Полный текст (3 770 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الأضداد يقتضي الامتناع عنها في جميع الأزمان، وذلك يستلزم فعل المأمور به في جميع الأزمان.
وسادسها: أن الأمر لو لم يفد التكرار، لما جاز ورود النسخ عليه لاستلزامه البداء، وهو على الله تعالى محال، ولما جاز الاستثناء [منه لاستحالة الاستثناء] من المرة الواحدة.
وسابعها: أنه لو لم يكن للتكرار كان للمرة الواحدة، وحينئذ يلزم أن يكون قوله: صل مرة واحدة تكرار، أو صل مرارًا تناقضًا ومعلوم أنه ليس كذلك.
وثامنها: أن القول بالتكرار أحوط للمكلف، لأنه إن أراد الأمر فقد حصل غرضه، وإن لم يرده بل أراد مرة واحدة فقد حصل غرضه أيضًا ضرورة حصولها في ضمن التكرار، بخلاف ما إذا قيل إنه للمرة الواحدة
وتاسعها: قوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والتكرار بحسب ما يمكن مستطاع، فوجب أن يجب إذا قيل: ثبت أن الأمر للوجوب.
وعاشرها: روى أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل النبي ﷺ لما رآه قد جمع بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: "أعمدًا فعلت هذا يا رسول الله؟ فقال: نعم" ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من
стр. 842
قوله تعالى:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ لما كان للسؤال معنى.
وحادي عشرها: روى أنه ﵇ لما أتي بشارب الخمر قال: "اضربوه" فكرروا عليه الضرب ولو لم يكن الأمر للتكرار لما فعلوه، ولا أنكر عليهم ﵇، ولما لم ينكر عليهم دل على أنه للتكرار.
стр. 843
وثاني عشرها: أنه يفيد التكرار في استعمال أهل العرف، فإن الرجل إذا / (١٤٤/أ) قال لغيره: "أحسن عشرة فلان" و "خالط الناس بحسن السير" "وأجمل في الطلب" و "اتجر لمعاشك و "تزود لمعادك"، فإنه يفهم منها التكرار والأصل عدم التغيير.
وثالث عشرها: أن الأمر اقتضى فعل المأمور به واقتضى اعتقاد وجوبه أيضًا ثم اعتقاد وجوبه على الدوام، فكذا فعله حملاً لأحد الاقتضائين على الآخر.
وأجيبوا: عن الأول: بأنه لا يلزم من كون تلك الأوامر محمولة على التكرار، أن تكون مستعملة فيه حتى يلزم أن تكون تلك الأوامر حقائق فيه لما ذكرتم من الدليلين لجواز أن تكون مستعملة في القدر المشترك بين التكرار وغيره، وإنما حملت على التكرار لدليل من خارج لا لكونها ظاهرة فيه، ثم الذي يدل عليه هو: أن التكرار لو كان مستفادًا من ظواهرها لزم التناقض أو الترك بالظاهر في الأوامر المحمولة على المرة الواحدة نحو الحج وغيره، لأنه إن كان ظاهرًا فيها لزم الأول: وإلا لزم الثاني: وهما باطلان، ولا يعارض بمثله، لأنا لا ندعى الظهور في المرة الواحدة أيضًا، وإنما ندعى أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما فقط، والمرة الواحدة إنما وجبت لأنها من ضروراته.
стр. 844
وعن الثاني: أنا لا نسلم أنه تمسك بمجرد الأمر سنده ما تقدم، بل لأنه كان من المعلوم عندهم بالضرورة من دين محمد ﵇ أن أمر الصلاة، والزكاة، والصوم للتكرار.
وعن الثالث: أن القائلين بالفور: يمنعون عدم أولوية بعض الأزمنة من البعض، فإن الزمان الأول عندهم متعين لفعله فيكون أولى.
وأما الذين لم يقولوا به: فإنهم يمنعون لزوم التعميم عند انتفاء الأولوية ويمنعون لزوم التعطيل عند انتفاء التعميم، وهذا لأنه يجوز أن يكون تعيين الزمان موكولاً إلى اختيار المكلف كالمكان، وكما فيما إذا أمر الشارع بإعتاق رقبة.
وبتقدير تسليمه: فالدليل منقوض بالصورتين المذكورتين.
وعن الرابع: بمنع كون النهي يفيد التكرار.
ولئن سلم: فيمنع القياس في اللغات.
ولئن سلم: فبالفرق، وهو من وجهين:
أحدهما: أن الانتهاء عن الفعل أبدا متيسر وغير مفض إلى تعطيل الحوائج المهمة، وغير مانع من الإتيان بالمأمورات، وأما الاشتغال به، وإن كان بحسب الإمكان فمتعسر ومفض إلى تعطيل الحوائج ومانع من الإتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها.
стр. 845
وثانيهما: أن النهي مقتضاه عدم إدخال ماهية الفعل المنهي عنه في الوجود، لأن معني قولنا: "لا تضرب" مثلاً لا تدخل ماهية الضرب في الوجود / (١٤٤/ب)، وذلك إنما يحصل بالكف عنه دائمًا حتى لو انكف عنه المخاطب في بعض الأزمنة دون البعض لم يصدق عليه أنه لم يدخل الماهية في الوجود وأما الأمر فليس فيه دلالة على إدخال جميع أفراد الماهية في الوجود، لأن معني "اضرب" إدخال ماهية الضرب في الوجود فإذا ضرب مرة واحدة صدق عليه أنه أدخل الضرب في الوجود، فلا حاجة إلى المصير إلى التعميم، ولأنه لما ثبت أن النهي يفيد الدوام وجب أن لا يفيد الأمر ضرورة كونه مناقضًا له ونقيض السلب الكلي الإيجاب الجزئي.
وعن الخامس: منع كون الأمر بالشيء منهيًا عن ضده، ولئن سلم فجوابه ما سبق في المسألة السالفة.
وعن السادس: أنا لا نسلم أنه لو لم يكن للتكرار لما جاز نسخه، وهذا لأنه يجوز نسخ الشيء قبل "حضور" وقت العمل به عندنا.
