Полный текст (3 770 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وروي عن جماعة منهم أنهم أوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا للحديث المشهور.
стр. 807
وكذا عرف من مذهب جميعهم أو أكثرهم: أنهم أوجبوا قضاء الصلاة عند ذكرها بقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها".
стр. 808
وكذا أوجبوا البداية بالصفا بقوله: "ابدأوا بما بدأ الله تعالى".
وكذا رجعوا في وجوب الإمساك إلى قوله ﵇: "إلا من أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم".
وكذا الأمة في كل عصر تفزع في وجوب الأشياء، إلى أوامر الله تعالى وأوامر رسوله.
إذ قل ما ثبت وجوب الأشياء من العبادات وغيره بصريح قوله: أوجبت، وحتمت، وفرضت، بل أكثرها بصيغ الأوامر، وإحالته إلى القرائن على خلاف الأصل على ما عرفت من قبل.
وأما بيان أنه لم ينكر عليه الباقون: فلأنه لو أنكر عليه لظهر واشتهر على ما ستعرف تقرير هذه القاعدة في الإجماع والأخبار.
стр. 809
وأما بيان الثاني: فظاهر.
وأما الثالث: فسيأتي إن شاء الله تعالى أن الإجماع حجة.
فإن قلت: كما اعتقدوا الوجوب عندما ذكرتم ما / (١٣٧/ب) ذكرتم من الأوامر، فكذا لم يعتقدوا في غيرها من الأوامر، نحو قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. ونحو قوله تعالى: ﴿واشهدوا إذا تبايعتم﴾.
وقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ وقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. وقوله: ﴿وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [وقوله]: ﴿وأحسنوا﴾. وقوله: ﴿فانتشروا في الأرض﴾.
وأمثالها من الكتاب والسنة ما لا يعد ولا يحصى، وإذا كان كذلك، فليس القول: بأنهم لم يعتقدوا الوجوب في هذه الأوامر لقرائن تدل على
стр. 810
الندب، أولى من القول: بأنهم اعتقدوا الوجوب في تلك الأوامر لقرائن تدل على الوجوب، وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون، ثم إنه معنا لأنا لو أثبتنا الوجوب في تلك الأوامر لقرائن تدل عليه لكنا أثبتنا حكمًا زائدًا على مدلول اللفظ بدليل زائد لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا إثبات، ولو أثبتناه بتلك الأوامر لزم التعارض فيما ذكرنا من الأوامر المحمولة على الندب بين تلك الأوامر وبين القرائن الدالة على الندب، وإنه خلاف الأصل.
قلت: القول: بأنهم اعتقدوا الندب فيما ذكرتم من الأوامر لقرائن تدل عليه، أولى من العكس. ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن الوجوب لو لم يكن مستفادًا من تلك الأوامر، لكان دليل وجوب أخذ الجزية من المجوس مثلاً شيئًا غير خبر عبد الرحمن ﵁، ولو كان كذلك لوجب اشتهاره، إذ العادة تحيل إخفاء مثل هذا لاسيما في هذه الصورة، إذ روى أن عمر ﵁ كان شديد الاهتمام في حقهم، وكان يشاور الصحابة في أمرهم فلم يجد من أحد منهم في حقهم شيئًا، وكان يقول: ما أدرى ما أفعل بهم حتى روى لهم عبد الرحمن الخبر، فحينئذ ضرب عليهم الجزية فهذا يفيد قطعًا بأنه لم يكن له مستند سوى ذلك الخبر، فإن القول: بأنه أثبت ذلك الحكم لا عن دليل باطل قطعًا.
стр. 811
وثانيها: أنا لو جعلنا الوجوب "مستفادًا" من الأمر لكان الأمر حقيقة فيه، وحينئذ يكون استعماله في القدر المشترك استعمال لفظ الكل في الجزء، ولو جعلنا الوجوب مستفادًا من القرائن، وجعلناه حقيقة في القدر المشترك لكان ذلك استعمالاً للفظ الجزء في الكل وقد تقدم أن الأول أولى.
وثالثها: طريقة الاحتياط.
وثاني عشرها: أن الوجوب معني من المعاني تمس الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب أن يكون [له] لفظ لما سبق في اللغات، ثم ذلك اللفظ يجب أن يكون مفردًا، لأنه أخف على اللسان من المركب، والواضح حكيم والحكيم إذا كان لحصول مقصوده طريقان اختار أيسرهما، فيغلب على الظن أنه وضع له لفظًا مفردًا، كما في سائر المعاني التي تشتد الحاجة إلى التعبير عنها، وليس هو غير "افعل" إجماعًا، فهو هو إذًا.
ولو عورض هذا بمثله بالنسبة إلى الندب، وبالنسبة إلى القدر المشترك بينه وبين الواجب، وبالنسبة إلى كونه مشتركًا بين الواجب والندب، لأن تعبير أحدهما على سبيل الإبهام مما تمس الحاجة إليه أيضًا، فنحن نرجح جانب الوجوب.
أما بالنسبة إلى الندب فلأن الندب يجوز الإخلال به، والواجب لا يجوز الإخلال به، والإخلال ببيان ما يجوز الإخلال به أولى من الإخلال ببيان ما
стр. 812
لا يجوز الإخلال به، لكون الحاجة إليه أكثر.
وأما بالنسبة على القدر المشترك، فهذا لأن البراءة الأصلية مجوزة للترك، وإن لم يكن للفظ به إشعار لما سبق غير مرة.
وأما بالنسبة إلى كونه مشتركًا بين الواجب وبين الندب، فلأن الاشتراك على خلاف الأصل.
