Полный текст (3 770 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
شيء من الأحكام كيلا يلزم خرق الإجماع.
وثانيها: أن المباح وإن كان لا عذاب فيه من جهة الفعل والترك، لكن فيه العذاب بالنسبة إلى الاعتقاد، فإن من لا يعتقد المباح مباحًا فإنه ربما يضلل ويفسق، ولهذا يضلل من لا يرى المسح على الخفين، ويضلل من لا يرى عقد الإجارة، ولهذا الاعتبار جعلناه من التكليف، وإذا كان كذلك فمن لا يعتقد المباح مباحًا لا يأمن من العذاب، والآية تؤمن منه قبل الشرع مطلقًا، سواء كان بالنسبة إلى الفعل أو "إلى" الاعتقاد أو إليهما.
стр. 702
وثالثها: إنا لا نثبت [بالآية] إلا عدم الوجوب والحرمة قبل الشرع، فأما عدم ما سواهما فإنما يثبت بدليل آخر.
وأما المعقول: فهو أن الحكم يستدعي حاكمًا ولا حاكم قبل الشرع لما تقدم أن العقل لا يحسن ولا يقبح، وقد انعقد الإجماع على أنه لا حاكم سواهما فحينئذ يلزم أن لا يكون هناك حكم.
أما القائلون بالإباحة قد احتجوا بأمور:
أحدها: أنه لا معني للمباح إلا ما أعلم فاعله، أو دل على أنه لا حرج عليه في فعله ولا في تركه، وما نحن فيه دل العقل على أنه كذلك، فوجب أن يكون مباحًا.
أما الأول: فظاهر لمساعدة الخصم عليه.
وأما الثاني: فلأن الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها، فإما أن يكون له فيه غرض أو لا يكون.
والثاني: باطل، لأنه عبث وهو على الحكيم محال.
فيتعين الأول، وذلك الغرض يستحيل أن يكون عائدًا إلى الله لتنزهه عن ذلك فهو إذًا عائد إلى الغير. وهو إما إضراره أو إيقاعه، أو لا إضراره، ولا إيقاعه، والأول: باطل وفاقا.
стр. 703
أما عندنا: فلاستحالة أن يكون له غرض في فعل ما.
وأما عند الخصم: فلاستحالة أن يكون الإضرار غرضًا.
وكذا القسم الثالث: فيتعين أن يكون هو الإيقاع، وهو / (١١٨/ب) يتناولها، وذلك لأن ذلك الإيقاع المقصود منها هو أن المكلف بليد يتناولها ويتقوى باعتدائها وأنه يستحق الثواب باجتنابها، وأنه يستدل بها على وجود الصانع، وكمال قدرته وحكمته و [في] كل ذلك إباحة تناولها.
أما في الأول: فظاهر.
وأما في الثاني: فلأنه إنما يستحق الثواب باجتنابها، إذا مالت النفس إليها والميلان يتوقف على الإدراك وهو بالتناول فإذا كان الإيقاع بجهة استحقاق الثواب مطلوبًا، وهو موقوف على الإدراك الموقوف على التناول كان التناول مطلوبًا، لأن لازم المطلوب مطلوب.
وأما في الثالث: فكذلك، لأن الاستدلال بهما يتوقف على معرفتها الموقوفة على تناولها، إذ لا طريق لنا إلى معرفة الطعوم إلا بحاسة الذوق، فإذا كان الاستدلال بها مقصودًا كان تناولها أيضًا مقصودًا، لما سبق وإذا ثبت بما ذكرنا الإذن في التناول وجب أن يثبت ذلك في الترك أيضًا، إذ لم يقل أحد من الأمة بوجوب التناول.
стр. 704
فإن قلت: لا يلزم من نفي الوجوب الإذن في الترك، بل يلزم منه نفي الحرج عن الترك، وهو لا يستلزم الإذن فيه، إذ هو حاصل عندنا في أفعال العقلاء وتروكهم قبل الشرع مع عدم الإباحة.
قلت: لما ثبت بما ذكرنا الإذن في الانتفاع، وجب أن يثبت ذلك في جانب الترك لعدم القائل بالفصل.
وثانيها: أن الانتفاع بما لا يقضي العقل فيه بالقبح، لعدم أمارة موجبة له انتفاع خال عن أمارات المفسدة ولا مضرة فيه على المالك "فوجب أن يكون مباحًا إما أنه انتفاع خال عن أمارات المفسدة فظاهر، إذ الكلام مفروض فيه وإما أنه لا مضرة فيه على المالك"، [فلأن] المالك هو الله تعالى والضرر عليه محال، وإما أنه متى كان كذلك وجب أن يكون مباحًا، فبالقياس على الاستظلال بحائط الغير، والنظر في مرآته، والاستضاءة بضوء سراجه، والتقاط ما تناثر من حبات زرعه، وفتات خبزه، والجامع هو ما ذكرنا من الوصف المناسب.
فإن قلت: لا نسلم أنه خالٍ عن أمارات المفسدة قوله: إن الكلام مفروض فيه.
قلنا: هو فرض محال، وهذا لأنه لا سبيل إلى العلم بعدم الأمارة حتى يمكن الجزم بأنه خال عنها، بل غايته عدم العلم بها، لكن قد عرفت أنه لا يدل على العدم.
стр. 705
"نعم قد يحصل العلم بها لكن قد عرفت أنه لا يدل على العدم".
نعم قد يحصل العلم بعدم الأمارة الظاهرة، لكنه غير العلم بعدمها مطلقًا، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقبح الشيء لاحتمال قيام أمارة خفية به؟.
سلمنا ذلك. فلم لا يجوز أن يكفي في قبح الشيء احتمال مفسدة فيه؟ وإن كان خاليًا عن جميع / (١١٩/أ) الأمارات.
قلت: الدليل على أنه خال عن أمارات المفسدة، هو ما ذكرنا.
قوله: إنه فرض محال.
قلنا: لا نسلم لأنا نعني بقولنا: إنه خال عن أمارات المفسدة إلا خلوه عن الأمارات الظاهرة التي بسببها يحكم على الشيء بالقبح، دون الأمارات الخفية أو مجرد احتمال المفسدة فيه الخالية عن الأمارة، إذ لا عبرة بهما في القبح ألا ترى أن العقلاء لا يلومون على اشتراء سلعة بربح ظاهر مع أنها ربما تكون مشتملة على أمارة خفية للخسارة أو بمجرد احتمال الخسارة، وكذلك لا يلزمون على أكل طعام شهي مع احتمال كونه مسمومًا أو مشتملاً على إفادة خفية لكونه كذلك، ولأنه لو اعتبر في الحكم بكون الشيء حسنًا أن يكون خاليًا عن جميع] الأمارات المفسدة خفية كانت أو ظاهرة، أو كونه خاليًا عن احتمال المفسدة لوجب أن لا يقطع بحسن شيء أصلاً لما تقدم غير مرة وهو باطل وفاقًا، ولأنه لو قبح الإقدام على الشيء بمجرد احتمال كونه مفسدة، لصح الإحجام عنه بمجرد احتمال كونه مفسدة، ويلزم منه عدم جواز الانفكاك عن الإقدام والإحجام معًا، وهو تكليف ما لا يطاق.
