Полный текст (3 770 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
ورابعها: أن تكون حقيقة فيهما بالاشتراك المعنوي، وهو كون الفعل مطلوبًا راجحًا على الترك، وهو مذهب جماعة من العلماء منهم الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى.
وخامسها: التوقف في هذه الأقسام الأربعة، وهو مذهب الشيخ أبي
стр. 772
الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر واختاره إمام الحرمين والغزالي وطائفة من فقهائنا.
احتج القائلون بالوجوب بوجوه:
أحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾.
ووجه الاستدلال به: وهو أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام، لكن ليس المراد منه الاستفهام لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل، بل المراد منه التوبيخ، وأنه لا / (١٣١/أ) عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ.
فإن قيل: ليس في النص ما يدل على أنه تعالى أمر إبليس باللغة العربية
стр. 773
فلعله أمره بلغة أخرى، ولعل الأمر في تلك اللغة يفيد الوجوب.
فلم قلت: إنه في اللغة العربية يفيده؟.
سلمنا: أنه أمره باللغة العربية، لكن لعله احتف به من القرائن ما أفاده ونحن لا ننكر إفادة الأمر للوجوب بقرينة.
سلمنا: تجرده عن القرينة، لكنه إنما يدل على أن الأمر للوجوب لا صيغة "افعل" ونحن نقول: إن قول القائل: "أمرتك بكذا" يفيد الوجوب.
فلم قلت: إن صيغة "افعل" تفيده والنزاع إنما هو فيه؟.
سلمنا: ذلك لكنه يدل على أن أمر الله تعالى يفيد الوجوب.
فلم قلت: إن أمر غيره تعالى يفيده؟.
سلمنا: ذلك لكنه يدل دلالة ظنية أو قطعية.
والأول: مسلم لكنه غير مفيد، لأن المسألة علمية، فلا يصح الاستدلال بها عليها.
والثاني: ممنوع وسنده ظاهر غير خفي.
فلم قلت: إن دلالته قطعية؟
سلمنا: ذلك لكنه يدل على أن تارك المندوب يستحق الذم والتوبيخ.
وهو باطل وفاقًا: لأن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب، وإلى أمر استحباب إجماعًا، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا بين القسمين.
أجاب القائلون بالوجوب عن الأول: بأن الظاهر ترتب الذم والتوبيخ على مجرد مخالفة الأمر لما سيظهر أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر
стр. 774
بالعلية، فإحالته إلى أمر آخر غيره خلاف الظاهر، وبه خرج الجواب عن قوله: لعلة إفادة القرينة.
وعن الثالث: أن صيغة "افعل" عندما تكون للطلب يسمى أمرًا بالإجماع فمخالفتها يكون مخالفًا للأمر.
وعن الرابع: أنه لا قائل بالفصل.
وعن الخامس: أن من قال منهم بأن المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره: فأجاب بمنع كون المسألة قطعية.
وأما من قال: بأنها علمية قطعية: فأجاب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده فيصح الاستدلال به وإن كان وحده لا يفيد القطع.
وعن السادس: منع كون المندوب مأمورًا به على سبيل الحقيقة ولا يمكن دعوى الإجماع فيه، فإن كثيرًا من الأصوليين صرحوا بأن المندوب غير مأمور به. وسيأتي تمامه.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾.
ووجه الاستدلال به أن هذا الأمر للوجوب لوجهين:
أحدهما: بالإجماع.
стр. 775
وثانيهما: أنه هدد على مخالفته لقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾.
والتهديد على / (١٣١/ب) المخالفة دليل الوجوب وفاقًا.
والطاعة: عبارة عن موافقة الأمر. فتكون موافقة الأمر واجبة ولا معني لكون الأمر للوجوب سوى أن موافقته واجبة، ويعرف منه اندفاع ما يعترض عليه: من أنه أمر، والخلاف في اقتضائه الوجوب، كالخلاف في اقتضائه مطلق الأمر له، فالاستدلال به على أن الأمر للوجوب استدلال بالشيء على نفسه.
فإن قيل: لا نزاع في أنه لو ثبت أن هذا الأمر للوجوب لا يدفع ذلك الاعتراض، لكنا لا نسلم ذلك.
أما الوجه الأول: وهو الإجماع فممنوع، وهذا لأن من يزعم أن الأمر حقيقة في المندوب أو في القدر المشترك بينه وبين الواجب فإنه وإن فسر الطاعة بموافقة الأمر، فإنه يقول: ليس في الآية دلالة إلا على ندبية الموافقة أو على أولويته من غير إشعار بجواز ترك الموافقة أو عدم جوازه، فإذا كان كذلك لم يكن الإجماع منعقدًا على أن هذا الأمر للوجوب.
وأما الوجه الثاني: فلا نسلم أن في قوله تعالى: ﴿فإن توليتم فإنما عليه ما
стр. 776
حمل وعليكم ما حملتم﴾ تهديدًا، بل ليس فيه إلا الإخبار بأن الرسول صلي الله عليه وسلم ليس عليه إلا ما حمل من التبليغ، وبأن الأمة ما عليها إلا ما حملوا من القبول، وحينئذ لا يكون التولي مهددًا عليه، فلم تكن الآية دالة على الأمر للوجوب.