فإن قلت: ما ذكرتم من الدليل منقوض، بأصناف الروائح وأنواع الاعتمادات وبالساعات وبالحال والاستقبال، فإن هذه المعاني مما تمس الحاجة إلى التعبير عنها مع أنه لم يوضع لكل واحد منها لفظ مفرد.
ومعارض أيضًا: بما أنه لو كان لفظ "افعل" موضوعًا للوجوب لوجب أن يشتهر بحيث يعرفه كل أحد، كسائر الألفاظ الموضوعة للمعاني التي تشتد الحاجة إلى التعبير عنها، ولو كان كذلك لزال الخلاف عنه، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه غير موضوع له.
قلت: الجواب عن النقوض: أن الحاجة إلى الوجوب أكثر من الحاجة إلى ما ذكرتم من المعاني، لأنه لا غني للإنسان عنه في حياته لاحتياجه إلى ما لا يجوز الإخلال به على سبيل التكرار، بخلاف ما ذكرتم من المعاني، فإن الحاجة غليه [غير] ضرورية ألبتة، فضلاً عن أن يكون على سبيل التكرار.
وعن المعارضة: "له" أن الاشتهار إنما يجب لو سلم عن المعارض
стр. 813
الشديد الالتباس به، أما إذا كان له معارض بحيث لا يظهر الفرق بينه وبين معارضة الأعلى وجه غامض فلا.
وثالث عشرها: أن السيد إذا عاقب عبده على ترك ما أمره به سيده، فإن العقلاء من أهل اللسان لا يلومونه على ذلك، بل يستحسنون ذلك منه ويذمون العبد ويوبخونه على الترك، فلو لم يكن الأمر للوجوب لما كان كذلك.
فإن قلت: لا نسلم أنهم يذمونه مطلقًا، ويستحسنون فعله كذلك بل حيث عرفوا قرينة دالة على / (١٣٨/ب) أن الأمر للوجوب، ولهذا يحسن من العبد أن يقول له: عقيب أمره له، أتريد هذا حتمًا أو تجوز لي تركه؟.
ولو كان الأمر للوجوب فقط لما حسن هذا الاستفهام.
سلمنا: ذلك لكن إنما كان كذلك، لأن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد للسيد، ولهذا لو كان المأمور به معصية لا يذمونه على تركها، لأن الشريعة ما جاءت بوجوب امتثال أمره فيها.
سلمنا: صحة دليلكم لكنه معارض بما أنه لو كان مجرد ترك المأمور به سببًا للذم، لوجب الذم بترك المندوب المأمور به ضرورة أنه ترك للمأمور به.
قلت: الجواب عن الأول: أنهم يذمونه مطلقًا ويستحسنون فعله كذلك والدليل عليه أنهم لو سئلوا عن ذلك، فإنهم يعللونه بعدم
стр. 814
امتثال أمر سيده ولم يزيدوا عليه شيئًا، فلو كان الوجوب مستفادًا من القرائن لما استحق هذا التعليل، بل كان ينبغي أن يقولوا: إنه أمره بقرينة دالة على الوجوب فلم يمتثل أمره، ولما لم يفعلوا هذا بل يعللون بمطلق ترك المأمور به علمنا أنه هو المنشأ لحسن ذمة ولتحسين عقابه.
وأما قوله: يحسن من العبد أن يستفهم من السيد أنه أمر وجوب أوامر ندب، ولو كان للوجوب فقط لما صح هذا.
قلنا: لا نسلم أنه لا يصح هذا الاستفهام على تقدير أنه للوجوب فقط، وهذا لأنه قد يستفهم عن مدلول اللفظ دفعًا للمجاز عنه لاسيما إذا كان كثير الاستعمال في المجاز، وستعرف ذلك في باب العموم إن شاء الله تعالى.
وعن الثاني: أن الشريعة إنما جاءت بوجوب طاعته لسيده فيما أوجب عليه سيده لا فيما ندبه إليه، ألا ترى أنه لو قال له: ندبتك إلى هذا لأمر، أو أولى لك أن تفعله؟ ويجوز لك أن تتركه، فإنه لا يجب عليه امتثاله، وأما أنه لا يجب عليه الامتثال إذا كان المأمور به معصية فذلك لا يدل على أنه إنما يذم، لأن الشريعة جاءت بوجوب طاعته مطلقًا.
وعن الثالث: بمنع الملازمة، وهذا لأن المندوب غير مأمور به على طريق الحقيقة عندنا.
ورابع عشرها: لو لم يكن الأمر للوجوب فقط لكان، إما أن يكون حقيقة فيه وفي غيره، أو يكون حقيقة في غيره فقط، أو لا يكون حقيقة فيه ولا في غيره، واللوازم بأسرها باطلة فالملزوم أيضًا كذلك.
стр. 815
أما الأول: فلاقتضائه كون الأمر مشتركًا وقد عرفت أنه خلاف الأصل.
وأما الثاني: فيقول ذلك الغير: إما الندب أو القدر المشترك بينه وبين الواجب، إذ الكلام فيه بعد إبطال كونه حقيقة في الإباحة والتهديد وغيرهما لكنهما باطلان / (١٣٩/أ).
أما الأول: فلأنه لو كان حقيقة في الندب لما كان الواجب مأمورًا به لما أن جواز الترك معتبر في الندب، وهو غير معتبر في الواجب، بل هو مناف له فالجمع بينهما ممتنع لكنه مأمور به بالإجماع، فيمتنع أن يكون حقيقة في الندب ولا يعارض هذا بمثله، لأنه لا يمكن نفي اللازم بالإجماع، لأن كثيرًا ممن قالوا: الأمر للوجوب فقط صرحوا بأن المندوب غير مأمور به، ولم يقل أحد من الأمة: إن الواجب غير مأمور به.