стр. 706
فثبت بما ذكرنا أنه لا عبرة في الحكم بالقبح للأمارة الخفية ولا بمجرد احتمال المفسدة، بل المعتبر فيها، هو الأمارة الظاهرة وقد سلمتم أن العلم بخلو الشيء عنها ممكن فلا يكون ما فرضناه من أنه انتفاع خال عن أمارات المفسدة فرض محال، إذ المراد منها الأمارات الظاهرة.
وثالثها: أن الإباحة فيما نحن فيه تجري مجرى التمكين واللطف، وهو واجب فالإباحة واجبة.
بيانه: أن خلق الله في الفواكه والأطعمة الألوان البهية المرعية، والطعوم الشهية المشوقة، مع اقتدار المكلف على تناوله وخلق الداعية فيه له مع علمه بأنه تعال: لا يتضرر بذلك ولا يبخل بها عنه لتنزهه عن التضرر، والبخل يجري مجرى تقديم الطعام الشهي ممن هو مستغن عنه إلى الضعيف الفقير المحتاج إليه وتمكين هذا الضعيف من تناوله واجب عرفا بدليل أنه يقبح منه المنع عن تناوله عرفا وكذا يقبح منه سائر أسباب ما يمنعه من تناوله، وإذا قبح ذلك عرفًا وجب أن يقبح عنده.
يقال أيضًا لقوله عليه الصلاة: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح".
وبقياس الغائب على الشاهد، وإذا كان عنده قبيح وجب أن لا يفعله لأنه تعال: ليس بفاعل القبيح وفاقا، وإذا قبح المنع لزم الإذن ضرورة أنه لا
стр. 707
خروج عن النقيضين.
وأما القائلون بالحظر: فقد احتجوا: بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فوجب أن يقبح، كما في الشاهد.
واعترض عليه: بأنه إنما لا يجوز ذلك لكون العبد يتضرر بذلك، والله تعالى منزه عنه.
وأجيب عنه: بأنه لو كان عدم جواز التصرف في ملك العبد لتضرر، لوجب أن لا يجوز وإن أذن، إذا كان متضررًا لوجود العلة.
وهو ضعيف لاحتمال أن يقال: عدم الإذن شرط لكون التضرر علة القبح التصرف، وهذا التضعيف إنما يتأتي إذ جوزنا تخصيص العلة.
وأجيب: عنه أيضًا بأن قبح التصرف في ملك الغير لو كان لما ذكرتم، لوجب أن يجوز من التصرفات في ملك الغير ما لا ضرر فيه عليه، كدخول داره بحضوره للتفرج، لكنه باطل وفاقا.
وهو أيضًا ضعيف، لاحتمال أن يقال: إن الحكم مرتب على مظنة الضرر لا على نفسه، ثم أن هذه المظنة منفية بالنسبة / (١١٩/ب) إلى الله تعالى.
стр. 708
واحتج الفريقان على فساد قولنا: وهو أنه لا حكم "بأنه حكم" بعدم الحكم، وأنه حكم مخصوص والجمع بين إثبات حكم مخصوص ونفيه مطلقًا متناقض.
واحتجوا أيضًا: على فساد قول: من قال: بالوقف بمعني: لا ندري بأن التصرف إن كان ممنوعًا عنه فهو: الحظر، وإلا فهو: الإباحة، ولا وسطه بين النفي والإثبات، فكان أحدهما معلومًا لا بعينه فالقول: بأنا لا نعلم. هل هناك حكم أم لا؟. وبتقدير أن يكون فإنا لا نعلم أنه أي حكم هو باطل.
واحتج من قال بالإباحة بعد ورود الشرع، ولكن بطريق التبيين: بقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض﴾ واللام للاختصاص بجهة الانتفاع.
стр. 709
وبقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. أنكر تحريم الزينة والطيبات من الرزق، فوجب أن لا يثبت ويلزم من انتفاعه الإباحة، ولأن الله تعالى خلقنا للعبادة، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ولا يمكن الإتيان بها إلا ببدن صحيح قوى، لكن بقاءه على الصحة والقوة مفتقر إلى الانتفاع بالملابس والمطاعم، والمشارب بما هو أزيد من القدر الضروري، إذ الاقتصار عليه دائمًا يؤدي إلى اختلال أحوال البدن، وحينئذ يختل أمر العبادة ولازم المطلوب مطلوب فالبقاء على وجه الصحة والقوة مطلوب، فيكون الانتفاع مطلوبًا فيكون مباحًا.
ولا يخفى عليك أن هذا الدليل غير آت في الاستدلال على الإباحة قبل الشرع.
الجواب عن الأول: إنا لا نسلم أنه خلق الطعوم فيها مع إمكان أن لا يخلقها وهذا فإن كثيرًا من الأشاعرة، والمعتزلة قالوا: باستحالة خلوها عن الأعراض التي هي قابلة لها.
стр. 710
سلمنا: إمكان خلوها عنها فلم قلتم: إنه لابد أن يكون الخلق لغرض؟
قوله: لو لم يكن لغرض لكان عيبًا ممنوعًا، وهذا لأن العيب عندنا عبارة عن فعل يفضي إلى ضد ما يفعل ذلك الفعل لأجله، ومعلوم أنه غير لازم بما ذكرتم.
سلمنا: أن العيب عبارة عن الفعل الخالي عن الغرض. فلم قلتم: إن العيب بهذا المعني على الله محال؟ وهذا لأن أفعال الله تعالى عندنا غير معللة بالحكم والمصالح.
ولا يمكن الاستدلال: بالتحسين والتقبيح على بطلانه، لأنه مضى إبطاله. وهب أنا إنما نتكلم في هاتين المسألتين بناء على أنه ما بطل، فيمكننا أن نستدل به على الخصم بطريق الإلزام لكن نحن لا نقول به: حتى يستدل به علينا ولا بأنه لو كان فعله لغير غرض لصدق عليه بأنه غائب، وأنه باطل بإجماع الأمة، لأن أسامي الله تعالى / (١٢٠/أ) عندنا توقيفيه، وبتقدير كونها قياسية فإنما يجوز إطلاق ما لا يوهم الباطل والنقص، واسم الغائب ليس كذلك.