وأما الذين لم يجوزوا فهم يقولون: إن قرينة النسخ دالة على إرادة التكرار منه، ولا يبعد حمل الأمر على التكرار لقرينة.
وأما الاستثناء فممنوع على رأي القائلين بالفور.
وأما الذين لم يقولوا به: فهم يجوزون الاستثناء فيه، وفائدة المنع من الفعل في وقت يصح فعله فيه لولا الاستثناء، فإن كان الاستثناء حقيقة في
стр. 846
هذا المعنى فلا إشكال وإلا فهو مستعمل فيه بطريق التجوز.
سلمنا: أنه مستعمل في حقيقته. فلم لا يجوز أن يقال: الاستثناء قرينة دالة على إرادة التكرار؟.
وعن السابع: منع الملازمة، وقد عرفت سنده.
سلمنا: الملازمة لكن لا نسلم أن قوله مرة واحدة تكرار، بل فائدته نفي احتمال التكرار وإن كان ذلك على وجه التجوز ولا نسلم، أن قوله: مرارًا، تناقض، بل غايته أنه يكون قرينة دالة على إرادة المجاز المعين من اللفظ.
سلمنا: ذلك لكنه معارض بما أنه لو كان للتكرار، لكان قوله: "صل مرارًا تكرارًا و "صل مرة واحدة" تناقضًا، ومعلوم أنه ليس كذلك.
وعن الثامن: أنه إذا علم أنه لا يجوز أن يراد من اللفظ غير حقيقته عند عرايته عن القرنية.
واعلم أن اللفظ ليس بحقيقة في التكرار فقد أمنا إرادته وحينئذ يأمن عن العقاب على تركه.
سلمنا: جواز إرادته عند عرايته عن القرينة، لكن لا نسلم: أن يكون أحوط، وهذا لأنه ربما يكون ترك التكرار أحوط، كما إذا قال: السيد لعبده: "اشتر اللحم والخبز أو "ادخل الدار" فإنه لو فعل ذلك على الدوام، وإن كان بحسب ما يمكن فإنه يلام.
سلمنا: أنه أحوط، لكنه معارض بما أنه / (١٤٥/أ) يلزم من حمله
стр. 847
على التكرار من الإضرار اللازم من التكرار المشق بتقدير فعله والعقاب بتقدير تركه، وبما فيه من مخالفه البراءة اليقينية.
وعن التاسع: أنه إنما يدل على المطلوب أن لو ثبت أن التكرار مأمور به حتى يقال: بأن التكرار بحسب ما يمكن مستطاع من المأمور به، فيجب لكنه أول المسألة.
وإن شئت فقل بعبارة أخرى: وهي أن دلالته على المطلوب تتوقف على كون التكرار مأمورًا به، فلو أثبتنا كون التكرار مأمورًا به لزم الدور.
وعن العاشر: أنا لا نسلم أنه ﵁ سأل ذلك بناء على أنه فهم التكرار من النص المذكور وإلا لم يكن للسؤال معنى، وهذا لأنه يجوز أن يكون السؤال إنما كان لأجل إنه كان يرى النبي ﵇ مداومًا على التوضؤ عند كل صلاة فظن أنه أريد التكرار عن النص المذكور، فإن الأمر عندنا وإن لم يكن للتكرار، لكنه يحتمله، فسأل النبي ﵇ عن عمده ليعلم أنه فعله كذلك لم يكن التكرار مرادًا من الأمر فيه وإن كان سهوًا فقد أريد به التكرار لقرينة مداومته ﵇ على التجديد عند كل صلاة.
سلمنا: أنه إنما سأل ذلك بناء على أنه فهم التكرار [من] الآية، لكن إنما كان ذلك، لأنه [أمر] معلق بالصفة وهو يقتضي التكرار على رأي بعض من أنكر أن مطلقه للتكرار، فلم قلت: إن مطلقه يقتضيه؟.
سلمنا: أنه ليس كذلك أو، وأن كان كذلك لكن الخلاف فيهما واحد، لكن فهمه ﵁ معارض بفهمه ﵇، فإنه لم يفهم منه التكرار، وإلا لما فعل ذلك عمدًا، ثم لا يخفى أن الترجيح معنا.
وعن الحادي عشر: أنا لا نسلم أنه حصل تكرير الضرب من كل
стр. 848
واحد منهم حتى يقال: إنهم فهموا التكرار، بل صدر ذلك من مجموعهم، وقوله: فكرروا عليه الضرب من مقابلة فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد.
سلمنا: ذلك لكن التكرار مستفاد من قرينة الحد، وهذا لأنه شرع زاجر ومانع ومعلوم أن ذلك لا يحصل لضربه واحدة.
وعن الثاني عشر: أن ذلك للقرينة، فإن من المعلوم بالضرورة أنه لا يكفي في حسن العشرة مع الناس ومخالطتهم بحسن السيرة حصول ذلك من الرجل مرة واحدة، بل المراد منه الدوام لتحصيل الأخلاق الفاضلة وجلب قلوب الناس، وكذلك الكلام في البواقي.
وعن الثالث عشر: أنا لا نسلم أن اعتقاد وجوب المأمور به على سبيل الدوام من مقتضي الأمر سواء كان ذلك في مطلق الأمر عند من يقول: إنه للوجوب أو في المقترن بقرينة تدل على أنه للوجوب عند من لم يقل إن مطلقه للوجوب، بل هو من مقتضى الإيمان ولوازمه، ولهذا يكفر / (١٤٥/ب) جاحده في المقطوع ولا يكفر تارك فعله فيه.
سلمنا: ذلك لكن الفرق قائم، وهو أنه لا ضرر في إيجاب الاعتقاد على سبيل الدوام بخلاف إيجاب الفعل على سبيل الدوام، فإن فيه ضررًا.
سلمنا: أنه لا فرق، لكنه منقوض بالأمر المقيد بالمرة الواحدة.