فإن قلت: قولك: بأن كثيرًا ممن قالوا: الأمر للوجوب فقط صرحوا بأن المندوب غير مأمور به، مؤذن بأن بعضهم قالوا: إنه مأمور به أيضًا. فما وجه قولهم؟ فإن الدليل المذكور في الملازمة يقتضي ما قاله الكثيرون.
قلت: نعم بعض من قال: الأمر للوجوب فقط. قال: إن المندوب مأمور به أيضًا وكان الأمر عندهم للوجوب فقط، لكن شرط عريانه عن قرينة صارفة عنه، أما إذا كان معه قرينة صارفة عنه فليس هو له، بل هو لما تدل عليه القرينة، وهو قريب من الخلاف في أن المجاز له وجوب أم لا، وفي أن العام المخصوص هل هو حقيقة في الباقي أم لا؟.
وأما الثاني: وهو أن يكون حقيقة في الغير وذلك الغير هو القدر المشترك
стр. 816
بين الواجب والمندوب، فهو أيضًا باطل، لأنا لو جعلناه حقيقة فيه لم يكن استعماله في الوجوب بطريق التجوز لكونه غير لازم له، وبتقدير إمكانه فإن عكسه أولى، لأن على هذا التقدير يكون مجازًا من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وعلى ذلك التقدير يكون مجازًا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وقد عرفت أن الأول ومع وجود الاحتمال الراجح لا يجوز العمل بالمرجوح، ولا نعني بكونه باطلاً سوى هذين.
وأما الاحتمال الثالث: من الاحتمالات الثلاثة الأول: فهو أيضًا باطل، وذلك بالإجماع فيتعين أن يكون الأمر للوجوب.
وخامس عشرها: الأمر بالفعل يفيد رجحان مصلحته على مصلحة الترك، فوجب أن يكون مانعًا منه.
وإنما قلنا: إنه يفيد رجحان مصلحة الفعل على مصلحة الترك، لأن مصلحة الفعل لو لم تكن راجحة على مصلحة الترك لكانت إما أن تكون مساوية أو مرجوحة، أو يكون الفعل خاليًا عن المصلحة بالكلية، والأقسام الثلاثة باطلة.
أما الأول: فلما أن الأمر به حينئذ ليس أولى من النهي عنه فيكون الأمر به عيبًا وهو على الحكيم محال.
وأما الثاني: فلما أن الأمر به حينئذ يكون أمرًا فيه بالمفسدة الراجحة وأمرًا بما يتضمن الإخلال بالمصلحة الراجحة، وهو قبيح عرفًا.
وأما الثالث: فظاهر قبحه.
وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أن الأمر بالفعل يفيد / (١٣٩/ب) رجحان مصلحته على مصلحة الترك، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعًا
стр. 817
منه وإلا لزم الإذن في تفويت المصلحة الراجحة وأنه قبيح عرفًا يوجب أن يكون قبيحًا شرعًا، لقوله ﵇: "ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح". مقتضي هذه الدلالة أن لا يوجد شيء من المندوبات، لكن ترك العمل به في المندوبات المتفق عليها للإجماع فوجب أن يبقي معمولاً به فيما عداها بالأصل، إذ الأصل إعمال الدليل بقدر الإمكان لا إهماله.
واعلم أن هذا الدليل مبني على وجوب تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح فلا يستقيم على رأي أصحابنا، فلا يكون حجة على من أنكر منهم كون الأمر للوجوب، وإنما هو حجة على المعتزلة المنكرين كون الأمر للوجوب.
وسادس عشرها: لا نزاع بيننا وبين الخصوم أن الأمر يدل على رجحان جانب الوجود على العدم، إذ الكلام فيه بعد إبطال كونه حقيقة في الإباحة والتهديد على ما تقدم بيانه.
فنقول: رجحان جانب الوجود على العدم لا ينفك عن قيدين وهو: إما المنع من الترك. [أو الإذن فيه، ولا شك أن في الترك أفضى إلى الترك من إفضائه إلى الوجود، والمنع من الترك] أفضى إلى الوجود من إفضائه إلى العدم.
وقد ثبت أن جانب الوجود راجح على جانب العدم، ولا شك أن ما يكون أفضى إلى الراجح فهو راجح في الظن على ما يكون أفضى إلى المرجوح، فإذا شرعية المنع من الترك راجح في الظن على شرعية الإذن فيه،
стр. 818
والراجح في الظن واجب العمل به، لقوله ﵇: "اقضي بالظاهر" وقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولي السرائر".
فإن هذا بيان ما يجب أن يحكم به، ولأن العمل بالراجح واجب في عدة من الصور كالفتوى، والشهادات، وقيم المتلفات وتعيين جهة القبلة، فوجب أن يجب ها هنا أيضًا. والجامع بينهما هو أنه ترجيح للراجح، ولأن تجويز العمل بالمرجوح مع وجود الراجح تجويز لوجود المرجوح من غير مرجح وأنه باطل بالضرورة.
واعلم أن هذا الدليل يقتضي أن العمل بالأمر واجب، ولا يقتضي كونه للوجوب علمًا واعتقادًا، وبعض الخصوم ربما يقول به، فإنه روى عن الإمام الزاهد أبي منصور الماتريدي - رحمه الله تعالى -، أن حكم الأمر عنده إنما هو وجوب العمل به ظاهرًا لا قطعًا، والاعتقاد على سبيل الإبهام أن ما أراد الله تعالى به من واجب أو ندب فهو حق. وقال: لأن الأمر للطلب المطلق الذي هو قدر مشترك بين الواجب والندب، وأنه بإطلاقه يحتمل الوجوب والندب، ومع الاحتمال كيف يمكن القطع بأنه للوجوب، ولكن نحكم بالوجوب ظاهرًا في حق العمل احتياطيًا دون الاعتقاد.