سلمنا: فساد هذا القسم، فلم لا يجوز أن يكون الغرض غير ما ذكرتم؟ وأما الدليل على انحصار الغرض فيما ذكرتم من الأقسام لابد لهذا من دليل
سلمنا: الحصر لكن لا يحصل منه المطلوب، وهو إباحة التناول قبل الشرع وبيانه لوجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون الغرض أحد ما ذكرتم من الأقسام، لكن بعد ورود الشرع، فعلى هذا التقدير لا يلزم منه إباحة التناول قبل الشرع.
وثانيهما: أن الغرض إذا كان هو الاستدلال أو استحقاق الثواب بسبب
стр. 711
الاجتناب فقد يحصل ذلك بمعرفة تلك الطعوم في حالة غير التكليف، فلا تكون الإباحة لازمة لهما لأنه لا يسمى فعل غير المكلف مباحًا على ما عرفته من قبل.
سلمنا: صحة دليلكم لكنه معارض بما يدل على عدم الإباحة، وهو أنه ما من فعل من هذا القسم الذي نحن فيه غلا ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه، وذلك يدل على عدم إباحته، إذ لا يجوز أن يرد الشرع على خلاف ما يقتضيه العقل، كما لا يجوز أن يرد الشرع بتحريم الإحسان والإنصاف وإباحة الكذب والظلم.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الحكم في الأصل عقلي، بل هو شرعي فالعلة المستنبطة منه شرعية، فإثبات الحكم بها إثبات بطريق شرعي فلا يمكن إثباته قبله بل بعده ولا نزاع فيه.
سلمنا: أن الحكم عقلي، لكن لا نسلم أن العلة هي ما ذكرتم من الأوصاف ولا يمكن إثبات عليتها بالدوران وبالمناسبة أو غيرهما من الطرق الدالة على كون الوصف علة، لأن تلك الطرق لا تفيد إلا الظن فلا يجوز الاستدلال بها في المسألة العلمية وأيضًا فإنا إنما نجوز التمسك بتك الطرق المفيدة للظن بعد ورود الأمر بالتعبد بالقياس، وقبل ورود الشرع لا يعلم هل نحن
стр. 712
متعبدون بالقياس المظنون أم لا؟
فبتقدير أن لا نكون متعبدين به لا يجوز التمسك بها والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.
سلمنا: عليتها في الشاهد فلم يكن علة في الغائب، فإن أثبت ذلك بطريق قياس الغائب على الشاهد فقد عرفت ضعفه.
سلمنا: صحته لكن الفرق بين الأصل والفرع قائم، وبيانه من حيث الإجمال وهو أنه يقبح من العبد المنع من الاستظلال بحائطه والنظر في مرآته، والاستضاءة بضوء سراجه، ولو منع لا يثبت به التحريم أيضًا، بخلاف الغائب فإنه لا يقبح من الله تعالى ذلك ولو منع لثبتت الحرمة به وفاقا. والافتراق في الحكم دليل على الافتراق في العلة / (١٢٠/ب) والمناط، وبهذين الوجهين الأخيرين خرج الجواب عن الثالث أيضًا.
وأيضًا قوله: إذا قبح المنع ثبت الإذن. ممنوع، وهذا لأن الإذن ليس نقيضه بل ضده، بل اللازم عند ارتفاعه رفع الحرج عن الفعل، وهو ليس بإذن في الفعل على ما تقدم ذكره، والحديث الذي تمسك به فلا نسلم أن معناه أن المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح بالنسبة إليه، حتى يقال: إنه تعالى ليس بفاعل القبيح باعتبار العدول، فإن صدق هذه القضية عندنا باعتبار السلب لا باعتبار العدول، بل معناه أنه قبيح عنده بالنسبة إليهم وحينئذ لا يحسن الاستدلال به في إثبات القبح بالنسبة إليه.
لا يقال: الدليل عليه هو أن الحديث دل على أن ذلك الشيء قبيح عنده، وهو أعم من أن يكون كذلك بالنسبة إليه أو بالنسبة إليهم، فهو كالعام بالنسبة إليهما فيتناولهما وإلا لزم التخصيص أو التقييد، وأنه خلاف الأصل.
стр. 713
لأنا نقول: الدليل الدال على أن التحسين والتقبيح لا يتطرقان إلى أفعاله تعالى يخصصه أو يقيده، وأيضًا فإن الإطلاق والعموم دليل ضعيف، بدليل أنه يترك مقتضاهما بأدنى قرينة فلا يجوز إثبات التحسين والتقبيح به.
وعن حجة أصحاب الحظر: إنا لا نسلم أن الإذن غير معلوم ولم لا يجوز أن يكون معلومًا؟ بدليل العقل، كما ذكره أصحاب الإباحة ولا يمكنه أن يجيب عنه بما أجبنا، لأنه يقول: بالتحسين والتقبيح.
"سلمنا عدم الإذن" لكنه إثبات بطريق إلحاق الغائب بالشاهد وقد مر أنه ضعيف.
وعن حجة الفريقين: على فساد قولنا: إنه لا تناقض بين نفي الأحكام الخمسة وإثبات حكم آخر وراءهما، فإنا نعني بقولنا: لا حكم نفي الأحكام الخمسة الشرعية: لا نفي مطلق الحكم.
وأما مذهب الوقف: بمعني عدم العلم بالأحكام أو بعدمها "لا بمعني العلم بعدمها" فهو أيضًا باطل لا بما قالوه: فإنه لا يلزم من نفي الحرج
стр. 714
عن الفعل إباحته على ما عرفت ذلك من قبل، بل بما تقدم من أن الحكم إنما يثبت بالخطاب ولا خطاب قبل الشرع، فيجب الجزم بعدم الحكم.
وبهذا أيضًا نعرف فساد مذهب من قال بالإباحة على طريق التبيين.
وأما ما تمسكوا به من النصوص فهي وإن دلت على أن الله تعالى خلق ما في الأرض جميعًا، لكن لا يلزم منه الإذن في الانتفاع بمجرده، فإن الخلق للمكلف ليس عين الإذن له بجهة الانتفاع ولا لازم له، بدليل أن من بني دارًا لغيره وهيأها له ويقول له ذلك، فإنه لا يملك بمجرد الانتفاع بها، بل يتوقف بعده الإذن ولو كان الإذن لازمًا لما / (١٢١/أ) احتيج إليه بعد ذلك القول، ولأنه يصح أن يقول: بنيت لك هذه الدار وهيأتها لك، لكن لا تنتفع بها حتى آذن لك، ولو كان الإذن لازمًا له لما صح هذا.
سلمنا: دلالته على الإذن، لكن من حين القول: أو من حين الخلق بطريق التبين.
والأول: مسلم.
والثاني: ممنوع.
