← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بهذا أنه ليس بأمر، ولا شك أن الحد متناول له، فيكون غير مانع. وقال بعضهم: فرارا عن بعض هذه الاعتراضات. الأمر: هو صيغة "افعل" على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى التهديد وغيره من المحامل. وهذا وإن كان يسقط عنه بعض ما تقدم من الاعتراضات المتوجهة على الأول: لكن يخصه أنه تعريف للشيء بنفسه، وهذا لأنه لا يعرف تجردها عن القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلا بعد معرفة الأمر فتعريف الأمر به تعريف للشيء نفسه وهو محال. وأيضًا ليس جعلها للأمر عند عدم القرائن الصارفة لها عن جهته أولى من جعلها للتهديد أو لغيره من المحامل، عند عدم القرائن الصارفة لها عنه. ولو اقتصر على قوله: هو صيغة "افعل" المجرد عن القرائن لا غير، زعمًا منه أنها فيما ليس بأمر ليست مجردة عن القرائن، لزم أن لا تكون

стр. 737

الصيغة أمرًا عندما يقترن بها قرائن الوجوب ضرورة عدم تجردها من القرائن لكنه باطل، لأنه ليس من شرط الحقيقة اشتراط عدم القرينة معها، بل من شرطها عدم اشتراط كون القرينة معها. وقال الآخرون منهم: الأمر صيغة "افعل" بشرط / (١٢٥/ب) إرادات ثلاثة: أحدها: إرادة أحداث الصيغة، احترازًا عن النائم وعن الذي انطلق لسانه به. وثانيها: إرادة الدلالة بها على الأمر، احترازًا عن التهديد والتسخير وغيرهما من المحامل. وثالثها: إرادة الامتثال، احترازًا عن الرسول الحاكي لأمر الغير، فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الأمر. لكن قد لا يريد بها الامتثال، وهو أيضًا باطل: أما أولاً: فلأن قوله: وإرادة الدلالة بها على الأمر تتوقف معرفته على معرفة الأمر فتعريف الأمر به تعريف للشيء بنفسه. وأما ثانيًا: فلأن قوله: وإرادة الدلالة بها على الأمر يقتضي أن يكون الأمر مدلول الصيغة، وحينئذ يمنع أن يكون الأمر هو الصيغة، وقد قال: الأمر هو الصيغة فهو متناقض.

стр. 738

وإذ قد عرفت ضعف ما ذكره من الحدود فلنذكر ما هو الصحيح منها. فنقول: الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل بالوضع على وجه الاستعلاء. فاللفظ: كالجنس. واحترزنا بقولنا: الدال على طلب الفعل، عن المهمل والخبر وما يشبهه مما ليس فيه طلب، وعن النهي والاستفهام وما يشبههما مما فيه طلب الفعل. "واحترزنا بقولنا بالوضع: عن قول القائل: أطلب منك الفعل، إذا قاله على وجه الاستعلاء، فإنه وإن دل على طلب الفعل على وجه الاستعلاء لكنه ليس بأمر لأن دلالته على الطلب ليست بالوضع بل بالالتزام فإنه بواسطة أنه خبر عن طلب الفعل يدل على طلب الفعل". وقولنا بالوضع: لإخراج القول المذكور، خير من قولنا بطريق الإنشاء، فإنه وإن أخرج القول المذكور عن حد الأمر ضرورة أنه يدل على طلب الفعل بواسطة كونه خبرًا لكن لو استعمل بطريق الإنشاء كم في صيغ العقود يلزم أن يكون أمرًا لدخوله تحت الحد. وفيه نظر. واحترزنا بقولنا على وجه الاستعلاء: عن السؤال والالتماس. فإن قلت: قد فسرت جميع أجزاء الحد غير الطلب، فما المراد به؟ فإن أردت به إرادة الفعل المأمور به من المأمور، أو إرادة عقابه على تقدير الترك، فهذا معلوم لكنه غير مستقيم على رأيكم، وإن أردتم به غيره فسره

стр. 739

حتى لا يقع التعريف بالمجهول. قلت: تصور ماهية الطلب، حاصل لكل العقلاء بل للصبيان والمجانين لأنه من الأمور الوجدانية كالجوع والشبع، فإن كل واحد منهم يجد من نفسه حالة مخصوصة عند استدعاء الفعل وتلك الحالة هي المسمي بالطلب. فإن قلت: لا نزاع في وجدان تلك الحالة، لكن نقول: لم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي إرادة الفعل / (١٢٦/أ) المأمور به؟. فعلى هذا يكون الأمر عين الإرادة، كما هو مذهب المعتزلة. قلت: هذا باطل ويدل عليه وجوه: أحدها: أن الأمر بطلب الفعل قد يجتمع مع كراهته، وإرادته تستحيل أن تجتمع معه كراهته. فالأمر غير الإرادة وغير مشروط بها أيضًا.