وأما الذين قالوا: إنه للمرة الواحدة لفظًا فقد احتجوا بوجوه:
أحدها: أنه استعمل فيها، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
стр. 849
وثانيها: أن المتبادر إلى الفهم من قول القائل: "صام فلان" أو "صلى" هو المرة الواحدة، فوجب أن يكون حقيقة فيها، إذ التبادر دليل الحقيقة، وكذلك إذا استعمل صيغة الماضي في الإنشاء نحو بعت، وطلقت ولهذا لم تطلق إلا واحدة، وإذا كانت صيغة الماضي حقيقة في المرة الواحدة سواء كانت بمعني الإخبار أو الإنشاء، وجب أن يكون الأمر أيضًا كذلك ضرورة أن اقتضائهما للمصدر اقتضاء واحد.
وثالثها: أنه لو لم يكن للمرة الواحدة، لكان للقدر المشترك بينها وبين التكرار لما ستعرف فساد غيره من المذاهب وحينئذ يجب أن يكون الأمر مجملاً بالنسبة إلى كل واحد منهما، عند عراية عن القرينة المعينة. وهو باطل خلاف الإجماع.
ورابعها: أنه لو قال الرجل لغيره: "طلق زوجتي" لم يملك أكثر من تطليقة واحدة، فلو لم يكن الأمر حقيقة في المرة الواحدة لم يكن كذلك.
الجواب عن الأول: أنا نفعل بمقتضاه فإنه حقيقة فيها عندنا أيضًا لكن باعتبار القدر المشترك بينها وبين التكرار، فإن ادعى أنه استعمل فيها بحسب خصوصيتها فيجب أن يكون حقيقة فيها بحسبها، فممنوع.
وإن سلم: فنعارضه بمثله، ثم الترجيح معنا على ما عرفت ذلك غير مرة.
стр. 850
وعن الثاني: أن ذلك التبادر بناء على أنه لابد منها في تحقيق مدلوله، لا أنه مدلوله.
ولئن سلم: ذلك فلا نسلم مثله في الأمر، وما ذكره فهو قياس في اللغة وهو ممنوع.
وعن الثالث: أنا لا نسلم أنه خلاف الإجماع، بل نحن نقول: إنه مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما من حيث اللفظ، وإنما يوجب الإتيان بالمرة الواحدة، وإن لم يكن هناك قرينة معينة لها لما تقدم من الدلالة المعنوية، فهو نص في المرة الواحدة بحسب الدلالة المعنوية، ومجمل بحسب الدلالة اللفظية ولا غرو في أن يكون اللفظ نصًا ومجملاً في معنى واحد باعتبارين مختلفين.
وعن الرابع: / (١٤٦/أ) بمنع الملازمة، وهذا لأنه يجوز أن لا يكون حقيقة في المرة الواحدة بحسب الخصوصية، ومع ذلك يملكها بما تقدم من الدلالة ولا يملك الثلاث لعدم دلالته عليه.
واحتج إمام الحرمين - رحمه الله تعالى -: بأن الصيغة صادرة عن المصدر ومستدعية لإيقاعه، وهو يحتمل الكثير والقليل، وليس معها ما يعين أحد الاحتمالين، إذ الكلام في الأمر المطلق، وإنما أوجبنا مرة واحدة، لأنه لابد منها على التقديرين فيجب التوقف في الزائد عليها.
стр. 851
وجوابه: أن المأمور لم يعلم شغل ذمته بغير إيقاع المصدر، فإذا فعل مرة فقد أوقع المصدر، والأصل براءة ذمته عن الزائد، فيجب الحكم ببراءة ذمته عنه وإلا لزم تجويز تكليف ما لا يطاق، إذا التوقف مع انتفاء ما يدل على زائد تجويز تكليف ما لا يطاق.
وأما القائلون بالاشتراك:
فقد احتجوا أيضًا بوجوه:
أحدها: ما روى عن سراقة بن مالك أنه قال لرسول الله ﷺ أحجنا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال ﵇: "للأبد ولو قلت: نعم لوجبت".
стр. 852
ووجه الاستدلال من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان الأمر للمرة الواحدة فقط أو للتكرار فقط لما حسن سؤاله عنه، فإنه كان من أهل اللسان فلا يخفى عليه ذلك، وأما بتقدير أن يكون مشتركًا، فإنه يحسن السؤال طلبًا لتعيين المراد.
وثانيهما: أن قوله ﵇: "لو قلت: نعم: لوجبت" لا يجوز أن يكون ذلك بطريق ابتداء التكليف، فإن ذلك لا يتحقق إلا بتحقق النسخ، وأنه خلاف الأصل، بل بطريق البيان لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، وذلك يدل على أن ذلك الإيجاب مشترك بين المرة الواحدة وبين التكرار والخلاف في الإيجاب والأمر واحد.
стр. 853
وثانيها: أنه استعمل فيهما فيكون حقيقة فيهما، إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة.
وثالثها: أنه يحسن الاستفهام فيه من الأمر فيقال: أردت به المرة الواحدة أو التكرار وأنه دليل الاشتراك.
ورابعها: أن صيغة "الماضي" من الأفعال مشتركة بين الدعاء والخبر، وصيغة "المضارع" مشتركة بين الحال والاستقبال، وذلك يقتضي أن تكون صيغة الأمر أيضًا مشتركة بين المرة الواحدة وبين التكرار، إلحاقًا للفرد بالأعم والأغلب.
الجواب عن الوجه الأول: بمنع الملازمة، وهذا لأنه يجوز أن يسأل الإنسان عن كلام ينبئ عن المقصود / (١٤٦/ب) بنفسه مع علمه به للتأكيد أو لدفع احتمال التجوز.
وعن الوجه الثاني: أنا نسلم أن ذلك بطريق البيان، لكن لا نسلم: أن ذلك يدل على أنه مشترك بينهما فإن الإجمال، كما يكون في المشترك يكون في المتواطئ أيضًا.
وعن الثاني: أيضًا ما سبق في اللغات.
وعن الثالث: منع كون الاستفهام دليل الاشتراك، وستعرف ذلك في العموم والخصوص - إن شاء الله تعالى -.
وعن الرابع: ما تقدم في اللغات، سلمنا: اشتراكهما فهذا لو
стр. 854
اقتضى فإنما يقتضي كون الأمر أيضًا مشتركًا فلم يتعين أن يكون اشتراكه بين التكرار والمرة الواحدة دون غيرهما من المفهومات.