الجواب عن الأول: إن الأمة مجمعة على الاستدلال بهذه الآية وأمثالها نحو قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ على أن امتثال أوامر الله ورسوله صلي الله عليه وسلم وأولى الأمر واجب، فلو لم يكن هذا الأمر للوجوب لكان إطباقهم على الاستدلال بها "على الوجوب" خطأ، وهو باطل.
وعن الثاني: أن حمل كلام الله تعالى على ما هو أكثر فائدة أولى وليس في الحمل على الخبر فائدة زائدة، فإن من المعلوم أن ليس على الرسول إلا ما حمل من التبليغ دون القبول، وليس على الأمة إلا ما حملوا من القبول دون التبليغ، أما لو حملناه على التهديد لكانت فيه فائدة زائدة مناسبة لصدر الآية فكان الحمل عليه أولى.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.
ووجه الاستدلال به: أن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر، وهذا لأن مخالفة الأمر ضد موافقته، وموافقته: عبارة عن امتثاله
стр. 777
فتكون مخالفته عبارة عن عدم امتثاله، ولأنه يصح أن يقال: أمرتك فخالفتني / (١٣٢/أ) عند ما لم يمتثل أمره والأصل في الإطلاق هو الحقيقة ومخالف الأمر مستحق للعذاب، لأنه مأمور بالحذر عن العذاب والأمر بالحذر عنه إنما يحسن بعد وجود المقتضي له، دون احتمال وقوعه حتى يقال: إن كون الأمر مقتضيًا للوجوب محتمل، فأمر بالحذر لئلا يلزم مخالفة الواجب بدليل أنه يقبح الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضي له، ألا ترى أنه يقبح أن يقال: لمن جلس تحت سقف جديد غير مائل، احذر عن أن يقع عليك السقف، ولا يقبح أن يقال ذلك لمن جلس تحت سقف مائل معرض للوقوع، لما أن المقتضى للوقوع قائم فيه فلو لم يكن ترك المأمور به مقتضيًا لوقوع العذاب لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب، ولا معني لقولنا: إن مخالف الأمر مستحق للعقاب إلا أنه وجد المقتضي لعقابه ولا معنى لكون الأمر. للوجوب إلا أن تاركه مستحق للعقاب. على ما تقدم تقريره في حد الواجب.
فإن قيل: سلمنا أن المخالفة ضد الموافقة، لكن لا نسلم أن الموافقة عبارة عن مجرد امتثال الأمر. ولم لا يجوز أن يكون موافقة الأمر عبارة عن امتثاله على وجه يقتضيه الأمر من الندب أو الوجوب أو غيرهما؟.
فعلى هذا مخالفة الأمر ليست عبارة عن مجرد عدم امتثاله، بل لو امتثل على وجه الوجوب وهو يقتضي الندب أو بالعكس كان ذلك مخالفة أيضًا.
لا يقال: ما ذكرتم لا ينافي ما ذكرنا وغير قادح فيه، وهو أن ترك المأمور
стр. 778
به مخالفة للأمر أيضًا، بل يقتضيه، لأن المجموع المركب من أمرين ينتفي بطرق ثلاثة، لكن غايته أنه يقتضي أن الفعل لا على وجه يقتضيه الأمر مخالفة للأمر وثبت أن مخالف الأمر مستحق للعقاب ثبت أن الأمر للوجوب على ما تقدم تقريره، فيعد ذلك أن الفعل قد يكون مخالفة أيضًا شيء غير مناف لما ذكرنا وغير قادح في غرضنا.
لأنا نقول: لا نسلم أنه غير مناف بل هو مناف وقادح في الغرض.
أما الأول: فلأن المخالفة غير منحصرة في ترك الفعل على ما ذكرنا من التفسير، لأنه لو فعله لا على وجه يقتضيه الأمر كان ذلك مخالفة أيضًا، وأما على ما ذكرتم من التفسير فإن المخالفة منحصرة في الترك والمنافاة بين المعنيين ظاهرة.
وأما الثاني: فلأنه لا يلزم من كون المخالفة على ما ذكرنا من التفسير سببًا لاستحقاق العقاب أن يكون الأمر / (١٣٢/ب) للوجوب، لجواز، أن يكون للندب وتكون مخالفته سببًا لاستحقاق العقاب، فإن بنيت هذا على أن المندوب لا يكون مأمورًا به، فلا تكون مخالفته سببًا لاستحقاق العقاب، فهو أول المسألة، فلا حاجة إلى الاستدلال بكون المخالفة سببًا لاستحقاق العقاب على أن الأمر للوجوب، فإنه مهما ثبت أن المندوب لا يكون مأمورًا به ثبت أن الأمر للوجوب.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكونه حقًا واجب القبول؟.
стр. 779
فعلى هذا مخالفته عبارة عن إنكار كونه حقًا واجب القبول.
ونحن نقول: إن مخالفة الأمر على هذا التفسير سبب لاستحقاق العقاب ومعلوم أنه لا يقتضي أن يكون الأمر للوجوب، ثم ما ذكرتم منقوض بالمندوب فإن تاركه "لا يستحق" العقاب وفاقًا. ولو كانت مخالفة الأمر عبارة عما ذكرتم، لوجب أن يستحق تاركه العقاب ضرورة انقسام الأمر: إلى أمر الوجوب، وإلى أمر الندب.