стр. 740

بيان الأولى: أن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده، إذا اعتذر إليه عنه بتمرد العبد عن امتثال أوامره، وكذبه السلطان في ذلك فأراد إظهار صدقه بالتجربة، فإنه إذا أمره بشيء عند السلطان، فإنه لا يريد ذلك الفعل قطعًا، لاستحالة أن لا يريد تمهيد عذره حالة كونه مريدًا له، فإنه ما أمره إلا لتمهيد عذره، وفي إرادة فعله عدم إرادة فعله عدم إرادة تمهيد عذره فيستحيل إرادته، ولأن العاقل يستحيل أن يريد ما فيه مضرته من غير ضرورة تلجئه إليه. وأما بيان المقدمة الثانية: فظاهر لكون الكراهة والإرادة ضدين فستحيل اجتماعهما في شيء واحد. وأما لزوم النتيجة عنهما فظاهر غني عن البيان. اعترض على وجهين: أحدهما: إنا لا نسلم أنه وجد الأمر فيما ذكرتم من الصور، وإن كانت صورته صورة الأمر، وهي لا توجب أن يكون أمرًا حقيقيًا، كما في التهديد والإنذار. وأجيب عنه: بأن تمهيد العذر إنما يحصل بالأمر لا بغيره فدل على أنه أمر. وثانيهما: أنه لازم على المستدل أيضًا. فإنه وإن أنكر كون الأمر عبارة عن

стр. 741

إرادة الفعل المأمور به "وإرادة" أعقاب المأمور عند تركه، لكنه اعترف بأنه عبارة عن الطلب على ما ذكر ذلك في تعريفه فيقال له: إنه وجد الأمر فيما ذكرت من الصورة مع استحالة الطلب لاستحالة أن يطلب العاقل ما فيه مضرته من غير ضرورة تلجئه إليه. وهو ضعيف، لأنا لا نسلم أنه يستحيل من العاقل أن يطلب ما فيه مضرته، إذا لم يكن مريدًا له، وهذا لأن طلب المضرة لا تنافي غرضه بل قد توافقه، كما ذكرنا من الصورة، وإنما المنافي لغرضه هو وقوع المضرة وهو لا يوجبه. فالحاصل أن طلب المضرة من حيث إنه طلب لا ينافي غرض العاقل لا بالذات ولا بالعرض، بخلاف الإرادة فإنها وإن لم تنافيه بالذات، لكن تنافيه بالغرض لكونها توجب وقوع المضرة، ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المراد، نعم: الطلب والإرادة في الأكثر يتلازمان فنظن أنه يستحيل أن يجتمع مع الكراهة، كما يستحيل أن تجتمع الإرادة معها. وثانيها: أن الرجل قد يقول لغيره / (١٢٦/ب): إني أريد منك الفعل الفلاني ولا آمرك به لمصلحة ولا أريده منك، ولو كان الأمر عبارة عن الإرادة، أو كان مشروطًا بها لما صح ذلك.

стр. 742

وثالثها: أن الأمة أجمعت بأسرها من غير مخالفة من الخصوم على أن الله تعالى أمر الكافر الذي علم أنه يموت على الكفر بالإيمان كأبي جهل، وأبي لهب، وصدور الإيمان من هذا الكافر غير مراد لله تعالى. أما أولاً: فلأنه محال والمحال غير مراد بالاتفاق، أما أنه محال فلأنه لو لم يكن محالاً لكان إما ممكنًا أو واجبًا، ومعلوم أنه ليس بواجب فيكون ممكنًا والممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال فلنفرض واقعًا فعند ذلك يلزم أن ينقلب علم الله تعالى جهلاً، وهو محال لوجهين: أحدهما: أن انقلاب ماهية إلى ماهية أخرى محال.

стр. 743

وثانيهما: أن الجهل على الله تعالى محال، ومستلزم المحال محال، فيكون الممكن محالاً، هذا خلف فلا يكون ممكنًا فيكون محالاً. وأما ثانيًا: فلأنه لو كان مرادًا لكان معناه أنه مخصص حدوثه بوقت دون وقت، وبوجه دون وجه، إذ لا معنى للمراد إلا أنه تعلق به الإرادة ولا معنى لتعلق الإرادة بالشيء إلا ذلك، لكن فيما لا يوجد غير متصور فلا يكون الإيمان منه مرادًا وقد ثبت وجود الأمر به فلا يكون "الأمر عبارة عن الإرادة ولا مشروطًا بها. فإن قلت: ما المراد من قولك: أجمعت الأمة على أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان، إن أردت أنه أنزل آية دالة على أنه تعالى مريد العقاب في الآخرة لو لم يؤمن فهذا مسلم وهو غير ما ذهبنا إليه فإن ذكرنا أن" الأمر عبارة عن إرادة فعل المأمور به أو عن إرادة عقاب المأمور بتقدير الترك، وإن أردت به غيره فبينه لننظر هل انعقد الإجماع عليه أم لا؟ فإن التصديق نوع التصور. سلمنا: أنه أمر الكافر بالإيمان بغير هذا المعني، لكن لا نسلم أنه ما أراد الإيمان منه. قوله في الوجه الأول: صدور الإيمان منه محال. قلنا: لا نسلم أنه محال. لقوله: [لو] لم يكن محالاً لكان ممكنًا والممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال. قلنا: نعم لكن نظرًا إلى الذات لا مطلقًا وها هنا كذلك، فإنا لو قطعنا النظر عن تعلق العلم به لم يلزم من فرض وقوعه محال، إن ادعيتم ذلك مطلقًا فهو ممنوع، وهذا وإن فرض وقوع الممكن لا عن مؤثر أو بدون