وإذ قد ظهر ضعف هذه المذاهب فلنبين ما هو المختار.
فنقول: المرة الواحدة لابد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعًا لا بحسب دلالة اللفظ، بل بحسب الدلالة المعنوية، كما تقدم.
وأما التكرار فمحتمل، فإن اقترن بالأمر ما يدل عليه وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كاف في سقوط التكليف به، والدليل عليه وجوه:
أحدها: أنه لا شك في ورود الأمر بمعني التكرار وبالمرة الواحدة في أوامر الشارع وأوامر أهل اللسان، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك، وهو تحصيل ماهية المصدر، وحينئذ يجب أن لا يكون للفظ دلالة لا على المرة الواحدة ولا على التكرار، لأن الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة على ما يمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى لكن يحتملهما، ولهذا لو فسره بأنه واحد منهما صح، لأن نسبة مدلوله إليهما على السوية، وإنما أوجبنا المرة الواحدة، وإن لم توجد قرينة معينة لها لما تقدم فإذا أتي بها حكمنا بسقوط التكليف عنه إذا لم يعلم، ولا يظن بعد ذلك شغل ذمته بشيء آخر إلا على وجه الاحتمال وهو غير موجب
стр. 855
للتوقف على ما عرف أن مناط التكليف هو العلم أو الظن لا الاحتمال.
وثانيها: أن أهل اللغة قالوا: لا فرق بين قول القائل: "تفعل" وبين قوله "افعل" إلا في الاقتضاء والطلب، فإن قولنا: "افعل" فيه الاقتضاء والطلب دون قولنا: "تفعل".
ثم أجمعنا على أن قولنا: "تفعل" لا يستدعي تكرير المخبر عنه، بل يكفي في صدقه تحققه ولو مرة واحدة، فكذا الأمر وإلا لحصلت التفرقة بينهما بشيء آخر غير ما ذكروه، وذلك يقدح في قولهم.
وثالثها: أنه يحسن تفسير مطلق الأمر لكل واحد من التكرار والمرة الواحدة من غير تناقض ومخالفة له / (١٤٧/أ) وتكرار، وذلك يدل على أن واحدًا منهما ليس مدلوله، بل هو محتمل لها، ثم المرة الواحدة متعينة لما سبق من الدلالة المعنوية.
ورابعها: الأمر إما أن يكون حقيقة في التكرار فقط، أو في المرة الواحدة فقط، أو فيهما بالاشتراك اللفظي، أو يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، أو لا يكون حقيقة في شيء من هذه الأقسام الأربعة، وهذا القسم الأخير باطل بالإجماع. وكذا الثلاثة الأول فيتعين الرابع.
أما الأول: فلأنه إذا أمرنا الله تعالى بعبادة [ثم أمرنا بعبادة أخرى] لا يمكن الجمع بينهما، وجب أن تكون الثانية ناسخة للأولى، وإن كانت شرطًا لها ضرورة أن الأول: قد استوعب جميع الأوقات التي يمكن فعلها فيها، وأن الثانية: لا تجب إلا فيها، لكنه باطل لأنا نعلم بالضرورة أن
стр. 856
إيجاب الصلاة، ليس نسخًا للزكاة، والحج، وإيجاب الوضوء، ليس نسخًا لإيجاب الصلاة المتقدمة.
وأما الثاني: فكذلك، لأن جعله حقيقة في التكرار مجازًا في المرة الواحدة أولى من العكس، لما عرفت غير مرة.
فكذا الثالث: لأنه خلاف الأصل، وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة، يتعين الرابع. ثم لتقريب ما سبق في الوجه الأول.
المسألة الحادية عشرة
[هل الأمر المعلق يقتضي التكرار ؟]
القائلون بأن مطلق الأمر ليس للتكرار: اختلفوا في أن الأمر المعلق بالشرط نحو: إن كان زانيًا فارجمه، أو الصفة نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، أو المضاف إلى الوقت نحو قوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾. هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارها أم لا؟. فمنهم من أثبته.
стр. 857
ومنهم من نفاه.
ثم اعلم أن الخلاف فيما إذا لم يعلم كون المعلق عليه علة للمعلق، أما إذا علم ذلك إما من دليل منفصل، أو من نفس ترتيب الحكم على الوصف، فإنه يشعر بعلية الوصف على ما ستعرف ذلك إن شاء الله تعالى، فلا خلاف فيه بين القائسين، لكنه ما جاء من الأمر والتعليق بل من العلة، ووقع التعبد بالقياس، ولهذا لو عرفت العلية فيما لم يقع التعبد فيها بالقياس نحو أفعال العباد لم يفد التكرار أيضًا، كما إذا قال الرجل لوكيله: أعتق سالمًا إن كان أسود؟ وليست علة أمري بإعتاقه إلا السواد، فإنه ليس له أن يعتق غيره من عبيده، وإن كان أسود لما أنه لم يقع التعبد بالقياس في أفعالهم.
стр. 858
والمختار أنه لا يفيد التكرار.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه لو اقتضى التكرار، فإما أن يقتضيه من حيث إنه أمر، وهو باطل لما سبق، أو من حيث إنه / (١٤٧/ب) تعليق، وهو أيضًا باطل، لأن التعليق يحسن حيث يكون المعلق عليه شرطًا، نحو: إن كنت متطهرًا فصل ولا تأثير للشرط في وجود المشروط، بحيث إنه يلزم من وجوده وجوده، بل تأثيره في انتفائه، بحيث إنه يلزم من انتفائه انتفاؤه، فلا يتكرر بتكرره، وحيث لزم وجود المشروط وجود الشرط في مثل، قوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" وإنما كان ذلك لوجود الموجب هو قوله: "أنت طالق"، أو من حيث إنه مجموع مركب من الأمر والتعليق، وهذا أيضًا باطل، لأنه لا يفيد التكرار وفاقا في مثل قول الرجل لعبده: "إن دخلت السوق فاشتر اللحم"، فإما أن يكون ذلك لعدم المقتضي، وهو باطل، لأنه خلاف المقدر، إذ المقدر أنه يقتضيه من حيث إنه أمر وتعليق، وهذا المجموع حاصل في المثال المذكور، وبتقدير صحته فالمحصول حاصل، وهو أن لا يكون المجموع مقتضيًا، أو لوجود المعارض، وهو أيضًا باطل، لما فيه من التعارض، وهو خلاف الأصل، أو لا، لوجود المعارض وهو أيضًا باطل، لأن ذلك يقدح في كون المقتضي مقتضيًا.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التخلف فيما ذكرتم من المثال وأمثاله لفقد شرط لم يحصل في غيره؟
قلت: توفيق اقتضاء المقتضي على شرط منفصل، خلاف الأصل، إذ الأصل عدم التوفيق.
