فعلى هذا التقدير لا يكون الشكر طريقًا آمنا. سلمناه: لكن لا نسلم أن العقل يقتضي وجوب سلوك الطريق الآمن بالمعني المتنازع فيه، وهذا لأن العقل لما لم يوجب عندنا شيئًا لم يكن ما ذكروه من القضية مسلمًا، فدعواه دعوى محل النزاع من غير زيادة. وعن الثانية: من وجهين: أحدهما: أن ذلك لازم عليكم أيضًا، لأن وجوب النظر ليس ضروريًا عندكم، بل هو نظري فقبل أن ينظر العاقل فيه لا يعرف وجوبه فله أن يقول: حين يدعوه النبي إلى تصديقه إني لا أنظر في معجزتك ما لم يجب على النظر ولا يجب على ما لم أنظر، فأنا لا أنظر كيلا يجب على النظر، وحينئذ يلزم ما ذكرتم من المحذور.

стр. 693

والجواب مشترك وليس لأحد أن يقول: أن وجوبه ضروري ويلتزم ذلك لدفع المحذور المذكور، لأنه ظاهر الفساد، لأن وجوبه يتوقف على كون النظر يفيد العلم وخلاف منكريه فيه مشهور، وبتقدير كونه يفيده في الجملة فهو غير كاف بل لابد وأن يفيده في الأمور الإلهية، وخلاف جمهور الحكماء / (١١٧/أ) فيه أيضًا مشهور. وإنما قلنا: ذلك، لأن بتقدير أن لا يفيده فيها لا يكون واجبًا لعدم حصول المطلوب منه، وهذا لأن وجوبه ليس بعينه بل لتحصيل المعارف الإلهية والظن غير كاف فيها، بل العلم، فإذا لم يفده لم يجب وبتقدير كونه يفيده فيها أيضًا فإنما يجب على التعيين إن لو كان متعينًا لذلك وهو ممنوع، وهذا لأن له طريقًا آخر عندنا كتصفية الباطن والإلهام، فعلى هذا التقدير لا يكون واجبًا على التعيين، فإذا كان العلم بوجوب النظر يتوقف على هذه المقدمات التي لا تكاد تثبت إلا بالنظر الدقيق كان العلم بوجوبه نظريًا، لأن الموقوف على النظري أولى أن يكون نظريًا. فظهر بما ذكرنا أن القول بأن وجوبه ضروري ظاهر الفساد. فإن قلت: إنا نسلم أن وجوبه نظري، لكن الإفحام المذكور غير لازم علينا على هذا التقدير أيضًا، وهذا لأن المكلف الذي لا يأتي بالنظر إلا بعد وجوبه عليه ربما أتي بالنظر قبل الشرع فيكون قد عرف وجوبه قبله، فليس له أن يقول: بعد الدعوة لا أنظر ما لم يثبت وجوبه على، إذ قد يثبت وجوبه عليه، بخلاف ما إذا كان وجوبه شرعيًا، فإنه لا طريق إلى معرفة وجوبه إلا بالشرع فيكون الإفحام لازمًا لا محالة. قلت: هب أنه لا يلزم الإفحام المذكور فيما ذكرتم من الصور، لكن لا شك في لزومه فيما إذا لم يأت المكلف به قبل الشرع فلا تقوم حجتهم عليه