стр. 744

شرطه محال لكن لما كانت محالته وامتناعه من خارج لم يقدح ذلك في إمكانه في نفسه وأيضًا لما / (١٢٧/أ) كان ممتنعًا بالغير يجب أن يكون ممكنًا في نفسه، لأن الممتنع بالغير ممكن في نفسه كالواجب بالغير وإلا لكان ممتنعًا لذاته هذا خلف، وإذا كان ممكنًا في نفسه لم يلزم من فرض وقوعه محال نظرًا إلى نفسه فلا يكون محالاً في نفسه. سلمنا: أن الممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال مطلقًا، لكن لا نسلم أنه يلزم من فرض وقوعه محال. قوله: لأنه يلزم أن ينقلب علم الله تعالى جهلاً. قلنا: لا نسلم ذلك، وهذا لأن العلم والمعلوم متلازمان، فإذا فرض الإيمان حاصلاً بدلاً عن الكفر علمنا أن الحاصل في الأول هو العلم بالإيمان دون الكفر، فإذا فرض حصول الكفر علمنا أن الحاصل في الأول هو العلم بالكفر دون الإيمان، وإذا كان كذلك لم يلزم ما ذكرتم من الاقلاب. سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن المحال غير مراد، وهذا لأن الطلب عندنا من جنس الإرادة، فإذا جوزتم طلب المحال مع العلم به، فلم لا يجوز إرادة المحال مع العلم به؟ سلمنا: أن المحال غير مراد، لكن مطلقًا أم المحال لذاته. الأول: ممنوع. والثاني: مسلم. فلم قلت: إن المحال لغيره لا يجوز أن يكون مرادًا؟

стр. 745

قلت: الجواب عن الأول: أنه لا يجوز أن يكون المراد من كون الله تعالى أمر الكافر بالإيمان أنه أخبر بأنه مريد لعقابه عندما لا يؤمن. لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان الأمر قسمًا من أقسام الخبر لا قسمًا له، وهو خلاف إجماعهم، فإنهم بأسرهم قسموا الكلام إلى الأمر والخبر وغيرهما من الأقسام، ولو كان الأمر قسمًا من الخبر لما صح هذا التقسيم، إذ قسم الشيء لا يجوز أن يكون قسيمًا له. وثانيهما: أنه لو كان كذلك لتطرق إليه التصديق والتكذيب ضرورة أنه من لوازم الخبر لكنه باطل وفاقًا، فلا يكون خبرًا عن إرادة العقاب. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: تطرق التصديق والتكذيب إلى الخبر مشروطًا ببقاء صيغة الخبر والشيء قد ينتفي بانتفاء شرطه؟ قلت: هذا باطل بما أعلم بالضرورة أنه لو وضعوا صيغة الأمر أو النهي ابتداء للخبر لتطرق إليه التصديق والتكذيب، وكذلك لو نقلوها إلى صيغة أخرى أو إليها مع بقائها، ولأن تطرق التصديق والتكذيب إلى الخبر غير مختص باللغة العربية حتى يقال: إن بقاء صيغته شرط لذلك. وقد أجيب عنه: بجواب آخر، وهو أنه لو كان إخبارًا عن إرادة عقاب تاركه لامتنع سقوطه لكنه غير ممتنع إجماعًا، أما عندنا فبالعفو والتوبة، وأما / (١٢٧/ب) عندهم فبالتوبة خاصة في الكبائر. وهو ضعيف، لجواز أن يكون إخبارًا مقيدًا بانتفاء المسقط، كما هو في عمومات الوعيد، وإذا بطل أن يكون المراد من كون الله تعالى أمر الكافر