стр. 859
سلمنا: أنه ليس على خلاف الأصل، لكن لو جاز لكم إحالة التخلف فيما ذكرناه من المثال إلى عدم شرط المقتضي مع أنكم لم تبينوه خاليًا مثله في كل مثال من أمثلة الأمر المعلق بشرط، وحينئذ لا يمكن الاستدلال به على التكرار.
وثانيها: لو قال الرجل لزوجته: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، لا يتكرر الطلاق بتكرر الدخول وفاقًا، وكذلك إذا قال لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار. لم يكن له تكرير التطليق عند تكرير دخولها.
وكذا لو قال الشارع: "إن كان زانيًا فارجمه"، لأن دلالة اللفظ لا تختلف بحسب اختلاف المستعملين.
وثالثها: أنه لو دل عليه فإما أن يدل عليه بلفظه، أو بمعناه. والقسمان باطلان. فالقول بأنه يدل عليه باطل.
أما أنه لا يدل عليه بلفظه: فلأن اللفظ ما دل إلا على تعليق شيء بشيء، وهو أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة، بدليل صحة تقسيمه إليهما ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بواحد من ذينك القسمين / (١٤٨/أ) فإذا لا دلالة له لا على التكرار، ولا على المرة الواحدة.
[فإن] قلت: لا نزاع في أنه لو ثبت أن اللفظ ما دل إلا على تعليق
стр. 860
شيء بشيء كان اللازم ما ذكرتم، وهو أنه لا يكون له إشعار بأحد ذينك القسمين ألبتة، لكن لا نسلم: ذلك، وهذا لأنه عندنا دال على تعليقه بالمعلق عليه، بحيث كلما وجد المعلق عليه وجد المعلق فلم قلت: أنه ليس كذلك؟
قلت: الدليل على أنه ليس كذلك، هو أن كل واحد من أهل اللسان يجد التفرقة الضرورية بين قول القائل: إن قال فلان: "ح"، فقل: "ب"، وبين قوله: كلما قال فلان: "ح" فقل: "ب"، في أن الثاني يفيد التعميم والتكرير دون الأول، ولا يمكن إحالة ذلك إلى القرينة، فإن القرينة منتفية فيما ذكرنا من المثال، فلو كان الأول، بمعنى الثاني لم تكن التفرقة حاصلة بالضرورة.
وأما أنه لا يدل عليه بمعناه: فلأن المعني من الدلالة المعنوية هنا هي أن يستلزم مسمي اللفظ معنى آخر استلزامًا قطعيًا أو ظنيًا، واللفظ مستعمل في مسماه لكن تحققه يكون دالاً على تحقق ذلك المعني، لا أن بين معنى اللفظ وبين معنى آخر مناسبة معتبرة في التجوز فيستعمل اللفظ فيه، فإن ذلك مجاز خلاف الأصل لا حاجة لنا إلى نفيه، فإن النزاع ما وقع في أن اللفظ دال على التكرار على وجه التجوز إذا عرفت هذا.
فنقول: قد عرفت أن مسمي اللفظ، هو تعلق شيء بشيء، وهو أعم من تعليقه به في كل الصور أو في صورة واحدة، ومعلوم أن المفهوم العام لا يستلزم الخاص لا بطريق القطع ولا بطريق الظهور، فثبت أنه لا يدل عليه لا بلفظه ولا بمعناه فلم يدل عليه أصلاً.
ورابعها: أن الخبر المعلق بالشرط، أو الصفة، كقوله: زيد سيدخل الدار
стр. 861
لو دخلها عمرو، وزيد القائم بضرب، لا يفيد التكرار وفاقا.
فكذا "الأمر" والجامع دفع الضرر الحاصل من التكليف بالتكرر، هذا إن ألحقناه بطريق القياس.
أما إذا ألحقناه بطريق الاستقراء والتصفيح فلا حاجة إلى ذكر الجامع، وهو الأولي: فإن الإلحاق بطريق الاستقراء والتصفح، غير مختلف فيه.
واحتجوا بوجوه:
أحدها: أنه ورد في كتاب الله، وسنة رسوله، أوامر متعلقة بشروط، وصفات، ومضافة إلى أوقات، وهي متكررة بتكررها، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقوله: ﴿والسارق / (٤٨/ب) والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وقوله:﴾ أقم الصلاة لدلوك
стр. 862
الشمس ﴿ولو لم يكن مقتضيًا للتكرار لما كان متكررًا.
وجوابه: منع الملازمة لجواز أن يكون متكررًا لدليل منفصل.
نعم لو قيل: لما كان متكررًا به لم يمكن منع الملازمة لكنا حينئذ نمنع انتفاء اللازم، فإنه عندنا غير متكرر به بل بمنفصل نحو أن يعرف أن المعلق عليه علة الحكم أو غيره.
فإن قلت: الأصل عدم ذلك الدليل.
قلت: يجب اعتقاد ذلك لئلا يلزم تخلف المدلول عن الدليل في مثل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ وفي قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ بالنسبة إلى غير المحدث وفي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ بالنسبة إلى الذي لا يريد الصلاة، فإن الإتيان بمنفصل أولى من التخلف بمنفصل.
وثانيها: أن الحكم يتكرر بالعلة باتفاق القائسين، فالمعلق عليه إن كان علة يجب أن يتكرر الحكم بتكرره، وإن كان شرطًا فكذلك.
إما لأن علل الشرع علامات والشروط أيضًا علامات.