سلمنا: أن المخالفة عبارة عما ذكرتم، لكن لا نسلم "أن مخالف الأمر يستحق العقاب أما قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ (فلا نسلم) أنه يدل عليه، وهذا لأنه أمر بالحذر عن المخالف، لا أنه أمر المخالف بالحذر.
فإن قلت: هذا مدفوع، لأنه لا فائدة في الأمر بالحذر عن المخالف، لأن مخالفته ليست سببًا لمؤاخذة غيره حتى يؤمر بالحذر عن العذاب، بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
قلت: لا نسلم أنه لا فائدة فيه فإن معصية الشخص قد تكون سببًا لمؤاخذة الغير، إذا كان مخالطًا له، بدليل قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فهي عامة بالنسبة
стр. 780
إلى ما تلونا مكان ما تلونا مقدمًا.
سلمنا: أنه أمر للمخالف، لكن للمخالف عن الأمر أو لمخالف الأمر.
الأول: مسلم.
والثاني: ممنوع، وهذا لأن المخالف عن الأمر ليس بمعني مخالف الأمر، حتى يلزم من كون المخالف عن الأمر مأمورًا بالحذر عن العقاب، كون مخالف الأمر مأمورًا بذلك، وإلا لزم أن يكون كلمة "عن" زائدة لا فائدة فيها وكلام الله تعالى يصان عن ذلك.
سلمنا: ذلك لكن الآية تدل على أن مخالف أمر واحد مأمور بالحذر عن العذاب أم مخالف كل أمر.
والأول: مسلم.
والثاني: ممنوع. وهذا لأن المفرد والمعرف لا يفيد العموم، ونحن نقول: بأن أمرًا واحدًا يفيد / (١٣٣/أ) الوجوب ولا يلزم منه أن يكون كل أمر مفيد له.
سلمنا: إفادته عموم الأمر، لكن عموم أمر الله أو عموم أمر الرسول، لأن ضمير المفرد لا يرجع إلى المثني.
فلم قلت: إن أمر الآخر وأمر كل آمر للوجوب؟.
الجواب: قوله: لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن مجرد امتثاله.
قلنا: الدليل عليه: أن العبد إذا فعل ما أمره به سيده حسن أن يقال: إنه وافق أمر سيده وإن لم يعلم اعتقاده في أنه فعله على ذلك الوجه، وذلك يدل
стр. 781
على أنها عبارة عن مجرد الامتثال، إذ لو كان ما ذكروه من القيد معتبرًا فيها، لما حسن أن يقال: ذلك ما لم يعلم أنه هل فعله على ذلك الوجه أم لا.
وبه خرج الجواب عن قوله: لم لا يجوز أن يكون موافقة الأمر عبارة عن امتثاله على وجه يقتضيه من الندب أو الوجوب؟.
وأما قوله: لم لا يجوز أن يكون موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون الأمر حقًا واجب القبول؟.
فجوابه: إن ذلك ليس موافقة للأمر، بل هو موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حقًا واجب القول، لأن موافقة الشيء يقتضي تقرر مقتضاه، وكون الأمر حقًا واجب القبول ليس من مقتضي الأمر فلا يكون الاعتراف به موافقة للأمر.
وأما الجواب: عن البعض فقد تقدم. وهو أنا لا نسلم إن المندوب مأمور به على الحقيقة.
أما قوله: إن النص أمر بالحذر عن المخالف لا أمر للمخالف بالحذر.
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن أحدًا من الأمة لم يفهم هذا المعني منه، بل كلهم فهموا منه
стр. 782
أن مخالف أمر الله ورسوله مأمور "منه" بالحذر عن أن تصيبه [فتنة أو يصيبه] عذاب، فلو كان ما ذكرتم من المعني مراد منه لكانت الأمة ذاهلين عن الحق مطبقين على غير المراد. وهو باطل، إذ في ذلك إجماعهم على الخطأ.
وثانيها: أنه يلزم الإجمال على ما ذكرتم، لأن المأمور بالحذر عن المخالف غير متعين على ذلك التقدير، لأنه ليس في الآية ولا ما قبلها سوى ذكر المتسللين، وهم لا يصلحون أن يكونوا مأمورين بالحذر "عن المخالف لأنهم هم المخالفون فلو كانوا مأمورين بالحذر عن المخالف لكانوا مأمورين بالحذر" عن أنفسهم.
وهو باطل لاستحالة أن يكون الإنسان مأمورًا بالحذر عن نفسه.
وأما على تقدير أن يكون أمرًا للمخالف بالحذر لا يلزم هذا الإجمال، فكان حمل الآية عليه أولى دفعًا للإجمال.
فإن قلت: لا نسلم أنه يلزم الإجمال، وهذا لأن المأمور وإن كان غير متعين بحسب دلالة / (١٣٣/ب) [اللفظ لا نسلم أنه يلزم الإجمال، وهذا لأن المأمور وإن كان غير متعين بحسب دلالة اللفظ، لكنه متعين بحسب دلالة] العقل وهو جميع المكلفين من المؤمنين، على رأي من لم ير أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، أو جميع المكلفين على رأي من يرى
стр. 783
ذلك. كما هو في التكاليف المطلقة.