وهذا فإن مجرد القصد غير منح، لأنه لا يحصل [به] الإعلام فلا يكون مباحًا من حين الخلق.
وبه خرج الجواب عن الوجه المعقول أيضًا، إذ لا يلزم من خلقنا للعبادة
стр. 715
وجوب العبادة علينا وطلبها منا بل يتوقف بعده على الطلب والإيجاب، وعلى هذا التقدير لا نعلم أن قبل الإيجاب هل بقاؤنا مطلوب للشارع أم لا؟. فلا يكون مجرد خلقنا للعبادة دالاً على الانتفاع بما هو من أسباب البقاء ما لم يوجب للعبادة، فإذا أوجب ذلك فربما دل عليه لو لم يجز تكليف ما لا يطاق.
[حكم تعلم أصول الفقه]
ولنختم هذا النوع: ببيان أن تعلم أصول الفقه من فروض الكفايات، فإنه من مبادئ هذا العلم فيناسب ختمه به.
فنقول: الدليل عليه أن الحادثة إذا نزلت بالمكلف، فإما أن يكون مأمورًا عنده [بشيء أو لا يكون، بل حاله عنده] كحاله قبله.
وهذا الثاني: باطل بإجماع الأمة لاقتضائه عدم التكليف، فيتعين الأول: وهو إما معرفة حكم الله فيها وما يتعلق به من العمل "أو غيره" الثاني باطل وفاقا، فيتعين الأول: وهو إما معرفة ذلك الحكم بالبناء على طريق أولا بالبناء عليه، بل بمجرد التشهي والاختيار، وهذا الثاني: باطل بإجماع الأمة. على أن المكلف غير مخير بين النفي والإثبات في الوقائع النازلة به، بل هو مأمور بأن يبني حكم الحادثة على الاجتهاد إن كان عالمًا، أو على الاستفتاء إن كان عاميًا، والطرق الموصلة إلى معرفة الأحكام هي أصول الفقه، وقد ثبت أن معرفتها بناء على طريق واجبه، وقد ثبت توقف معرفتها على معرفة أصول الفقه، فيجب معرفة أصول الفقه لما ثبت أن ما يتوقف عليه الواجب المطلق وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب، ثم أنه غير واجب على العين لإجماع الأمة على جواز الاستفتاء للعامي فهو إذن على الكفاية.
стр. 716
الفصل الأول
في الأمر ومقتضاه
وفيه مسائل:
المسألة الأولي
اعلم أن أصحابنا: اتفقوا على أن لفظ الأمر مشترك بين الاستدعاء النفساني: الذي هو مدلول الصيغة / (١٢١/أ)، وبين الصيغة: التي هي "افعل" وما يجري مجراه. إلا الذين قالوا: الكلام: حقيقة في المعني القائم بالنفس مجاز في العبارة، تسمية الدال باسم المدلول، كإمام الحرمين وغيره ممن وافقه فإنه لا يشك في هؤلاء أن يقولوا: بمثله في أنواعه.
стр. 717
واختلفوا في أنه هل هو حقيقة في غيرهما أم لا؟
فذهب المحققون منا: إلى أنه ليس بحقيقة في غيرهما.
وقال بعض الفقهاء: إنه حقيقة في الفعل أيضًا لحصول كونه فعلاً.
وأما المعتزلة: فقد اتفقوا على أنه حقيقة في القول المخصوص فقط إلا أبا الحسين البصري منهم: فإنه زعم أنه مشترك بينه وبين الشيء والصفة، والشأن، والطريق، وأنه ليس حقيقة في الفعل بخصوص كونه فعلاً
стр. 718
بل لعموم كونه شأنًا.
واحتج المحققون بوجوه:
أحدها: أنا أجمعنا على أنه حقيقة في غير الفعل، والشيء، والشأن، والصفة، والطريق، بخصوصيته وبعينه. وهو، إما القول المخصوص، أو مدلوله، أو هما جميعًا. فوجب أن لا يكون حقيقة فيما عداه، دفعًا للاشتراك، أو تقليلاً له.
وإنما قلنا: لخصوصيته ولعينه، ليسقط المنع المتوجه على هذه الحجة. وهو أنه لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في غير الفعل أو الشأن أو في غيرهما، مع كونه حقيقة فيه الاشتراك اللفظي، لجواز أن يكون حقيقة فيهما باعتبار أمر مشترك بينهما، فعلى هذا لا يلزم إلا الاشتراك المعنوي.
فإن قلت: فحينئذ نمنع المقدمة الأولي: وهي أنه حقيقة في القول المخصوص لخصوص كونه ذلك القول ولم لا يجوز أن يكون حقيقة فيه لعموم كونه شأنًا أو صفة ولا نسلم انعقاد الإجماع عليه.
قلت: نحن لا ندعى امتناع هذا الاحتمال، كيف وهو راجح على احتمال الاشتراك والمجاز إذا التواطؤ خير منهما، وإنما ندعى على أن الخصوم وافقونا على أنه حقيقة في القول المخصوص لخصوص كونه ذلك القول، بل الأمة أجمعت على أنه في غير الفعل والشأن لخصوص ذلك الغير،
стр. 719
وهو إما القول أو مدلوله، وذلك يكاد أن يكون معلومًا بالضرورة بعد تتبع كلامهم عن مؤلفاتهم إذ نقل ذلك بعضهم بصراحته، ويعرف من كلام الآخرين بسياقه، فمنعه معاندة محضة ولا اعتبار بما ذهب إليه بعض المؤتمرين فإنه مسبوق بالإجماع.
وثانيها: أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل إذ هو لازم الحقيقة عند عدم المانع على ما تقدم تقريره، لكنه غير مطرد إذ لا يقال: للأكل والشرب أمر فوجب أن لا يكون حقيقة فيه.
"واعترض عليه بمنع نفي اللازم غايته أنه لم يستعمل فيه / (١٢٢/أ) كاستعماله في غيره من الفعل وذلك لا يدل على أنه ليس بحقيقة فيه".
واعترض عليه بعضهم بنوع آخر: وهو أن عدم اطراده [في كل فعل لو كان مما يمنع حقيقة في بعضه، فعدم اطراده في كل قول مما يمنع كونه حقيقة في بعضه، ولا يخفى عدم اطراده] في كل قول.