стр. 694

لكنه باطل لإجماع المسلمين على أن حجتهم قائمة على كل عاقل بالغ بلغته الدعوة، فما هو جوابكم فيه فهو جوابنا في الكل. فإن المحذور متى لزم يجب دفعه سواء كان لزومه على جهة العموم أو الخصوص. وثانيهما: أنا لا نسلم أنه لا يثبت الشرع ولا يستقر إلا بالنظر في المعجزة، بل ثبوته واستقراره موقوف على ظهور المعجزة الدالة على صدق مدعى النبوة عند التحدي سواء نظر الناظر فيها أو لم ينظر، وهذا لأنه لا يعتبر في كون الدليل يوجب المدلول أن ينظر فيه الناظر فيفيده وجود المدلول، بل المعتبر فيه أن يكون بحيث لو نظر فيه ناظر بشروطه لإفادة العلم بوجود المدلول، وإذا كان كذلك فعندما ظهرت المعجزة التي شأنها ما ذكرناه ثبت الشرع واستقر سواء نظر المدعو فيها أو لم ينظر، وعلى هذا التقدير يكون النظر واجبًا عليه، لكنه غير عارف لوجوبه عليه لجهله بشرط الوجوب لكن ذلك لا يقدح في وجوبه عليه، لأنه لا يشترط في وجوب الشيء العلم بوجوبه وإلا لم يكن ما جهل وجوبه واجبًا، بل التمكن من معرفة وجوبه والمدعو هاهنا متمكن من معرفته / (١١٧/ب) وإنما لا يعرف لتقصيره في معرفته، وذلك لا ينافي نفى الوجوب عليه، كما في فروع الشرائع. ثم قال بعضهم: إن هذه المسألة ظنية لا قطعية: فيكون الخطأ فيها ظني وهو: خطأ، لأنه إن زعم ذلك بناء على أن أصل هذه المسألة وهو مسألة التحسين والتقبيح ظني فهو باطل، لأنها من المسائل الكلامية التي يقطع بخطأ المخالف فيها، وكيف لا ومعظم مسائل الكلام كخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وعدم جواز العفو عن أصحاب الكبائر، ووجوبه الإثابة والعوض

стр. 695

على فعل الخيرات وغيرها من المسائل كلها مبني عليها، ولا شك أن الخطأ في تلك المسائل ليس بظنى بل هو قطعي، فلأن يكون الخطأ فيها قطعي بطريق الأولي. وإن لم يكن زعمه بناء على ذلك بل نسلم أنها من المسائل القطعية التي يقطع بخطأ المخالف فيها. وإنما قال ما قال: بناء على "ما" يخص هذه المسألة فهو أيضًا باطل، لأن القطع بفساد الأصل يوجب القطع ما هو من تفاريعه. المسألة الثالثة في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، ويعرف منه حكم ما بعده، فيما لا يعرف فيه حكم من أدلته لو أمكن ذلك. ذهب أهل السنة والجماعة أنه لا حكم فيها سواء كان الانتفاع بها

стр. 696

ضروريًا أو لا يكون، سواء كان محض المضرة، أو محض النفع، أو مشتملاً عليهما، وهذا لأن الحكم عندهم عبارة عن الخطاب على ما تقدم تفسيره فحيث لا خطاب لا حكم. وكلام الإمام يشعر بخلافه، لكن الحق ما ذكرناه نقلاً ودلالة. وأما المعتزلة: فإنهم قسموا الأفعال الاختيارية إلى: ما يقضي العقل فيها بالحسن: إما ضرورة أو نظرًا، وهو يتناول الأحكام الثلاثة، أو الأربعة، على حسب اختلاف تفسير الحسن، وإلى ما يقضي فيه بالقبح كذلك، وهو يتناول الحكمين أو الواحد، على حسب تفسيره، وإلى ما لا يقضي العقل فيه بواحد منهما على سبيل الخصوصية. واختلفوا فيه: فعند معتزلة البصرة: أنه على الإباحة: بالمعنى الذي

стр. 697

تقدم ذكره، لا بمعني نفي الحرج عن الفعل، فإن ذلك متفق عليه بيننا وبينهم. وعند معتزلة بغداد، وطائفة من الأمامية: أنه على الحظر، وإليه

стр. 698

مال أبو علي بن أبي هريرة من فقهائنا. ومنهم من توقف فيه: بمعني أنا لا ندري هل لله فيه حكم أم لا؟. وبتقدير أن يكون فيه حكم، لكن لا ندري هل الإباحة أو الحظر؟. ومن الناس من قال بذلك لكن قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده، قال

стр. 699

بينا أنه كان على الإباحة قبل الورود.