قلت: هب أنه كذلك، لكنه بطريق الاقتضاء والإضمار، وأنه خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لضرورة.
وثالثها: أن الفعل على ما ذكرتم من المعني يكون مسندًا إلى المفعول في اللفظ، وإن كان مسندًا إلى الفاعل في المعني، وعلى ما ذكرنا يكون مسندًا إلى الفاعل في اللفظ والمعني، فكان أولى لاتفاقهم على أن ذكر الفاعل أولى من ذكر المفعول.
ورابعها: أن الفاعل والمفعول كليهما مذكوران على تقدير أن تكون الآية أمرًا للمخالف بالحذر، أما على تقدير أن تكون أمرًا بالحذر عن المخالف يكون المفعول مذكورًا دون الفاعل وكان الأول أولى.
قوله: الآية أمر للمخالف عن الأمر لا لمخالف الأمر، وهما ليسا بمعني واحد، وإلا لزم أن تكون كلمة "عن" زائدة لا فائدة فيها.
قلنا: لا نسلم أنهما ليسا بمعني واحد، بل هما بمعني واحد لكن البعد والمجاورة في قوله: ﴿يخالفون عن أمره﴾ مدلول عليه بطريق المطابقة وهو في قولنا: يخالفون أمره. بطريق الالتزام، لأن مخالفة الأمر يستلزم بعدًا
стр. 784
عن الأمر فلا يلزم من دلالتهما على معني واحد، أن تكون كلمة "عن" زائدة لا فائدة فيها، لأن كون المعني معبرًا عنه بطريق المطابقة فائدة زائدة لكن في اعتبار الدلالة لا في مدلوله.
قوله: الآية تدل على أن لمخالف أمر واحد يستحق العذاب لا مخالفة كل أمر. فلم قلت: إن مخالف كل أمر يستحقه؟.
قلت: لأنها تدل على أن مخالف كل أمر مأمور بالحذر عن العذاب، بدليل صحة استثناء كل واحد من أنواع المخالفات عنها. والاستثناء من الكلام: ما لولاه لدخل فيه، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فيعم الحكم لعموم علته ونحن لا نسلم أن المفرد المعرف سواء كان باللام أو بالإضافة لا يفيد العموم.
سلمنا: أنها لا تفيد العموم، لكن لما سلمتم أنها تفيد أن مخالف أمر واحد يستحق العذاب فقد حصل الغرض، لأنه يلزم منه أن مخالف كل أمر يستحقه إذ لا قائل بالفصل، وبه خرج الجواب عن السؤال الأخير أيضًا.
ورابعها: التمسك بقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾.
ووجه التمسك به: هو أنه تعالى ذم أقوامًا على ترك ما قيل لهم: افعلوا، إذ الآية لسياقها تدل على الذم فلو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن ذلك، كما في تركه المندوب / (١٣٤/أ) واستحقاق الويل بسبب التكذيب، لو سلم
стр. 785
أن المكذبين هم الذين تركوا الركوع لا ينافي استحقاق الذم بسبب ترك الركوع، إذ الكفار عندنا مخاطبون بفروع الإسلام، كما هم مخاطبون به وإحالة الوجوب إلى قرينة الركوع أو غيرها خلاف الأصل، لأنه يوجب التعارض أو التجوز وهما على خلاف الأصل.
وخامسها: قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾. وقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا﴾.
ووجه الاستدلال به: هو [أن] تارك المأمور به يسمي عاصيًا بالنقل والاشتقاق والاستعمال.
أما النقل: فظاهر.
وأما الاشتقاق: فلأن بناء لفظة العصيان تدل على الامتناع قال ﵇: "لولا أنا نعصي الله لما عصانا" أي لم يمتنع من إجابتنا، والعصا إنما سمى عصا، لأنه يمتنع بها والجماعة إنما تسمى بالعصا، يقال: شققت
стр. 786
عصا المسلمين أي جماعتهم، لأنها تمتنع لكثرتها ويقال: هذا الخطب مستعصى على الكسر أي ممتنع، وكذا يقال: هذا الشعر والكلام مستعصى على الحفظ أي ممتنع وتارك المأمور "به" ممتنع عن فعله فيكون عاصيًا نظرًا إلى الاشتقاق.
وأما الاستعمال فيدل عليه القرآن والشعر والعرف.
أما القرآن، فكقوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾ ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ ﴿لا أعصى لك أمرًا﴾.
وأما الشعر فقول ابن المنذر:
стр. 787
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ...... فأصبحت مسلوب الإمارة نادمًا
وأما العرف: فلأن أهل اللسان يقولون: شائعًا ذائعًا لمن لم يمتثل الأمر، أمرتك فعصيتني، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فثبت أن تارك المأمور به يسمى عاصيًا، وأن العاصي يستحق النار، وأنه ضال بما ذكرنا من النصين، فيلزم أن يكون الأمر للوجوب، لأنه لا يجوز أن يوصف تارك ما جاز تركه بالضلالة، ولا هو مستحق النار وفاقًا.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: إن وصف تارك المأمور به بكونه عاصيًا حيث وصف به قرينة دالة على أن ذلك الأمر للوجوب؟ وهذا لأن العاصي اسم ذم بالاتفاق فلا يجوز أن يوصف تارك مطلق الأمر به، لأن مطلق الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب، وإلى أمر ندب.