وسابع عشرها: طريقة الاحتياط. وتقريرها أن حمله على الوجوب / (١٤٠/أ) يوجب القطع لعدم مخالفة الأمر، لأنه إن أراد به الوجوب فظاهر، وإن أراد به الندب فحمله على الوجوب سعى في تحصيل ذلك المندوب بأبلغ الوجوه، ومعلوم أن ذلك يفيد القطع بعدم مخالفته فيما يتعلق بفعله، وأما حمله على الندب لا يوجب هذا القطع، لأنه إن أراد به
стр. 819
الواجب وأنت تحمله على الندب فحينئذ جوزت تركه فجاز أن يترك فحينئذ تتحقق المخالفة.
فثبت بهذا أن حمله على الوجوب يفيد القطع لعدم مخالفة الأمر، وحمله على الندب لا يوجب ذلك، وإذا كان كذلك وجب حمله على الوجوب لقوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ولأن [ترجيح] سلوك طريق الأمن على المخوف من مقتضيات العقول.
وأما المحذور الناشئ من الاعتقاد الغير المطابق عندما يحمل على الوجوب، بتقدير أن يكون المراد منه الندب فمشترك فلا يكون ذلك مانعًا من حمله على الوجوب.
لا يقال: لا نسلم أن حمله على الندب لا يفيد القطع لعدم مخالفة الأمر بل يفيده، وهذا لأنا لما علمنا أن الأمر للندب، وعلمنا أن المتكلم به لا يجوز أن يريد به الوجوب عندما يكون مجردًا عن القرينة، فحمله على الندب عند ذلك يوجب القطع لعدم مخالفة الأمر أيضًا.
لأنا نقول: لا نزاع فيما ذكرتم لكنا نقول: قبل العلم يكون الأمر للندب فقط، أو للوجوب فقط، أو لهما معًا، إما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي، لو حمل على الوجوب أفاد القطع لعدم مخالفة الأمر، ولو حمل على الندب لم يفد ذلك، فكان الحمل على الوجوب واجبًا لما ذكرنا من النص. والمعقول.
стр. 820
وأما دعوى كونه للندب فهي معارضة: بمثلها من الدعوى، ولو أقام عليه الدلالة فهو إشارة إلى المعارضة، وهذا الدليل إنما يفيد كونه للوجوب عملاً لا علمًا واعتقادًا.
وثامن عشرها: أن الأمر دال على طلب الفعل، فوجب أن يكون مانعًا من نقيضه كالخبر، والجامع بينهما تكميل الغرض ويقويه حصوله، وهذا لأن بتقدير أن يكون مانعًا من النقيض حصل الغرض بكماله وتمامه ولا كذلك إذا لم يكن مانعًا.
فإن قلت: إنه قياس في اللغة وأنه ممنوع، سلمنا صحته لكنه منقوض بأمر الندب، فإنه للطلب مع أنه غير مانع من النقيض.
قلت: نعم لكن قد دللنا على صحته.
وعن الثاني: أنه لا يلزم من مخالفة الدليل لدليل مخالفته من غير دليل.
أجاب بعضهم: عن هذا. يجب أن يعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه مخالفته في المندوب. وهو ضعيف جدًا، لأنه يقتضي أن لا يكون شيء من الدليل دليلاً إذا خولف الدليل.
وتاسع عشرها: أن الأمر / (١٤٠/ب) ضد النهي، والنهي يقتضي ترك الفعل جزمًا فالأمر يجب أن يكون مقتضيًا للفعل جزمًا. وهو ضعيف.
أما أولاً: فلأنه قياس خال عن الجامع.
стр. 821
وأما ثانيًا: فلأن الخلاف في كون النهي يقتضي التحريم أم لا؟ كالخلاف في كون الأمر يقتضي الوجوب أم لا؟ فلا يقاس عليه، إذ الحكم فيه حينئذ غير مسلم.
الوجه العشرون: الأمر بالشيء نهي عن تركه قطعًا، فيكون الترك منهيًا عنه، فيكون محرمًا بناء على أن النهي يقتضي التحريم، وإذا كان الترك محرمًا يكون الفعل واجبًا قطعًا. وهو أيضًا ضعيف.
أما أولاً: فلما سبق، وأما ثانيًا: فلأنا وإن سلمنا أن مقتضي النهي التحريم، لكن الأمر بالشيء إنما يقتضي نهي تركه على حسب ما يقتضيه الأمر، فإن كان الأمر يقتضي الوجوب اقتضى نهي تركه بمعني نهي التحريم "وإن كان يقتضي الندب اقتضى نهي تركه بمعني نهي التنزيه، فعلى هذا كون الأمر بالشيء يقتضي نهي تركه بمعني "نهي" التحريم" يتوقف على كون الأمر للوجوب، فلو توقف كون الأمر للوجوب على كون تركه محرمًا لزم الدور وأنه باطل.
واحتج القائلون بالندب بوجوه:
أحدها: قوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا".
стр. 822
وجه الأمر في صورة الأمر من غير حتم، بل فوضه إلى الاستطاعة فدل على أنه للندب، إذا لو كان للوجوب لجزم الأمر كما جزم الانتهاء.
وجوابه: منع كون التفويض إلى الاستطاعة دليل عدم الوجوب، وهذا فإن كل واجب مقصود بالفعل كذلك.
ثم نقول: دلالة ما ذكرتم من الحديث على الوجوب أظهر من دلالته على الندبية.