стр. 700

لنا: من المنقول الآيتان المذكورتان في المسألة السابقة. فإن قلت: الاعتراض على الأولي منهما ما سبق. والذي نزيده هنا أنها لا تدل على / (١١٨/أ) بطلان مذهب الإباحة والوقف إذ لا عذاب على فعل المباح ولا على تركه. وإذا كان كذلك فيتعذر بها الاستدلال، لأن الدليل حينئذ يكون خاصًا والدعوى عامة. قلت: أما الجواب عن الاعتراضات المتقدمة، فما سبق، وأما عن الأخير فمن وجوه: أحدها: أنه مهما ثبت بالآية نفي الوجوب والحرمة قبل الشرع لدلالتها على نفي لازمهما، وهو عدم الأمن من العذاب يلزم منه نفي الإباحة على العموم، لعدم القائل: بالفصل، وهذا لأن القائل: بالإباحة في القسم الثالث، وإن قال: بنفي الوجوب والحرمة فيه لكن قال: بالوجوب في بعض الأشياء، كوجوب معرفة الله وشكره، وبالحرمة في بعضها، كحرمة الظلم والكذب الضار، فإذا ثبت ذلك لدلالة الآية على نفيه وجب أن لا يثبت

стр. 701

شيء من الأحكام كيلا يلزم خرق الإجماع. وثانيها: أن المباح وإن كان لا عذاب فيه من جهة الفعل والترك، لكن فيه العذاب بالنسبة إلى الاعتقاد، فإن من لا يعتقد المباح مباحًا فإنه ربما يضلل ويفسق، ولهذا يضلل من لا يرى المسح على الخفين، ويضلل من لا يرى عقد الإجارة، ولهذا الاعتبار جعلناه من التكليف، وإذا كان كذلك فمن لا يعتقد المباح مباحًا لا يأمن من العذاب، والآية تؤمن منه قبل الشرع مطلقًا، سواء كان بالنسبة إلى الفعل أو "إلى" الاعتقاد أو إليهما.

стр. 702

وثالثها: إنا لا نثبت [بالآية] إلا عدم الوجوب والحرمة قبل الشرع، فأما عدم ما سواهما فإنما يثبت بدليل آخر. وأما المعقول: فهو أن الحكم يستدعي حاكمًا ولا حاكم قبل الشرع لما تقدم أن العقل لا يحسن ولا يقبح، وقد انعقد الإجماع على أنه لا حاكم سواهما فحينئذ يلزم أن لا يكون هناك حكم. أما القائلون بالإباحة قد احتجوا بأمور: أحدها: أنه لا معني للمباح إلا ما أعلم فاعله، أو دل على أنه لا حرج عليه في فعله ولا في تركه، وما نحن فيه دل العقل على أنه كذلك، فوجب أن يكون مباحًا. أما الأول: فظاهر لمساعدة الخصم عليه. وأما الثاني: فلأن الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها، فإما أن يكون له فيه غرض أو لا يكون. والثاني: باطل، لأنه عبث وهو على الحكيم محال. فيتعين الأول، وذلك الغرض يستحيل أن يكون عائدًا إلى الله لتنزهه عن ذلك فهو إذًا عائد إلى الغير. وهو إما إضراره أو إيقاعه، أو لا إضراره، ولا إيقاعه، والأول: باطل وفاقا.

стр. 703

أما عندنا: فلاستحالة أن يكون له غرض في فعل ما. وأما عند الخصم: فلاستحالة أن يكون الإضرار غرضًا. وكذا القسم الثالث: فيتعين أن يكون هو الإيقاع، وهو / (١١٨/ب) يتناولها، وذلك لأن ذلك الإيقاع المقصود منها هو أن المكلف بليد يتناولها ويتقوى باعتدائها وأنه يستحق الثواب باجتنابها، وأنه يستدل بها على وجود الصانع، وكمال قدرته وحكمته و [في] كل ذلك إباحة تناولها. أما في الأول: فظاهر. وأما في الثاني: فلأنه إنما يستحق الثواب باجتنابها، إذا مالت النفس إليها والميلان يتوقف على الإدراك وهو بالتناول فإذا كان الإيقاع بجهة استحقاق الثواب مطلوبًا، وهو موقوف على الإدراك الموقوف على التناول كان التناول مطلوبًا، لأن لازم المطلوب مطلوب. وأما في الثالث: فكذلك، لأن الاستدلال بهما يتوقف على معرفتها الموقوفة على تناولها، إذ لا طريق لنا إلى معرفة الطعوم إلا بحاسة الذوق، فإذا كان الاستدلال بها مقصودًا كان تناولها أيضًا مقصودًا، لما سبق وإذا ثبت بما ذكرنا الإذن في التناول وجب أن يثبت ذلك في الترك أيضًا، إذ لم يقل أحد من الأمة بوجوب التناول.