أما للإجماع، وأما لأنه لو لم يكن كذلك لزم التجوز وأنه خلاف الأصل وتارك المندوب لا يوصف باسم الذم اتفاقًا.
سلمنا: ذلك لكن لا نسلم أن العاصي مطلقًا يستحق النار، وما ذكرتم من النصين فمختصان بالكفار (١٣٤/ب).
стр. 788
أما الأول: فلقرينة الخلود.
وأما الثاني: فلقرينة الضلالة، فإن الضلالة عبارة عن الكفر، قال الله تعالى ﴿إنهم ألفوا آبائهم ضالين﴾ أي كافرين، وقال ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" أي على كفر.
стр. 789
....................................................................................
стр. 790
وإن سلمنا: أنها ليست عبارة عن الكفر لكنها ليست عبارة عن ترك واجب عملي، فإن تاركه لا يوصف بها، بل هي عبارة عن عدم الاهتداء إلى ما لابد من معرفته في الدين. قال الله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ وقال تعالى في قصة موسي: ﴿فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾.
وإذا كان كذلك فيحتمل العصيان في آية الضلالة على ترك معرفة ما لابد من معرفته في الدين أو على عدم اعتقاد حقيقة الأمر وعدم قبوله وحينئذ لا تكون الآية عامة في تارك المأمور به أيضًا.
стр. 791
قلت: الجواب عن الأول: فقد تقدم في الدليل الرابع: ونحن لا نسلم أن مطلق الأمر: ينقسم إلى أمر إيجاب وندب.
وأما الإجماع: فممنوع كما تقدم.
وأما لزوم التجوز فمشترك كما سنذكر.
لا يقال: كما يلزم التجوز على تقدير أن يكون الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والمندوب واستعماله في الواجب لقرينه، فكذا يلزم التجوز على تقدير أن يكون الأمر للوجوب، لأنه استعمل في المندوب فلم كان هذا أولى من ذاك؟، لأنا نقول: هذا أولى من ذاك لوجوه:
أحدها: أن على هذا التقدير لا يلزم إلا التجوز، وأما على ذلك التقدير يلزم التجوز والتخصيص، فإن قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ لا يبقي على عمومه ومعلوم أن المجاز وحده خير من المجاز والتخصيص.
وثانيها: أنا لو جعلناه حقيقة في الواجب فقط، كان مجازًا في المندوب وفي القدر المشترك بينهما ويكون إطلاقه على القدر المشترك من باب إطلاق اسم الكل على الجزء.
وأما لو جعلناه حقيقة في القدر المشترك لم يكن إطلاقه لا على الواجب ولا على المندوب من هذا أحيل بل يكون من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وقد سبق أن الأول أولى.
стр. 792
وثالثها: الاحتياط يقتضي جعله حقيقة في الواجب، ومجازًا في غيره من غير عكس فكان أولى.
وعن الثاني: أن الخلود هو المكث الطويل لا الدائم، فلا يكون قرينة دالة على اختصاص الوعيد بالكفار، ولا نسلم أن تارك واجب عملي لا يوصف بالضلالة، وكيف يقال: ذلك؟.
وقد ورد: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر".
стр. 793
سلمنا: ذلك لكن الآية دالة على ترتيب الضلالة على ترك المأمور به عملي، وإنما يكون / (١٣٥/أ) تركه ضلالة إن لو كان واجبًا، فإن تارك المندوب سواء كان عمليًا أو علميًا لا يوصف به وفاقًا، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الأمر للوجوب مطلقًا وإلا لزم الفصل بين المأمور به العلمي والعملي في الوجوب وعدمه، وهو خلاف الإجماع.
وسادسها: التمسك بقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة﴾.
ووجه الاستدلال به من وجهين:
أحدها: أنها نزلت في قوم أمرهم النبي ﷺ بأن يزوجوا من أسامة بن زيد، فلم يفعلوا [و] ذلك يدل على انتفاء الخبرة عن أمره ﵇، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما انتفت الخيرة عنهم عن أمر.
стр. 794
ونحن وإن قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن لا خلاف أن دلالته على السبب أقوى من دلالته على غيره.
وثانيها: أن يستدل [به] باعتبار اللفظ.
فنقول: إن القضاء هو الحكم بالنقل والاستعمال.
أما النقل: فظاهر، فإن الجوهري ذكر ذلك في صحاحه وغيره.
وأما الاستعمال فقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي حكم.
ويقال: قضى القاضي بكذا أي حكم.
والأمر: هو القول المخصوص، لأنه حقيقة فيه على ما تقدم تقريره، فيجب حمله عليه، إذ لا ضرورة في صرفه عنه فمعني قوله تعالى: ﴿إذا قضى الله ورسوله أمرًا﴾ أي إذا حكم الله ورسوله أمرًا، وحكم الأمر هو تعيينه وتوجيهه وإصداره نحو المكلف شاء أو أبي، إذ لا يعقل لحكم الأمر معنى سوى هذا.