وأما لأن الشرط أقوى من العلة لانتفاء الحكم عند انتفائه، بخلاف
стр. 863
/
стр. 864
الأول: لما عرفت ذلك من قبل.
وثالثها / (١٤٩/أ): أن النهي المعلق بالشرط أو الصفة يقتضي التكرار، فكذا الأمر، إما بالقياس عليه، أو لن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا كان ضد المأمور به واجب الترك" بوصف التكرار" ففعل المأمور به واجب بذلك الوصف لا محالة.
وجوابه: أنه قياس في اللغة وهو ممنوع.
سلمنا: صحته، لكن لا نسلم أنه يتكرر بتكرر الشرط، وهذا لأن مقتضي النهي هو المنع من الفعل عند وجود الشرط ثابت سواء تكرر الشرط أو لم يتكرر، ألا ترى أن الرجل لو قال لوكيله: لو دخل زيد الدار فلا تعطه درهما. فإن المنع من الإعطاء ثابت أبدًا بعد الدخول سواء تكرر الدخول أو لم يتكرر.
سلمنا: ذلك، لكن إنما اقتضاه، لأن مطلقه يقتضي دوام الانتهاء بخلاف الأمر.
وعن الوجه الثاني: ما سبق في مسألة أن الأمر للوجوب.
ورابعها: أن المعلق بالشرط لا اختصاص له بشرط دون شرط، بل نسبته إلى جميع أعداد الشرط نسبة واحدة فعند ذلك، إما أن يقال: إنه يلزم من عدم إيجاب الحكم مع وجود شرط عدم إيجابه مع جميع أعداد الشرط أو من إيجابه مع شرط إيجابه مع جميع أعداده ضرورة أنه لا يحصل التسوية
стр. 865
لغيرها بين الطريقين، لكن الأول باطل بالإجماع فيتعين الثاني.
وجوابه: أنا لا نسلم أنه لا اختصاص له بشرط دون شرط، وهذا لأن عند القائل بالفور: يختص بالشرط الأول، وأما من لم يقل به فيختص عنده بالشرط الذي يغلب على ظن المكلف أنه لو لم يشتغل بالفعل عنده لفاته.
سلمنا: أنه لا اختصاص له بشرط دون شرط، لكن لا نسلم أنه لا طريق إلى التسوية إلا ما ذكرتم، وهذا فإن القول بوجوب الفعل عند كل واحد من أعداد الشرط على طريق البدلية طريق أخرى، غير ما ذكرتم في التسوية وهي غير محصلة للمقصود.
وخامسها: أن تعليق الأمر على الشرط الدائم، موجب لدوام المأمور به بدوام، كما لو قال: إذا جاء العام الفلاني فصمه، فإن الصوم يكون دائمًا بدوام العام، والتعليق على الشرط المتكرر في معناه فكان دائمًا بتكرره.
وجوابه: منع كونه في معناه، وهذا لأن الشرط "في" صوره المستشهد به واحد والمشروط به أيضًا واحد غير متكررة بتكريره، بخلاف ما نحن فيه، فإن الشرط والمشروط به كلاهما متكرران فلا يكون في معنى الأول.
стр. 866
المسألة الثانية عشرة
[في الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو لا ؟]
القائلون بأن مطلق الأمر ليس للتكرار.
اختلفوا: في أنه يقتضي الفور أم لا؟ فذهب الحنفية، وأهل الظاهر نحو داود وغيره، والحنابلة / (١٤٩/أ) وبعض المعتزلة.
стр. 867
وبعض أصحابنا: نحو القاضي أبي حامد المروروذي، وأبي بكر الصيرفي إلى أن يقتضيه.
وذهب آخرون، إلى أنه لا يقتضيه:
وهؤلاء اختلفوا أيضًا: فذهب الأكثرون منهم نحو: الشافعي،
стр. 868
ومعظم أصحابه، كأبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي بن خيران، وأبي علي الطبري، وأبي بكر القفال، والغزالي،
стр. 869
والإمام، وجماعة من الأشاعرة، نحو القاضي أبي بكر، وجماعة من المعتزلة نحو الجبائي وابنه، وأبي الحسين البصري: إلى جواز التأخير عن أول وقت إمكان العمل به.
فعلى هذا مهما فعل المكلف المأمور به مبادرًا أو مؤخرًا كان ممتثلاً، ولا دلالة للأمر المطلق عند هؤلاء على تعيين الزمان، ولا دليل آخر يدل على تعيين الزمان فيه عندهم.
وذهب الأقلون منهم: إلى أنه يقتضي التراخي، فعلى هذا لا يكون المبادر ممتثلاً.
وقد قيل: إنه خلاف الإجماع فنسبوا فيه إلى خرق الإجماع.
وأما الواقفية: فمنهم من توقف فيه توقف الاشتراك.
ومنهم من توقف فيه توقف اللا دراية.
стр. 870
وهؤلاء انقسموا إلى غلاة ومقتصدة.
أما الغلاة: فهم الذين توقفوا في المبادر والمؤخر في أنه هل هو ممتثل أم لا؟. ونسبوا أيضًا إلى خرق إجماع السلف فإنهم كانوا قاطعين بأن المبادر مسارع في الامتثال ومبالغ في الطاعة.
وأما المقتصدة: فهم الذين قطعوا بامتثال المبادر، وتوقفوا: في المؤخر في أنه هل هو ممتثل أم لا؟.
ثم منهم: من قال: بتأثيمه.
ومنهم: من لم يقل به.
ثم منهم: من لم يؤثمه.
ومنهم: من توقف فيه، مع القطع بأنه امتثل أصل المطلوب كإمام الحرمين ﵀
ولا يستبعد "القول بالتأثيم مع التوقف في الامتثال" فإن القول: بالتأثيم قد يكون مع القطع بالامتثال، كما في الواجب الموسع عند من يجوز تأخيره بشرط البدل إذا أخره المكلف بدونه.
стр. 871
والمختار إنما هو مذهب الشافعي ﵁.
ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير، لأن له دلالة على طلب الفعل إجماعًا، والأصل عدم دلالته على غيره، وهذا الأصل وإن كان متروكًا بالنسبة إلى أصل الزمان بحسب الدلالة الالتزامية لكونه من ضرورة وقوع الفعل فيجب أن يبقي معمولاً به بالنسبة إلى تعينه، فمهما فعل المكلف المأمور به سواء كان في الزمان الأول أو الثاني أو الثالث كان آتيًا بتمام مدلول الأمر، فوجب خروجه عن عهدة التكليف.
وثانيها: أنه استعمل في الفور وفي التراخي، فوجب جعله / (١٥٠/أ) حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك والمجاز، وما ذاك إلا لطلب الفعل، إما لما تقدم، وإما بالإجماع إلا لقائل [بالفصل].
стр. 872
وثالثها: لو دل الأمر على الفور أو على التراخي، فإما أن يدل عليه بعموم ما يتضمنه من المصدر، أو بخصوص صيغته، وكل واحد منهما، إما بحسب المطابقة، أو التضمن، أو الالتزام، والقسمان باطلان فبطل دلالته عليه.
أما الأول: فلأنه لو كان كذلك لوجب أن يدل عليه جميع أمثلة الأفعال من الماضي والمضارع نحو تلك الدلالة، ضرورة تضمنه المصدر مثل تضمن الأمر لكنه باطل وفاقًا، فكذا ملزومة.
وأما الثاني: فلأن صيغة الأمر إنما تتميز عن سائر أمثلة الأفعال بكونها دالة على طلب الفعل بطريق الإنشاء، إما مع الاستعلاء أو مع العلو على ما عرفت ذلك في تحديده، ويؤكده ما نقل عن أهل اللغة أنه لا فرق بين "افعل" وبين "يفعل" إلا في كون الأول أمرًا والثاني خبرًا، ومفهوم الأمر هو ما ذكرناه، ومعلوم أنه ليس فيه ما يدل على الفور أو على التراخي، ولا هو مستلزم لأحدهما فلم تدل الصفة على أحدهما بأحد وجوه الدلالة، فظهر بطلان القسمين فبطل دلالته عليه.
ورابعها: أن صحة تقسيم الأمر المطلق، إلى الأمر بشيء على سبيل الفور، وإلى الأمر به على سبيل التراخي، معلوم من أهل اللغة، ولهذا لو قيل للغوي: ورد الأمر على وجه الفور، أو على وجه التراخي، لم تشمئز نفسه عن قبوله، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا، فلو كان الأمر للفور أو التراخي، لما صح هذا التقسيم كما لا يصح تقسيم أمر الفور أو التراخي إليهما.
وخامسها: أنه يحسن من الآمر أن يقول للمأمور: افعل الفعل الفلاني في الحال أو في الغد، ولو كان الأمر للفور لكان الأول تكرارًا أو الثاني نقصًا.
стр. 873
وتحرير هذا بعبارة أخرى، وهي أن يقال: لو كان الأمر للفور لما حسن هذا كما لا يحسن تأقيت الأمر المقترن بالفور بالغد.
وأما القائلون بالفور فقد احتجوا بوجوه:
أحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك﴾ غاية على أنه لم يأت بالمأمور به في الحال، وهذا يدل على أنه واجب عليه الإتيان بالمأمور به في الحال.
لا يقال: لا نسلم: أنه غاية على الترك في الحال، بل إنما غاية على أنه تركه، ولم يأت به.
لأنا نقول: الترك لم يتحقق في الأمر المطلق ما دام المأمور باقيًا ولم يمض عليه "وقت يحصل له غلبة" الظن [بفواته] فيه، إما لمرض، أو لعلو السن وفاقًا، وهو / (١٥٠/ب) غير حاصل في حق إبليس، إما لأن الأصل عدمه، أو لأنه لو كان الذم والتوبيخ لذلك لوجب
стр. 874
ذكره دفعًا للتلبس، فإن ظاهره يدل على الذم بمجرد الترك لا على الترك بعد تضيق الوقت، وإذا كان كذلك لوجب أن لا يستحق الذم والتوبيخ إذ لم يتحقق الترك منه، ولأنه لو كان الذم والتوبيخ على الترك لكان لإبليس أن يقول: إنك أمرتني بالسجود وما أوجبته على في الحال، ولم يتحقق منى الترك فإني باق بعد ومتمكن من الإتيان به، فكيف استحق الذم عليه؟
وأجاب الإمام عنه: بأنه حكاية حال، فلعل ذلك الأمر كان مقرونًا بما يدل على أنه للفور.
وهو ضعيف، لأن ظاهره يدل على ترتب الذم بمجرد ترك المأمور به، فتخصيصه بأمر آخر غيره خلاف الظاهر.
وهذا وإن كان لازمًا على كل من يجيب بذلك الجواب عن الاستدلال المذكور، لكنه عليه ألزم، لأنه به أجاب عن هذا الجواب، لما اعترض به على استدلاله بهذا النص على أن الأمر للوجوب.
وأجاب بعضهم: بأنا لا نسلم أنه عاتبه على تركه في الحال بل إنما عاتبه لتجبره على آدم ﵇ يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾. ولإبائه واستكباره يدل عليه قوله تعالى: ﴿إلا إبليس أبي واستكبر﴾. وهو أيضًا ضعيف.
стр. 875
أما أولاً: فلأنه احتمال قادح في كون الأمر للوجوب، والكلام في أن مطلق الأمر هل يقتضي إيجاب المأمور به أم لا؟.
فرع كونه مقتضيًا إيجاب المأمور به فلا يسمع فيه ما يقدح في أصله.
وأما ثانيًا: فلأن الذم مستفاد من قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ وهو لا يدل إلا على أن منشأ الذم ترك السجود لا الإباء والتجبر، فإنه غير مذكور فيه.
والأولى أن يقال في جوابه: إن ذلك الأمر كان مقرونًا بما يدل على أنه للفور، بدليل قوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾. فإنه جعل الأمر بالسجود جزاء لشرط التسوية، والنفخ والجزاء يحصل عقيب الشرط، فلا يلزم من إفادة الأمر الفور لقرينة إفادته إياه من غير قرينة.
وثانيها: أنه لو قال السيد لعبده: اسقني الماء، فإنه يفهم منه تعجيل السقي حتى لو أخر العبد السقي، استحق الذم وقد عرفت فيما
стр. 876
سبق أن الإسناد إلى القرينة خلاف الأصل.