стр. 823
وتقريره أن نقول: لا يجوز أن يكون المراد من قوله ﵇: "فأتوا منهم ما استطعتم" الإتيان على وجه الأولوية مع جواز الترك، لأن الأمر الأول دل عليه بما عرفت غير مرة، فلو كان هذا أيضًا دالاً عليه لزم التكرار، وأنه لا يصار إليه مهما أمكن حمل اللفظ على فائدة تأسيسه، فوجب أن يكون المراد منه الإتيان بحيث لا يجوز الترك دفعًا للتكرار، اللهم إلا أن يذكر الخصم فائدة أخرى يصلح حمل اللفظ عليها لكنه يكون إشارة إلى المعارضة.
ثم الذي يؤكد ما ذكرنا أن قوله ﵇: "فأتوا منه ما استطعتم" يفيد المبالغة التامة في طلب الفعل المأمور به وذلك لا يناسب جواز الترك.
وثانيها: أن أهل اللغة قالوا: لا فرق بين الأمر والسؤال إلا أنه يعتبر في الأمر / (١٤١/أ) العلو أو الاستعلاء دون السؤال، وذلك يفيد اشتراكهما في جميع الصفات سوى ما ذكر، فكما أن السؤال لا يدل إلا على الندبية فكذا الأمر.
وأجاب الإمام عنه: بأنا لا نسلم أن السؤال لا يفيد إلا الندبية، وهذا لأن السؤال يفيد "الإيجاب" عندنا، وإن كان لا يلزم منه "الوجوب" فإن السائل قد يقول للمسئول عنه: لا تخل بمقصودي، ولا تتركه ألبتة، ولا تخيب رجائي، فهذه الألفاظ صريحة في "الإيجاب"، وإن كان لا يلزم
стр. 824
منه "الوجوب".
واعلم أنه إن ذكر قوله - فإن السائل قد يقول: إلى آخره - دليلاً على أنه لا يلزم من الإيجاب الوجوب فقط فهو حسن، لكنه لم يسند قوله، فإن السؤال عندنا يدل على الإيجاب إلى شيء.
وإن ذكر ذلك دليلاً على مجموع الأمرين، وهو أن السؤال يدل على الإيجاب، وأنه لا يلزم من الإيجاب الوجوب فمعلوم أنه لا يفيد، لأنه لا يلزم من الإيجاب تصريح السائل به الإيجاب بمطلق سؤاله.
وهذا كما أن أوجبت، وألزمت، وحتمت، يفيد الوجوب وفاقا، ولا يلزم منه أن يكون "افعل" على إطلاقه مفيدًا له.
ويمكن أن يجاب عنه بوجه آخر: وهو أن يقال: لم لا يجوز أن يكون الوجوب من لوازم الاستعلاء أو العلو المعتبرين، وحينئذ الافتراق فيه يستلزم الافتراق في الوجوب وعدمه.
وثالثها: أن المندوب داخل في الواجب بناء على أن المندوب، ما فعله خير من تركه، فحينئذ يكون كل واجب مندوبًا من غير عكس، فوجب جعل الأمر حقيقة في المندوب لكونه متيقنًا.
стр. 825
وجوابه: منع كون المندوب داخلاً في الواجب، وهذا لأن جواز الترك معتبر فيه وهو ينافي ماهية الواجب. فكيف يكون داخلاً فيه؟
سلمنا: ذلك لكنه يقتضي أن يكون جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل الذي هو قدر مشترك بين المباح والمندوب، والواجب أولى لكونه متيقنا، فإن كل مندوب هو مما رفع الحرج عن فعله، من غير عكس فهو باطل وفاقا.
ورابعها: لا نزاع في أن صيغة الأمر قد وردت تارة في الوجوب، وتارة في الندب، فإما أن يجعل حقيقة فيهما بخصوصيتهما أو في أحدهما.
وهما باطلان، إذ الاشتراك والمجاز على خلاف الأصل، فلم يبق إلا أن يجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، إذ القول: بأنه ليس حقيقة فيهما لا بالاشتراك اللفظي ولا المعنوي ولا في أحدهما باطل إجماعًا، فحينئذ لم تكن الصيغة دالة إلا على رجحان الفعل على الترك، وقد كان جواز الترك / (١٤١/ب) ثابتًا بالبراءة الأصلية، فحينئذ يحصل من مجموعهما أن فعل المأمور به راجح على تركه وأن تركه جائز ولا معني للندب إلا ذلك.
واعلم أن هذا الدليل لا يدل على أن صيغة الأمر موضوعة للندب، بل لا يدل إلا على أنها للقدر المشترك بينهما، والندبية إنما لزمت بسبب انضمام دليل آخر إليها. ومع هذا فوجوبه: بطريق المعارضة بما سبق غير مرة وأيضًا المجاز وإن كان خلاف الأصل، لكنه قد يصار إليه إذا دل الدليل، وقد ذكرنا أن الدليل دل على الوجوب.
стр. 826
وخامسها: أن الصيغة لو جعلت حقيقة في الوجوب كان استعمالها في الندب، وفي القدر المشترك بينهما تركًا لمدلولها، أما لو جعلت حقيقة في القدر المشترك بينهما، لم يكن استعمالها في الندب والواجب تركًا لمدلولها، بل إثباتًا لأمر زائد على مدلولها، ولا شك أن هذا أولى فكان جعل اللفظ حقيقة فيه أولى.
ثم نقول: الصيغة إذا وردت مجردة عن القرينة لم يمكن حمله على الوجوب لعدم ما يدل على المنع من الترك، حينئذ يتعين حمله على الندب لقيام الدليل الدال على جواز الترك، وهو البراءة الأصلية ودفعًا للإجمال.
الجواب: المعارضة ببيان فوائد كون الصيغة حقيقة في الوجوب، وهي غير خافية عليك مما سبق.
وأما القائلون بأن الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الواجب والمندوب. فقد تمسكوا بالوجوه الثلاثة الأخيرة المذكورة في حجج القائلين: بالندب، ولكن نحذف البراءة عن الحجتين الأخيرتين. والجواب واحد.