وهو ضعيف جدًا، لأن عدم اطراده في كل فعل إنما يدل على أنه ليس بحقيقة [في الفعل، لأنه ليس بحقيقة] في فعل دون فعل عند القائلين به، وإلا كان من حقهم أن يعينوا ذلك الفعل بالتعيين أو يضبطوه بالوصف ليمتاز عن غيره، إذ لا يحسن أن يقال: الإنسان حقيقة في الحيوان، لكونه حقيقة في الحيوان المخصوص، ولما لم يفعلوا ذلك بل أطلقوا القول بكونه حقيقة
стр. 720
في الفعل، [دل] ذلك على أنه حقيقة في مطلقه لا في مخصوصة، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى القول، إذ لم يقل أحد منهم أنه حقيقة [في القول حتى يفهم منه أنه حقيقة في مطلق القول، بل قالوا: إنه حقيقة] في القول المخصوص فلا يلزم من دلالة عدم اطراده في كل فعل على أنه ليس بحقيقة في الفعل، دلالة عدم اطراده في كل فعل على أنه ليس بحقيقة في القول المخصوص.
وثالثها: أنه يصح نفي الأمر عن الفعل، إذ يصح أن يقال: إنه ما أمر به ولكن فعله وصحة النفي تدل على المجاز على ما تقدم.
واعترض عليه: بمنع صحته مطلقًا، بل لو صح فإنما يصح بمعني القول وعلى هذا التقدير لا يدل صحة النفي على أنه ليس بحقيقة فيه، فإن ذلك جار في الحقيقة المشتركة، إذ يصح أن يقال: اعتدت بقرء لا بطهر، بمعني اعتدت بحيض لا بطهر، ويكون نفي الطهر قرينة دالة على إرادة الحيض من القرء.
ولو أجيب عنه بما سبق في اللغات لرجع حاصله إلى الدليل الأول.
ورابعها: أن الأمر له لوازم: نحو كونه ممتثلاً به، أو غير ممتثل به،
стр. 721
وأن ضده النهي، وأنه يمنع منه الخرس والسكوت، وأنه من أقسام الكلام، وشيء من هذه اللوازم لا يوجد في الفعل لا يكون أمرًا، لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.
واعترض عليه بمنع كون هذه الأمور من لوازم الأمر مطلقًا، بل هو عندنا من لوازمه بمعني القول، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟ لابد لهذا من دليل.
وخامسها: أن الأمر بمعني القول يشتق منه الآمر والمأمور بالمأمور به، وبمعني الفعل لا يشتق منه ذلك، إذ لا يقال: للفاعل آمر، وللمفعول مأمور ولا للمفعول به مأمور به. والاشتقاق دليل الحقيقة وعدمه دليل المجاز على ما تقدم بيانه في اللغات.
واحتج الفقهاء بوجوه:
أحدها: أنه أطلق الأمر على الفعل واستعمل فيه، وذلك يدل على أنه حقيقة فيه، إما بالاشتراك المعنوي، أو اللفظي، وعلى التقديرين يحصل [المقصود].
стр. 722
أما الأول: فيدل عليه قوله تعالى: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ وليس المراد منه القول، لأن إحبالها / (١٢٢/ب) وخلق الولد فيها لا يحصل منه. وأما قوله تعالى: ﴿إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ ليس المراد منه ظاهره، على ما ذهب إليه الظاهرية، فإنه خطاب المعدوم باطل من جهة العقل ومجرد القول من غير قصد الخطاب منه ليس له تأثير في الإيجاب، بل هو إخبار عن سرعة التكوين، وإذا كان كذلك تعين أن يكون المراد منه: الفعل. وكذلك يدل عليه قوله تعالى، ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ وهو ظاهر، فإن أمره بمعني القول، مختلف بحسب الصنع، وبحسب مدلولاتها فإن مدلول الأمر بالصلاة، غير مدلول الأمر بالزكاة ومخالف له، وإذا تعذر الحمل على القول ومدلوله وجب الحمل على الفعل، ضرورة انتفاء القول الثالث. وكذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ أي فعله.
وكذلك يدل عليه قول العرب في الزباء. لأمر ما جدع قصير
стр. 723
أنفه أي لحيلة يفعلها.
وكذلك يدل عليه قول الشاعر:
لأمر ما سود من سود
стр. 724
وأما الثاني: فلما تقدم من أن الأصل في الاستعمال الحقيقة.
الاعتراض عليه: هو أنا وإن سلمنا أن الأمر في الآيات المتلوة والكلمات المذكورة مستعمل في الفعل، لكنا لا نسلم أنه مستعمل فيه لخصوص كونه فعلاً، "ولم لا يجوز أن يكون مستعملاً فيه لعموم كونه شأنًا وصفة، وحينئذ لا يحصل مقصودكم. وهو أنه حقيقة في الفعل بخصوص كونه فعلاً، فإن" ذلك هو مذهبكم.
فإن قلت: هب أنه لا يثبت به مذهبنا، لكن ثبت به إبطال مذهبكم، وهو أنه حقيقة في القول المخصوص، أو في مدلوله، أو فيهما فقط، وهو مقصودنا أيضًا.
قلت: لا نسلم أنه يحصل ذلك المقصود أيضًا، وهذا لأن المقدمة الثانية ممنوعة على التقديرين، سواء كان المطلوب منه إثبات مذهبكم أو إبطال مذهب الخصم، وهذا فإن الإطلاق والاستعمال دليل الحقيقة عندنا إذا "لم" يلزم منه الاشتراك أو تكثيره، أما إذا لزم ذلك منه فلا نسلم أنه دليل الحقيقة، وعلى هذا التقدير وإن كان التجوز لازمًا وهو خلاف الأصل، لكنه خير من الاشتراك فكان التزامه أولى، والاستعمال فيما نحن فيه لو كان بطريق الحقيقة
стр. 725
يلزم منه الاشتراك أو تكثيره، فلا نسلم أنه يكون دليل الحقيقة.
فإن قلت: هذا إنما يلزم لو كان الأمر حقيقة في الفعل إما لخصوص كونه فعلاً أو لعموم كونه شأنًا أو صفة، مع كونه حقيقة في القول المخصوص/ (١٢٣/أ) باعتبار خصوصيته، أما إذا كان حقيقة فيه وفي الفعل باعتبار عام يوجد فيهما نحو الشأن أو غيره، لم يلزم منه الاشتراك ولا التجوز اللازم من مذهبكم، بل هو على [هذا] التقدير يكون متواطئًا فيهما وقد عرف أنه خير من الاشتراك والمجاز، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟
قلت: الدليل على أنه لا يجوز أن يكون كذلك وجهان:
أحدهما: ما سبق من الإجماع من أنه حقيقة في غير الفعل والشأن لخصوصيته.
وثانيهما: أنه لو كان حقيقة فيهما باعتبار أمر مشترك بينهما لوجب أن يكون حقيقة في غير القول المخصوص، نحو الخبر والنهي والاستفهام، لأن كل ما يمكن أن يجعل مدلوله من الأمور المشتركة بينهما نحو الوجوب والسنية والشأن والصفة، فهو مشترك بين ذلك القول المخصوص وبين غيره من الأقوال، لكنه باطل لمساعدة الخصم عليه. أعني القائلين بأنه حقيقة في الفعل إذا اتفقوا على أنه مجاز في غير القول والفعل ولو كان حقيقة فيهما: باعتبار الشأن والصفو ولما كان مجازًا في غيرهما.