стр. 746

بالإيمان أنه أراد عقابه على تقدير الترك، تعين أن يكون المراد منه أنه طلب منه الإيمان لا بمعني أنه أراد أو بشرطها لما تقدم أنه غير مراد لئلا يلزم قول آخر خلاف الإجماع. وعن الثاني: أن الممكن المطلق هو الذي لا يلزم من فرض وقوعه محال بوجه من الوجوه، فأما الذي لا يلزم من فرض وقوعه محال نظرًا إلى نفسه دون الأمر الخارجي فليس ذلك بممكن على الإطلاق، وهذا لأن الإمكان والامتناع أمران متنافيان فلابد في اعتبار تنافيهما اتحاد الجهة، فإذا كان الشيء محالاً باعتبار يستحيل أن يكون ممكنًا بذلك الاعتبار، والممكن المطلق هو الذي يكون كذلك بجميع الاعتبارات، ونحن لا ندعى أن الإيمان من الكافر الذي شأنه ما ذكرناه محال في نفسه حتى يكون ممكنًا في نفسه منافيًا لما ذكرنا، بل ما ادعينا إلا أنه محال وهو أعم من كونه كذلك في نفسه أو بغيره، وقد ثبت ذلك بما ذكرناه وما ذكرتموه يدل على أنه ممكن في نفسه فلا يكون منافيًا لما ذكرناه. وعن الثالث: أنا نسلم أن العلم والمعلوم متلازمان، وأن الحال غير مكشوف لنا في أن العلم الأزلي بماذا تعلق من الأمرين في الأزل وأنه متى وجد الإيمان علمنا أن الحاصل في الأزل هو العلم بالإيمان دون الكفر، وكذلك بالعكس، لكن لما مات الكافر على كفره علمنا قطعًا أن العلم الأزلي كان متعلقًا بكفره إلى زمن موته، وإلا لزم ألا يكون الله تعالى عالمًا بما سيقع منه أو يكون عالمًا بحصول الإيمان منه، وهما على الله تعالى محال، فتعين أنه تعالى كان عالمًا بكفره فلو حصل الإيمان من هذا الكافر، لزم أن ينقلب علم الله تعالى جهلاً وهو محال.

стр. 747

وعن الرابع: أن إرادة المحال ممتنعة بالإجماع، [لكن] من جعل الطلب من جنس الإرادة، قال: إن طلب المحال وإرادته كلاهما محالان، ومن جعل الطلب جنسًا مغايرًا للإرادة جوز طلب المحال دون إرادته باستحالة إرادة المحال متفق عليه. وعن الخامس: أنه لم يفرق أحد من الأمة بينهما في ذلك وأيضًا فإنه لا معني لكون الشيء مراد الوجود إلا أنه مخصص / (١٢٨/أ) بالوجود دون العدم، وبالحدوث بوقت دون وقت وبوجه دون وجه، لأن الإرادة صفة شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز على الآخر فإذا تعلقت بجانب الوجود كان معناه ما ذكرناه، وهو في المحال محال سواء كان لذاته أو لغيره. واستدل على المسألة بوجه آخر، وهو أنه سيظهر جواز نسخ الشيء قبل حصول وقت العمل به في بابه إن شاء الله تعالى، وهو يدل على أن الأمر غير الإرادة، وذلك لأنه لو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة لزم أن يكون الله تعالى مريدًا وكارهًا للفعل الواحد في الوقت الواحد من الوجه الواحد، وهو باطل بالاتفاق. وهو ضعيف، لأنا نمنع تعلقهما بالفعل من الوجه الواحد، وهذا لأنه سيظهر في باب النسخ إن شاء الله تعالى إنا إنما نجوز ذلك لجواز كون الأمر بالفعل منشأ للمصلحة، والفعل نفسه منشأ للمفسدة وإذا كان كذلك فلم يكن تعلقهما بالفعل بوجه واحد، بل الأمر إنما تعلق به اعتبار المصلحة الناشئة من

стр. 748

تعلقه به، والنهي إنما تعلق به باعتبار كونه مفسدة فلم يكن جهة تعلقهما واحد. واحتج المخالف بوجوه: أحدها: أنه قد ثبت في باب اللغات، أن اللفظ المشهور المتداول لا يجوز أن يكون موضوعًا للمعني الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص، ولفظ الأمر لفظ مشهور متداول بين العوام والخواص، والطلب الذي يثبتونه معايرًا للإرادة لو ثبت القول به لا يعرفه إلا الخواص، ولهذا انفردتم بإثباته أنتم يا جماهير الأشاعرة فلا يجوز أن يكون الأمر موضوعًا له. وثانيها: أنه لو كان الطلب الذي هو مدلول الأمر مغايرًا للإرادة لجاز الأمر بالمحال ضرورة أنه حينئذ يكون قدرًا مشتركًا بين المطلوب الذي هو مراد وبين المطلوب الذي هو غير مراد، لكنه غير جائز لما سيأتي. وثالثها: أن إرادة المأمور به لو لم تكن معتبرة في الأمر، لصح الأمر

стр. 749

بالماضي قياسًا على الخبر، والجامع عدم اعتبار الإرادة فيهما. الجواب عن الأول: إنا لا نسلم أن الطلب الذي هو مغاير للإرادة لا يعرفه إلا الخواص، فإن الذي لم يمارس العلوم والبراهين قد يأمر بما لا يريد كما تقدم من أمر السيد عبده عند السلطان لتمهيد عذره. وعن الثاني: أنه جائز لما سيأتي. وعن الثالث: منع كون الجامع علة لعدم مناسبته وبتقدير تحققها نمنع انتفاء اللازم بناء على جواز تكليف ما لا يطاق. تنبيه: اعلم أنه لا اختصاص للأمر باللفظ العربي، بدليل أنه لو حلف / (١٢٨/ب) أن لا يأمر بأمر غير العربي، فإنه يحنث في يمينه ولذلك لم يقيد اللفظ في التحديد بكونه عربيًا، بل أطلقنا ليتناول العربي وغيره.