وأما القائلون بالاشتراك فقد احتجوا بوجهين:
стр. 827
أحدهما: أن الصيغة استعملت في الواجب والمندوب والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وثانيهما: أن توقف الذهن عن الجزم وتردده بين الواجب والمندوب، عند سماعها مجردة عن القرينة، دليل على أنها مشتركة بينهما.
الجواب عن الأول: أن الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، لكن إذا لم يستلزم الاشتراك، أما إذا استلزمه فلا نسلم ذلك، وهذا لأن الأصل عدم الاشتراك، أيضًا، وكيف لا والمجاوز خير منه؟
وعن الثاني: منع التوقف والتردد بل المتبادر إليه عند سماعها مجردة عن قرينة الوجوب، بدليل تمسك الصحابة بها على الوجوب.
وأما القائلون بالتوقف:
فقد احتجوا: بأن مدرك العلم تكون الصيغة حقيقة في الوجوب، أو في الندب، أو في القدر المشترك بينهما، أو فيهما.
إما يكون عقليًا محضًا، وهو باطل إذ لا مجال للعقل وحده / (١٤٢/أ) في اللغات، وأما أن يكون نقليًا محضًا، وهو إما تواتر، أو آحاد.
والأول: باطل وإلا لعرفه كل واحد بالضرورة بأنه للوجوب أو للندب أو لغيرهما.
стр. 828
وأما الثاني: فبتقدير التسليم وسلامته عن المعارض لا يفيد لأن المسألة علمية وهو لا يفيد إلا الظن.
وأما أن يكون مركبًا منهما، وهو إما قطعي، أو ظني، والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، وإلا لقطع بتخطئة المخالف فيه، والظني لا يفيد لما سبق.
وإذا لم يكن لإثبات أحد هذه المذاهب مدرك صالح وجب التوقف وهو غير لازم على القائلين بالتوقف، لأنهم غير مفتقرين فيه إلى مدلول حتى يتأتي فيه التقسيم المذكور.
وأجيب: بمنع كون المسألة قطيعة، إما لأنها وسيلة إلى العمل فيجوز إثباتها بما يثبت به وجوب العمل، وإما لأنها من مباحث اللغة وقل ما يرجي فيها القطع لتعذر إثبات أكثر مطالبها.
стр. 829
وهذا الجواب لا يتأتى ممن سلم من الأصوليين أن المسألة علمية.
واعلم أن المطلوب في هذه المسألة، إن كان هو القطع فالحق فيها هو التوقف، وإن كان أعم منه وهو الحكم، إما على سبيل القطع أو على سبيل الظن وهو الأشبه فالأغلب على الظن أن الحق فيها هو القول بالوجوب.
стр. 830
المسألة التاسعة
[في حكم الأمر بعد الحظر]
اختلفوا فيا لأمر بعد الحظر.
فالجمهور على أنه لا أثر لتقدم الحظر، وأن الأمر في اقتضاء مقتضاه، من الوجوب، أو الندب أو غيرهما بعده، كما هو قبله.
ومنهم من قال: إن تقدم الحظر قرينة صارفة له عن مقتضاه إلى الإباحة، وإن كان قبله مقتضيًا للوجوب.
стр. 831
ومنهم من فصل وقال إن كان الحظر السابق عارضًا لعلة عرضت وعلقت الصيغة بزوال تلك العلة، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
وقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت فالآن فادخروها".
стр. 832
فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع ذلك الحظر السابق فقط، فيرجع حكمه إلى ما كان قبل الحظر، من إباحة، أو ندب، أو إيجاب.
وإن احتمل أن يكون مقتضيًا لمقتضاه، من إيجاب أو ندب نظرًا إلى الوضع.
وإن لم يكن كذلك فالصيغة مبقاة على مقتضاها على ما كانت قبله، إن كانت للوجوب فللوجوب، وإن كانت للندب فللندب، وإن كان مترددًا بينهما فكذلك.
لكن القائلين بالتوقف: كالغزالي - رحمه الله تعالى - زادوا ها هنا احتمال الإباحة، فإن الصيغة عندهم لم تكن محتملة لما قبله، وقالوا: قرينة سبق الحظر تزوح احتمال الإباحة وإن لم تعينه.
احتج الجمهور / (١٤٢/ب): بأن المقتضي للوجوب أو للندب أو
стр. 833
غيرهما قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضًا فوجب تحقق المقتضي
أما الأول: فلمساعدة الخصم الدلائل المذكورة عليه، إذ القائل: بالإباحة ها هنا قائل: بأنها قبله للوجوب أو للندب.
وأما الثاني: فلأنا نعلم بالضرورة، أنه كما يجوز الانتقال من الحظر إلى الإباحة، فكذا يجوز الانتقال منه إلى الوجوب، أو الندب.
وإذا كان كذلك لم يكن تقدم الحظر مانعًا من حمل الصيغة على ما يقتضيها قبله، ولأنه لو صرح بإرادة الوجوب من الصيغة الواردة بعد الحظر لم يعد مناقضًا ولا تاركًا لمقتضي دليل، إذ الأصل عدم التعارض، ولو كان تقدم الحظر قرينة الإباحة، لعد كذلك ولجعل تاركًا لمقتضي الدليل.
واحتج القائلون بالإباحة مطلقًا.
بالآية، والعرف.
أما الآية: فلقوله تعالى ﴿فإذا طعمتم فانتشروا﴾ ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ والأصل في الاستعمال الحقيقة.