وهذا الدليل الثاني: الدال على بطلان كون الأمر متواطئًا في القول المخصوص وفي الفعل إنما يستقيم على الفقهاء. دون أبي الحسين البصري
стр. 726
لأن عنده يجب أن يكون الأمر حقيقة في كل قول باعتبار الشأن، كما هو في الفعل عنده فيستدل عليه بالوجه الأول فقط، فإن كلامه صريح في أنه حقيقة في القول المخصوص لخصوصيته.
وثانيها: أنه لو كان مجازًا في الفعل لتحقق جهة من جهات التجوز فيه لكنها غير متحققة، لأن جهات التجوز منحصرة في الجهات التي ذكرناها في اللغات للاستقراء، وهو وإن كان لا يفيد القطع لكن ليس هو المقصود في المباحث اللغوية، بل المقصد الأقصى فيها الظن على ما عرفت ذلك من قبل وهو يفيده، وإذا لم يكن جهة من جهات التجوز متحققة فيه لم يكن مجازًا فيه لانتفاء شرطه، وإذا لم يكن مجازًا فيه كان حقيقة ضرورة انتفاء القول الثالث.
وجوابه: أنا لا نسلم أن جهة من جهات التجوز [غير متحققة فيه، وهذا لأن من جملة جهات التجوز،] إطلاق اسم الدليل على المدلول والقول المخصوص يدل على الفعل، فإطلاق اسمه على الفعل إطلاق اسم الدليل على المدلول.
فإن قلت: فعلى هذا يجب أن يكون مجازًا في الفعل المخصوص وهو مدلول الصيغة دون غيره من الأفعال التي ليست هي باستدعاء نحو الماضي والحال، كما هو حقيقة في القول المخصوص دون غيره من الأقوال.
стр. 727
قلت: لا نسلم أنه يكون مجازًا في شيء منها لخصوصيته، بل لو استعمل في شيء منها نحو الماضي / (١٢٣/ب) والحال مثلاً، فإنما يستعمل فيه باعتبار الفعل فقط، وهو لما دل على الفعل المخصوص بطريق المطابقة دل على مطلق الفعل بطريق التضمن، فيكون مندرجًا تحت إطلاق اسم الدليل على المدلول، فإن الدليل أعم من أن يكون دليلاً بطريق المطابقة أو غيرها، وهذه الجهة من التجوز وإن كان حاصلاً في سائر الأقوال غير القول المخصوص مع أنا لو سلمنا: أنه لم يجز جعله مجازًا فيها فإنما ذلك، لأن المجاز غير لازم الاطراد.
وثالثها: أن الأمر بمعني "الفعل" يجمع على أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة.
وجوابه: أنا لا نسلم مثل هذا الاشتقاق علامة الحقيقة، وهذا لأنه لو كان كذلك لزم النقض بقولهم: للبلد حمر مع أن الحمار في البليد مجاز، قال الله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة﴾ وأنه خلاف الأصل.
وأجيب: أيضًا بمنع كون الأمور جمع الأمر بمعني الفعل، بل هما لفظان يستعمل كل واحد منهما في مكان الآخر، ولهذا يفهم من قولنا: أمر فلان
стр. 728
مستقيم ما يفهم من قولنا: أمور فلان مستقيمة.
وفيه نظر لا يخفى على الفطن.
واحتج أبو الحسين على ما ذهب إليه بأن القائل: إذا قال: هذا أمر لم يتبادر إلى فهم السامع شيء من مفهوماته إلا إذا ضم إليه شيئًا آخر، مثل أن يقول: "هذا أمر نحب أن نتأسي به" فيفهم منه الفعل، لقرينة التأسي، أو أمر الغائب، أو المخاطب، فيفهم منه القول بقرينة التقسيم إلى الغائب، والحاضر أو أمره مستقيم، فيفهم منه الشأن لقرينة الاستقامة، أو لأمر محرك، فيفهم منه الغرض لقرينة لام التعليل، أو أمر ينبغي أن يتخلق به فيفهم منه الصفة لقرينة التخلق، فعند انضمام تلك القرائن نفهم تلك المعاني ولا شك أنه دليل الاشتراك.
وجوابه منع توقف الذهن عن الفهم عند السماع بدون القرينة، بل يفهم منه القول المخصوص، وذلك يجده العارف بلغة العرب المنصف من نفسه، ولو أحيل فهمه بدون القرينة إلى اعتقاد السامع بكونه موضوعًا له، لتعذر الاستدلال بسبق المعني إلى الفهم عند سماع اللفظ على كونه حقيقة فيه لاحتمال أن يقال: إنما سبق إليه لاعتقاده أنه وضع له.
стр. 729
المسألة الثانية
في حد الأمر بمعني القول
اعلم أن أصحابنا ذكروا له حدودًا، والمعتزلة ذكروا له حدودًا، ونحن نذكر بعض ما ذكره الفريقان، ثم نبين ما هو المختار.
فالأول: ما ذكره القاضي أبو بكر ﵀: الأمر هو: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.
وزيف بوجهين:
أحدهما: أن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، فيتوقف / (١٢٤/أ) معرفتهما على معرفة الأمر، لاستحالة معرفة المشتق من حيث إنه مشتق بدون المشتق منه، فلو عرفنا الأمر بهما لزم الدور وأنه ممتنع.
стр. 730
وثانيهما: أن الطاعة يتوقف معرفتها على معرفة الأمر، لكونها عبارة عن موافقة الأمر عند أصحابنا فتعريف الأمر بها دور.
اعلم أن الإشكال الأول: لازم لا محيص عنه، اللهم إلا أن يكون مراده تعريف الأمر الاصطلاحي، دون الأمر اللغوي، ويريد بالمأمور والمأمور به: ما هو معناهما في اللغة.
فعلى هذا التقدير لا يلزم الدور، لأنه حينئذ لا يتوقف معرفتها إلا على معرفة الأمر اللغوي لا على معرفة الأمر الاصطلاحي لكنه باطل، إذ ليس للأمر بحسب الاصطلاح معني وبحسب اللغة معني آخر.
أو يكون مراده منه أن يعرف أن الأمر وإن كان عنده عبارة عن المعني القائم بالنفس لكونه قسمًا من أقسام الكلام الذي هو عبارة عن المعني القائم بالنفس عنده، لكنه في أصول الفقه عبارة عن القول المخصوص عنده أيضًا، كما هو عبارة عنه عند الخصم.