стр. 704

فإن قلت: لا يلزم من نفي الوجوب الإذن في الترك، بل يلزم منه نفي الحرج عن الترك، وهو لا يستلزم الإذن فيه، إذ هو حاصل عندنا في أفعال العقلاء وتروكهم قبل الشرع مع عدم الإباحة. قلت: لما ثبت بما ذكرنا الإذن في الانتفاع، وجب أن يثبت ذلك في جانب الترك لعدم القائل بالفصل. وثانيها: أن الانتفاع بما لا يقضي العقل فيه بالقبح، لعدم أمارة موجبة له انتفاع خال عن أمارات المفسدة ولا مضرة فيه على المالك "فوجب أن يكون مباحًا إما أنه انتفاع خال عن أمارات المفسدة فظاهر، إذ الكلام مفروض فيه وإما أنه لا مضرة فيه على المالك"، [فلأن] المالك هو الله تعالى والضرر عليه محال، وإما أنه متى كان كذلك وجب أن يكون مباحًا، فبالقياس على الاستظلال بحائط الغير، والنظر في مرآته، والاستضاءة بضوء سراجه، والتقاط ما تناثر من حبات زرعه، وفتات خبزه، والجامع هو ما ذكرنا من الوصف المناسب. فإن قلت: لا نسلم أنه خالٍ عن أمارات المفسدة قوله: إن الكلام مفروض فيه. قلنا: هو فرض محال، وهذا لأنه لا سبيل إلى العلم بعدم الأمارة حتى يمكن الجزم بأنه خال عنها، بل غايته عدم العلم بها، لكن قد عرفت أنه لا يدل على العدم.

стр. 705

"نعم قد يحصل العلم بها لكن قد عرفت أنه لا يدل على العدم". نعم قد يحصل العلم بعدم الأمارة الظاهرة، لكنه غير العلم بعدمها مطلقًا، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقبح الشيء لاحتمال قيام أمارة خفية به؟. سلمنا ذلك. فلم لا يجوز أن يكفي في قبح الشيء احتمال مفسدة فيه؟ وإن كان خاليًا عن جميع / (١١٩/أ) الأمارات. قلت: الدليل على أنه خال عن أمارات المفسدة، هو ما ذكرنا. قوله: إنه فرض محال. قلنا: لا نسلم لأنا نعني بقولنا: إنه خال عن أمارات المفسدة إلا خلوه عن الأمارات الظاهرة التي بسببها يحكم على الشيء بالقبح، دون الأمارات الخفية أو مجرد احتمال المفسدة فيه الخالية عن الأمارة، إذ لا عبرة بهما في القبح ألا ترى أن العقلاء لا يلومون على اشتراء سلعة بربح ظاهر مع أنها ربما تكون مشتملة على أمارة خفية للخسارة أو بمجرد احتمال الخسارة، وكذلك لا يلزمون على أكل طعام شهي مع احتمال كونه مسمومًا أو مشتملاً على إفادة خفية لكونه كذلك، ولأنه لو اعتبر في الحكم بكون الشيء حسنًا أن يكون خاليًا عن جميع] الأمارات المفسدة خفية كانت أو ظاهرة، أو كونه خاليًا عن احتمال المفسدة لوجب أن لا يقطع بحسن شيء أصلاً لما تقدم غير مرة وهو باطل وفاقًا، ولأنه لو قبح الإقدام على الشيء بمجرد احتمال كونه مفسدة، لصح الإحجام عنه بمجرد احتمال كونه مفسدة، ويلزم منه عدم جواز الانفكاك عن الإقدام والإحجام معًا، وهو تكليف ما لا يطاق.
следующие страницы →