стр. 834
وأما العرف: فهو إن السيد أو الوالد إذا منع عبده أو ولده عن شيء، ثم قال له: "افعل" ذلك الشيء تبادر إلى الفهم منه الإباحة، وهو دليل الحقيقة، فيكون حقيقة فيه، وهو المطلوب.
الجواب عن الأول: [أن] نمنع دلالة ما ذكرتم من الآيات على القول بالإباحة مطلقًا، بل إنها لو دلت فإنما تدل على ما ذهب إليه القائلون بالتفصيل لا على ما ذهبتم إليه.
سلمنا ذلك: لكن الاستعمال دليل ضعيف، فجاز أن يترك لما ذكرنا من الدليل.
سلمنا: أنه غير متروك، لكن ما ذكرتم من الآيات معارض بنصوص أخرى نحو قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ فإن هذا يفيد الوجوب، إذ الجهاد فرض على الكفاية. ونحو قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، وحلق الرأس ليس بمباح بل هو واجب عند انقضاء المدة، ونحو قوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" والزيارة مندوبة.
стр. 835
وبهذا إنما يتمسك من يقول: الأمر حقيقة في الندب والأصل في الاستعمال الحقيقة، وإذا تعارضت النصوص باستعمالها في المعنيين ثبت ما قلناه: لسلامة ما ذكرنا من الدليل في الاستدلال.
وعن الثاني: إنا لا نسلم أن الفهم يتبادر إلى الإباحة على الإطلاق، بل لو تبادر إليها فإنما يتبادر للقرينة، ألا ترى أنه لو كانت القرينة منفية لم يتبادر الفهم إلى الإباحة، كما لو كان السيد قد منع عبده عن الاكتساب لمصلحة، ثم أمره / (١٤٣/أ) فإنه لا يفيد الإباحة بل يفيد الوجوب، وكذلك لو قال الأب لأبنه: اخرج إلى المكتب بعد منعه منه لمصلحة، فإنه يتبادر منه إلى الفهم ما يتبادر منه قبل الحظر.
стр. 836
/
стр. 837
المسألة العاشرة
[في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو لا ؟]
الأمر المجرد عن القرينة، هل يقتضي التكرار أم لا؟
فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين أنه يقتضي التكرار المستوعب لزمان العمر، بحسب الإمكان.
ولا يخفى عليك أنه ليس المراد من التكرار ها هنا معناه الحقيقي، وهو: إعادة الفعل الأول، فإن ذلك غير ممكن من المكلف، بل المراد منه: تحصيل مثل الفعل الأول.
وذهب الجم الغفير إلى أنه مقتضى للمرة الواحدة لا محالة.
стр. 838
وهؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال: يقتضيها لفظًا.
ومنهم من نفى ذلك وزعم: أن اقتضاءه لها إنما هو بحسب الدلالة المعنوية، وهي أنه لا تفيد إلا الطلب تحصيل الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة، لكن لما لم يمكن تحصيلها بدون المرة الواحدة لا جرم.
قلنا: دل الأمر عليها، لأن ما دل على الشيء دل على ما هو من ضروراته بخلاف الكثرة، فإنه لا يدل عليها لا بحسب اللفظ ولا بحسب المعنى.
وهذا القول: اختاره أبو الحسين البصري - رحمه الله تعالى - والإمام وكثير من الأصوليين.
ومنهم من قال: إن مقتضى الصيغة الامتثال والمرة الواحدة لابد منها لما سبق، وأما الزائد عليها فمتوقف فيه "وهو قول" اختاره إمام الحرمين
стр. 839
- رحمه الله تعالى - وإليه ميل الغزالي - رحمه الله تعالى -
وذهب بعضهم: إلى أنه مشترك بين المرة الواحدة وبين التكرار، وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه: بين أن يكون للمرة الواحدة، أو للتكرار، أو لهما، أو للمشترك بينهما لتردده [بينهما، كتردده] بين الوجوب والندب.
وقال بعضهم: نحو عيسي بن أبان. إن كان / (١٤٣/ب) فعلاً له
стр. 840
غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة يلزمه في جميعها، وإلا فيلزمه الأول.
احتج القائلون بالتكرار بوجوه:
أحدها: أن أكثر أوامر الشرع، كالصلاة، والزكاة، والصوم، محمول على التكرار، فوجب أن يكون حقيقة فيه إعمالاً للأصل ودفعًا لتكثير المجاز.
وثانيها: أن الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة في وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا.
وثالثها: أن الأمر لا إشعار له بالتخصص بزمان دون زمان، وليس حمله على بعض الزمان أولى من البعض، فوجب التعميم وإلا لزم التعطيل.
ورابعها: أن الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الترك، فإذا كان النهي الذي هو أحد الطلبين يفيد التكرار، فكذا الآخر والجامع، أما الطردي فكونهما مشتركين في الاقتضاء "والطلب"، وأما المناسب فتكميل الغرض وتحصيل المصلحة الناشئة من التكرار.
وخامسها: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن جميع
стр. 841
الأضداد يقتضي الامتناع عنها في جميع الأزمان، وذلك يستلزم فعل المأمور به في جميع الأزمان.
وسادسها: أن الأمر لو لم يفد التكرار، لما جاز ورود النسخ عليه لاستلزامه البداء، وهو على الله تعالى محال، ولما جاز الاستثناء [منه لاستحالة الاستثناء] من المرة الواحدة.
وسابعها: أنه لو لم يكن للتكرار كان للمرة الواحدة، وحينئذ يلزم أن يكون قوله: صل مرة واحدة تكرار، أو صل مرارًا تناقضًا ومعلوم أنه ليس كذلك.