فعلى هذا لا يكون الغرض من التحديد تعريف ماهية الأمر بل تمييز الأمر بمعني اللفظ عن الأمر بمعني الاستدعاء النفساني وتمييزه عما قاله الخصم بأنه عبارة عن الإرادة، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقريره.
وأما الثاني: ففيه نظر: فإن الطاعة اللغوية التي هي بمعني الانقياد لا
стр. 731
يتوقف معرفتها على معرفة الأمر، فلا يكون تعريف الأمر بها دورًا نعم لو فسر بالطاعة الاصطلاحية لزم ما ذكر من الدور.
ثم الذي يدل على أن الطاعة بمعني موافقة الأمر، إنما هو بحسب الاصطلاح لا بحسب اللغة، وجهان:
أحدهما: أنه مختلف فيه بين المتكلمين حسب اختلافهم في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات دون أئمة اللغة فإنها عندنا: عبارة عما ذكرنا.
وعند المعتزلة: عبارة عن موافقة الإرادة، ولو كان ذلك معناها اللغوي لم يكن اختلافه مبنيًا على مسألة كلامية ولكان الاختلاف فيه أجدر بأئمة اللغة
وثانيهما: أن الطاعة استعملت حيث لا أمر، كما في قوله ﵇ "إن أطعت الله أطاعك" ولا أمر للعبد بالنسبة إليه تعالى، ويقال أيضًا في العرف العام: فلان مطيع لفلان ومسخر له، وإن كان أعلى رتبة منه ولم يكن من جهة المطاع صيغة أمر فضلاً عن أن يكون أمره على جهة الاستعلاء، والأصل في الكلام الحقيقة ومعلوم أن ذلك ليس بحسب الاصطلاح فيتعين / (١٢٤/ب) أن يكون بحسب اللغة.
وقال بعضهم: الأمر طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا.
стр. 732
وهو باطل أيضًا، لأن المطيع المذكور في التعريف، إن كان مأخوذًا من الطاعة الاصطلاحية لزم الدور، كما سبق ذكره، وإن كان مأخوذًا من الطاعة اللغوية، لزم أن لا يكون مانعًا.
وهذا لأن القائل: إذا قال لغيره: أطلب منك الفعل الفلاني، فإنه يعد فاعله مطيعًا بالمعنى اللغوي مع أنه ليس بأمر، ولو أورد ما أورد على الحد الأول: على هذا النمط كان أوجه منه.
وأيضًا: فإنه يقتضي دخول الإشارة الدالة على طلب الفعل تحته، كما لو أشار إلى السقي مثلاً فإنه يعد فاعله مطيعًا.
وقال الآخر: الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وهو أيضًا غير مانع، لأنه يندرج تحته ما ذكرنا من الإشارة، إذا كانت الإشارة على جهة الاستعلاء وهو غير مستقيم أيضًا على القول بالكلام النفساني لأن الإشارة وما يجري مجراها نحو الإيماء ليست بكلام على المذهبين وهو يتناولها.
وأما المعتزلة فقد قال كثير منهم: هو قول القائل لمن دونه افعل، أو ما يقوم مقامه، أي في الدلالة على طلب الفعل لا في "كل" الأمور.
стр. 733
وقالوا: إنما قلنا: لمن دونه ليخرج عنه المساوي والأعلى رتبة منه، فإنه لا يسمي أمرًا بل التماسًا ودعاء.
وإنما قلنا: أو ما يقوم مقامه، ليتناول الأمر بكل لغة، فإن الأمر غير مختص بلغة العرب إذ الفارسي إذا أمر بلسانه فإن العربي يسميه أمرًا.
واعترض عليه بوجوه:
أحدها: أن هذه الصيغة قد ترد للتهديد والإباحة والتأديب [مع] غيرها من المحامل، مع أنه ليس بأمر في كلها بالاتفاق، وهو غير وارد على ما ذكرناه، فإن ما ذكرناه صريح في أن مرادهم من افعل، افعل الذي هو لطلب الفعل.
ولا يرد عليه: التهديد والإباحة، وما ليس فيه طلب.
نعم: يرد عليه الذي هو الندب، لكنهم قد يلتزمون أن ذلك أمر [وإنما هو] وارد على من أورده مطلقًا، ولم يقيد قوله: أو ما يقوم مقامه. بالدلالة على طلب الفعل، بل بالدلالة على إفادة معناه، سواء كان للطلب أو لغيره، فحينئذ يكون واردًا عليه.
أجاب البلخي منهم عنه: بأن قال: لا نسلم أن تلك الصيغة [بعينها واردة في التهديد والإباحة وغيرهما من المحامل التي ليست حقيقة فيها، بل الصيغة
стр. 734
الواردة فيها غير الواردة في الأمر، فإن الصيغة] الواردة في الأمر لا يتصور أن تكون لغير الأمر، لأنها لذاتها أمر.
ولا يخفى على ذي لب أن هذا مكابرة محضة.
وثانيها: أن هذه الصيغة أو ما يقوم مقامها، لو صدرت عن نائم أو ساهٍ أو على سبيل انطلاق اللسان، أو قصد به التعبير عن الخبر على وجه التجوز وعنده من هو دونه، لوجب أن يكون أمرًا لوجوب / (١٢٥/أ) طرد الحد، لكنها ليست أمرًا بالاتفاق، فهو إذًا غير مانع.
وأجيب عنه: بأنا نمنع أن قول القائل: لمن دونه، إذ المعني منه أن يكون مختصًا بالخطاب إذ اللام تشعر بالاختصاص وهو إنما يكون بالقصد.
نعم: لا يصلح هذا المنع جوابًا عن صورة التجوز، فإن القصد موجود فيها. فالجواب عنه إنما يخرج بما ذكرناه من القيد، وإن لم يعتبر ذلك فلا إشكال لازم.
وثالثها: أن الحاكي لأمر الغير لمن هو دونه، يجب أن يكون أمرًا لصدور الأمر منه، ولا معنى للآمر إلا من صدر منه الأمر، لكنه باطل، فإن الرسول المبلغ لأمر الغير ليس بآمر إجماعًا.
ورابعها: أنه غير جامع ولا مانع فيكون باطلاً.
أما الأول: فلأن الشخص إذا قال لغيره: وهو يساويه في الرتبة، أو هو
стр. 735
أعلى رتبة منه افعل على جهة الاستعلاء، فإنه يقال له: آمر ويسمى قوله: أمرًا، بدليل أنه يوصف بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه، فلولا أنه آمر وإلا لما صح ذلك.
وإذا ثبت أن هذا الأمر - ومعلوم أن حده غير متناول له - ثبت أنه غير جامع.