стр. 750

المسألة الثالثة [هل للأمر صيغة في اللغة أو لا] اختلف أصحابنا القائلون بكلام النفس: في أن هل للأمر صيغة مختصة في اللغة العربية أم لا؟. فأثبته الأستاذ وجماهير الأصحاب من الفقهاء والمتكلمين. ونقل عن الشيخ أبي الحسن والقاضي التوقف عليه.

стр. 751

ونقل بعضهم عنهما: إنكاره. والأول أثبت. واستبعد إمام الحرمين والغزالي رحمهم الله تعالى هذا النقل بإطلاقه عنهم، لأن قول القائل: أمرتك وأنت مأمور، صيغة مختصة بالأمر بالاتفاق. ثم قالا: لعلهما قالا ذلك في صيغة "افعل" العرية عن القرينة لكونها مترددة بين محامل كثيرة - كما سيأتي - دون التي اختصت بها قرائن

стр. 752

الوجوب والندب. واستبعد هذا الاستبعاد. وقيل لا وجه له بما ذكراه، فإن ذلك ليس صيغة الأمر، بل هو إخبار عن الأمر وعن كونه مأمورًا فصيغة الأمر تكون غيره قطعًا لوجوب مغايرة الخبر المخبر عنه، والكلام إنما هو في صيغة الأمر لا في صيغة الخبر عنه. واعلم: أن في استبعاد الاستبعاد، استبعادًا، وهذا لأن قول القائل: "أمرتك" كما يستعمل في الخبر فكذا يجوز أن يستعمل في الإنشاء، فعلى هذا يكون [هو] صيغة مختصة بالأمر، فيكون نقل التوقف في أن هل للأمر صيغة مختصة أو إنكاره على الإطلاق مستبعدًا؟ نعم: حصرهم الخلاف في صيغة "افعل" العرية عن القرينة غير سديد فإن التي معها القرائن لا يبعد أن يكون الخلاف فيها أيضًا، لأن القرينة إنما تنبئ عن مراد المتكلم لا عن الوضع، والخلاف إنما هو في الوضع لا في مراد المتكلم.

стр. 753

المسألة الرابعة [هل تكفي الصيغة عن الإرادة أو لا] دلالة الصيغة المخصوصة بالأمر على الطلب الذي هو غير الإرادة أو عينها - على الاختلاف الذي عرفته - يكفي في تحققها الوضع، من غير حاجة إلى الإرادة أصلاً، أو إلى إرادة أخرى غير ذلك الطلب، الذي هو عين إرادة المأمور به عندنا، وعند كثير من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والكعبي. وقال أبو علي وأبو هاشم: لابد من إرادة أخرى غيرها، وهي إرادة الدلالة بها على الأمر. احتج الجماهير: بأن هذه الصيغة لفظة وضعت بمعني، فلا يفتقر في إفادتها إياه إلى الإرادة، كسائر الألفاظ الدالة على معانيها، ولأن الألفاظ إنما وضعت لمعانيها لتعريفها بها، فلو كانت دلالة الصيغة المخصوصة على معناها مشروطة بإرادة الدلالة عليه لاختلت فائدة الوضع، ضرورة أن تلك الإرادة

стр. 754

أمر باطن لا يمكن الاطلاع / (١٢٩/أ) عليه بدون التعريف، كمعاني الألفاظ الدالة عليها. احتجا: بأن الصيغة المخصوصة، قد ترد للأمر، وقد ترد للتهديد، والإنذار، والتعجيز، والتسخير، وغيرها من المحامل، ولا مميزًا إلا الإرادة، فتكون مشروطة بها، كدلالة المشترك على أحد مفهوماته على التعيين مشروطة بوجود قرينة دالة عليه. وجوابه: أنها حقيقة في الأمر فقط، مجاز فيما ذكرتم من المحامل، كما سيأتي، ودلالة اللفظ على معناه الحقيقي غير مشروط بالقرينة.

стр. 755

المسألة الخامسة [أن الأمر به نفس الصيغة خلافًا لأبي علي وأبي هاشم] ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن الأمر به صفة زائدة على نفس الصيغة، حاصلة لها بسبب إرادة المأمور به، وإرادة الدلالة بها على الأمر. وذهب أصحابنا القائلون: بأن للأمر صيغة مخصوصة، والباقون منهم إلى أنها نفس الصيغة. واستدلوا على فساد قولهما بوجهين: أحدهما: أن الأمر لو كانت [به] صفة زائدة حاصلة للصيغة، فإما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف، أو لآحادها، والقسمان: باطلان فالقول بكونها صفة زائدة باطل. أما الأول: فلأنه لا وجود لمجموع الحروف في الخارج فيستحيل حصول الصفة في الخارج له، ضرورة أن حصول الصفة متوقف على حصول الموصوف. وأما الثاني: فلأنه يقتضي أن يكون كل واحد من آحاد حروف الصيغة أمرًا على الاستقلال، وهو باطل بالاتفاق.