وثامنها: أن القول بالتكرار أحوط للمكلف، لأنه إن أراد الأمر فقد حصل غرضه، وإن لم يرده بل أراد مرة واحدة فقد حصل غرضه أيضًا ضرورة حصولها في ضمن التكرار، بخلاف ما إذا قيل إنه للمرة الواحدة
وتاسعها: قوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والتكرار بحسب ما يمكن مستطاع، فوجب أن يجب إذا قيل: ثبت أن الأمر للوجوب.
وعاشرها: روى أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل النبي ﷺ لما رآه قد جمع بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: "أعمدًا فعلت هذا يا رسول الله؟ فقال: نعم" ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من
стр. 842
قوله تعالى:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ لما كان للسؤال معنى.
وحادي عشرها: روى أنه ﵇ لما أتي بشارب الخمر قال: "اضربوه" فكرروا عليه الضرب ولو لم يكن الأمر للتكرار لما فعلوه، ولا أنكر عليهم ﵇، ولما لم ينكر عليهم دل على أنه للتكرار.
стр. 843
وثاني عشرها: أنه يفيد التكرار في استعمال أهل العرف، فإن الرجل إذا / (١٤٤/أ) قال لغيره: "أحسن عشرة فلان" و "خالط الناس بحسن السير" "وأجمل في الطلب" و "اتجر لمعاشك و "تزود لمعادك"، فإنه يفهم منها التكرار والأصل عدم التغيير.
وثالث عشرها: أن الأمر اقتضى فعل المأمور به واقتضى اعتقاد وجوبه أيضًا ثم اعتقاد وجوبه على الدوام، فكذا فعله حملاً لأحد الاقتضائين على الآخر.
وأجيبوا: عن الأول: بأنه لا يلزم من كون تلك الأوامر محمولة على التكرار، أن تكون مستعملة فيه حتى يلزم أن تكون تلك الأوامر حقائق فيه لما ذكرتم من الدليلين لجواز أن تكون مستعملة في القدر المشترك بين التكرار وغيره، وإنما حملت على التكرار لدليل من خارج لا لكونها ظاهرة فيه، ثم الذي يدل عليه هو: أن التكرار لو كان مستفادًا من ظواهرها لزم التناقض أو الترك بالظاهر في الأوامر المحمولة على المرة الواحدة نحو الحج وغيره، لأنه إن كان ظاهرًا فيها لزم الأول: وإلا لزم الثاني: وهما باطلان، ولا يعارض بمثله، لأنا لا ندعى الظهور في المرة الواحدة أيضًا، وإنما ندعى أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما فقط، والمرة الواحدة إنما وجبت لأنها من ضروراته.
стр. 844
وعن الثاني: أنا لا نسلم أنه تمسك بمجرد الأمر سنده ما تقدم، بل لأنه كان من المعلوم عندهم بالضرورة من دين محمد ﵇ أن أمر الصلاة، والزكاة، والصوم للتكرار.
وعن الثالث: أن القائلين بالفور: يمنعون عدم أولوية بعض الأزمنة من البعض، فإن الزمان الأول عندهم متعين لفعله فيكون أولى.
وأما الذين لم يقولوا به: فإنهم يمنعون لزوم التعميم عند انتفاء الأولوية ويمنعون لزوم التعطيل عند انتفاء التعميم، وهذا لأنه يجوز أن يكون تعيين الزمان موكولاً إلى اختيار المكلف كالمكان، وكما فيما إذا أمر الشارع بإعتاق رقبة.
وبتقدير تسليمه: فالدليل منقوض بالصورتين المذكورتين.
وعن الرابع: بمنع كون النهي يفيد التكرار.
ولئن سلم: فيمنع القياس في اللغات.
ولئن سلم: فبالفرق، وهو من وجهين:
أحدهما: أن الانتهاء عن الفعل أبدا متيسر وغير مفض إلى تعطيل الحوائج المهمة، وغير مانع من الإتيان بالمأمورات، وأما الاشتغال به، وإن كان بحسب الإمكان فمتعسر ومفض إلى تعطيل الحوائج ومانع من الإتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها.
стр. 845
وثانيهما: أن النهي مقتضاه عدم إدخال ماهية الفعل المنهي عنه في الوجود، لأن معني قولنا: "لا تضرب" مثلاً لا تدخل ماهية الضرب في الوجود / (١٤٤/ب)، وذلك إنما يحصل بالكف عنه دائمًا حتى لو انكف عنه المخاطب في بعض الأزمنة دون البعض لم يصدق عليه أنه لم يدخل الماهية في الوجود وأما الأمر فليس فيه دلالة على إدخال جميع أفراد الماهية في الوجود، لأن معني "اضرب" إدخال ماهية الضرب في الوجود فإذا ضرب مرة واحدة صدق عليه أنه أدخل الضرب في الوجود، فلا حاجة إلى المصير إلى التعميم، ولأنه لما ثبت أن النهي يفيد الدوام وجب أن لا يفيد الأمر ضرورة كونه مناقضًا له ونقيض السلب الكلي الإيجاب الجزئي.
وعن الخامس: منع كون الأمر بالشيء منهيًا عن ضده، ولئن سلم فجوابه ما سبق في المسألة السالفة.
وعن السادس: أنا لا نسلم أنه لو لم يكن للتكرار لما جاز نسخه، وهذا لأنه يجوز نسخ الشيء قبل "حضور" وقت العمل به عندنا.
وأما الذين لم يجوزوا فهم يقولون: إن قرينة النسخ دالة على إرادة التكرار منه، ولا يبعد حمل الأمر على التكرار لقرينة.
وأما الاستثناء فممنوع على رأي القائلين بالفور.
وأما الذين لم يقولوا به: فهم يجوزون الاستثناء فيه، وفائدة المنع من الفعل في وقت يصح فعله فيه لولا الاستثناء، فإن كان الاستثناء حقيقة في
следующие страницы →