وأما الثاني: فلأن قول: الأعلى للأدنى: افعل على وجه الشفاعة أو السؤال ليس بأمر، بدليل أنه يصح أن يقال: إنه ما أمر، ولكنه سأل وشفع ولهذا، قال ﵇ لبريرة لما قالت له: أتأمرني بذلك؟ قال: "لا وإنما أنا شافع" لما أن ذلك القول: لم يكن على جهة الاستعلاء، فثبت
стр. 736
بهذا أنه ليس بأمر، ولا شك أن الحد متناول له، فيكون غير مانع.
وقال بعضهم: فرارا عن بعض هذه الاعتراضات. الأمر: هو صيغة "افعل" على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى التهديد وغيره من المحامل.
وهذا وإن كان يسقط عنه بعض ما تقدم من الاعتراضات المتوجهة على الأول: لكن يخصه أنه تعريف للشيء بنفسه، وهذا لأنه لا يعرف تجردها عن القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلا بعد معرفة الأمر فتعريف الأمر به تعريف للشيء نفسه وهو محال.
وأيضًا ليس جعلها للأمر عند عدم القرائن الصارفة لها عن جهته أولى من جعلها للتهديد أو لغيره من المحامل، عند عدم القرائن الصارفة لها عنه.
ولو اقتصر على قوله: هو صيغة "افعل" المجرد عن القرائن لا غير، زعمًا منه أنها فيما ليس بأمر ليست مجردة عن القرائن، لزم أن لا تكون
стр. 737
الصيغة أمرًا عندما يقترن بها قرائن الوجوب ضرورة عدم تجردها من القرائن لكنه باطل، لأنه ليس من شرط الحقيقة اشتراط عدم القرينة معها، بل من شرطها عدم اشتراط كون القرينة معها.
وقال الآخرون منهم: الأمر صيغة "افعل" بشرط / (١٢٥/ب) إرادات ثلاثة:
أحدها: إرادة أحداث الصيغة، احترازًا عن النائم وعن الذي انطلق لسانه به.
وثانيها: إرادة الدلالة بها على الأمر، احترازًا عن التهديد والتسخير وغيرهما من المحامل.
وثالثها: إرادة الامتثال، احترازًا عن الرسول الحاكي لأمر الغير، فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الأمر.
لكن قد لا يريد بها الامتثال، وهو أيضًا باطل:
أما أولاً: فلأن قوله: وإرادة الدلالة بها على الأمر تتوقف معرفته على معرفة الأمر فتعريف الأمر به تعريف للشيء بنفسه.
وأما ثانيًا: فلأن قوله: وإرادة الدلالة بها على الأمر يقتضي أن يكون الأمر مدلول الصيغة، وحينئذ يمنع أن يكون الأمر هو الصيغة، وقد قال: الأمر هو الصيغة فهو متناقض.
стр. 738
وإذ قد عرفت ضعف ما ذكره من الحدود فلنذكر ما هو الصحيح منها.
فنقول: الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل بالوضع على وجه الاستعلاء.
فاللفظ: كالجنس.
واحترزنا بقولنا: الدال على طلب الفعل، عن المهمل والخبر وما يشبهه مما ليس فيه طلب، وعن النهي والاستفهام وما يشبههما مما فيه طلب الفعل.
"واحترزنا بقولنا بالوضع: عن قول القائل: أطلب منك الفعل، إذا قاله على وجه الاستعلاء، فإنه وإن دل على طلب الفعل على وجه الاستعلاء لكنه ليس بأمر لأن دلالته على الطلب ليست بالوضع بل بالالتزام فإنه بواسطة أنه خبر عن طلب الفعل يدل على طلب الفعل".
وقولنا بالوضع: لإخراج القول المذكور، خير من قولنا بطريق الإنشاء، فإنه وإن أخرج القول المذكور عن حد الأمر ضرورة أنه يدل على طلب الفعل بواسطة كونه خبرًا لكن لو استعمل بطريق الإنشاء كم في صيغ العقود يلزم أن يكون أمرًا لدخوله تحت الحد. وفيه نظر.
واحترزنا بقولنا على وجه الاستعلاء: عن السؤال والالتماس.
فإن قلت: قد فسرت جميع أجزاء الحد غير الطلب، فما المراد به؟ فإن أردت به إرادة الفعل المأمور به من المأمور، أو إرادة عقابه على تقدير الترك، فهذا معلوم لكنه غير مستقيم على رأيكم، وإن أردتم به غيره فسره
стр. 739
حتى لا يقع التعريف بالمجهول.
قلت: تصور ماهية الطلب، حاصل لكل العقلاء بل للصبيان والمجانين لأنه من الأمور الوجدانية كالجوع والشبع، فإن كل واحد منهم يجد من نفسه حالة مخصوصة عند استدعاء الفعل وتلك الحالة هي المسمي بالطلب.
فإن قلت: لا نزاع في وجدان تلك الحالة، لكن نقول: لم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي إرادة الفعل / (١٢٦/أ) المأمور به؟.
فعلى هذا يكون الأمر عين الإرادة، كما هو مذهب المعتزلة.
قلت: هذا باطل ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن الأمر بطلب الفعل قد يجتمع مع كراهته، وإرادته تستحيل أن تجتمع معه كراهته. فالأمر غير الإرادة وغير مشروط بها أيضًا.
стр. 740
بيان الأولى: أن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده، إذا اعتذر إليه عنه بتمرد العبد عن امتثال أوامره، وكذبه السلطان في ذلك فأراد إظهار صدقه بالتجربة، فإنه إذا أمره بشيء عند السلطان، فإنه لا يريد ذلك الفعل قطعًا، لاستحالة أن لا يريد تمهيد عذره حالة كونه مريدًا له، فإنه ما أمره إلا لتمهيد عذره، وفي إرادة فعله عدم إرادة فعله عدم إرادة تمهيد عذره فيستحيل إرادته، ولأن العاقل يستحيل أن يريد ما فيه مضرته من غير ضرورة تلجئه إليه.
وأما بيان المقدمة الثانية: فظاهر لكون الكراهة والإرادة ضدين فستحيل اجتماعهما في شيء واحد. وأما لزوم النتيجة عنهما فظاهر غني عن البيان.
اعترض على وجهين:
أحدهما: إنا لا نسلم أنه وجد الأمر فيما ذكرتم من الصور، وإن كانت صورته صورة الأمر، وهي لا توجب أن يكون أمرًا حقيقيًا، كما في التهديد والإنذار.
وأجيب عنه: بأن تمهيد العذر إنما يحصل بالأمر لا بغيره فدل على أنه أمر.
وثانيهما: أنه لازم على المستدل أيضًا. فإنه وإن أنكر كون الأمر عبارة عن
следующие страницы →