стр. 756

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الأمر به صفة حاصلة للحرف الأخير بشرط أن يكون مسبوقًا بالباقي أو للأول بشرط أن يكون ملحوقًا بالباقي لابد من إبطال هذين القسمين حتى تتم الدلالة. وثانيهما: أن إرادة المأمور به نفس مدلول الصيغة، فوجب أن لا تكون علة ولا جزء علة لإفادة صفة للصيغة الدالة عليه، قياسًا على سائر المسميات والأسماء. واعلم أن هذه الدلالة إنما تتم، لو سلمنا: أن إرادة المأمور به نفس مدلول الصيغة، أما إذا لم يقولا به، بل يقولا أن مدلول الصيغة هو الطلب بشرط إرادة المطلوب على ما هو مذهب بعضهم فلا. المسألة السادسة [خلاف العلماء في اعتبار علو رتبة الآمر والاستعلاء] قال الشيخ: وأكثر الأصحاب لا يعتبر في الأمر علو رتبة الآمر ولا الاستعلاء. وقال أكثر المعتزلة: يعتبر العلو.

стр. 757

وقال أبو الحسين البصري، وبعض أصحابنا يعتبر الاستعلاء دون العلو. احتج الجماهير: على عدم اعتبار العلو بقوله تعالى حكاية عن فرعون: أنه قال لقومه: ﴿ماذا تأمرون﴾ مع أنه كان أعلى رتبة منهم،

стр. 758

وبقول عمرو بن العاص: إنه قال لمعاوية: أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني وكان من التوفيق / (١٢٩/ب) قتل ابن هاشم

стр. 759

والأصل في الإطلاق الحقيقة. واحتجوا: على عدم اعتبار الاستعلاء بما يقال: إن فلانًا يأمر على وجه الرفق واللين، ولو كان الاستعلاء معتبرًا لما حسن ذلك. واحتجوا: على اعتباره بأن الناس يفرقون بين ما إذا كانت الصيغة صادرة من الأعلى، وبين ما إذا كانت صادرة من الأدنى والمساوي.

стр. 760

فيقولون: في الصورة الأولى: أمر. وفي الثاني: دعاء وسؤال. وفي الثالث: التماس. والأصل عدم التغيير. واحتج بعض الأصحاب وأبو الحسين: على اعتبار الاستعلاء دون العلو بأن الرجل العظيم إذا قال لغيره افعل لا على سبيل الاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، لا يقال: إنه أمر، ولذلك قال ﵇: "لبريرة إنما أنا شافع لما قالت له: أتأمرني بذلك. لما لم يكن ذلك القول على سبيل الاستعلاء: وإذا قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه: "أفعل" على وجه الاستعلاء يقال: إنه أمره، ولذلك يوصف بالجهل والحمق بسبب أمره لمن هو أعلى رتبة [منه].

стр. 761

المسألة السابعة في تعديد موارد استعمال صيغة افعل وهي ثمانية عشر موردًا. الأول: الإيجاب كقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ الثاني: الندب كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ ﴿وأحسنوا﴾. الثالث: التأديب كقوله ﵇ لابن عباس ﵄: "كل مما يليك"، والفرق بين بينه وبين الندب، فرق ما بين العام والخاص.

стр. 762

فإن كل تأديب مندوب إليه، وليس كل ندب تأديب، فيحسن أن يعد قسمًا مغايرًا له، لأن الخاص مغاير للعام بمعني أن المفهوم منه مغاير للمفهوم من العام. الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا﴾. والفرق بينه وبين الندب، أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا، إذ لا ينتقض بسبب ترك الاستشهاد في المداينات الثواب ولا يزيد بسبب فعله وأيضا المندوب قد يكون مشتملاً على منافع الدنيا، كبعض التأديبات، بخلاف الإرشاد، فإنه غير مشتمل على ثواب الآخرة. وهو الفرق بعينه بينه وبين التأديب،

стр. 763

لأن المفهوم العام موجود في الخاص. الخامس: الإباحة كقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾. السادس: الامتنان كقوله تعالى: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾. السابع: الإكرام كقوله تعالى: ﴿ادخلوها﴾. الثامن: التهديد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. التاسع: الإنذار كقوله تعالى: ﴿قل تمتعوا﴾. والفرق بينه وبين التهديد، أن الإنذار يجب أن يكون مقرونًا بالوعيد، كما في الآية المذكورة والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونًا به وقد لا يكون، وأيضًا الفعل المهدد عليه يكون / (١٣٠/أ) ظاهر التحريم والبطلان، وفي الإنذار قد

стр. 764

يكون كذلك والعاشر: التسخير كقوله تعالى ﴿كونوا قردة خاسئين﴾. الحادي عشر: التعجيز كقوله تعالى ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾. الثاني عشر: التعجب كقوله تعالى: ﴿قل كونوا حجارة﴾. الثالث عشر: الإهانة كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز

стр. 765

الكريم﴾. الرابع عشر: التسوية كقوله تعالى: ﴿اصبروا أولا لا تصبروا﴾. الخامس عشر: التكوين كقوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾. السادس عشر: الدعاء كقوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا﴾. السابع عشر: التمني كقول الشاعر:

стр. 766

*** ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلى ... الثامن عشر: الاحتقار كقوله تعالى: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾. والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة إنما تكون بالقول، أو بالفعل، أو بترك القول، أو الفعل دون مجرد الاعتقاد. والاحتقار إما مختص به، وإن

стр. 767

لم يكن كذلك، لكنه لا محالة يحصل بمجرد الاعتقاد، بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه، يقال: إنه احتقره، ولا يقال: إنه أهانه، ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبئ عنه. وقد اتفق الأصوليون على أن الصبغة ليست حقيقة في كلها، بل في بعضها. واختلفوا فيه. فقيل: إنها حقيقة في الوجوب فقط. وقيل: إنها حقيقة في الندب فقط. وقيل: هي للمشترك بينهما، وهو الطلب. وقيل: للإباحة. وقيل: للمشترك بين الثلاثة، وهو جواز الفعل. وقيل: هي مشتركة بين الثلاثة المذكورة، وبين التهديد، المستدعى لترك الفعل بالاشتراك اللفظي. واستدل إمام الحرمين، والغزالي، والإمام على فساد كون الصيغة مشتركة بين تلك الأمور المذكورة: بأنا ندرك التفرقة في اللغات كلها بين قولهم: "افعل"، وبين قولهم: "لا تفعل"، وبين قولهم: "إن شئت

стр. 768

"افعل" و "إن شئت لا تفعل" حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها، وقدرنا هذه الصيغة منقولة على سبيل الحكاية عن ميت أو عن غائب لا في فعل معين حتى يتوهم فيه قرينة دالة، بل في الفعل مطلقًا، سبق إلى فهمنا، اختلاف معاني هذه الصيغ، وعلمنا قطعًا أنها ليست ألفاظًا مترادفة على معني واحد. كما أنا ندرك التفرقة بين قولهم: "قام زيد" و "يقوم عمر" وفي أن الأول: للماضي. والثاني: للمستقبل "وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل"، وبالعكس، لقرائن تدل عليه، فكذا ميزوا الأمر عن النهي. فقالوا: الأمر أن تقول: "افعل"، والنهي أن تقول: "لا تفعل"، فهذا أمر معلوم بالضرورة عن اللغات لا يشكنا في ذلك إطلاقها مع قرينة تدل على الإباحة أو التهديد. وهو ضعيف، لأنه لا يلزم من / (١٣٠/ب) حصول التفرقة بين تلك الصيغ، وبين كونها ليست ألفاظًا مترادفة أن لا تكون صيغة "افعل" مشتركة بين "تلك" المعاني لجواز كونها مشتركة وكل واحد من صيغة "لا تفعل"، و"إن شئت افعل" و "إن شئت لا تفعل" خاصة لمدلوله، نعم: لو ادعوا حصول التفرقة بين تلك الصيغ في اختلاف معانيها بحيث إن كل واحد منها لا يدل على ما يدل عليه الآخر لا بطريق الاشتراك ولا بطريق الإفراد لحصل مطلوبهم، لكنه مصادرة على المطلوب.

стр. 769

والأولى في ذلك أن يقال: إنا نجد أفهامنا متبادرة إلى معني الطلب والاستدعاء عند سماع هذه الصيغة مجردة عن القرينة، ولو كانت الصيغة مشتركة بين الطلب والإباحة، والتهديد، لما كان ذلك، وإحالته إلى العرف الطارئ خلاف الأصل. وبهذا يعرف أيضًا إنها ليست بحقيقية في القدر المشترك بين الثلاثة، لأن الجواز أعم من الطلب، والمعني الخاص لا يتبادر إلى الفهم عند سماع اللفظ الدال على المعني العام، ولأنا أجمعنا على أنها حقيقة في غير الإباحة والتهديد، فوجب أن لا تكون حقيقة فيهما ولا في أحدهما دفعًا للاشتراك. المسألة الثامنة [في أن مدلول الصيغة الطلب والاستدعاء، أو ما فيه الطلب والاستدعاء] إذا عرفت أنها ليست بحقيقة في الإباحة، والتهديد، لم يبق من تلك الأمور ما يصلح أن يكون مدلول الصيغة إلا الطلب والاستدعاء. أو ما فيه الطلب والاستدعاء المستدعي لترجيح الفعل على الترك، والاحتمالات الممكنة الناشئة منه خمسة: أحدها: أن تكون الصيغة حقيقة في الوجوب فقط، وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين. وثانيها: أن يكون حقيقة في الندب فقط، وهو مذهب

стр. 770

أبي هاشم وكثير من أصحابه، وجماعة من الفقهاء، ونسب إلى الشافعي ﵁ أيضًا. وثالثها: أن يكون حقيقة فيهما بالاشتراك اللفظي، وهو مذهب المرتضي وأصحابه من الشيعة.