وجوابه: أن التعجيل مستفاد من قرينة عرفية، بدليل أنه لو أمره بما لا يعلم ولا يظن حاجته إليه على الفور لا بما يعلم أو يظن عدم حاجته إليه على الفور حتى بحال عدم حسن الذم فيه إلى / (١٥١/أ) القرينة، فإنه لا يحسن ذمه على التأخير، ولو ادعى حسن ذمه على التأخير في مطلق الأمر، بدليل أن السيد يعلل ذمه بأني أمرته بكذا فأخر، فإنا لا نسلم حسن ذلك.
ولو سلمناه: فمعارض بحسن اعتذار العبد، فإنه يحسن منه أن يقول: إنك أمرتني بالفعل، وما أمرتني به على الفور، ولا علمت ولا ظننت حاجتك إليه على الفور، حتى كان يجب على فعله على الفور، ثم تلك القرينة هي ما تعلم أن الظاهر من حال الإنسان أن لا يطلب الماء إلا عند احتياجه إليه.
وثالثها: أنه يجب على المأمور اعتقاد وجوب الفعل المأمور به على الفور بالإجماع، وهو إما موجبه أو من لوازم موجبه وعلى التقديرين يجب فعل المأمور به على الفور، أما على الأول فبالقياس عليه والجامع بينهما تحصيل المصلحة الناشئة من المسارعة، وأما على الثاني فبالطريق الأولي لكونه مقتضاه وهو من لوازم مقتضاه.
وجوابه: منع كونه من موجباته أو من لوازم موجباته، وهذا لأن وجوب
стр. 877
الاعتقاد على الفور "غير" مستفاد من اللفظ بل من العقل، فإن من ركب الله فيه العقل فنظر علم أن امتثال أوامر الله تعالى واجب وإن لم يحصل شيء من أوامره.
سلمناه: لكنه قياس في اللغة وهو ممنوع.
سلمناه: لكنه منقوض بما لو صرح بجواز التأخير، كما لو قال: افعل في أي وقت شئت وبجميع الواجبات الموسعة نحو النذور والكفارات، وبالخبر الصادر من الشارع فإنه يجب اعتقاد صدقه على الفور [ولا] يجب حصول الفعل المخبر عنه على الفور.
ورابعها: طريقة الاحتياط. وتقريرها: أنا أجمعنا على أن المبادر خارج عن عهدة التكليف، واختلفنا في المؤخر في أنه هل هو خارج أم لا؟ فالاحتياط يقتضي إيقاع الفعل عقيب الأمر ليحصل الخروج عن عهدة التكليف بيقين.
أجاب الإمام "عنه" بأنه منقوض بما لو قال: افعل في أي وقت شئت
стр. 878
وهو غير سديد، لأن طريقة الاحتياط ليست آتية فيه، إذ لا خلاف في المؤخر فيه، ولا خوف على تأخيره عن أول الوقت لصريح الإذن فيه.
وأجاب بعضهم: بأن الاحتياط في إتباع المكلف ظنه، فإن ظن الفور يجب [عليه] إتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه إتباعه، وإلا فبتقدير ظن التراخي لو أوقعه على الفور على خلاف ظنه، كان ذلك حرامًا لا احتياطًا، فلم يكن التعجيل احتياطًا مطلقًا.
وهو أيضًا ضعيف.
أما أولاً: فلاقتضائه أن لا يكون طريقة الاحتياط / (١٥١/ب) جارية باستقلالها في شيء من الصور، وهو خلاف الإجماع.
وأما ثانيًا: فلأنه لا يتأتي فيما لم يحصل الظن فيه بأحدهما والخصم قد ينصبها دليلاً فيه.
ولو أجيب عنه: بأن الاحتياط والحرام ليس من أمارات الوضع. كان ذلك حقًا لكن من المعلوم أن الخصم ليس يجعله دليلاً على أنه يفيد الفور بحسب الوضع، بل يجعله دليلاً شرعيًا على إفادته الفور.
والأولى: أن يجاب عنها بالمعارضة بالضرر الناشئ من الإيجاب على
стр. 879
الفور، فإن الأدلة النافية للضرر والحرج نافية له.
وخامسها: القياس على النهي، فإنه يقتضي الانتهاء على الفور بالاتفاق فكذا الأمر، والجامع ما سبق.
وجوابه: بمنع القياس في اللغة.
ولئن سلم: فبالفرق، وهو ما تقدم ونزيد هنا بأنه يفيد ذلك، لأنه يفيد التكرار، بخلاف الأمر فإنه لا يفيد التكرار على ما عرفت ذلك.
وسادسها: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، ثم النهي عنها يوجب الانتهاء عنها على الفور، وذلك لا يمكن إلا بالإقدام على المأمور به على الفور، وقد عرفت جوابه غير مرة فلا نعيده.
وسابعها: التمسك بقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾.
ووجه الاستدلال بهما أنه لا شك في أن المأمور به من الخيرات والاستباق والمسارعة إليه إنما هو بالتعجيل، فيكون تعجيل المأمور به واجبًا،
стр. 880
إذ الأمر للوجوب، وهو المطلوب.
وجوابه: بعض ما تقدم في الواجب الموسع.
وثامنها: لو جاز التأخير لجاز إما إلى بدل أو لا إلى بدل، والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل.
وتمام تقريره وجوابه، ما قد تقدم أيضًا في مسألة إثبات الواجب الموسع.
وتاسعها: لو جاز التأخير لجاز إما إلى غاية معينة، أو لا إلى غاية معينة، بل يجوز له التأخير أبدًا، والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز التأخير إلى غاية معينة، لأن تلك الغاية إما أن تكون معلومة للمكلف أو لا تكون معلومة له.
فإن كانت معلومة له، فإما أن يكون ذلك بتنصيص الشارع عليه بأن ينص على جواز التأخير إلى خمسة أيام مثلاً أو لضرب من النظر والقياس.
والأول باطل، لأنه خلاف المفروض، إذ المفروض في اقتضاء مطلق الأمر.
следующие страницы →