стр. 795
ثم ليس هذا المعنى مغنيًا عن الحكم بطريق التجوز ليقال: ليس حمل الحكم على هذا المعني بطريق التجوز أولى من حمل الأمر على الشيء بطريق التجوز، لأن الحكم إذا أضيف إلى القول الصادر من الحاكم كان معناه ما ذكرنا، وإذا أضيف إلى القول الصادر من المحكوم عليه، كان معناه أنه وجه نحوه وألزم به إصداره عنه، كما إذا أضيف إلى الفعل من الجانبين، وحينئذ يصير معنى الآية إذا وجه الله ورسوله أمرًا إلى المكلفين، فإنه لا خيرة لهم في ذلك الأمر، وإنما أضاف الأمر إليهم، لأنه تخصيص لهم، والمصدر كما يضاف إلى الفاعل، يضاف إلى المفعول أيضًا، ولا حاجة إلى صرف الأمر الثاني إلى المأمور به لما قيل: بأنه لو حمل على حقيقته، وهو القول المخصوص لصار معنى الآية أنه لا خيرة للمأمورين في صفة الله تعالى، وذلك كلام غير مفيد.
ولما قيل: بأن الخيرة إنما تتعلق بالفعل لا بالخطاب المكلف، لأنا لا نسلم أن انتفاء / (١٣٥/ب) الخيرة عن الأمر معناه ما ذكر، ولا نسلم بأن الخيرة إنما تتعلق "بالفعل لا بالخطاب"، وهذا لأن انتفاء الخيرة عن الأمر، معناه أنه لابد من امتثاله، وليس هو مخير بين امتثاله وعدم امتثاله، وهذا المعني معقول في نفس الأمر فلا حاجة إلى صرفه إلى المأمور به، وأيضًا فإنه يرد على ذلك التقدير أن يقال: إن الذهن يتبادر إلى اتحاد معني الأمرين، فإذا كان المراد من الأمر الثاني: هو المأمور به، وجب أن يكون هو المراد بعينه من الأمر الأول، وإن كان مجازًا فيه، وإذا انتفت الخيرة عن الأمر بالمعني المتقدم ذكره تعين أن يكون للوجوب وهو المطلوب، وبما ذكرنا من تفسير القضاء والحكم، يعرف سقوط الاعتراض الذي نذكر في هذا المقام. وهو أنا نسلم أن الله تعالى ورسوله إذا قضى أمرًا يكون الأمر ملزمًا.
فلم قلت: إن مجرد الأمر يكون ملزمًا؟. والنزاع إنما هو فيه بل ظاهر
стр. 796
مفهومه أن لا يكون بمجرده ملزمًا.
وسابعها: التمسك بقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ أي: أمرت هكذا نقل عن أئمة التفسير، ويشهده القضية التي نزلت الآية فيها، فإنه لم يوجد في تلك الصور سوى الأمر، ولو كان الأمر بغير الوجوب لما كان كذلك.
ولقائل أن يقول: ولو كان الأمر للوجوب لما كان أيضًا كذلك، لأن بترك الواجب لا يتحقق عدم الإيمان، وليس من شرط المأمور به الواجب أن لا يجد المكلف فيه من نفسه حرجًا، وإذا لم يستقم معناه على تقدير أن يكون الأمر للوجوب أيضًا، فيجب صرفه إلى عدم اعتقاد حقيقة الأمر واعتقاد عدم توجهه إلى المكلف، هذا لو سلم أن القضاء بمعني الأمر، وإلا فالاستدلال به ساقط بالكلية. وهو الحق في أن الأمر كان في معرض الحكم بدليل التنازع والترافع إليه ﵇.
стр. 797
وثامنها: التمسك بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾.
ووجهه أن النبي ﷺ فهم منه الوجوب، وكذا الصحابة رضوان الله عليهم إذ روى أنه ﵇ دعا أبا سعيد فلم يجبه، لأنه كان في الصلاة فقال له ﵇: "ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ ".
стр. 798
فقوله: ما منعك. ليس استفهامًا عن العذر إذ الصلاة عذر في ترك كلام غير واجب دون الكلام الواجب.
ألا ترى أن / (١٣٦/أ) المصلي لو رأي أعمي مشرفًا على الهلاك بسبب وقوعه في حفرة، فإنه يجب على المصلى أن ينبهه "عليه" [بكل] كلام، إذا لم يمكنه صرفه عنها بفعل لبعده عنه ولا يفسد به صلاته على الأظهر. فيتعين أن يكون ذمًا وتوبيخًا، ثم لم يعتذر أبو سعيد رضي الله
стр. 799
عنه بأني أعلم أن الله تعالى أمرني بالاستجابة، لكن لم أعلم بأنه أوجب على حتى أعلم أن الصلاة ليست عذرًا بالنسبة إلى استجابة الله تعالى والرسول، وكذا غيره من الصحابة سلموا ذم النبي ﵇ وتوبيخه إياه، إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه استفهم عنه ﵇ عن سببه مع جريان عادتهم وعادات غيرهم الاستفهام عن الأسباب الخفية الأحكام، فثبت بما ذكرنا أنه ﵇ فهم منه الوجوب وليس له في الآية سبب ظاهر سوى الأمر فوجب أن يكون هو السبب فيكون الأمر للوجوب.