стр. 771

ورابعها: أن تكون حقيقة فيهما بالاشتراك المعنوي، وهو كون الفعل مطلوبًا راجحًا على الترك، وهو مذهب جماعة من العلماء منهم الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى. وخامسها: التوقف في هذه الأقسام الأربعة، وهو مذهب الشيخ أبي

стр. 772

الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر واختاره إمام الحرمين والغزالي وطائفة من فقهائنا. احتج القائلون بالوجوب بوجوه: أحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾. ووجه الاستدلال به: وهو أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام، لكن ليس المراد منه الاستفهام لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل، بل المراد منه التوبيخ، وأنه لا / (١٣١/أ) عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ. فإن قيل: ليس في النص ما يدل على أنه تعالى أمر إبليس باللغة العربية

стр. 773

فلعله أمره بلغة أخرى، ولعل الأمر في تلك اللغة يفيد الوجوب. فلم قلت: إنه في اللغة العربية يفيده؟. سلمنا: أنه أمره باللغة العربية، لكن لعله احتف به من القرائن ما أفاده ونحن لا ننكر إفادة الأمر للوجوب بقرينة. سلمنا: تجرده عن القرينة، لكنه إنما يدل على أن الأمر للوجوب لا صيغة "افعل" ونحن نقول: إن قول القائل: "أمرتك بكذا" يفيد الوجوب. فلم قلت: إن صيغة "افعل" تفيده والنزاع إنما هو فيه؟. سلمنا: ذلك لكنه يدل على أن أمر الله تعالى يفيد الوجوب. فلم قلت: إن أمر غيره تعالى يفيده؟. سلمنا: ذلك لكنه يدل دلالة ظنية أو قطعية. والأول: مسلم لكنه غير مفيد، لأن المسألة علمية، فلا يصح الاستدلال بها عليها. والثاني: ممنوع وسنده ظاهر غير خفي. فلم قلت: إن دلالته قطعية؟ سلمنا: ذلك لكنه يدل على أن تارك المندوب يستحق الذم والتوبيخ. وهو باطل وفاقًا: لأن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب، وإلى أمر استحباب إجماعًا، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا بين القسمين. أجاب القائلون بالوجوب عن الأول: بأن الظاهر ترتب الذم والتوبيخ على مجرد مخالفة الأمر لما سيظهر أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر

стр. 774

بالعلية، فإحالته إلى أمر آخر غيره خلاف الظاهر، وبه خرج الجواب عن قوله: لعلة إفادة القرينة. وعن الثالث: أن صيغة "افعل" عندما تكون للطلب يسمى أمرًا بالإجماع فمخالفتها يكون مخالفًا للأمر. وعن الرابع: أنه لا قائل بالفصل. وعن الخامس: أن من قال منهم بأن المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره: فأجاب بمنع كون المسألة قطعية. وأما من قال: بأنها علمية قطعية: فأجاب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده فيصح الاستدلال به وإن كان وحده لا يفيد القطع. وعن السادس: منع كون المندوب مأمورًا به على سبيل الحقيقة ولا يمكن دعوى الإجماع فيه، فإن كثيرًا من الأصوليين صرحوا بأن المندوب غير مأمور به. وسيأتي تمامه. وثانيها: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. ووجه الاستدلال به أن هذا الأمر للوجوب لوجهين: أحدهما: بالإجماع.

стр. 775

وثانيهما: أنه هدد على مخالفته لقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾. والتهديد على / (١٣١/ب) المخالفة دليل الوجوب وفاقًا. والطاعة: عبارة عن موافقة الأمر. فتكون موافقة الأمر واجبة ولا معني لكون الأمر للوجوب سوى أن موافقته واجبة، ويعرف منه اندفاع ما يعترض عليه: من أنه أمر، والخلاف في اقتضائه الوجوب، كالخلاف في اقتضائه مطلق الأمر له، فالاستدلال به على أن الأمر للوجوب استدلال بالشيء على نفسه. فإن قيل: لا نزاع في أنه لو ثبت أن هذا الأمر للوجوب لا يدفع ذلك الاعتراض، لكنا لا نسلم ذلك. أما الوجه الأول: وهو الإجماع فممنوع، وهذا لأن من يزعم أن الأمر حقيقة في المندوب أو في القدر المشترك بينه وبين الواجب فإنه وإن فسر الطاعة بموافقة الأمر، فإنه يقول: ليس في الآية دلالة إلا على ندبية الموافقة أو على أولويته من غير إشعار بجواز ترك الموافقة أو عدم جوازه، فإذا كان كذلك لم يكن الإجماع منعقدًا على أن هذا الأمر للوجوب. وأما الوجه الثاني: فلا نسلم أن في قوله تعالى: ﴿فإن توليتم فإنما عليه ما
следующие страницы →