فإن قلت: لا نسلم أنه ليس للوجوب سبب ظاهر سوى الأمر، فإن كون الإجابة تعظيمًا لله وللرسول، والإعراض عنها تحقيرًا وإهانة لله وللرسول قرينة ظاهرة تقتضي حمل الأمر على الوجوب، وكذا قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ قرينة مقتضية له.
قلت: الجواب عن الأول: أن ما ذكرتم من القرينة حاصلة في كل أمر لله والرسول فيجب أن يكون كل أمرًا لله والرسول للوجوب، وإذا ثبت أن "كل" أمرهما كذلك، وجب أن يكون أمر غيرهما أيضًا للوجوب، إذ لا يقال بالفصل.
стр. 800
وعن الثاني: أن أبا سعيد لم يستفهم أن دعاه ﵇ لماذا كان ألما يحيي أم لا؟ فإن جميع أوامر النبي [﵇] لما يحيي وبتقدير أن يكون كذلك، كان الجواب لازمًا له، فيكون المقصود حاصلاً لما تقدم وكذا النبي ﵇ لم يبين له ذلك، ولو كان الواجب مستفادًا من قرينة لما يحيي لما استحق الذم إلا بعد العلم لما لأجله الدعاء.
وتاسعها: ما روى عنه ﵇ أنه قال لبريرة: لما اختارت فراق زوجها حين عتقت في نكاحه: "لو راجعتيه فإنه أبو أولادك"، فقالت: أتأمرني بذلك يا رسول الله، فقال: "لا إنما أنا شافع". فقالت: لا حاجة لي.
ووجه الاستدلال به: أنه ﵇ نفي الأمر مطلقًا وأثبت الشفاعة الدالة على الندبية، فلو لم يكن الأمر للوجوب فقط لما صح هذا.
فإن قلت: لا نسلم أنه لو لم يكن الأمر للوجوب لما صح نفي الأمر وإثبات الشفاعة، وهذا لأنه يجوز أن يكون سؤالها عن الأمر طلبًا للثواب لطاعته وهو يحصل بفعل / (١٣٦/ب) المندوب، كما يحصل بفعل الواجب، لكن لما لم يكن في هذا الفعل ثواب لا جرم نفي الأمر ﵇، ويجوز أنه ﵇ إنما شفع فيه لمصلحة دنياوية، ويؤيده قوله ﵇: "فإنه أبو أولادك" وحينئذ لم يكن ذلك دالاً على أن الأمر للوجوب.
стр. 801
سلمنا: أن شفاعته تدل على ندبيته، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن قرينة الاستفهام دالة على أنها أرادت بقولها: (أتأمرني بذلك) أمر الوجوب؟، لأن على تقدير أن يكون المندوب مأمورًا به والشفاعة مندوبة، يكون هذا الاستفهام قرينة دالة على أنها أرادت به أمر الوجوب. فإن بنوا هذا على أن المندوب غير مأمور به، فهو أول المسألة.
قلت: الجواب عن الأول: أن إجابة شفاعة النبي ﵇، وإن كانت لمصلحة دنياوية مندوبة، لما فيه من تعظيمه ﵇، وتفريح قلبه، فلا يجوز أن يكون سؤالها عن الأمر طلبًا للثواب، ولو قدر أنه التبس عليها هذا القدر لكن لا يجوز لبسه على الرسول ﵇، فنفيه الأمر مطلقًا، يدل على أنه ﵇ علم أن الأمر للوجوب، وإلا كان من حقه أن يسأل أتسألني عن أمر الندب أو أمر الوجوب ثم ينفيه لو قالت: أمر الوجوب.
وعن الثاني: أن استفادة المعاني من القرائن خلاف الأصل.
وعاشرها: قوله ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
стр. 802
وكلمة لولا تقتضي انتفاء الشيء لوجود غيره، فالحديث يقتضي انتفاء الأمر بالسواك عند كل صلاة لوجود المشقة، لكنه مندوب بالإجماع عند كل صلاة مع وجود المشقة، فالمندوب غير مأمور به.
فإن قلت: ليس كل مندوب مأمورًا به، وهذا لأن المأمور به هو الذي ورد فيه صيغة الأمر، وندبية الشيء قد تثبت بغير صيغة الأمر.
مثل أن يقال: "الأولي لك أن تفعل"، وهذا الفعل مندوب إليه، وقد ندبتك إليه، وقد ثبت بقاعدة القياس، وحينئذ لا يلزم من ندبيته وعدم كونه مأمورًا به أن يكون كل مندوب غير مأمور به، بل غايته أنه يقتضي أن لا يكون بعض المندوب مأمورًا به، ونحن نقول به "فإن ما ثبت ندبيته بغير صيغة الأمر، فإنه غير مأمور به عندنا أيضًا.
стр. 803
سلمنا: أنه يقتضي أن كل مندوب غير مأمور به، لكن لقرينة المشقة فإنها دالة على أنه ﵇ أراد بالأمر أمر الوجوب، لأن المشقة لا تكون إلا في الواجب ضرورة أن المندوب لا مشقة فيه، لأنه مفوض إلى خيرة المكلف ولا يبعد حمل الأمر على / (١٣٧/أ) الوجوب لقرينة.
قلت: الجواب عن الأول: أنه ليس المراد من قوله ﵇: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أي: أصدرت فيه صيغة الأمر سواء كان للوجوب أو ليس له، لأن على تقدير إن لم يكن الأمر للوجوب فإنه لا تتحقق المشقة بمجرد ورود صيغة الأمر وكلمة "لولا" في الحديث تقتضي انتفاء الأمر لوجود المشقة، وهو إنما يكون لو كان الأمر سببًا للمشقة فالمراد منه: نفي الأمر الموجب للمشقة وهو أمر الوجوب.
وعن الثاني من وجهين:
أحدهما: ما سبق.
وثانيهما: أن كلمة "لولا" دخلت على مطلق الأمر، فيجب انتفاؤه مطلقًا، فلو كان المندوب مأمورًا به لزم التقييد وأنه خلاف الأصل.
وحادي عشرها: أن الصحابة أجمعوا على أن الأمر للوجوب، بل الأمة بأسرها في كل عصر توجب أن يكون للوجوب وإلا لزم أن يكون إجماعهم خطأ وهو ممتنع.
بيان الأول: أن بعضهم تمسك بالأمر على الوجوب، ولم ينكر عليه الباقون فكان إجماعًا لما سيأتي في الإجماع، إن الإجماع السكوتي حجة.
стр. 804
وإنما قلنا: إن بعضهم تمسك بالأمر على الوجوب.
روى أن أبا بكر ﵁ تمسك في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾.
وروى عن عمر ﵁ أنه تمسك في وجوب أخذ الجزية عن
стр. 805
المجوس بقوله ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
стр. 806
وروي عن جماعة منهم أنهم أوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا للحديث المشهور.
стр. 807
وكذا عرف من مذهب جميعهم أو أكثرهم: أنهم أوجبوا قضاء الصلاة عند ذكرها بقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها".
стр. 808
وكذا أوجبوا البداية بالصفا بقوله: "ابدأوا بما بدأ الله تعالى".
وكذا رجعوا في وجوب الإمساك إلى قوله ﵇: "إلا من أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم".
وكذا الأمة في كل عصر تفزع في وجوب الأشياء، إلى أوامر الله تعالى وأوامر رسوله.
إذ قل ما ثبت وجوب الأشياء من العبادات وغيره بصريح قوله: أوجبت، وحتمت، وفرضت، بل أكثرها بصيغ الأوامر، وإحالته إلى القرائن على خلاف الأصل على ما عرفت من قبل.
وأما بيان أنه لم ينكر عليه الباقون: فلأنه لو أنكر عليه لظهر واشتهر على ما ستعرف تقرير هذه القاعدة في الإجماع والأخبار.
стр. 809
وأما بيان الثاني: فظاهر.
وأما الثالث: فسيأتي إن شاء الله تعالى أن الإجماع حجة.
فإن قلت: كما اعتقدوا الوجوب عندما ذكرتم ما / (١٣٧/ب) ذكرتم من الأوامر، فكذا لم يعتقدوا في غيرها من الأوامر، نحو قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿واشهدوا إذا تبايعتم﴾.
وقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ وقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. وقوله: ﴿وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [وقوله]: ﴿وأحسنوا﴾. وقوله: ﴿فانتشروا في الأرض﴾.
وأمثالها من الكتاب والسنة ما لا يعد ولا يحصى، وإذا كان كذلك، فليس القول: بأنهم لم يعتقدوا الوجوب في هذه الأوامر لقرائن تدل على
стр. 810
الندب، أولى من القول: بأنهم اعتقدوا الوجوب في تلك الأوامر لقرائن تدل على الوجوب، وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون، ثم إنه معنا لأنا لو أثبتنا الوجوب في تلك الأوامر لقرائن تدل عليه لكنا أثبتنا حكمًا زائدًا على مدلول اللفظ بدليل زائد لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا إثبات، ولو أثبتناه بتلك الأوامر لزم التعارض فيما ذكرنا من الأوامر المحمولة على الندب بين تلك الأوامر وبين القرائن الدالة على الندب، وإنه خلاف الأصل.
قلت: القول: بأنهم اعتقدوا الندب فيما ذكرتم من الأوامر لقرائن تدل عليه، أولى من العكس. ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن الوجوب لو لم يكن مستفادًا من تلك الأوامر، لكان دليل وجوب أخذ الجزية من المجوس مثلاً شيئًا غير خبر عبد الرحمن ﵁، ولو كان كذلك لوجب اشتهاره، إذ العادة تحيل إخفاء مثل هذا لاسيما في هذه الصورة، إذ روى أن عمر ﵁ كان شديد الاهتمام في حقهم، وكان يشاور الصحابة في أمرهم فلم يجد من أحد منهم في حقهم شيئًا، وكان يقول: ما أدرى ما أفعل بهم حتى روى لهم عبد الرحمن الخبر، فحينئذ ضرب عليهم الجزية فهذا يفيد قطعًا بأنه لم يكن له مستند سوى ذلك الخبر، فإن القول: بأنه أثبت ذلك الحكم لا عن دليل باطل قطعًا.
следующие страницы →